مقابلة صحفية لدولة رئيس مجلس الوزراء فؤاد السنيورة مع Skynews

س.دولة الرئيس، يعيش لبنان أزمة سياسية والعالم كله يشاهدكم اليوم. ما حجم هذا التحدي؟
ج. لا شك في وجود تحدي كبير ولا شك أن الوضع يتطلب منا إيجاد الحل المناسب. لكن لا بد من التأكيد على أن الحكومة التي أترأسها هي حكومة دستورية على الرغم من استقالة الوزراء الشيعة. فالدستور واضح في هذا الإطار حيث ينص على أن الحكومة تعتبر مستقيلة عندما يستقيل أكثر من ثلث وزرائها. لو أراد المشرعون أن يعتبروا الحكومة مستقيلة في حال استقال ثلث وزرائها لوضحوا ذلك في الدستور. لذلك، يعتبر القرار الذي اتخذته الحكومة دستورياً وقانونياً وشرعياً في الوقت نفسه. في الواقع، أعلن الوزراء كلهم أنهم يدعمون المحكمة الدولية من أجل مقاضاة المسؤولين عن ارتكاب جريمة اغتيال الرئيس الحريري. نحن لم نوافق على استقالة الوزراء الخمسة؛ ووفقاً للدستور اللبناني، لا يمكن تعيين وزير من دون مرسوم يوقع عليه رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ولا يمكن أن يستقيل وزير من إصدار مرسوم يوقع عليه الرئيسان معاًً. صحيح أننا نواجه أزمة لا بد من حلها عبر السياسة التي اعتمدناها حتى الآن أي الحفاظ على الوحدة الوطنية والتقرب من كافة الأطراف والطوائف في البلد. واتسمت الحكومة التي أترأسها باتخاذ كافة القرارات بالإجماع لأننا نؤمن بذلك. القرار الوحيد الذي اتخذ بالأغلبية الوزراء وليس بالإجماع كان الموافقة على المحكمة الدولية في 12 كانون الأول 2005. نحتاج حلاً يعتمد على المقاربة التي اعتمدناها في حكومتنا خلال تعاملنا مع المجموعات المختلفة في الحكومة والمجتمع اللبناني. وسنستمر بذلك لاحتواء الوضع.
س.لقد استقال ربع وزراء الحكومة، ويشكك الرئيس اللبناني بشرعية حكومتكم، ويوجد حزب مسلح في البلاد يقول إن الحكومة يجب أن تسقط. إلى متى يمكنكم الاستمرار على هذه الحال؟
ج. لا يجب أن ننظر إلى هذا الوضع من وجهة نظر وقتية وحسب. لبنان يخرج من وضع دام لأكثر من 30 عاماً عانينا خلالها من الحرب الأهلية والاجتياحات الإسرائيلية والاحتلال الإسرائيلي والوصاية السورية وفرض تمديد ولاية الرئيس لحود خلافاً للدستور الذي تم تعديله لهذه الغاية ورغم إرادة الشعب. وهذه أمور لا يعرفها الجميع. هذه أول مرة يُسمح فيها للبنان إرسال الجيش اللبناني إلى الجنوب بعد 35 عاماً. ينبغي أن نعي أن لبنان مرّ ويمرّ في أوقات صعبة وغير طبيعية ويجب أن نواجه هذا الوضع الصعب. لقد عانى لبنان خلال 30 عاماً من 7 اجتياحات إسرائيلية والاحتلال الطويل. ويجب أن نعي ما يعني ذلك. يتطلب هذا الوضع وجود حكومة قادرة على إيجاد حل للمشكلة والحفاظ على الوحدة الوطنية. وهو أمر حققته هذه الحكومة، فقد تمكنت من مواجهة ضغوط الاجتياح الإسرائيلي، وخير دليل على ذلك هو الدعم الذي حصدته من اللبنانيين والعرب والعالم الذين عبروا عن تقديرهم للقيادة الحكيمة في الحكومة التي استطاعت مواجهة الضغوط والاجتياح الإسرائيلي. يجب أن نتفهم أن لبنان يمر بأوقات صعبة ويواجه ضغوطاً خارجية، وننحن نحاول إنقاذ لبنان لكي لا يصبح ساحة لصراعات الأمور ونريد المحافظة على الوحدة الوطنية على الرغم من كل الضغوط للخروج من هذا الوضع. أنا لا أستخف بخطورة الوضع لكني أريد التأكيد على أننا لا نأل جهداً لإيجاد حل وأنا على ثقة أن اللبنانيين يتفهمون الوضع وأهمية التأكيد على استقلال لبنان وسيادته وضرورة بسط سيطرة الحكومة على كافة أراضيها.
