مقابلة أجرتها باري ماتش مع دولة رئيس مجلس الوزراء الأستاذ فؤاد السنيورة

بدأ الرئيس السنيورة بالقول أن الأهم محاولة التوصل إلى سبل لحل لمسائل ومشاكل جديدة.
سئل: هل لديكم الحل؟
أجاب: انه التزام، علي دوماً العمل بجهد للتوصل إلى حل.
سئل: لكن هنالك حل للازمة من دون التنازل من قبلكم عن بعض مبادئكم ؟
أجاب:لا لن نتنازل عن أي من مبادئنا، لكن سبق لنا أن قلنا أن لدينا وضع في البلد علينا التعامل معه عبر محاولة معالجة مخاوف كل الأفرقاء وهذا أمر مهم لطمأنة الناس، لذا كلا من الأكثرية والأقلية منهمكتين بمسائل لا يفترض بها أن تكون مطروحة أساساً اليوم فهناك مسائل عدة على الدولة معالجتها إلا أنه يتم إلهاؤها عن هذه المعالجة. اليوم وقبل الاجتياح الإسرائيلي الأخير كانت الدولة قلقة من استمرار الاحتلال الإسرائيلي، أما اليوم فما عدنا نسمع عن الاحتلال أو عن الخروقات والطلعات الإسرائيلية لمجالنا الجوي وامتناع إسرائيل عن تسليم خرائط الألغام ومشكلة الأسرى فلم نعد نسمع شيئاً من هذا القبيل. وقد شهد العالم كله مسألة خرق الخط الأزرق التي كان الهدف منها إطلاق سراح الأسرى إلا أننا اليوم لا نسمع شيئاً عنهم. فهل وجدت حلول لهذه المشاكل، كلا إذ أن الأمور على حالها، لم يتغير شيء. بعد كل هذه المشاكل التي عانيناها، هل حصلنا على أي جزء من أرضنا التي لا تزال محتلة؟ هل حصلنا على وقف إسرائيل خروقاتها لمجالنا الجوي؟ كلا، وماذا عن المسائل الأخرى، لم يحدث شيء.
سئل: إذاً انتم تقولون انه لم يكن هناك انتصار في هذه الحرب؟
أجاب:لقد حولنا الأمر إلى انتصار إذ منعنا إسرائيل من الانتصار في الحرب. فانا واضح في كلامي، لقد أرادت إسرائيل سحق لبنان وحزب الله ولم تستطع إلا انه ألحقت أضرار كبيرة بالبلد، وما يحدث اليوم في لبنان يشكل نصراً لإسرائيل. أعني أن إسرائيل التي لم تحقق أي نصر في ساحة المعركة تنتصر اليوم في شوارع بيروت. لذا اعتقد انه لا تتم حالياً معالجة المسائل الفعلية فما نقوم به الآن هو الصراع بعضنا ضد بعض حول كيفية تقاسم الحصص في البلد بطريقة لا تؤدي إلى إرساء المبادئ أو تحقيق نتائج ايجابية، فما يحدث في لبنان لن يحصل للبنان رغيفاً إضافياً واحداً ولن يعيد أي جزء من أرضنا المحتلة كما انه يهدد وحدتنا الوطنية. اعتقد انه يجب معالجة هذه المسألة بطريقة مغايرة فهي الآن تطرح أمام اللبنانيين. واعتقد فعلاً انه لا يمكن تحقيق أي شيء بالبقاء في الشارع. فهذه تجربة البلد، خلال ال65 سنة أي منذ الاستقلال لم يستطع أي فريق أن يحقق انتصاراً فالبلد وحده ينتصر ولم يستطع أي من الافرقاء فرض أي أمر على الآخرين، علماً أن المتظاهرين في الطريق اليوم لا يمثلون الأكثرية بالرغم من ادعائهم ذلك لكنهم يعرفون تماماً عكس ذلك. ولا يمكن لأحد إخفاء الأرقام حتى أنني اعتقد أن ما حصل أمس في المظاهرة يشكل أقصى ما يمكن لحزب الله وحلفاؤه حشده في الشوارع. لا أريد الخوض في الأرقام لكن هذا هو أقصى ما يمكنهم حشده. لنلق نظرة إلى ما حصل في طرابلس فهذا ما حدث في جزء واحد من البلد، فلنحاول تقدير الحشود التي يمكن جمعها في جبل لبنان وبيروت والجنوب والبقاع. إنهم يعرفون تماماً في الصميم ماذا يستطيع الآخرون القيام به لذا لا يتعلق الأمر بالأرقام إلا أننا نعتقد انه السبيل الوحيد، حتى بالنسبة للأكثرية التي تستطيع حشد عدد اكبر من الناس مما فعله الآخرون، عليهم الإدراك انه في نهاية المطاف لا يمكن التوصل إلى حل عبر الفرض أو إعطاء إنذارات نهائية.
