كلمة الرئيس فؤاد السنيورة في المؤتمر العربي والدولي لمساعدة لبنان "باريس-3" : الفشل نتائجه خطيرة ولبنان يحتاج الى دعمكم

فخامة الرئيس،
أيها الحفل الكريم، سيداتي سادتي،
يشرفني أن أكون بينكم اليوم، واسمحوا لي أن أعبر عن امتناني العميق للرئيس جاك شيراك والحكومة والشعب في فرنسا لاستضافتهم هذا المؤتمر الدولي، الذي هو دليل صادق على دعمكم وإيمانكم الثابتين بلبنان. كما أود أن أشكركم جميعاً على استجابتكم لدعوة الرئيس شيراك وتخصيصكم وقت من برامج عملكم للمشاركة في هذا الاجتماع الشديد الأهمية بالنسبة لنا نحن اللبنانيين. فدعمكم يشد من عزمنا على حماية حريتنا وتعزيز ديمقراطيتنا وتمتين استقلالنا وإصلاح اقتصادنا.
سيداتي سادتي،
نلتقي اليوم في وقت تسود فيه الانقسامات والخوف والتهديد والحيرة، ولكنه أيضاً وقت التضامن في ما بيننا نحن الذين نواجه مشاكل وتحديات مشتركة في سعينا لتحقيق الأهداف العالمية للسلام والازدهار والأمن والعدالة. فهكذا تضامن يقوي لبنان في سعيه لاستعادة دوره الفريد كجسر وليس كساحة حرب، وكمكان للتلاقي وليس للاختلاف. إن دعمكم يؤشر على أن إعادة نهوض لبنان المستقر والحيوي هو ذو معنى ليس فقط بالنسبة لبلدنا بل للمنطقة والعالم أجمع أيضاً. لذا فإننا نسعى إلى تحقيق هدفي الاستقرار والديمقراطية الفاعلة، حيث تكون حقوق الإنسان والحريات الفردية مؤمنة. فإن أخفقنا في تحقيق هذه الأهداف، ستتخطى التبعات السلبية حدود بلدنا الصغير.
أصدقائي الأعزاء،
في الوقت الذي عانى فيه الشرق الأوسط أكثر مما يستحقه من الاضطرابات في الماضي، يواجه اليوم مشاكل ضخمة، بما فيها الاحتلال والاضطرابات الطائفية والمذهبية والتطرف والعنف والعوائق أمام إحلال الديمقراطية والتنمية البشرية. وبسبب انفتاحه وتنوعه، لبنان ضعيف بشكل خاص تجاه هذه المخاطر والتحديات. إلا أننا، وبدل أن نسمح بتحويل لبنان ساحة حرب مفتوحة للتصادمات السياسية والإيديولوجية، أو أن يصبح مرتهناً للمواجهات الإقليمية والدولية، فإن بإمكانه ويجب أن يكون، مشعلاً يرفع مبادئ العيش المشترك والاعتدال والديمقراطية والحرية.
لا أريد أن أتجاهل أو أقلل من الصعوبات السياسية التي يواجهها لبنان حالياً، ولا شك أنكم على اطلاع على التجربة القاسية التي تمر بها ديمقراطيتنا منذ شهرين. وقد بلغ ذلك ذروته يوم الثلاثاء الماضي خلال المحاولة الدراماتيكية لتحقيق أهداف سياسية عبر وسائل غير مشروعة من التخويف والإخلال بالنظام العام. بالمقابل، وقفت حكومتنا بحزم في حماية المبادئ الديمقراطية وحكم القانون. وسنستمر في مد اليد لأخوتنا اللبنانيين في المعارضة للتوصل لحل عبر مؤسساتنا الديمقراطية، بالطريق الأمثل لخدمة مصلحة بلدنا وتعزيز دستوره. لقد استخلص الشعب اللبناني في ظل هذه المصاعب أن الحوار السلمي هو الطريق الوحيد لحل الاختلافات السياسية.
إنها أوقات صعبة لكنها أيضاً أوقات للتفكير. إنها لحظات الحقيقة حيث تكون الشجاعة والإصرار أمرين أساسيين. إنها أوقات لاتخاذ الخيارات الصحيحة والعمل على تحقيقها. لذا وقفنا بحزم خلال الشهرين المنصرمين، ولذا حققنا تقدماً في تطوير برنامجنا الإصلاحي الاقتصادي، ولذا نحن هنا بينكم اليوم.
