كلمة دولة رئيس مجلس الوزراء الأستاذ فؤاد السنيورة في الاحتفال بذكرى الشهيد جبران تويني

الأستاذ الكبير والصديق غسان تويني، والد الشهيد،
السيدة أرملة الشهيد،
الأخوات العزيزات بنات الشهيد،
أعلام الصحافة اللبنانية والعالمية،
الزملاءُ الوزراء والنواب وأعضاء السلك الدبلوماسي،
أيها الحفل الكريم،
يومُ الصحافي والنائب والصديق جبران تويني يومٌ كبيرٌ في تاريخ الصحافة والكتابة والحرية والشجاعة في لبنان. لقد عرفناه خلالَ عَقدين مكافحاً من أجل الحرية الإعلامية والصحافية والسياسية. كما عرفناهُ عَلَماً بارزاً من أعلام ثورة الأرز على أَثَر اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري. وعرفْناه أخيراً ودائماً شهيداً في تلك السلسلةِ الغاليةِ من رجالات وطنِنا، الذين ناضلوا وضحُّوا وسالت دماؤهم، من أجل أن يبقى لبنانُ، ويبقى استقلالُهُ، وتبقى حرياتُه، وتبقى وحدتُه.
أيها السادة، أيها الإخوةُ والزملاء،
يعرفُ أستاذنا الكبير الصديق غسان تويني، كما يعرفُ زملاؤه العريقون في مِهنة الكتابةِ النبيلة، أنّ الصحافةَ اللبنانية بالذات ليست سلطةً رابعةً كما في سائر أنحاء العالم، بل هي أكبرُ من ذلك. فقد كانت في تاريخنا الحديث السلطةَ الأبرز في صناعة الحرية والديمقراطية وشرفِ الحِبْر والكلمة، وليس في لبنانَ فقط، بل وفي أنحاءَ شتّى من العالم العربي. وقد تربَّى الشهيد جبران تويني في مدرستِها أباً عن جدّ، واكتسب في كفاحِهِ واستشهادِه سِمةً أُخرى كبيرةً من سِمات صحافة لبنانَ، وثقافةِ لبنان، هي سمةُ صَون شرفِ المهنةِ، ونُبْل العمل، بالموتِ من أجل الحريةِ كما فَعَلَ أعلامٌ كبارٌ في الصحافة اللبنانية الحُرّة. إنها سِمةٌ نافسوا فيها أحرارَ لبنانَ من رجالات السياسة والعملِ العامّ. نعم، ما عرف العالم العربيُّ في تاريخه المعاصر اغتيالاتٍ سياسيةً بقدر ما عرف لبنان، وفي الفئتين معاً: فئة رجال السياسة، وفئة رجال الصحافة. ماتوا جميعاً واقفين من أجل الحرية، ومن أجل الوطنية، ومن أجل شرفِ الكلمةِ والموقف. فاللبنانيُّ لا يقبلُ حياةً أقلَّ من حياة الحرية، ولا يقبلُ نظاماً سياسياً غيرَ النظام الديمقراطيِّ. وثورةُ الأرز، ثورةُ رفيق الحريري وباسل فليحان وسمير قصير وجورج حاوي وجبران تويني وبيار الجميل ورفاقهم، ما كانت لتتحقَّق لولا دماءُهم، ودماء الشهداء، وأمانةُ الشهداء، وإرادةُ الحياة الكريمة لدى الشهداء.
لقد مضت علينا سنواتٌ وسنواتٌ، كنا نتنسَّمُ فيها أريجَ الحرية، وأريجَ الديمقراطية، وأريجَ المستقبل الواعد من خلال أصواتٍ مثل صوتِ رفيق الحريري الوديع والواعي، ومن خلالِ أقلام جبران تويني وسمير قصير، والصحافيين والمثقفين الكبار الآخرين. وبسبب شجاعةِ هؤلاء الشجعان وتضحياتِهم، وصلابة إرادتِهم، نستطيعُ نحن اليومَ الصمودَ في مواقع الشرعيّة الدستورية، والتقدمَ باتجاه الممارساتِ الديمقراطية والحرةِ والطَموح.
