كلمة الرئيس السنيورة في افتتاح الدورة الاستثنائية للمجلس الاقتصادي والاجتماعي لجامعة الدول العربية على المستوى الوزاري

-A A +A
Print Friendly and PDF

 

معالي الأمين العام لجامعة الدول العربية

الأستاذ عمرو موسى،

معالي رئيس الدورة العادية (78) للمجلس الاقتصادي والاجتماعي الشيخ أحمد بن محمد آل خليفة،

أصحاب المعالي والسعادة،

أيها الإخوة والأخوات،

 

انه ليسعدني أن أفتتح معكم اليوم أعمال الدورة الاستثنائية للمجلس الاقتصادي والاجتماعي لجامعة الدول العربية على المستوى الوزاري. هذه الدورة التي تنعقد اليوم في لبنان خُصصت أعمالها للتداول في الآثار الناجمة عن العدوان الإسرائيلي عليه والدعم العربي المخصص لمساعدته في إعادة البناء وتأهيل اقتصاده ولتمكينه من تخطي النتائج المدمرة لسلسلة الاجتياحات والاحتلالات الإسرائيلية التي تحملها لبنان على مدى العقود الثلاثة الماضية.

 

إن حجم الخسائر البشرية والمعانات الإنسانية والأضرار المادية والاقتصادية التي نزلت ومازالت تنزل بلبنان كبير جداً. فقد دفع اللبنانيون ثمناً باهظاً في الأرواح والأرزاق نتيجة لهذه الحرب المدمرة، كما هجّر قرابة ربع سكان لبنان خلال فترة العدوان وهم ما زالوا يعانون حتى اليوم من آثار الحرب والدمار والتهجير. كما بلغت الخسائر الاقتصادية المباشرة وغير المباشرة مليارات الدولارات وحيث انتقل اقتصادنا من تقدير واقعي لنسبة نمو في الناتج المحلي للعام 2006 من حدود 6% إلى تقديرات تقدر نسبة الانخفاض في الناتج المحلي في حدود الخمسة بالمائة عما كان عليه في العام 2005.

 

إزاء هذه الكارثة الإنسانية والمادية والاقتصادية وأمام تداعياتها المستقبلية، بادرت الحكومة اللبنانية إلى تطوير خطة شاملة للخروج من هذه الأزمة كان من أهم بنودها وضع آلية فعالة لمساعدة أصحاب المساكن المدمرة والمتضررة من جرَاء العدوان الإسرائيلي في جميع المناطق اللبنانية وهي على وشك انجاز الآليات اللازمة من اجل وضع المعالجات الكفيلة بمساعدة المؤسسات الإنتاجية المدمرة والمتضررة من زراعية وصناعية وسياحية وتجارية كما واعتماد الحوافز ووضع الأدوات الفعالة من اجل إعادة تحريك عجلة الاقتصاد ومن خلاله إعادة إطلاق حركة النمو والتنمية في المناطق اللبنانية كافة من خلال برنامج متكامل للنهوض بالقطاع الخاص ومؤسساته سيتم الإعلان عنه خلال وقت قريب.

 

وغني عن القول أن المساعدات العربية التي تم الالتزام بها لتاريخه كانت الأداة الأساسية التي مكنتنا من السير في عملية التعويضات بهذه السرعة. إضافة إلى ذلك فقد قامت الدولة بعملية واسعة للسير قدما في إيجاد البدائل المؤقتة من جهة كما والعمل على البدء بإعادة بناء البنى التحتية التي دمرتها إسرائيل من طرق وجسور وشبكات اتصالات تلفونية وكهربائية ومائية إضافة إلى مدارج وتجهيزات مطار رفيق الحريري الدولي بما يكفل تسيير عجلة التواصل والاتصال ويزيل الاختناقات التي قصدت إسرائيل من خلالها أن تركِّع الاقتصاد اللبناني وتُقطِّع أوصاله وتقذفه أكثر من عقد إلى الوراء. لذلك وعلى أساس الجهود المبذولة والدعم الذي حصلنا عليه فقط تمكنا وفي اقل من شهرين بعد انتهاء العمليات العسكرية من إيجاد بدائل أو إصلاح جزء هام مما دمر وهو انجاز قياسي بالنسبة لإمكاناتنا المحدودة والظروف الصعبة التي نمر بها شهدت به منظمة الأمم المتحدة وفرقها العاملة في لبنان.

 

أيها الإخوة والأخوات،

 

لا يسعني بهذه المناسبة الكريمة إلا أن أنوّه بالجهود الحثيثة التي تبذلها جامعة الدول العربية، وعلى رأسها معالي الصديق الأستاذ عمرو موسى، لدعم لبنان في مواجهة كل التحديات السياسية والدبلوماسية وتلك التي تفرضها مرحلة الإعمار هذه، وإني أثمن عالياً وقفة الدول العربية كافة إلى جانب لبنان منذ اليوم الأول للاعتداءات الإسرائيلية عليه وعزمها الأكيد على الإسهام الجدي في محو العدوان الغاشم ومساعدة لبنان على الانطلاق نحو المستقبل بإمكانات أفضل وعزيمة أكبر.

 

أيها الأشقاء الأعزاء،

 

مع تأكيدي على اعتزازي بما نسمعه من جميع أشقائنا من استعداد جدّي للوقوف مع لبنان.

