كلمة دولة رئيس مجلس الوزراء الأستاذ فؤاد السنيورة لوفد الاشتراكية الدولية الموجود في لبنان برئاسة رئيس الاشتراكية الدولية جورج باباندريو

-A A +A
Print Friendly and PDF

سيداتي وسادتي،

 

إنه لمن دواعي سروري أن أرحب بكم هنا في السراي الكبير في قلب بيروت النابض، وأعبر عن عميق امتناننا لتضامن الاشتراكية الدولية مع حكومة لبنان المنتخبة ديمقراطياً ولدعمكم الديمقراطية والقوى الديمقراطية في بلدنا الحبيب. أود أن أحييكم وأحيي العضو اللبناني في الاشتراكية الدولية الممثل بالحزب التقدمي الاشتراكي بقيادة النائب وليد جنبلاط وأشكركم على وقوفكم معنا اليوم كما وقفتم معنا خلال نضال الشعب اللبناني الطويل سعياً وراء الاستقلال والسيادة والحرية.

 

زيارتكم اليوم خير دليل على إيماننا المشترك بالثقافة الديمقراطية والمؤسسات الديمقراطية وخير تعبير عن قيمنا المشتركة، قيم احترام حقوق الإنسان والتعددية والتسامح. زيارتكم هذه تتزامن مع الاضطرابات التي تشهدها الساحة اللبنانية اليوم، فمنذ خمسة أشهر فقط، شنت إسرائيل حرباً وحشية لا تبرير لها على وطننا لبنان. لا داعي لأخبركم عن المعاناة الإنسانية وحجم الضرر الذي لحق بالبنية التحتية اللبنانية والنسيج الاجتماعي، إلى جانب التداعيات المباشرة وغير المباشرة التي سوف نشهدها خلال السنوات القادمة. لقد عملنا بلا كلل مع شركائنا في الحكومة، خلال الحرب وبعدها، لمواجهة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والبشرية والبيئية لكي نسرّع عملية إعادة تأهيل بنيتنا التحتية وإنعاش اقتصادنا المتدهور.

 

سيداتي وسادتي،

 

لقد أنهكت ثلاثون سنة من النزاعات المتتالية والاحتلال والتدخل الخارجي وطننا لبنان. وكافحنا بشدة لنحافظ على قيمنا وحريتنا واقتصادنا، لكن وعلى الرغم من العزم الذي أبديناه في وجه هذه المعاناة، لم يعد بإمكاننا دفع ثمن الدمار الباهظ الذي لحق ببلدنا لوحدنا ولذلك، نتطلع لمؤتمر باريس 3 المفترض عقده في 25 من شهر كانون الثاني/يناير القادم من أجل مساعدتنا على تخطي أزمتنا الاقتصادية الحالية. هدفنا هو تحقيق نمو دائم وعادل، وأنا أثق أن فشلنا في تحقيق هذه الأهداف يهدد الاستقرار السياسي والاجتماعي والنظام الديمقراطي.

 

تسعى حكومتنا اليوم إلى ترجمة وقف الأعمال العدائية ليصبح وقف إطلاق نار دائم، بعد أن توقف إسرائيل انتهاكها الأجواء اللبنانية وخرقها قرار مجلس الأمن 1701، وتسلم كل خرائط الألغام التي زرعتها على أراضينا وتنسحب من قرية الغجر وتحرر الأسرى اللبنانيين في السجون الإسرائيلية. لقد دعونا بإلحاح الأسرة الدولية لتساعدنا في تحقيق هذا الهدف. وخير تعبير عن الوحشية الإسرائيلية التي لا تميز أحداً هو ارتفاع عدد ضحايا آلاف القنابل العنقودية التي ألقتها الطائرات الإسرائيلية على لبنان الصيف الفائت.

 

نحن نعتبر أيضاً أن مزارع شبعا يجب أن توضع تحت وصاية الأمم المتحدة مما يسمح للبنان ببسط سلطة الدولة على كافة أراضيها وإعادة إحياء اتفاق الهدنة لعام 1949 الموقع مع إسرائيل بانتظار حل نهائي وعادل للنزاع في الشرق الأوسط.