سئل: لكن المتظاهرون يشلون البلد، فكيف تشعرون حيال هذا الأمر؟ وهل تشعرون أنكم رهينة إذ أنكم لا تستطيعون مغادرة السراي؟
أجاب:نعم، إنهم يشلون البلد. وأنا استطيع مغادرة السراي لكن إن لم افعل فهذا قرار أنا اتخذته. علي أن أكون حذراً وإلا أخاطر. يمكنكم فهم ذلك، فالبعض يحاول إلحاق الأذى بالبلد وهذا ما شهدناه منذ أسبوعين من خلال الجريمة التي اقترفت. نعم، إنهم يلحقون الأذى بالبلد أما ما أحاول فعله فمحاولة الاستمرار في التزامنا العميق في التحاور معهم وفي مد يدنا لمحاولة حل المسائل وتوضيح المخاطر التي قد يتعرض لها لبنان إن استمرينا في سلوك هذا المسار الذي لن يؤدي إلى شيء كما عليهم الإدراك أن تبعات هذا الوضع ستقع على البلد ككل وليس على احد الافرقاء. أما عن هوية مقترف هذه الجرائم فلا اعرف، ولا أريد بالطبع أن يظن أي كان أنني اتهم هذا الفريق فقد يكون هناك طابور خامس كما يقولون يستخدم هذا الوضع بهدف تعميق الخلافات واستغلالها لتعزيز التقسيم ضمن البلد. لذا نعتقد أن النزل إلى الشارع لن يؤدي إلا لمزيد من التوتر ولإفساح المجال أمام كل من يناهض الوحدة والبلد والاستقرار كما أن هذا الأمر يخدم مصلحة إسرائيل.
سئل: هل تشعرون بالإهانة عندما يقول الناس أنكم عميل أميركي؟
أجاب:إنها مزحة جيدة. منذ شهرين فقط كنت بالنسبة لهم بطل قومي عندما كان ذلك يناسبهم، أما الآن عندما أصبح الأمر غير ملائم بالنسبة لهم أصبحت امبريالياً في يد الولايات المتحدة. إنها مهزلة لا تؤلمني بتاتاً. فعندما يلعنكم احدهم ويطلق عليكم التهم الباطلة، فذلك علامة على أنكم غير ذلك.
سئل: ما هو شعوركم عندما تقفون عند النافذة وترون كل هؤلاء المتظاهرين والمعتصمين؟
أجاب:أفكر مباشرة بالذين يتظاهرون في مكان آخر. اسمحي لي أن أصارحك، أنا مرتاح وهادئ جداً ليس لأنني غير مبال بل على العكس لأنني أؤمن بأن ما أقوم به يمثل رأي أكثرية يفوق عددها المعتصمين. لكن هذا لا يعني أيضاً أنني أتجاهل سبب معارضة أو تظاهر هؤلاء. أنا أتفهم الأمر وأقول لهم ليست هذه الطريق فعليكم التزام بالحوار والجلوس إلى الطاولة لمعالجة المسائل. وأنا لا أؤمن أن احد الفرقاء سيحقق أي انتصار بل على البلد أن ينتصر ولا مغزى من انتصار احد الفرقاء وخسارة احدهم الآخر. لقد علمنا التاريخ دروساً كثيرة، في هذا البلد لا تجري الأمور على هذا النحو ولن تفعل. فهناك فريق يعلن انه سينتصر فيما هناك فريق آخر يعلن انه يمثل الأكثرية وانه يدعو إلى الحوار للوصول إلى حل. نحن أمام عقليتين. فالبعض بالقرب من هنا يزعمون أنهم على حق وان لهم الحق الإلهي وتعلمون أن الصفة الإلهية تنطبق على الله وحده فاستخدام مصطلح حزب الله لا يحولهم إلى آلهة، إلا إذا استمعتم إلى تصريحات علي عمار وهو احد نواب حزب الله، فقد سمعت صدفةً احد تصريحاته التي هزتني، أنا إنسان مؤمن ورع أؤدي الصلاة خمس مرات في اليوم وأنا إنسان عادي، فعندما اسمع علي عمار يقول أن حزب الله سيبقى حتى نهاية محمد والمسيح والإنجيل والقرآن فكرجل مؤمن عادي ارتعد فعلاً. هذا جنون، هل سبق لكم أن رأيتم هذا المشهد فهم يبثونه يومياً على شاشة المستقبل. فهم يقولون أنهم باقون إلى الأبد مما يعني أن هناك خلل ما في عقولهم وان هذا حزب الهي.