إننا موقنون أنّ السبيل المُثْلَى لتحقيق طموحات شهدائنا الكبار منذ عهد استقلالِنا الأول، وإلى عهد الاستقلال الثاني، هو المُضيِّ في بناء دولة الاستقلال القائمة على الحرية، والقائمة على الدستور، والقائمة على دعم الصحافة الحُرّة والمسؤولة عن وعي الناس، وعن مشاركتِهِمْ الملائمة من خلال المؤسَّسات الدستورية، وهيئات المجتمع المدني.
أيها الأصدقاء،
لا قضيةَ أهمَّ من السلام الوطني، والأمن الوطني، والاقتصاد الوطني، والمستقبل الوطني وكلّهاُ تقومُ على الحرية وعلى المؤسَّسات الدستورية والديمقراطية. وإذا كان مهماً- كما شرح لي الصديق غسّان تويني مرة- المفهومُ المستقرُّ لدى اللبنانيين للحرية والاستقلال، فإنّ المهمَّ أيضاً استقرارُ مفهوم الشرعيّة وثباته، بحيث يقترنُ هذا المفهوم في الوعي العامّ بدولة الدستور والمؤسسات. وهذا الأَمْرُ بالغُ الحساسية لأنه يتصلُ بالحرياتِ ذاتِها، وبأعمالِ المعارضة السياسيةِ وممارساتِها، وبالقدرة على تطوير العمل السياسي والحزبي بالاتجاهات التي تَقْرِنُ المفهومين: مفهوم الحرية والديمقراطية، ومفهوم الشرعية. وثوابتُ المفهومين بنصّ الدستور وروحِه تتركّزُ في العيش المشترك، والتضامن الوطني، والأمن الوطني، والحياة الوطنية المشتركة والحرة والمزدهرة. واستناداً إلى هذين المفهومين للحرية وللشرعية، لستُ أدري ما هي القضيةُ الكبرى التي تدفع إلى القيام بهذا الصخب السياسي التوتري الشديد، والاعتصامات المفتوحة؟ ثم هل هذه هي الطريقةُ المُثْلَى لتحقيق المطالب أياً كانت؟
إنني، وبالنظر لطبيعة المطالب المطروحة من جانب المعارضة، ولطرائق العملِ على تحقيقِها، وبالنظرِ إلى الظروف السائدة في المنطِقة، أعتبرُ أنّ حياتَنا السياسيةَ والأمنية والاقتصادية، بل ونظامَنا، تُواجهُ جميعُها تحدياً بارزاً. وهذا التحدي لا يقتصرُ على صون الأمن والاستقرار والتضامُن بين المواطنين، وهي أمورٌ شديدةُ الأهمية في كلّ الأحوال، بل ويتضمنُ النَظَرَ إلى مستقبل لبنان، ومستقبلِ نظامِه، ومستقبل موقِعِه في المنطِقة والعالَم.
إنّ الذي أراهُ، وفي مناسبة الاحتفاء بالشهيد جبران تويني، شهيدِ الصحافة الحرة، وشهيدِ العمل السياسيّ المستنير، أنّ نظامَنا السياسيَّ الديمقراطيَّ، الذي عاش اللبنانيون في ظلّه لستين عاماً، وطوّروا بالآلام وبالشهداء وبالأقلام وبالتحرير والحرية، مؤسَّساتِه وثقافته، قادرٌ على مواجهة التحديات، ومن بينِها تحدي استيعابِ المعارضات وتداول السلطة وفق نص منطق الشرعية الدستورية. بيد أنّ الجانبَ الآخَرَ البارزَ في التحديات المباشرة يتمثّل في تثبيت المناعة الوطنية الحائلة دون الانزلاق مرةً أُخرى باتجاه الوصاية والاستتباع، أو باتجاه الفوضى الأمنية والسياسية. أما الركنُ الثالثُ الذي يتناولُ الجانبَ الاستراتيجيَّ في مسألة الشرعية فيتمثّل كما سبق القول بالتوجُّه الفوري والمستقبلي نحو إعادة الإعمار، والتنمية الاقتصادية، واستعادة الأمل والثقة لدى اللبنانيين والعرب بالنظام الاقتصادي اللبناني، وبالنظام السياسي اللبناني.
