كلمة رئيس مجلس الوزراء فؤاد السنيورة إلى اللبنانيين لمناسبة الاعياد

أيها اللبنانيون،
أردْتُ بعد كلِّ الذي جرى خلال الأسابيع الماضية، وبمناسبة اقتراب الأعياد، حيث نتلاقى جميعاً هذا العام، في الميلاد المجيد والأضحى المبارك وعلى مشارف رأس السنة الجديدة، نتلاقى في الزمان والمكان والمشاعر والشعائر، أردت أن أتوجَّه إليكم للتذكرةِ والذكرى، وللمراجعةِ والأمل، وللثبات معاً في الوطنِ وعندَه، وفي الصِدْق مع الذات، ومع العيشِ المشترك، ومع مستقبلِ لبنانَ وإنسانِه ورسالتِه، وسلامِه الداخلي، وتضامُن أبنائه.
لقد كان العام 2006، سنةً صعبةً على الوطن والمواطنين. وقد تعرَّض لبنانُ في تموزَ من هذا العام لحربٍ تدميرية كبرى، ستترك آثارَها على البلاد والعباد لسنواتٍ قادمة. وقد وقفتم جميعاً، أيها الإخوةُ المواطنون، كما عُرف عنكم في الشدائد وقفة واحدة مع وطنِكُم. وقد انتصرت إرادتكم في الصمود بوجه العدوان، وإرادتكم في إعادة الإعمار وهي إرادةُ الحياة، وإرادة العيش المشترك. وها نحن، وبعد أشهُرٍ قليلةٍ على العدوان، نتطلَّعُ إلى الجنوب الصامد باعتزاز، وقد عاد إليه جيشُكُم، جيشُ لبنان، بعد غيابٍ استطال، وانطلقت فيه ورشةُ إعمارٍ كبيرة، كما في سائر أنحاء البلاد التي تعرضتْ لهجماتِ إسرائيل، وتخريب إسرائيل.
أيها المواطنون،
على مشارفِ الأعيادِ المجتمعة والمؤتلفةِ هذا العامَ، كان بودّي أن أتوجَّه إليكم بعد التهنئة ببشرى خَلاص لبنانَ من محنته الراهنة، وببُشرى الانطلاق مجدَّداً في الإصلاح والإعمار من أجل ازدهارِ لبنان ورفاه أبنائه. لكنْ الواقعَ أننا نتعرض منذ أسابيعَ لحركةٍ اعتراضيةٍ نزلتْ إلى وسط بيروتَ واعتصمت فيه حتى الآن. ولستُ أُريدُ الدخولَ في تفاصيل المطالب والوساطات لأنكم تعرفونها، بل أُريدُ أن أؤكّدَ لكم أنه ومنذ اللحظة الأُولى لهذه الأزمة، بكل تشنجاتها والتوتيرات والتهديدات، بادرت الحكومة للانفتاح على المطالب وقالت بالحوار والوفاق والحرص على المصلحة الوطنية أي مصلحة كل اللبنانيين دون استثناء أو تمييز.
ولقد كان المنطِقُ الذي حَكَمَ كلَّ مبادراتِنا وتحركاتِنا الحفاظَ على الدستور وعلى الطائف وعلى الشرعية، العملَ على قاعدة التوازُن والتلازم في المخارج من الأزمة. إذ إنّ لبنان لا يتحمل كما أنّ اللبنانيين لا يقبلون منطق الغالب والمغلوب. كما أنهم في النهاية، ومهما طال الزمن أم قَصُرَ سيعودون للجلوس معاً، والتفكير معاً في الحلول لإنهاء الأزمة التي تُفَرِّقُ صفوفَهُم، وتُهدِّدُ نظامُهُم السياسي، وتشكّل عبئاً إضافياً على اقتصاد بلادهم وموارد رزقهم.
بهذا المنطق تجاوْبنا مع مبادرة أمين عام الجامعة العربية عمرو موسى وعملنا على أن نوفر لها كل أسباب النجاح. قلنا من البداية أننا نفهم ونحترم حق المواطنين في التظاهر والاعتصام ولكننا نرى من جهة ثانية انه لا مبرر لدعوات التصعيد التي تزيدُ الأمورَ توتُّراً، كما تزيدُ من التحديات التي تُواجهُها البلاد. لم نكتف بالدعوات لتجديد الحوار حول المحكمة ذات الطابع الدولي وتوسيع الحكومة والانتخابات الرئاسية والقانون الجديد للانتخابات النيابية. بل وبادرنا أيضاً لاقتراح أفكارٍ في هذه الأمورِ كلِّها، والهدفُ منها إفساحُ المجال للحلول وعدم التمترس خلف المواقف بعد أن قطعوا سبل التواصل والحوار المباشر. وما تزالُ يدنا ممدودةً وعقولنا منفتحة لتعزيز المشاركة الحقيقية من غير تعطيل أو ابتزاز والحفاظ على وحدة اللبنانيين. ولن يغير في ذلك تعنتٌ من هنا أو مناورةٌ من هناك أو افتئاتٌ من هنالك.
إنّ قلقَ اللبنانيين كبير. فمنه ما تسببتْ به أحداث الماضي القريب، وأخطرها الاغتيالات، ومنها ما يدفع إليه العنفُ الكلاميُّ والتلويحُ بالتصعيد والتهديد بالتخريب وشلّ حركة البلاد والعباد. ومنه أيضاً ما يتصل بتعثر الوصول إلى اتفاق. غير أننا وفي ثباتنا دفاعاً عن لبنان وعن أمن اللبنانيين لن نسمح أن يتحول القلق إلى خوف على المصير.
