كلمة دولة رئيس مجلس الوزراء الأستاذ فؤاد السنيورة في الاحتفال بذكرى الشيخ صبحي الصالح

-A A +A
Print Friendly and PDF

أُسرةَ العلاّمة الشهيد الشيخ صبحي الصالح،

أيها الحفل الكريم،

 

ما درسْتُ على يد الشيخ صبحي الصالح، لكنني اطّلعْتُ على بعض مؤلّفاته واستمعتُ إلى عددٍ من محاضراته فيما بعد، وفي النَدوةِ اللبنانية وخارجَها. وكان والدي رحمه الله شديدَ التقدير له مؤلّفاً ومحاضراً ومتحدّثاً في المناسبات وباللغتين العربيةِ والفرنسيّة. وفي إحدى المناسبات أواخرَ السبعينات من القرن الماضي سمعتُ أن أحد الحاضرين سألَهُ فجأةً: لماذا احتفظْتَ بعمامتِك وزِيِّك الديني بعد عودتِك من السوربون؟ وبدلاً من أن يجيبَه: لأنَّ العمائمَ تيجانُ العرب أو لأنني اعتدْتُ عليها، أجابَ دون تفكيرٍ كثير: لأنَّ العِمامةَ شعارُ الإسلام، ولأنّ لهذه العمامة كرامةً أحسستُ أنّ الله سبحانه اختصَّني بها إلى جانب هذه القِلّة من أهل العلمِ الشريف ورجالاتِه، أَلَمْ تسْمعْ قولَ رسول الله صلواتُ الله وسلامُهُ عليه: يحملُ هذا الِعلمَ من كلِّ خَلَفٍ عُدُولُه، ينفُون عنه تأويلَ الغالين، وتحريفَ المبطلين؟!

 

هكذا كان الشيخُ الصالح، الصالحُ قولاً وفعلاً وممارسةً نموذجاً لرجل الدين المؤمن والمسلم، الذي يقدّرُ التقاليدَ العريقةَ حقَّ قدْرِها، ويؤسِّسُ عليها فكراً جديداً يستمدُّ من الروح السمْحةِ للإسلام مصادر قوتهِ وتلاؤمِهِ في الزمان والمكان. ولذلك اجتمع في شخصه في تآلُفٍ رائع: اطمئنانُ المؤمن بدينه وأمتِه، وعملُ المفكِّر المتملِّك لمناهج المعاصرةِ وأدواتِها من أجل الأجيال الطالعة، والتي أعرفُ كثيرين من زملائه وتلامذتِه كانوا يعتبرونه قُدوةً في مجالِ الانفتاحِ والاعتدالِ في الدعوة والسلوك، وفي مجالِ المشاركة الفاعلة في الامتزاج الوطني، والعيش في العالَمِ ومعه.

 

لقد بدا ذلك كلُّه جلياً وواضحاً في مشاركته منذ أواسط الستينات في أعمال ندوات ومؤتمراتِ الحوار الإسلامي- المسيحي، وفي وُرَشِ العملِ الوطني من أجل التطوير، وعملياتِ صُنْعِ المستقبلِ الآخَرِ للبنانَ وللمنطقة العربية. وقد اطلعت على كتابِهِ في قضايا المرأة، فَخَبَرْتُ فيه الاجتهادَ النيِّرَ الذي يرى أنّ المشكلةَ هنا لا تكمُنُ في ضيقِ النصوص أو سَعَتِها، أو في عنَت التقاليدِ أو سماحتِها، بل في أنّ الناسَ- وبينهم فقهاء وعلماء- غلَّبوا في الكثير من الأحيانِ العُرفَ على النصِّ أو فسَّروهُ به. وبذلك فإنّ مشكلاتِ المرأة المسلمة في الكثير من الأحيان هي مُشكلاتٌ اجتماعيةٌ، وليست مُشكلاتٍ دينية.

 

وهناك جانبٌ في عملِه الإسلامي بلبنان، قليلاً ما التفت إليه الذين تحدّثوا عنه وعن آثارِه، ويتمثلُ في عمله الطويل في المجلس الشرعيِّ الإسلاميِّ الأعلى، وفتاواهُ واجتهاداتِه القانونية في لجان المجلس. ويعرفُ أبناءُ الجيل السابق للشيخ الصالح أنه كان بين أوائل الذين فكّروا بإنشاء بيت مالِ المسلمين أو صناديق الزكاة، لتأدية الفريضة، وللتصدي للمشكلات الاجتماعية في زمن الحرب.