س. ما هي المخاطر التي يواجهها اللبنانيون في حال فشلت محاولاتكم؟
ج. تؤكد كل المجموعات في لبنان على استعدادها للنزول إلى الشارع لدعم مواقفها. نحن نريد أمرين: احترام حقوق اللبنانيين والنظام والقوانين والسلامة والأمن وحق التحرك من دون أي قيود وحماية أموالهم وحق كل اللبنانيين بالتعبير عن آرائهم من دون قيد أو شرط. هذه هي سياستنا، لكن الجميع يعون مخاطر النزول إلى الشارع بسبب احتمال وجود متسللين يحاولون دفع لبنان إلى الفوضى. الاقتصاد اللبناني لن يتحمل ذلك مما يصعب الخروج من هذا المأزق وخصوصاً مع اقتراب موعد عقد المؤتمر الدولي لدعم لبنان. لقد عانى لبنان من 30 عاماً من الحروب والاحتلال والوجود السوري، وكل ذلك أنهك الاقتصاد اللبناني حيث ارتفعت الديون اللبنانية إلى أكثر 40 مليار دولار أميركي. عام 75، كان الدخل الفردي في لبنان ضعف ما هو عليه في قبرص ولم يكن هناك أي ديون؛ أما اليوم فقد أصبح الدخل الفردي في لبنان بعد 30 عاماً من المعاناة ربع ما هو عليه في قبرص ووصل الدين إلى 40 مليار دولار.
س. هل تثق بأنك ستبقى في السلطة حتى إيجاد حل للوضع؟
ج. أنا أثق بمبادئنا. ما دمت رئيس وزراء لبنان سأبقى أثق بهذه المبادئ وسأسير في هذا الاتجاه طالما أحظى بدعم أغلبية النواب الذين أعطوا ثقتهم للحكومة. ففي كل بلد ديمقراطي، يوجد برلمان ونحن بلد ديمقراطي يريد حماية نظامه الديمقراطي. وحكومتي تتمتع اليوم بدعم 71 صوتاً من أصل 128 في البرلمان اللبناني.
س. لكن أيمكنكم البقاء في السلطة مع غياب الوزراء الشيعة؟
ج. لا أقول إن الوضع الحالي هو وضع طبيعي لكن ما تقوله يحول النظام في البلاد إلى كونفدرالية الطوائف. لقد اعتبر المشرعون أن الحكومة لا تعتبر مستقيلة إلا في حال استقال أكثر من ثلث وزرائها. وإلا في حال قررت كل مجموعة طائفية الاستقالة لإسقاط الحكومة فستحاول الطوائف الأخرى الأمر نفسه. وعندها لن يكون النظام برلماني بل كونفدرالي. لا أستخف بالمشكلة الحالية لكني لا أريد نقل لبنان من مجموعة مشكلات لا بد من حلها إلى مجموعة مشكلات أعمق منها. وأنا أردت توضيح ذلك للجميع.
س. يشعر اللبنانيون اليوم بالخوف من اندلاع حرب أهلية أو تحول لبنان إلى دولة إسلامية، ما رأيك بذلك؟
ج. صحيح أن الشعب اللبناني يشعر بالقلق لكننا نحاول مع رئيس مجلس النواب وغيره أن نتجنب جرّ لبنان إلى وضع لا يمكن السيطرة عليه. وأضيف هنا أنه رغم أني مسلم، لا أؤيد قيام دولة إسلامية في لبنان. أنا فخور بديني وبهذا التنوع الطائفي في لبنان بديمقراطيتنا واحترامنا للآخر. لبنان هو مثال للتعايش المشترك. وعلى الرغم من حجمه الصغير، يوجد في لبنان هذا العدد من الطوائف وهو مهم جداً في هذا الجزء من العالم لنبرهن أن الحوار ما بين الأديان يمكن أن ينجح. وأنا أظن أن تحويل لبنان إلى دولة إسلامية سيكون غلطة فادحة ولن يحصل ذلك أبداً. يوجد الكثير من اللبنانيين يعارضون هذه الفكرة وهذا ليس في صالح لبنان أو العالم العربي أو حتى العالم الإسلامي.