إن الشعب اللبناني، تماماً كما هي الحال في البلدان الأخرى، يتطلع للعيش بسلام وكرامة في بلد آمن وحر تماماً كما أعلنوا أمام العالم أجمع في ربيع العام 2005 بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري المريع والمأسوي. وقد أكد الشعب اللبناني تصميمه على الجلب إلى العدالة منفذي هذه الجريمة الشنعاء والاغتيالات السياسية الأخرى التي ذهب ضحيتها سمير قصير وجورج حاوي وجبران تويني والوزيرين باسل فليحان وبيار الجميل، إضافة إلى محاولتي اغتيال الوزيرين الياس المر ومروان حمادة الموجود لحسن الحظ معنا اليوم إضافة إلى الصحافية مي شدياق. وحكومتنا ملتزمة إنشاء المحكمة الدولية الخاصة كما تم الاتفاق عليها مع الأمم المتحدة بهدف خدمة العدالة، كما أتمنى أن يكون لها دور آخر رادع وتساهم في وضع حد لانعدام المحاسبة.
سيداتي سادتي،
لم نشهد حدثاً أكثر مأسوية و إخلالاً بالاستقرار خلال العامين المنصرمين أكثر من حرب إسرائيل الهمجية وغير المبررة بتاتاً على لبنان والتي أدت إلى نزوح مئات الآلاف وتدمير البنية التحتية والاقتصاد والأهم من ذلك زهق أرواح آلاف المدنيين اللبنانيين وهو أمر يستمر اليوم للأسف نتيجة مليون قنبلة عنقودية منتشرة في الجنوب. وكانت تبعات هذه الحرب على الصعيد السياسي الداخلي خطيرة بالفعل ولا زالت تظهر حتى اليوم بطرق عديدة.
أصدقائي الأعزاء،
فيما قد تبدو ظاهرياً التحديات السياسية التي نواجهها أكثر دراماتيكية مما هي عليه التحديات الاقتصادية فإنها تتسم بالجدية نفسها وهي متشابكة في ما بينها. لقد كان لبنان قبل شهر تموز من العام الماضي يتقدم على مسار النهوض الاقتصادي مع معدل نمو متوقع يصل إلى 6% في العام 2006. إلا أننا الآن وبفعل الهجوم الإسرائيلي على بلدنا نقف عن حافة ركود اقتصادي عميق. ونحن نبذل قصارى جهدنا لمعالجة المسائل الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية التي نتجت عن الحرب. كما أننا لا نألو جهداً لإعادة تأهيل البنية التحتية بشكل سريع وفاعل وللنهوض باقتصادنا المنهك.
وبالرغم من شجاعة شعبه، فإن لبنان لا يستطيع وحده أن يتخطى التحديات الاقتصادية، القديمة منها والجديدة التي تنتظره. كما أن دعم أشقائنا العرب وأصدقائنا في المجتمع الدولي أساسي أيضاً. وأود هنا أن أشير بامتنان إلى المساعدات التي قدمت أو تم الالتزام بتقديمها لإعادة النهوض المبكر وإعادة تأهيل لبنان. إلا أن البلاد ما تزال غارقة تحت كلفة الدمار والعبء الثقيل للدين المتراكم على مدى سنوات عديدة، وهو ما يعيق النمو والتطور.
وكما قال الفيلسوف جبران، إن التقدم لا يكون بتعزيز ما هو قائم بل في التقدم نحو ما يجب أن يكون، وهذا بالتحديد ما يهدف إليه برنامجنا الإصلاحي. فهو يسعى إلى نمو اقتصادي يهدف إلى تحسين مستوى المعيشة ونوعية الحياة إضافة إلى تعزيز الشفافية ومعايير الحكم. إلا أن الإصلاحات المقترحة لا تكفي وحدها لتحقيق النمو المستدام والعادل وتأمين خدمة الدين. فإن ما نحتاج إليه هو دعمكم لبرنامجنا المتوسط المدى على شكل مساهمات وقروض ذات امتيازات خاصة مع مبالغ كبيرة مقدمة للفترة الأولى تتعدى مدة البرنامج. وإن الفشل في تحقيق أهداف البرنامج ستعرض أهداف الاستقرار السياسي والاجتماعي، وبشكل أعم، النظام الديمقراطي القوي للخطر. إن كلفة الفشل باهظة جداً وتفوق أي تصور. إنها بالتأكيد تفوق كلفة النجاح بأشواط، لذلك آمل أن تكونوا مقدامين في دعمكم.