 

أيها السادة،

أيها الإخوة،

 

... والشيخُ الجليلُ الشهيد ليس داعيةَ اجتهادٍ فقط، وليس رجلَ عملٍ وطنيٍ وإسلامي عامٍ فقط، بل هو قبل ذلك وبعده أكاديميٌّ كبيرٌ، مارس التدريسَ والتأليفَ العلميَّ على مدى ثلاثة عقود، وترك آثاراً كبيرةً في الدراسات الإسلامية تحقيقاً وتأليفاً وتطويراً، بجامعة دمشق، وبجامعة بغداد، وبالجامعة اللبنانية في بيروت. فكتابُهُ في فقه اللغة العربية ما يزال مَعيناً للدارسين أساتذةً وطلاباً. وقد أطلَّ فيه للمرة الأولى في البحوث العربية على الدراسات اللسانية، التي أفاد منها شبابُ الدارسين منذ السبعينات من القرن الماضي، وما يزالون. وكتابُهُ في علوم القرآن، ما يزالُ حاضراً في الدراسات القرآنية في سائر الجامعات العربية والإسلامية. وكذلك كتابُهُ في علومِ الحديث النبويِّ ومصطلحِه. وفضلاً عن ذلك يعرفُ له جيلُ السبعينات والثمانينات إسهامَهُ إلى جانب العلاّمة الشيخ عبد الله العلايلي في دراساتِ المعاجم الحديثة وعلومِها.

 

أيها الإخوة،

أيها السادةُ الأفاضل،

 

ذَكَرَ لي أحدُ الذين كانوا يحضُرون مجالس الرئيس المرحوم تقي الدين الصُلح أنه كان يعتبر الشيخ الدكتور صبحي الصالح واحداً بين تسعةٍ من رجال العلم المسلمين، الذين تَركوا آثاراً باقيةً في الحياة الإسلامية والوطنية والعربية بلبنان في النصف الثاني من القرن العشرين، وهم: المفتي الشيخ نديم الجسر، والمفتي الشيخ حسن خالد، والإمام السيد موسى الصدر، والشيخ الدكتور صبحي الصالح، والدكتور عمر فروخ، وسماحة الشيخ محمد مهدي شمس الدين، والدكتور صبحي المحمصاني، والشيخ عبد الله العلايلي، والعلاّمة السيد محمد حسين فضل الله أطال الله عُمُرَه. وليس من المصادفة في شيءٍ أنّ هؤلاء جميعاً وبدون استثناء تميّزوا بمواقفهم ضدَّ الفتنة والحرب والانقسام الداخلي. فالعالِمُ المسلمُ الذي يقرأُ كلَّ يومٍ في كتاب الله: "مَنْ قتل نفساً بغير نفسٍ أو فسادٍ في الأرض فكأنما قتل الناسَ جميعاً"، ويقرأ: "واتقوا فتنةً لا تُصيبنَّ الذين ظلموا منكم خاصّة، واعلموا أنَّ اللهَ شديدُ العقاب"، يندفعُ بكلِّ ما أوتي من إيمانٍ وعزيمةٍ لمصارعةِ التفرقة والفتنةِ ودُعاتِهما، وللضرب ببيانِهِ وعملِهِ على أيدي المفسدين في الأرض. ولذلك فقد عانى علماؤنا الكبار، وأحبارُ المسيحية العربية والشرقية الأجلاّء الكثيرَ الكثيرَ مع سائر اللبنانيين من أهوال الحربِ والنزاع، واتّخذ الله سبحانه من بينهم شهداء، ومنهم صبحي الصالح، أداءً لأمانة الكلمة، وشهادة الدعوة والعملِ السلميِّ والمدنيِّ والوطني المسؤول. وأنا على ثقةٍ، ثقةِ المؤمنِ بربِّه ووطنِه، أنّ الله سبحانه يمهلُ ولا يُهْمل، وأنّ اللبنانيين الذين عرفوا الكثيرَ من الخضّاتِ والانقسامات والمؤامرات وعانوا من وبلاتها لا ينسَون علماءَهم، ولا ينسَون شهداءَهُم، ولا ينسَون شهداءَ الوداعة والوطنية والسلام.

