مقالة افتتاحية للعدد السنوي لصحيفة الاوريان لوجور تحت عنوان "سيبقى لبنان"

ما عاد ممتعاً القول أنّ الظروف التي نمرُّ بها ظروفٌ حاسمة. فقد تكررت هذه العبارة على الألسنة والأقلام مئات ألوف المرات في العقود الماضية. ومع ذلك فإنه لا مهرب منها في الواقع، وبالنسبة للوضع في لبنان والوطن العربي، وأنحاء متعددة من العالَم وان كان الأمر في هذه المرحلة أكثر حدة من أي وقت مضى.
لقد شهد لبنان في السنوات القليلة الماضية سلسلةً من الأحداث الخطيرة، بدأت بالتمديد لرئيس الجمهورية فاغتيال الرئيس رفيق الحريري والاغتيالات الأُخرى لمثقفين وصحافيين وسياسيين، فتصاعُد التوتر السياسي، فاندلاعُ حرب تموز وما تلاها من تشنُّجٍ سياسيٍ وإعلاميٍ واغتيال الوزير الجميل وهي أحداث وضعت البلادَ في دائرة التأزُّم والتشاؤم.
مما لا شك فيه أن السؤال الذي يطرح نفسه على كل لبناني في هذه الظروف هو، لبنان إلى أين ؟ خاصة في ظل هذه المعطيات المعقدة والتجارب القاسية التي عاشها ويعيشها الوطن. والحقيقة، إن الجواب ليس مسألة سهلة، لكنه ليس مهمة مستحيلة، فقد أثبتت تجارب السنتين الماضيتين والتي حفلت بصعوبات ومشقات أن إرادة اللبنانيين أقوى من أي تحد. وهذا الكلام ليس من قبيل الادعاء بل على العكس هو صلب الحقيقة اللبنانية.
لقد ظن المجرمون أنهم باغتيالهم الرئيس الشهيد رفيق الحريري سيسهل عليهم إرهاب الشعب اللبناني والسيطرة عليه. لكن الذي حدث كان على العكس من هذه التوقعات فقد وقف اللبنانيون وقفة لم يكن المجرمون ولا أعداء لبنان يتوقعونها.
لكن المجرمين لم يتوقفوا بل أكملوا مخطط الإرهاب والترهيب بقتل واغتيال قيادات من بلادنا أملاً بالحصول على استسلامنا، ورغم تكرار المحاولات التي كان آخرها اغتيال الوزير الشيخ بيار الجميل، لكن النتيجة كانت وعلى عكس ما أرادوا، فلقد ثبت أن الشعب اللبناني صامد وهو لم يخضع ولم يتراجع.
هذه الإرادة الصلبة ظهرت أيضاً مع الاجتياح الإسرائيلي في تموز وقد ظهر للوهلة الأولى أن لبنان سيركع بفعل الغطرسة الإسرائيلية، لكن مرة أخرى أثبت لبنان انه قادر على أن يبلور موقفه وموقعه أمام المجتمعين العربي والدولي، مما اضطر إسرائيل إلى وقف العدوان والى أن ترضخ لبند الانسحاب من الأراضي التي احتلتها حديثاً من لبنان والبدء بالالتزام بموجبات القرار الدولي المعدل لمصلحتنا وذلك وسط دعم دولي عارم لعودة لبنان المستقل والقوي بوحدة أبنائه وبمساعدته على إعادة البناء والاعمار وتعزيز استقراره.