إنّ أمن اللبنانيين قضية لا مساومة فيها. والجيش كما القوى الأمنية قامت وتقوم بواجبها في إطار الشرعية واحترام القوانين، لا ينبغي أن تنجح إسرائيل في السلم في الذي فشلت في تحقيقه في الحرب.
أيها اللبنانيون،
إنني وبمناسبة الميلاد والأضحى ورأس السنة، أودُّ التأكيد على أولويات عملْنا عليها دائماً ومنذ البيان الوزاري قبل سبعة عشر شهراً، وما زادتها حرب تموز وما بعدها إلا رسوخاً واقتناعاً.
الأولىالحفاظُ على الشرعية في ظلّ وثيقة الوفاقِ الوطني والدستور ذلك انه لإبقاءَ للنظام السياسيِّ الديمقراطيِّ والتوافقيّ بلبنان إلاّ بذلك.
والثانيةتثبيتُ استقلال البلاد وحرياتها والالتزام بالانتماء العربي، وضمانُ الأمن لسائر المواطنين، وبالابتعاد عن سياسات المحاور والوصايات ورفض تحويل لبنان إلى ساحة للصراعات الإقليمية، والعمل على بسط سيادة الدولة اللبنانية وسلطتها على كامل أراضيها، وتعزيز قوات الشرعية اللبنانية من جيش وقوى أمنٍ داخلي. وقد خطونا خطوةً أساسيةً بدخول الجيش إلى الجنوب حتى الحدود الدولية للبنان، ونحن ماضون في السبيل ذاته في شتى المناطق وان شاء الله سوف لن تمر سنة 2007 دون أن تعود مزارع شبعا إلى حضن الوطن.
وثالثاًالعملُ على إعادة الإعمار والنهوض الاقتصادي؛ وبخاصةٍ بعد التخريب الإسرائيلي في حرب تموز، والتي أعادت البلادَ أعواماً إلى الوراء. نحن اليومَ نعمل بجد في الجنوب والضاحية. ثم إننا نحاول مساعدة المتضررين في سائر القطاعات الاقتصادية ونجري اتصالاتٍ حثيثةً من أجل عقد مؤتمر باريس-3، وهذه فرصة كبيرة لا يقبل اللبنانيون تفويتها.
إننا نتوخى من وراء عملنا الدؤوب السير في الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية لكي نعالج شأننا الاقتصادي والمالي، ونتمكن من الحصول على الدعم اللازم من أشقائنا وأصدقائنا في العالم للتخفيف من الأعباء التي تراكمت على لبنان على مدى ثلاثين عاماً من الحروب والاجتياحات والاحتلالات والتي زادها الاجتياح الإسرائيلي الأخير حده وهولاً. لا يستطيع لبنان الخروج من الأزمة الاقتصادية التي تعصف به والعودة إلى النمو والتأكيد على استقراره الاقتصادي والنقدي والنجاح في تحسين عيش اللبنانيين ونوعيته دون تلازم الإصلاح والدعم العربي والدولي.
أيها اللبنانيون،
المشكلات كبيرةٌ وقاسية والتحديات كذلك لكن الإخوة العرب والأصدقاء في المجتمع الدولي، يقفون معكم، أي مع لبنان واستقلاله وشرعيته وإعماره وازدهاره غير أن الأمر الأهم أن يكون اللبنانيون معاً، مع أنفسهم ومع وطنهم ومع نظامهم ومع أخلاقهم. وهذه الفرصة، فرصة الميلاد والأضحى ورأس السنة، هي لتجديد العهد مع لبنان ومع عيشه المشترك ومع حيوية اللبنانيين وتضامنهم وكرامتهم.
نحن نثق بالله ونثق بالوطن ونؤمن بأننا سنتجاوز هذه المحنة كما تجاوزنا الكثير من المشكلات من قبل.
لا داعي للخوف ما دمنا معاً، ولا داعي للتوتر من جراء سماع التهديدات والإنذارات بالويل والثبور وعظائم الأمور.
خطُنا واضح ورؤيتنا واضحة، والمواطنون يعرفون ماذا يريدون وماذا يراد بهم ولهم.
أطمئنكم جميعاً، لا عودة إلى عهد الوصاية أي وصاية كانت، ويد القتل والغدر مهما ضربت فهي لن ترهبنا على الإطلاق. وسنظل نعمل معاً لكي يتحقق الأمن لكل اللبنانيين.
أطمئنكم جميعاً، سنبقى على عهدنا متمسكين بالدستور والشرعية، وستبقى يدنا ممدودة للجميع، دونما مساومة على الشرعية وعلى المؤسسات.
سنبقى أقوياء بصمودكم جميعاً وتمسككم بوفاقكم الوطني، وإرادتكم في الحياة.
سنظل معاً من أجل خلاصِ لبنان، بالسلام والسلامة، وبالأمن والحرية، وبالشرعية والدستور، وقبل ذلك وبعده بالعيش المشترك الذي قام عليه لبنان، وسيستمر عليه.
كل عام وانتم بخير، عشتم وعاش لبنان.
السراي الكبير
السبت في 23 كانون الاول 2006
رئيـس مجلـس الـوزراء
فـؤاد السـنيورة