س. ماذا يمكن أن يفعل أصدقاء لبنان لمساعدته؟ لقد سمعنا مؤخراً تصريح طوني بلير حول إجراء حوار في الشرق الأوسط، ما رأيك؟
ج. لقد تحدثنا عن المواضيع الثانوية ولم نتطرق إلى الموضوع الرئيسي أي الاحتلال الإسرائيلي الذي يعتبر أصل المشكلة في المنطقة. لقد احتلت إسرائيل لبنان منذ العام 78 وما زالت تحتل جزءاً منه حتى الآن، فمزارع شبعا هي أرض لبنانية. ماذا تفعل إسرائيل في شبعا؟ إسرائيل مسؤولة عن استمرار المشاكل في لبنان؛ ففي عام 82، اجتاحت إسرائيل لبنان بحجة القضاء على منظمة التحرير الفلسطينية. فشلت في ذيلك وزرعت بذور حزب الله. لقد حقق حزب الله إنجازاً عظيماً عام 2000 لكن إسرائيل استمرت باحتلال مزارع شبعا. وعادت إسرائيل لتجتاح لبنان مؤخراً لكن الحكومة اللبنانية تمكنت من إجبارها على الانسحاب من الأراضي التي احتلتها مؤخراً. ورغم ذلك، تستمر الطائرات الإسرائيلية بانتهاك الأجواء اللبنانية مما يتعارض مع القرار 1701 وبقيت تحتل مزارع شبعا حتى الآن. ماذا يمكن للدول الصديقة أن تفعل لمساعدة لبنان؟ لقد تحدثت مع السيد طوني بلير حول هذه المشكلة في اتصال معه وأخبرته أن ما يجب فعله هو البدء بوقف هذه الانتهاكات التي تؤثر على الجميع بما في ذلك قوات اليونفيل. فهذا يضرهم لأن قوات اليونفيل موجودة لحماية لبنان والطائرات الإسرائيلية تنتهك أجواءنا. يجب وضع حد لهذه الانتهاكات، وينبغي أن تنسحب إسرائيل من مزارع شبعا ونحن طلبنا وضع هذه المزارع تحت وصاية الأمم المتحدة. وإذا أرادت المملكة المتحدة مساعدتنا وتحقيق الاستقرار وإيجاد حل فعلي للوضع في هذا الجزء من العالم وفي العالمين العربي والإسلامي وخصوصاً في العراق، لا بد من ممارسة ضغوط للعودة إلى محادثات السلام من أجل إيجاد حل شامل وعادل للصراع العربي/الإسرائيلي. فالمشكلة الفلسطينية والصراع العربي/الإسرائيلي متجذر في ضمائر كل العرب والمسلمين عبر العالم. فمسلمو العالم يشعرون بالإذلال كل يوم عندما يتجاهل العالم ما يحصل في القدس وما يعانيه الشعب الفلسطيني.
س. يدعي البعض أنكم تستخدمون هذه المشكلة لصرف الأنظار عن المشكلة الحقيقية، ما تعليقك؟
ج. على الإطلاق، لطالما كان هذا هو موقفي حتى قبل هذه الأزمة.
س. قال السيد بلير إنه من الضروري إشراك سوريا وإيران في المحادثات، ما رأيك؟
ج. لا يمكن لأحد أن يتجاهل أحد سوريا وإيران، فهما جزء لا يتجزأ من المنطقة ولا بد من التحاور معهما على أساس احترامهما سيادة لبنان ليكونا جزءاً من الحل وليس طرفاً في المشكلة. لا أحاول صرف انتباه أحد فلطالما كان هذا موقفي من قبل هذه الأزمة وحتى قبل الحرب الأخيرة. لقد قلت لقادة العالم إن المنطقة تعاني من مشكلة أساسية هي الصراع الفلسطيني/الإسرائيلي لأنها تشكل جذور المشكلة في منطقتنا ولا بد من حلها. إن إنها حلقة مفرغة، والمشكلة تتفاقم يوماً بعد يوم وكلما أسرعنا في حلها كلما كان ذلك أفضل. تعتبر المبادرة التي تقدمت بها فرنسا وإسبانيا وإيطاليا جيدة حتى لو كانت متأخرة. قد يساعدنا ذلك على البدء بمحادثات سلام فعلية تسمح لنا بمواجهة المشكلة الفلسطينية. هناك اتفاقات سلام بين مصر وإسرائيل والأردن وإسرائيل، لكنه سلام بارد لأن المشكلة الحقيقية لم تحل. فالمشكلة الفلسطينية هي المشكلة الأساسية ولا بد من حلها.
س. نحن نعرف ما جرى للرئيس الحريري وغيره من القادة. ما هو شعورك وأنت تعيش تحت هذا النوع من الضغط؟
ج. يعرف الجميع أن الرئيس رفيق الحريري كان صديقاً مقرباً لي منذ الطفولة. نحن من المدينة نفسها وبدأنا العمل السياسي عندما كنا شابين. كان الرئيس الحريري من أهم رؤساء الوزراء في لبنان وهو فريد من نوعه في تاريخ لبنان. إن المحكمة الدولية ليست فقط لمقاضاة المسؤولين عن جريمة اغتيال الرئيس الحريري وهو أحد أهدافنا لكن الهدف الرئيس هو وضع حد لهؤلاء المجرمين. لبنان هو من البلدان التي يوجد فيها أعلى نسبة من الاغتيالات السياسية.
س. أتخشى على حياتك؟
ج. أنا رجل مؤمن وأعرف أنه إن كان هذا مصيري فلن يمنعه شيء. وأنا سأواجه مصيري مهما جرى. أنا أؤمن بما أفعله وأشعر بالصفاء والهدوء لأني مؤمن بأن ما أقوم بلده هو لصالح لبنان ومستقبله وكل من ضحى بحياته لاستقلال بلادي وسيادته. وسوف أستمر بسلوك هذا الدرب لأن أؤمن بأهمية ما أفعله.