لقد تمت دراسة برنامج الإصلاح الاقتصادي الموجود بين أيديكم دراسة معمقة، تماماً كما أوصى صندوق النقد الدولي. ونحن نتطلع لتسوية مع صندوق النقد الدولي يمكن أن تتخذ شكل اتفاق طارئ لما بعد النزاع. وقد رفع هذا الطلب لإدارة الصندوق ونحن نتطلع لجوابهم الإيجابي.
سيداتي سادتي،
يركز برنامجنا على إصلاحات هيكلية تعزز النمو. وقد تم تطوير إستراتيجية إصلاح حكومي إداري جيد ومفصل تشمل كل القطاعات الحكومية بهدف خلق إدارة عامة شفافة فاعلة ومسؤولة. كما تم وضع تدابير إصلاحية للقطاع المالي ستكون مهمة للنهوض المالي وتسهيل عملية الخصخصة وتعزيز الثقة بالسوق. كما أن الحكومة ملتزمة تطبيق سلسلة كبيرة من الإصلاحات القانونية والتنظيمية بهدف تعزيز القدرة التنافسية وتخفيض كلفة ممارسة الأعمال في لبنان.
كما يركز البرنامج على القطاع الاجتماعي مستهدفاً تعزيز التطور المستدام والعادل ومحاربة الفقر ووضع شبكات الأمان الاجتماعي. كما تهدف هذه الخطة إلى تحسين مستويات العلم والصحة وتعزيز فاعلية الإنفاق الاجتماعي وخفض الفروقات المناطقية داخل البلاد. وسيتم تحقيق أهداف الحكومة الاجتماعية عبر التنسيق بين كافة الأطراف المعنية بما فيها المؤسسات الحكومية والدولية والمنظمات غير الحكومية والقطاع الخاص والدول المانحة.
وهناك بند أساسي في الخطة الإصلاحية يتمحور حول الإدارة المالية الجيدة، ويتضمن تطبيق سلسلة من التدابير ستؤدي إلى زيادة الفائض الأولي عبر ترشيد الإنفاق وزيادة المداخيل وتقليص التأثيرات السلبية على الفقراء. لذا يعتبر إصلاح قطاع الكهرباء مهماً بشكل أساسي، خصوصاً وقد بلغ دعم الموازنة لهذا القطاع ما يقارب مليار دولار في العام 2006 أي ما يعادل قرابة 20% من العائدات الضرائبية و3.5% من الناتج المحلي العام. وقد تم في برنامج الحكومة تفصيل عدد كبير من التدابير القصيرة والمتوسطة الأمد الآيلة لإصلاح هذا القطاع الذي يعاني من وضع حرج.
إن بند التخصيص في برنامج الإصلاح أساسي لتعزيز النمو وتخفيض الدين العام وخدمته وتأمين توسيع السوق المالية الداخلية. ويتوقع أن تعزز الخصخصة الثقة ونوعية الخدمات العامة والقدرة التنافسية وأن تزيد من الفعالية مما يؤدي إلى خفض كلفة الخدمات الخاصة بممارسة الأعمال. إن عملية الخصخصة الشفافة لقطاع الاتصالات والتي ستؤمن أكبر قاعدة ممكنة من المساهمين هي واحدة من أهداف الحكومة الأساسية، وقد قمنا في هذا الصدد بإنشاء هيئة ناظمة للاتصالات وقمنا أخيراً بتعيين أعضاء مجلس إدارتها. كما تجدر الإشارة إلى أن عائدات الخصخصة ستخصص لتقليص الدين.
كما يتضمن البرنامج الإصلاحي سياسة مالية حذرة وسياسة لصرف العملات تهدف إلى المحافظة على استقرار السعر وعلى نظام مصرفي معافى وتأمين تسهيلات مصرفية للقطاع الخاص. إن سياسة لبنان الخاصة باعتماد سعر صرف مستقر خدمت البلد بشكل جيد ولا زالت أساسية للمحافظة على استقرار السعر وثقة المستثمرين.