أيها الصحافيون،
أُسرةُ الشهيد،
أيها اللبنانيون،
نحن شديدو الاعتزاز بشهدائنا والصديق الشهيد جبران تويني وجهٌ بارزٌ بينهم. ونحن شديدو الاعتزاز بصحافتنا الحرة والقوية والباقية، وجبران تويني وجهٌ بارزٌ وأباً عن جدّ في محرابها وساحاتِها. ونحن شديدو الاعتزاز بنظامِنا الديمقراطي، وجبران تويني مناضلٌ بارزٌ في ثورة الأرز، ثورةِ الاستقلال الثاني، من أجل الحرية والدستور والوحدة الوطنية.
النضالُ من أجل الحرية التزام أخلاقي كبير. والإصرارُ على الكلمة الحرة أمرٌ مصيري. والتضحيةُ بالنفس قد تكونُ ضروريةً في بعض الظروف، مثل مقاتلة العدوّ أو تحرير الأرض. لكنْ ليس من المعقول ولا من المقبول أن لا يجدَ المناضلون من أجل الحرية وبالوسائل السلمية، إلاّ الموتَ أو الاغتيالَ السياسيَّ جزاءً. لقد قلنا دائماً، وما نزال نقول إننا لا نريد أن يكون لبنان ساحةً لحروبُ الآخرين على أرضِه. لذلك فإننا نتحمَّلُ مسؤوليةً كبرى في الدفاع عن كينونته وسلامته ووحدته، وفي منع التعرُّض لحرية العمل السياسي والوطني بالاضطهاد أو الإقصاء أو الاغتيال المادي أو المعنوي. لا يقبلُ شعبُنا البقاءَ تحت وطأة الظروف الاستثنائية، ظروفِ الاحتلال أو الاستتباع أو الاغتيالات والأحداث الأمنية. لقد آنَ لكلِّ الجهاتِ الإقليمية والدولية التي تستخدم الاغتيالَ وسيلةً للإرعاب والإخضاع أو الإقصاء، أن تدرك، إصرارَ اللبنانيين على الحرية، وإباءَهم على الإخضاع، وانتصارَهُم على الحساسيات الطائفية والمذهبية المصطَنَعة أو المستَغَلَّة.
نحن مع قسم جبران تويني الباقي على الزمان بقاءَ لبنان:
نقسم بالله العظيم، مسلمين ومسحيين، أن نبقى موحدين، إلى ابد الآبدين، دفاعاً عن لبنان العظيم.
تحيةً للشهيد جبران تويني، شهيد الصحافة والعمل السياسي الكبير.
تحيةً لشهداء لبنان، شهداءِ الاستقلال والحرية.
أيها اللبنانيون،
إخواني،
أحبائي في لبنان وفي بلاد المهجر،
إخواني في بلاد العرب والعالم،
نحن نعرف أنكم تتابعوننا تراقبوننا تخافون علينا،
لكني أود أن أقول لكم أن لبنان بلد قوي، قوي بشعبه وبإيمانه،
كونوا أكيدين، أننا سنخرج من هذه الأزمة، من هذه الشدة،
قلت وسأردد الآن، لا طلاق بين اللبنانيين، يدنا مبسوطة للجميع من اجل التلاقي.
لن نوصد الأبواب، بل سنعمل على فتحها إلى الآفاق الرحبة وكما وقفنا في وجه محنة الاجتياح الإسرائيلي موحدين ندافع عن بلدنا سنقف في وجه هذه المحنة ندافع عن قيمنا ونظامنا الديمقراطي ووفاقنا الوطني نفتح قلوبنا للجميع استناداً إلى الثوابت الوطنية والقومية والديمقراطية وهدفنا الأعلى والباقي حفظ الوحدة والتماسك والثقة بلبنان وشعبه ومستقبله.
تحيةً لكلّ اللبنانيين الثابتين على عهد الحرية والاستقلال والنظام الديمقراطي.
وتحيةً لبيروت، منارة الثقافة والحرية، والتي تستقبلُ اليومَ ضيوفَ غسان وجبران والنهار.
عاشت بيروت. عاشت صحافتُها المستنيرةُ والحرة، وبورك شهداؤها، وشهداءُ لبنان.
سيبقى لبنان، سيبقى لبنان، سيبقى لبنان، وسينتصر لبنان.
قاعة بيال- بيروت
الأحد في 10/12/2006
رئيس مجلس الوزراء
الأستاذ فؤاد السنيورة
