كلمة دولة رئيس مجلس الوزراء الأستاذ فؤاد السنيورة بمناسبة يوم فلسطين

-A A +A
Print Friendly and PDF

 

السيدة ميرفت تلاوي،

الإخوة الحضور،

 

يومُ فلسطين في الاسكوا، لحقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف، صار مناسبةً ننتظرُها جميعاً لتبادُل الرأْي، ولمراجعة السياسات الدولية والإقليمية بخصوص قضيةِ العرب الأولى التي كانت وما تزالُ أصلَ المشكلات في المنطقة العربية في الأزمنة الحديثة.

 

كانت المسألةُ الفلسطينية خلال السنوات الست الماضية ملتهبةً من جانبين: جانب المعاناة الهائلة للشعب الفلسطيني بسبب الاحتلال والعدوان اليومي، وقتل الإنسان، وتخريب العمران. وجانب غياب مشروعات الحلول الشاملة تطبيقاً للقرارات الدولية ذات الصِلَة، بل وغياب التهدئة الجزئية من خلال اللجنة الرُباعية وخارطة الطريق وما شابه من مبادرات. أمّا هذا العام فيأتي يومُ فلسطين في الأسكوا وقد ازداد اشتعالُ النار في فلسطين، وتعاظَمَ اللَهَبُ وامتدّ، بحيث أقدمت إسرائيل على محاولةٍ جديدةٍ لإحراق لبنان، كما فعلت وتفعلُ بغزّةَ والضَفّة والقُدس منذ عقودٍ وعقود.

 

 

 

 

أيتها السيدات،

أيها السادة،

 

إنّ المشهدَ السائدَ في المنطقة، في فلسطين، ومن حولِ فلسطين، يبعثُ على الكثير من التشاؤم والهمّ. فخلالَ الشهور الثمانية الماضية، وعلى أثَر خطف جنديٍ إسرائيليٍ في غزة، وجنديين على حدود لبنان، انطلقت الآلةُ الحربيةُ الإسرائيلية فقتلت ما يُناهزُ الألفين في غزة ولبنان، نصفُهم من الأطفال والنساء والشيوخ، وهجرت مئات الآلاف، ودمّرت عشرات ألوف المنازل، والبُنى الأساسية، وتهدَّدتْ البنيةَ الاقتصاديةَ بالتصدُّع، فضلاً عن  التسبُّب في ضرب الأملِ بالحاضر والمستقبل، وتضخُّم المُشكلات السياسية والاجتماعية والاقتصادية وتعقُّد الحلول.

 

على مدى العقود الماضية شنّت إسرائيلُ عشرات الحروب الكبيرة والصغيرة على الشعب الفلسطيني، وعلى الشعوب العربية الأخرى، وما استطاعت أن تُخضع أحداً أو تكسِرَ إرادتَه، ولا استطاعت تحقيقَ الأمن لا لمواطنيها ولا لمستوطناتها. وإذا كان ذلك عسيرَ الإدراك على جهةِ العدوان هذه، فلا ينبغي أن يكونَ ذلك بعيداً عن فهم المجتمع الدوليّ وإرادتِه في تحقيق الأمن والسلام والعدالة من طريق الحرية لشعب فلسطين وإزالة الاحتلال في فلسطين ولبنان والجولان. لقد ضاقت فُرَصُ الحلول أصلاً عندما جرى التخلّي عن المقاربة الشاملة للقضية الفِلسطينيةِ وتداعياتِها، ثم ما لبث الحلُّ الجزئيُّ أن توقَّفَ في فلسطين بعد أن توقَّف خارجَها، وها هي تكتيكاتُ الحروب المتنقلة والاستنزافية للعرب والتي سادت خلال السنوات الماضية، تجتاحُ ساحاتٍ أُخرى، وتزيدُ من تعقيد المُشكلات المُزمنة والمتفاقمة.

 

إنّ الغَلَيانَ في الوطن العربي ليس سببُهُ رفْضَ التسْوية. بل سببُهُ فَشَلُ التسوية بسبب التعنُّت الإسرائيلي، وبالانحياز لسياسات الاستعمار والاستيطان من جهاتٍ دوليةٍ كبيرةٍ وفاعلة.