 

سيداتي وسادتي،

 

منذ بضع أشهر فقط، وقف اللبنانيون صفاً واحداً في وجه العدوان الإسرائيلي الغاشم ضد بلدنا لبنان. حينها، تكاتفت الحكومة والشعب والمقاومة معاً. لكن ولسوء الحظ، وبدلاً من الاستمرار بالعمل معاً، انقسم هذا الصف الموحد بسبب من يسعى إلى عرقلة المحكمة ذات الطابع الدولي التي تهدف إلى ملاحقة الذين خططوا ونظموا ونفذوا جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري والجرائم السياسية الأخرى المرتبطة بها. منذ عام مضى، خرج وزراء حزب الله وحركة أمل من جلسة وزارية تدعو إلى إنشاء المحكمة. وبعدها بأحد عشر شهراً، قدموا استقالتهم عندما كنا على وشك إعلان موافقتنا على مسودة الأمم المتحدة التي عمل عليها قضاة دوليون ولبنانيون عينهم مجلس الوزراء لهذه الغاية. فجأة، لزيادة الارتباك وعرقلة إنشاء المحكمة الدولية وإرجاع عقارب الساعة إلى الوراء لإعاقة تقدمنا نحو تحقيق السيادة الكاملة، تم حشد فئات من المجتمع اللبناني للنزول إلى الشارع بأعداد كبيرة بحجة المطالبة بمشاركة أوسع في الحكومة والدعوة إلى استقالتنا عبر تحريك المشاعر الطائفية، حتى أن البعض اتهمونا بالتعامل مع إسرائيل، اتهموا الحكومة نفسها التي أثنوا عليها سابقا معتبرين أنها حكومة المقاومة السياسية. لقد زرعوا الانقسامات بين صفوف اللبنانيين فأصبحت فئة واحدة تقف ضد السواد الأكبر من الشعب اللبناني. نحن نؤمن بحق الشعب المقدس بالتعبير عن رأيه بحرية دون أن يخشى العقاب. هذه ركيزة أساسية لأي ديمقراطية، ونحن نؤمن بالديمقراطية.لذلك، لا يمكننا أن نتجاهل دعم أغلبية البرلمان اللبناني والشعب اللبناني. ونحن نعتبر أن التغيير الديمقراطي يكون عبر الوسائل الديمقراطية والمؤسساتية، وليس بالتهويل والترهيب. نعم، نحن نؤمن بمشاركة أوسع في الحكومة لكننا لا نؤمن بمشاركة تعرقل عمل السلطة عبر حق النقض والتهديد بالاستقالة لإسقاط الحكومة. بينما ينبغي علينا أن نواجه اليوم مشاكل كثيرة، بما فيها الاحتلال الإسرائيلي المستمر والمشاكل الاجتماعية والاقتصادية التي كانت موجودة قبل الصيف الفائت وتفاقمت بسبب الحرب، تتحول اليوم أنظار الشعب عن هذه القضايا الملحة نتيجة للتظاهرات والاعتصامات والتراشق الكلامي.

 

إن دورة الفعل ورد الفعل، والتظاهر والتظاهر المضاد، وتبادل الاتهامات مضيعة للوقت وتزيد التوتر والتشرذم بين اللبنانيين. لنسعَ معاً لتحقيق أهدافنا ومصالحنا المشتركة ونضمن مستقبلاً أفضل لكل اللبنانيين. نحن نحتاج اليوم حواراً منفتحاً وصريحاً يحترم المبادئ الديمقراطية وسيادة القانون. الحوار هو السبيل الوحيد لردم الهوة التي تفصلنا وحل الخلافات. نحن ندعم أيضاً المشاركة الفعلية التي أثبتتها الحكومة خلال الخمسة عشر شهراً الماضية. ونذكر أنه بينما كان بإمكاننا اتخاذ القرارات بشكل أحادي أو بالأغلبية، لم نفعل ذلك. فنحن وبكل بساطة، لا نؤمن بنجاح الأحادية في لبنان. المهم اليوم هي الوحدة الوطنية. لطالما كانت وتبقى قوتنا في تعدديتنا. لكن لا يجب أن تكون سبباً للانشقاق والخلاف. لا بد أن نعزز نقاط قوتنا وننتصر على نقاط ضعفنا. من المهم كذلك أن نحمي مصالح لبنان الشرعية بصفته بلداً سيداً مستقلاً لكي لا يكون ساحة لحروب الآخرين. وفي الوقت نفسه، سيكون لفشل الديمقراطية في لبنان وعدم احترام مؤسساته الديمقراطية نتائج وخيمة ليس فقط في لبنان بل في المنطقة برمتها.