سئل: ما رأيكم بالتحالف القائم بين الجنرال عون وحزب الله؟
أجاب:انه زواج مصلحة. فلعون هدف واحد وهو أن يصبح رئيساً وأنا احترم هذا الأمر.
سئل: هل هذا معقول؟
أجاب:يستطيع هو الوصول إلى النتائج الصحيحة أن جلس مع نفسه وحاول النظر إلى الأمر بروية. أما الآخرون فيحاولون استغلال هذا الأمر لمصلحتهم.
سئل: ما الهدف الذي يسعى إليه حزب الله، اهو دولة إسلامية في لبنان؟
أجاب:هناك أمور كثيرة نتشارك فيها نحن اللبنانيين.
في الواقع، نريد تحرير أرضنا بالرغم من أنهم لم يعودوا مهتمين بهذا الأمر. لم يعد الأمر ضمن أولوياتهم. أما في ما يتعلق بنا، شكلت هذه النقطة ولا تزال أولوية. نريد أن نكون على علاقة جيدة مع كل الدول الشقيقة وأصدقائنا في كل أنحاء العالم، لكننا لا نريد أن تفرض علينا الدول الأخرى جدول أعمالها. نريد أن نحرر مزارع شبعا ثم العودة للعمل بمعاهدة الهدنة لسنة 1949. بعبارة أخرى، لقد أوضح لبنان موقفه تماماً، وقد أعلنا أننا لن نضع أنفسنا في وضع نعقد فيه اتفاق سلام منفصل مع إسرائيل إلا بعد توصل كل الدول العربية إلى اتفاق مماثل قبلنا. وفي حال قرر العرب خوض حرب ضد إسرائيل فسنكون في الصفوف الأمامية. لكن أن نستمر في تسمير لبنان وحده على الصليب ودفعه إلى وضع لا يمكنه تحمله، فاللبنانيون يريدون أن يعيشوا ولا يمكنهم الاستمرار على هذا النحو. كما أن هناك نقطة سياسية أخرى لا نتفق مع حزب الله عليها وهي متعلقة بالدولة. نحن نؤمن أنه لا يمكن أن يكون هناك في أية دولة احتكار ثنائي أو احتكار للأقلية، بل يجب أن يكون هناك حصرية للدولة فإما أن تقوم دولة واحدة وإما لا دولة. لكن قيام دولة ضمن الدولة أمر غير مقبول.
سئل: هل تشعرون أنكم رهينة؟
أجاب:أنا أحترم هؤلاء المتظاهرين، فهم لبنانيون وأنا أحترمهم. إلا أن عدداً أكبر من اللبنانيين يؤيدون الحكومة، فلم علي أن أنصت إلى رأي أولائك فقط دون الآخرين. وأنا أقول أن الحل الأفضل أن نجتمع معاً ونحاول معالجة الأمور بطريقة ديمقراطية.
سئل: ماذا عن دعم الشعب الفرنسي والرئيس شيراك؟
أجاب:إن دعم أصدقائنا حول العالم مهم لكن هذا أمر إضافي فالأساس دعم مواطنينا.
سئل: بالنسبة لكم، خلال الأشهر ال18 أية أزمة كانت الأصعب؟
أجاب:اجتياح إسرائيل بالطبع، لكن هذه الأزمة أكثر إيلاماً إذ أنها قائمة بين المواطنين في حين أن الأزمة الأولى أكثر تدميراً. لكل أزمة قسطها من الآلام. إلا أننا سنستمر في بذل كل الجهود لمعالجة المسائل بعقل منفتح وعبر مد اليد لا عبر المساومة.
سئل: إلى أي مدى ستمدون اليد؟
أجاب: هناك أمور معينة في الحياة على الصعيدين الشخصي والعام على حد سواء تحاولون الثبات عليها لدى مواجهتكم لأية أزمة كي لا تنجرفوا إلى وضع أسوء.
سئل: هل تبتلعون الماء؟
أجاب:لا بل أمضغها. أنا صبور فعلاً، لكن الصبر شيء وعدم الحزم شيء آخر. وأننا أتمتع بالصفتين.
سئل: إلا تتعبون؟
أجاب:إن أردتم التعب من وطنكم فإنكم لا تستحقون تولي منصب مسؤولية. لا يجب فقدان الأمل عندما يتعلق الأمر بمصير الوطن.