 

لذلك لا بُدَّ، صوناً للإنسان والعُمران والاستقرار، وإسقاطاً للمُعاناة عن الشعب الفلسطيني، والشعوب العربية الأُخرى، وإحقاقاً للحقّ والعدالة والسلام، من العودة للحلّ الشامل، ومن خلال المؤتمر الدولي الذي تحضُرُهُ كلُّ الأطراف، ويعملُ على تنفيذ القرارات الدولية ذات الصَلَة. وهذا يعني العودة إلى المبادرة العربية للسلام التي قدمتها المملكة العربية السعودية في قمة بيروت في العام 2002

 

أيها السادة،

أيها الإخوة،

 

ما نجحت المؤسساتُ الدوليةُ في تطبيق قراراتِها المتعلقة بفلسطين، أمّا المبادرةُ العربيةُ التي أتت قبل أربع سنواتٍ، فتستجيبُ للقرارات الدولية، وتتجاوزُ المعالجات الجزئية التي سارت فيها جهاتٌ دوليةٌ متعددةٌ ثم تخلّتْ عنها. لقد بلغت المُعاناةُ الفلسطينيةُ والعربيةُ ذِروتَها منذ سنواتٍ، وما عاد الاستنزاف الجاري مقبولاً ولا معقولاً، لا من الناحية السياسية، ولا من الناحية الإنسانية. وكما يحتاجُ الأَمْرُ الآنَ قبل الغد إلى استجابةٍ دوليةٍ بل ومبادراتٍ دوليةٍ من جانب الاتحاد الأوروبي وروسيا والصين، نحتاجُ إلى التصميم العربي على سياسات الحلّ الشامل، وإلى التصميم الفلسطيني على واجبات الوحدة الوطنية والابتعاد عن الفرقة والانقسام، والبقاء صفاً واحداً لتحقيق الاستقلال والحرية، وقد ناضل الإخوة الفلسطينيون من أجلهما لأكثر من خمسة عقود. فِلَسطينُ هي أقدمُ الملفّات العالقة أمام مجلس الأمن منذ العام 1947. وليس هناك شعبٌ في العالَم عانى من الدم المسفوك والخراب والتشرد والتهجير والقهر ما عاناهُ الشعبُ الفلسطيني، بل وسائرُ العرب وبخاصةٍ دولُ جوار فلسطين ولاسيما لبنان، من أجل الحياة والكرامة والأملِ والحرية. إنه وقتُ الصمود، بقدْر ما هو زمنُ العضّ على الجِراح وحفظ الوحدة بكلّ الوسائل. وكما سبق القول، فإنّ الطريقَ للحلّ الشامل يكمنُ في السياسات العربيةِ الجديدةِ وفي الإصرارِ عليها، وفي وقوفِنا أمام مسؤولياتِنا، لكي ندفعَ بل ونُلْزِمَ الآخرين أصدقاءَ وخصوماً على الإصغاء لحقوقِنا ومطامِحِنا.

 

أيها الإخوة،

 

ولقضيتنا في مواجهة إسرائيل أبعاد ثقافية وأخلاقية وقانونية. واللبنانيون أدركوا أهمية هذه الأبعاد، منذ قيام دولة إسرائيل. وسلكت مقاومتهم للغطرسة والتوسع الإسرائيليين مسالك متعددة. وها هم اليوم لا يوفرون جهداً أو سبيلاً.

 