إن الأحداث الماضية دلت أن الفكر اللبناني المستقل المرتبط بالمصالح الوطنية والقومية الذي انتهجته الحكومة نجح في الشروع في أن تدخل البلاد مرحلة تأسيسية على المستوى الوطني والعربي لجهة التأكيد على سيادة لبنان واستقلاله وحرياته وعلى القيم التي طالما مثلها في هذه المنطقة والعالم والقائمة على الديمقراطية والحرية والاعتدال والتسامح والانفتاح وانتمائه العربي بإرادته الحرة وليس بالإرغام. كذلك، وفي صنع إرادة لبنانية صلبة ومتماسكة لمواجهة المحن والصعاب، وهذا كله أدركه أشقاء لبنان وأصدقاءه ودفعهم إلى التعاون سوية في العمل على مساعدته عبر دعم انعقاد مؤتمر باريس-3 وإنجاحه انطلاقا أيضا من البرنامج الذي وضعه لبنان للإصلاح الاقتصادي والمالي والإداري والاجتماعي.
إن الدروس المستفادة من تجارب الأيام الماضية انطلاقا من مواجهة محاولات الإرهاب والسيطرة، مرورا بالتصدي لمحاولات الابتزاز، وصولاً إلى الإصرار على الإخضاع بما في ذلك السعي إلى بث الفرقة بين اللبنانيين والعمل على إدخالهم في معارك جانبية تبعدهم عن الاستمرار في مقاربة مشاكلهم الحقيقية بانفتاح وتفهم وإدراك للمخاطر في حال استمرار التلكؤ في معالجة تلك المسائل الداهمة على الرغم من ذلك فقد دلت الأحداث على أن الصمود الداخلي هو الذي فتح الطريق أمام مبادرة الأصدقاء لمساعدة لبنان والتأكيد على استقراره الاقتصادي والمالي والنقدي والاجتماعي.
هذه هي الدروس المستفادة، أن نجاح لبنان في إثبات وجوده المستقل على مستوى السياسة الخارجية والداخلية، واجتراحه الأفكار والحلول المبتكرة من النقاط السبع، إلى التعديلات على مسودة القرار الدولي لصالحه، إلى المصداقية في معالجة مشاريع الإصلاح الداخلي ومسألة تعزيز المشاركة الحقيقية بين اللبنانيين في تسيير أمور البلاد، كلها قدمت الأرضية المطلوبة لكي يقف العالم معنا.
انطلاقا من ذلك، فان ضمان نجاحنا في استعمال جميع مقدراتنا لخدمة بلدنا ومواطنينا وكذلك في بقاء العالم إلى جنبنا استنادا إلى صيغتنا الفريدة هو في إثبات قدرتنا على أن نكون على قدر التحدي المطلوب منا.
نحن نُواجهُ الآن تحدِّيَ الإفادة إلى الحدود القصوى الممكنة من مؤتمر باريس-3، لأنه أُفُقٌ كبيرٌ انفتح للبنان الحاضر، وللبنان الأجيال المقبلة. بيد أنّ تلك الإفادة تبقى رهنا بإرادة سائر الأطراف في الوصول إلى توافُقٍ سياسيٍ على المحكمة ذات الطابع الدولي والحكومة الموسعة، وكيفية معالجة الملفّات موضع الاختلاف أو الخلاف وكذلك في السير بشجاعة وإقدام في ملف الإصلاح الحقيقي بما يضع لبنان على المسار نحو المعالجات الحقة لمسائل طال أمدها. ولا شكّ أنّ التوافق الوطنيَّ هو السبيل المتاح والضروري للإفادة من الفُرص التي أفضى إليها الاهتمام العربي والدولي بلبنان.
وكما واجه لبنان التجارب الصعبة السابقة ونجح في تجاوزها والحد من مخاطرها، فان لبنان استنادا إلى ذات التجربة سيشق طريقه في المستقبل بإرادة لا تلين ولا تنكسر.
نحن في مطلع عامٍ جديدٍ نرجو أن نتمكَّنَ فيه من طيّ صفحات ملفات العامين الماضيين، ليس باتجاه التجاهُل والإلغاء، بل بالتقدم في معالجة حقيقية لمُشكلاتها، والتقدم في صناعة المستقبل الأفضل لجميع اللبنانيين، ولكلّ لبنان.
فــؤاد الســنيورة