 

سيداتي وسادتي،

 

تظهر الحقائق في وقت الأزمات عندما يحين أوان طرح الأسئلة المناسبة واتخاذ الخيارات الملائمة: هل نريد لبنان بلداً منفتحاً وتعددياً وديمقراطياً؟ هل نريد نمواً وتقدماً اقتصادياً لرفع مستوى معيشة اللبنانيين والتخفيف من الفقر؟ هل نريد دفع الشباب اللبناني خارج البلاد، أم نريدهم أن يشعروا أن لديهم دوراً ومستقبلاً في وطنهم لبنان؟ هل نريد خلق الفرص وبعث الأمل في الأجيال القادمة، أم نريد التخلي عنهم وإغراقهم في البطالة واليأس والهجرة؟ هل نريد أن نعرف من اغتال رفيق الحريري وباسل فليحان وسمير قصير وجورج حاوي وجبران تويني وبيار الجميل والكثيرين غيرهم؟ هل نريد أن نعرف من حاول اغتيال مروان حماده والياس المر ومي شدياق؟ هل ستستمر الاغتيالات السياسية التي شهدها لبنان منذ 30 عاماً بدون عقاب لنشر الخوف وترهيب اللبنانيين؟ اسمحوا لي أن أخبركم أيها الأصدقاء الأعزاء أننا ملتزمون بإنشاء المحكمة الدولية ومعرفة الحقيقة وجلب المجرمين إلى العدالة. لن نساوم على هذه المطالب لأن العدالة غير قابلة للتفاوض والحقيقة غير قابلة للتجزئة.

 

سيداتي وسادتي،

 

يريد السواد الأعظم من اللبنانيين العيش بكرامة وهدوء في بلد حر سيد ومستقل، في لبنان نموذج التسامح والانفتاح والاعتدال في عالمنا العربي. من واجبنا كحكومة أن نعمل بكل عزم على تحقيق هذا الهدف. دعونا نتذكر عندما نتحدث عن الأقلية والأغلبية أن أغلبية اللبنانيين سئموا الشعارات ولن ينجروا للنزول إلى الشارع ومواجهة إخوانهم في لبنان، وهي أغلبية تختار ثقافة الحياة وليس ثقافة الموت، أغلبية تنظر إلى الأمام وليس إلى الوراء، أغلبية تؤمن بالديمقراطية والعدالة والحرية وسيادة القانون، أغلبية تدعم بسط سلطة الدولة على كافة أراضيها وتعزيز الكفاءات في الخدمة العامة.

 

سيداتي وسادتي،

 

يجب ألا نخسر فرصة أخرى كي يخرج لبنان من الانقسام والركود الاقتصادي. نحن مدعوون اليوم إلى تحقيق التقدم والازدهار والسلام. مملوئين عزماً وأملاً، نثق أن تبقوا متضامنين معنا تضامناً لم ولن يفشل. اسمحوا لنا أن نعبر عن جزيل شكرنا لتضامنكم معنا وحضوركم هنا اليوم.

 

وأخيراً، أود أن أعبر مرة أخرى عن شكرنا للاشتراكية الدولية على الموقف الذي أعلن في البرتغال الأسبوع الماضي والموقف المعلن اليوم دعماً لاستقلال لبنان وحريته وعلى دعمكم الحكومة اللبنانية.

 

وأذكّركم أن الأزمة في المنطقة، بما في ذلك الأزمة الحالية في لبنان، تنبع من قضية مركزية ألا وهي القضية الفلسطينية. لقد اعتمدت قرارات دولية كثيرة في هذا الإطار لكنها لم تطبق حتى الآن. وأذكّركم أن القمة العربية التي عقدت في بيروت عام 2002 أطلقت مبادرة جريئة عبر عرض سلام شامل يهدف إلى وضع حد للنزاع العربي- الإسرائيلي وفقاً لقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة. إن المساهمة الأهم لمنطقتنا والشعب العربي، القريب من أوروبا وبقية العالم، هي سعينا الحثيث إلى تحقيق سلام شامل من خلال انسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة في فلسطين وسوريا ولبنان وإنشاء دولة فلسطينية قابلة للحياة عاصمتها القدس.

 

السراي الكبير

السبت في 16/12/2006

 

                                       رئيـس مجلـس الـوزراء

      فـؤاد السـنيورة

تاريخ الخطاب: 
16/12/2006