لقد نجحْنا في لبنان، في الوقوف موحَّدين في وجه العدوان الإسرائيلي الأخير، والذي كلَّفنا الكثيرَ إنساناً وعمراناً واقتصاداً وحاضراً ومستقبلاً. استطعْنا ممارسةَ الإدارة السياسية والدبلوماسية الفاعلة خلال الحربِ وبعدَها، وثبّتْنا حقَّنا في الحرية وتحرير الأرض، والسيادة والاستقلال، وحقَّنا واستحقاقَنا في أن نكونَ عضواً فاعلاً ومؤثّراً في المجموعتين العربية والدولية. ولولا ذلك الثباتُ والصمود في ساحة المعركة وتلك الجِدّيةُ التي ظهرتْ في الانعقاد الدائم لمجلس الوزراء وفي والحنكة والصلابة في الموقف السياسي، وفي الإجماع على النقاط السَبْع، وفي احتضان المهجَّرين والمُصابين وإغاثتهم، وفي بعث الاعتزاز العربي بلبنان وتجييش الدعم والتضامن من حول لبنان وقضاياه عربياً ودولياً، والإصرار في المفاوضات مع الجهات الدولية على حقوقِ لبنان، لما أمكنَ لنا إيقافُ الحرب الإسرائيلية، والحصولُ على القرار الدولي رقم 1701 وإرسال الجيش إلى الجنوب وتحقيق رفع الحصار وتحقيق الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي التي احتلتها إسرائيل حديثاً في لبنان، والبدء بمساعداتٍ عربيةٍ وأوروبيةٍ كبيرةٍ للسير في عمليات إعادة الإعمار، بعد الإغاثات العاجلة للمواطنين. وبالإضافة للتحصين السياسي والدبلوماسي والدولي للبنان في مواجهة إسرائيل، شرعْنا منذ أشهُرٍ في الاتّصال لمعالجة الملفّ الاقتصادي الهائل التبعات، والذي زادتْهُ حربُ تموز هَولاً وتفاقُماً، وذلك من خلال السعي لعقد المؤتمر الدولي لدعم لبنان- باريس-3 للتصدي للمشكل الاقتصادي الذي تراكم على مدى ثلاثين عاماً من الحروب الداخلية والاجتياحات والاحتلالات الإسرائيلية والوجود السوري الذي تحول ليصبح ضاغطاً على الحياتين السياسية والاقتصادية بعد الانسحاب الإسرائيلي الجزئي في العام 2000 وذلك بتكامُلٍ وموضوعيةٍ ونظرةٍ أُخرى للمستقبل.

 

نعم، لقد أثَّرتْ الحربُ الأخيرةُ تأثيراً كبيراً على الإمكانيات والقُدرات، وزادت من الأعباء، ومن بين تلك الأعباء البارزة منذ نهاية الحرب والحصار التوتيرُ السياسيُّ المتصاعدُ والمتفاقمُ، والذي لا يؤدي حتّى إلى الأهداف التي يجري السعْيُ باتجاهِها. إنّ ما أودُّ التذكيرَ به أنّ هذه المناعةَ التي حقّقْناها عربياً ودولياً بالعمل الجادّ والصبر، والثقة بشباب لبنانَ، وبسُمعة لبنان، وبقُدرةِ لبنان، سيكونُ من الصعب الاحتفاظُ بها وسطَ هذا التوتير الدائم. نحن نبدو أمام أشقائنا وأصدقائنا في العالم أننا نستقل زورقاً واحداً ونحن نتقاصف على بعضنا بعضاً فوق ذات الزورق بما سيؤدي إلى غرقه وغرقنا جميعاً في لُجّة الخصام والضياع. ليس هناك لبنانيٌّ عاقلٌ وذو حسٍ أخلاقي يريد التسبُّب في تعريض سُمعة لبنانَ وشرعيةِ لبنان وأمْنِ لبنانَ ومناعةِ لبنانَ للخَطَر. وليس هناك لبناني عاقل واحد يستطيع أن يتحمل مسؤولية إدخال لبنان مجدداً في صراعات الآخرين على أرضه والتي يدفع اللبنانيُّ وحده ثمنَها من دمه وحياة أبنائه ومستقبلهم.

 

إنّ أمامَنا في الميزان الأربعة ملايين لبناني الذين يريدون الأمنَ والسلامَ والسلامةَ والكرامةَ والديمقراطية والمستقبلَ الواعدَ والزاهر. وفي الكفّة الأُخرى التوتيرُ والانقسام ومساعي تعطيل المحكمةِ ذات الطابع الدولي، وشل الحكومة، وسَدَّ أبواب التضامُن والأَمَل في وجه اللبنانيين. وخيارُنا الوقوفُ مع لبنانَ ودستورِه ووحدته وأمنِهِ وكرامتِه وعروبتِه ومستقبلِه. على ذلك نحيا، ونبقى ويبقى لبنان وتبقى أمتُنا العربية.