 

اسمحوا لي مرة أخرى أن اكرر على مسامعكم أن دقة الوضع الذي نعيش وصعوبة المرحلة التي وصل إليها لبنان بعد الحرب الهمجية الأخيرة التي شنتها إسرائيل عليه وتراكمات الآثار الماضية لسلسة الاجتياحات والاحتلالات الماضية والحروب الداخلية المدمرة، تحتم علينا أن نتحرك بسرعة لإنقاذ الاقتصاد اللبناني من الوهدة التي أسقطه العدوان الإسرائيلي الأخير فيها وتعزيز قدرته على إعادة البناء والنهوض اعتماداً على إرادة اللبنانيين الجامعة واستناداً إلى الموقف العربي الداعم للبنان سياسياً ومادياً ومعنوياً. إن ثقتكم بلبنان وبمستقبله الواعد هي الحجر الأساس التي ستمكننا من العبور إلى بر الأمان. فقلب لبنان ينبض بالحياة وبالأمل عندما يزوره أشقاؤه العرب، وعندما يستثمرون فيه، وعندما يدعمون إعادة بناء بناه التحتية وعندما يدعمون قطاعه الخاص الذي هو شريانه الحيوي. إنني على ثقة أنكم ستكونوا مع لبنان ومع اللّبنانيين كما عهدناكم دائماً خير سند وخير مؤازر. إننا ولا شك نقدر وننحني أمام كل رسائل التأييد التي يعبر عنها أشقاؤنا العرب من كل مكان بشأن إكبار صمود لبنان واللبنانيين وبنجاحنا في منع إسرائيل من الانتصار وليس ذلك بالأمر القليل ولكننا وإزاء ما وقع فينا من دمار وخسائر نريد من جميع أشقائنا المزيد من الدعم المتجدد والملموس والذي يجب أن يشمل كافة احتياجات القطاعين العام والخاص لنتمكن حقيقة من الصمود ومن تخطي هذه المحنة المستمرة والمتفاقمة منذ ثلاثة عقود ونثبت بذلك لأنفسنا وللعالم أجمع أن إسرائيل لم تستطع ولن تستطيع كسر إرادة العرب وإثبات حقهم في أن يكون لهم مستقبل عربي مشرق ومزدهر. فليكن هذا المؤتمر الكلمة الفصل التي ستتخذ على أساسها إجراءات عملية لمساعدة لبنان لاسيما عبر تبنيكم للمقترحات اللبنانية في مجال إعادة تأهيل الاقتصاد اللبناني التي تضمنتها هذه الورقة وتقديم التمويل اللازم لإعادة اعماره وإعادة بناء بناه التحتية وتعزيز الثقة في مستقبل اقتصاده ومن بينها ما هو مبين في الوثيقة اللبنانية التي أعدت لهذه المناسبة والتي تم عرضها وتوزيعها خلال اجتماع كبار المسؤولين بالأمس.

 

أيها الحضور الكريم،

 

إن بعضاً من أشكال الدعم التي يعول عليها لبنان تتركز في فتح الأسواق العربية في وجه المنتجات اللبنانية إذ تشكل الصادرات اللبنانية إلى العالم العربي أكثر من 50% من حجم صادراته. إن ذلك يعني تسهيل حقيقي في إجراءات العبور والنقل وغيرها من التسهيلات كإزالة كافة العوائق غير الجمركية التي نصت عليها اتفاقية منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى والتي نأمل أن تكون الخطوة الأولى في سبيل تحقيق سوق عربية مشتركة على غرار المثال الأوروبي أو الخليجي في هذا الإطار والتي برهنت على أنها السبيل الأفعل لتطوير المجتمعات العربية وتقدمها اقتصادياً واجتماعياً. ويجب أن لا ننسى في خضم اهتماماتنا هذه أن عملية تحرير الخدمات في ما بيننا هي من الأهمية بمكان لما لها من تأثير على خلق فرص عمل جديدة والمساهمة الفعلية في الوصول نحو إنشاء سوق عربية مشتركة.

 

أيها السيدات والسادة،

 

أعود وأكرر شكري وامتناني لكل من ساهم وساعد ومد يد العون إلى لبنان في محنته. واسمحوا لي بأن اشكر كل الدول العربية حكومات وشعوباً ومنظمات أهلية التي بادرت إلى مساعدة اللبنانيين وما زالت. ونحن نعول كثيراً على وقفتكم معنا واستنهاضكم لكل إمكانات دولكم ومجتمعاتكم حتى ننهض بلبنان الذي فرضت عليه حرب همجية مدمرة كان لبنان فيها في الواجهة بينما كان المقصود بها الأمة العربية جمعاء. إننا نعول على مشاركتكم الفاعلة في المؤتمر العربي والدولي لدعم لبنان التي سيعقد في النصف الثاني من كانون الثاني القادم في باريس من اجل مساعدة اللبنانيين على تحقيق حلمهم في بلد عربي حر ومزدهر. لقد آن الأوان لكي نقف جميعا وقفة رجل واحد في مواجهة التحدي الإسرائيلي لهذه الأمة وآن الأوان لنعمل معا لتذليل كل الصعاب والعقبات. لتكن أياديكم الخيرة بلسماً شافياً لجراح اللبنانيين العميقة.

 

أجدد ترحيبي بكم في بلدكم لبنان، متمنياً أن تتكلل اجتماعاتكم بالنجاح وأنا على ثقة أن لبنان وبفضل همة أبنائه ودعم أشقائه سيعود مركزاً اقتصادياً مرموقاً ونابضا بالحياة وقبلة لكل محبيه. عاش التضامن العربي عشتم وعاش لبنان.

 

السراي الكبير

الثلاثاء في 17 تشرين الأول 2006

 

                                رئيـس مجلـس الـوزراء

                                فـؤاد السـنيورة

تاريخ الخطاب: 
17/10/2006