 

لقد انقضَت علينا زُهاءَ الثلاثة عقودٍ وأكثر، ونحن نفتتح كلماتِنا ونختِمُها بالقول إنّ البلادَ تمرُّ بظروفٍ دقيقة. لكنّ الواقعَ فعلاً وبعد الحرب الإسرائيلية في تموز، وآثارِها على الإنسان والعمران وفي ظلّ الأجواء السياسية المتوتّرة، أنّ البلاد تمرُّ حقيقة بظروفٍ دقيقةٍ ودقيقةٍ جداً. لا بُدَّ من الانتباه أخيراً إلى أنّ الأوضاعَ على مستوى الوطن والأمة، تتطلب نهجاً واعياً للرؤية، وللسياسات والتصرفات. نحن في لبنان محتاجون إلى استقرارٍ يمكّنُ اللبنانيين من إعادة الإعمار ويمكن اشقاهم واصدقاءهم من مساعدة لبنان واللبنانيين، ويمكّنُ هذا جميعاً من بعث الأمل في نفوس اللبنانيين شباباً وشابات، بالمستقبل الواعد والزاهر، والمستند إلى كفاءتهم وعملِهِمْ وإنتاجهم، ويَقَظةِ نُخبِهم السياسية وإحساسِها العالي بالمسؤولية. أمّا المشهدُ الآخَرُ الذي يريدُ لنا البعضُ السيرَ فيه فأخشى أنه لا يبعثُ على الخير ولا على الأمل، ويعيدُ لبنانَ ساحةً لصراعات الآخرين وهذا ما لا تريده حقاً الغالبية الساحقة من اللبنانيين. لذا فإننا سنظلُّ نعملُ إيماناً بالله وبالوطن وباسم تلك الاجيال الشابة من ابنائنا المتطلعين للمشاركة بندية وبقوة في مسيرة إستعادة دور فاعل للبنان في محيطه وفي العالم، من اجل التقدم في الاتجاه الذي اعتقدْنا دائماً أنه يصونُ ذكرى شهداء الوطن وعملِهِمْ من أجل سلامِ لبنانَ وحريته واستقراره، وعزّةِ الأمة العربية وكرامتها، واستقرارِ اللبنانيين وأمنهمْ وتَوافُقهمْ وعيشهم المشترك.

 

أيها الإخوة،

أيها اللبنانيون،

 

من أجل ذلك كلِّهِ لن ننسى شهادةَ الرئيس رفيق الحريري، شهادتُهُ لنا وللبنان، وشهادتُه للسلام والتوافُق والنهوض والأمل، وشهادتُهُ على المجرمين ودُعاةِ الفتنة والدمِ وعُشّاقِهِما. سنظلُّ نعملُ وفاءً للشهداء، ونعملُ لكي لا يستمرَّ مسلسلُ الاغتيالات، ومسلسلُ الاضطرابات الداخلية. إننا مصرُّون على تقديم الذين قتلوا رفيقَ الحريري إلى العدالة التي لا نريد شيئاً سواها في هذا الخصوص. العدالة التي تُعاقبُ القَتَلة، وتردعُهم عن الاستمرار في غيِّهمْ وإجرامهمْ وتُطمْئنُ اللبنانيين إلى أمنهم ومستقبلِ أطفالِهِمْ ووطنهم، واللهُ على ما نقولُ شهيد.

 

رحم الله الشيخ صبحي الصالح رجل العلم والإيمان.

 

رحم الله الشيخ صبحي الصالح رجل الوطنية والسلام.

 

رحم الله الشيخ صبحي الصالح الأكاديمي الكبير، والخطيب الفذّ، والمثقف البارز.

 

عاش تضامنكم، عاشت صلابتُكُم، عاش نضالُكُم، عشتم، وعاش لبنان.

 

الاونيسكو- بيروت

الجمعة في 3 تشرين الثاني 2006

 

                                  رئيـس مجلـس الـوزراء

                                  فـؤاد السـنيورة

تاريخ الخطاب: 
03/11/2006