 

ولا يخفى على أحد أن إصرارنا على قيام المحكمة ذات الطابع الدولي لا يدعو إلى الثأرَ أو الانتقامَ، بل المُرادُ منه ضمانُ حرية الاختيار وحرية التعبير، وحرية العمل السياسي للبنانيين، وحقّهم في الحياة الآمنة. بعد سلسلة الاغتيالات البشِعة ومحاولات الاغتيال والتخريب، جرى اغتيالُ الوزير والنائب الشيخ بيار الجميّل. وأخشى أن يظلَّ مسلسلُ التقتيل والاغتيال توصلاً إلى الفوضى مُندفعاً بدون رادعٍ إن لم يُوقِنْ المرتكبون والمجرمون أنهم سيُعاقَبون على ما جنته أيديهم ونفوسُهُم الشريرة. لا حياةَ مع الذُلِّ والخوف، ولا أعزَّ وأَولى من الحرية والكرامة. وإذا كان الجميعُ يقولون إنهم مع المحكمة ذات الطابع الدولي لهذه الاعتبارات كلِّها منذ أكثرِ من عام ويتوقفون عن ترجمة موافقتهم عليها إلى مواقف عملية، فتعالَوا نتحدثْ عن الآليّاتِ التي تجعلُ هذا الإجماعَ واقعاً، ومرةً أُخرى، ليس من أجل الدماء الجارية فقط، وهي عزيزةٌ وغاليةٌ ولا أكرمَ منها وأَسمى، بل ومن أجل الوطن والحرية والسلام الداخلي، والوحدة الوطنية. أمّا التظاهُر فهو حقٌّ ديمقراطيٌّ ودستوريٌّ، وميزةٌ لهذا البلد الذي تعرض لمخاطِرَ شتّى دون أن يتخلَّى عن حرياته. لكنْ في النهاية ومهما طال الزمن وارتفعت الأكلاف الوطنية والسياسية والاقتصادية الكل يعلم أنه لا بد من التلاقي والجلوس إلى الطاولة والبحث عن توافُقات لصنع السلام الوطني، والأمن الوطني، فلماذا الإصرارُ على تكبد هذه الخسائر المدمرة، وتحميل المواطنين ما لا يطيقون في أمنهم وعيشهم ومستقبلهم، ما دام مُتاحاً اليومَ قبل الغد الجلوس إلى الطاولة بهدوءٍ وتعقُّلٍ وحكمةٍ، كما فعل اللبنانيون دائماً؟!

 

أيها السادة،

أيها الإخوة،

 

كنتُ أودُّ أن تقتصر هذه الكلمةُ على فلسطين، وان تبدأَ وتنتهيَ بها. بيد أنّ النارَ الإسرائيليةَ اعتادتْ أن لا تُفَرّقَ في الاستهداف بين عربيٍ وآخَر. إنّ المنطِقةَ كلَّها ستظلُّ عُرضةً للاضطراب إنْ لم يسارع المجتمع الدوليُّ لأخذ المبادرة العربية للسلام الشامل مأخَذَ الجِدّ. فتقومَ الدولةُ الفلسطينيةُ التي عاصمتُها القدسُ الشريف، وتتحرر بقيةُ الأرض العربية. لقد أثبت الشعب الفلسطينيُّ بالفعل لا بالقول، أنّ حقوقَه غيرُ قابلةٍ للتصرُّف. وهو يستحقُّ منا ومن العالَم الدعمَ لكي تُصبح تلك الحقوقُ واقعاً سياسياً.

 

سلاماً إلى فلسطين الأبية، سلاماً إلى المُناضلين عن حقِّهم وحياتِهم وحرياتِهِم ودولتِهِمْ المستقلّة والقوية والكريمة. أمّا نحن في لبنان فسنظلُّ نعملُ من أجل لبنانَ العربي الحرّ والمستقلّ والعزيز والديمقراطي، ومن أجل فلسطين العربية، ورائدُنا الحريةُ والعدالةُ والتنميةُ والمستقبلُ القويُّ والزاهر لوطننا وأمتنا.

 

عاشت فلسطين حرةً أبية.

 

عشتم وعاش لبنان.

 

الاسكوا- بيروت

الأربعاء في 29/11/2006

 

                                      رئيـس مجلـس الـوزراء

                                      فؤاد السنيورة

تاريخ الخطاب: 
29/11/2006