إن الحكومة اللبنانية لا يمكنها أن تأمل بتحقيق هذه الأهداف من دون مساعدة مالية دولية تساهم في تخفيض عبء الدين العام وخدمته، مما سيساهم في بناء الثقة الضرورية لتشجيع استثمار القطاع الخاص اللازم لتأمين النمو والإنتاجية وخلق فرص العمل.
ففي الوقت الذي تعتبر فيه إعادة بناء اقتصاد لبنان أساسية لمستقبله، لا يمكن للنهوض الاقتصادي وحده أن يؤمن الاستقرار. فللمجتمع الدولي دور كبير في إعادة إرساء السلام والأمن في بلدنا. وفي الوقت الذي نجتمع فيه اليوم، تستمر إسرائيل في خرق القانون الدولي واتفاق وقف إطلاق النار من خلال طلعاتها الجوية المنتظمة في الأجواء اللبنانية. وبالإضافة إلى ذلك، فإن استمرار الاحتلال الإسرائيلي لمزارع شبعا يوفر عذراً للتدخل المستمر في الشؤون الداخلية اللبنانية. كما أن آثار عدم الاستقرار على لبنان لا يمكن نكرانها وتشير إلى الحاجة إلى احترام إسرائيل الكامل والفوري لقرار مجلس الأمن رقم 1701.
كما أنه من المهم جداً أن يتم إزالة العائق السياسي الأساسي النازف من أمام الاستقرار في الشرق الأوسط بشكل نهائي. على إسرائيل أن تدرك أن الحرب لم تؤمن لها لا الاستقرار ولا السلام. فشعوب الشرق الأوسط تتطلع للعيش بحرية وكرامة من دون تهديد دائم بالعنف والاحتلال وعدم احترام وحدة أراضيهم، والسبيل لتحقيق تقدم يكمن في سلام عادل وشامل ودائم يرتكز على أساس مبدأ الأرض مقابل السلام الذي نادت به القمة العربية في بيروت في العام 2002.
لا يمكن تطبيق حل سياسي مماثل إلا عندما تعترف إسرائيل بحق الشعب الفلسطيني بدولة مستقلة قابلة للحياة وبحق العودة للاجئين الفلسطينيين تنفيذاً لقرارات الأمم المتحدة. كما أن على إسرائيل الانسحاب من كافة الأراضي العربية التي تحتلها في لبنان وغزة والقدس والضفة الغربية وسوريا، فعندها فقط ستنعم إسرائيل بالأمن الذي تسعى إليه ويسود السلام الذي نصبو إليه جميعاً.
سيداتي، سادتي،
إذا ما راجعنا تاريخنا، يمكننا استخلاص عبر من صعوبات الماضي ونحن فخورون أنه حتى في ظل فترات من اليأس العميق لم يخب تصميمنا أبداً، فنحن مؤمنون بلبنان وبشعبه وهو إيمان نحن على ثقة أنكم تشاركوننا إياه. ونحن إذ نعمل من أجل مستقبل لبنان، نواجه حالة طوارئ لا تحتمل التأجيل، ونعمل بشغف وليس بأسى، بحماس وليس بانكسار. سنرى بلدنا يشرق من الظلمة الاقتصادية والسياسية من أجل أيام أكثر إشعاعاً ستأتي.
وكما تعلمون، فإن هذا المؤتمر هو الثالث من نوعه بعد باريس-1 و2، فكلاهما هما صنيعة رئيس وزرائنا الراحل رفيق الحريري، رجل الرؤية الذي آمن بلبنان ومستقبله الواعد والذي عمل من دون كلل، وأحيانا في مواجهة كل المصاعب، لمساعدة لبنان على استعادة مكانته الحقيقية بين الدول. فالرئيس الحريري نفسه جسد بطرق عديدة حيوية البلد وإمكانياته وآماله. وإن تسمحون لي أود أن أهدي اجتماع اليوم لذكراه، بما أنه هو الذي حلم بلبنان الذي نعمل لأجله واتخذ الخطوات الأولى الشجاعة على هذا المسار. ففي الوقت الذي يشكل غيابه خسارة فادحة لبلدنا، فإن ذكراه هي التي تقودنا اليوم على هذا المسار مجدداً.
أصدقائي الأعزاء،
إن دعمكم سيكون أساسياً لتقدم لبنان.
فرنسا- 25/01/2007
رئيـس مجلـس الـوزراء
فـؤاد السـنيورة
