حديث للرئيس فؤاد السنيورة لصحيفة لوس أنجلس تايمز : نمد يدنا ولا نستخدم الكلام الذي يلجؤون إليه هم أحياناً من تخوين للطرف الآخر علماً أنهم منذ أشهر قليلة فقط كانوا يقولون أن هذه الحكومة هي حكومة المقاومة السياسية.

-A A +A
Print Friendly and PDF

 

 

 

سئل:   لست أرى اليوم كيف يمكنكم الخروج من الأزمة السياسية التي يتخبط فيها البلد.

أجاب: لا شك أن الأمور وصلت إلى طريق مسدود وان هناك صعوبات، لكن، تماماً كما هي الحال في كل المجالات، إن آمنتم بأمر وكان لديكم التصميم الحقيقي وكنتم مقتنعين بالقضية التي تعملون لأجلها،أعتقد أنكم ستجدون عاجلاً أم آجلاً سبلاً لحل الأمور خاصةً وأن البدائل أسوء بكثير. لذا نحن مؤمنون أنه في ظل الوضع الذي نعيشه تحظى الحكومة بأكثرية في مجلس النواب وبالأكثرية الشعبيةأن ما أعنيه هو أن هذه الحكومة قائمة هنا اليوم ولن تكون كذلك غداً وهذه هي الديمقراطية وهذه هي حياة أية حكومة، لذا ما يهم فعلاً هو أن الحكومة لا زالت تحظى بالأكثرية في مجلس النواب الذي تم انتخابه بشكل ديمقراطي وبالأكثرية بين الشعب اللبناني. لذا وعلى هذا الأساس، نحن مستمرون. لكن في الوقت نفسه أن مؤيدي الطرف الآخر هم مواطنينا لذا سنستمر في القول أننا نمد يدنا ولا نستخدم الكلام الذي يلجؤون إليه هم أحياناً من تخوين للطرف الآخر وما إلى ذلك، علماً أنهم منذ أشهر قليلة فقط كانوا يقولون أن هذه الحكومة هي حكومة المقاومة السياسية. وقد عملنا بجهد كبير وقد تعاونا مع رئيس مجلس النواب نبيه بري وشكلنا معاً فريقاً ناجحاً من أجل توضيح الموقف اللبناني من الاعتداء الإسرائيلي ونجحنا في نهاية المطاف في تحقيق انجاز مهم، علينا ألا ننسى أن لبنان تعرض لهذا العدوان الكبير وتمكنا من إيضاح موقفنا من خلال خطة النقاط السبع ونجحنا في تغيير القرار الصادر عن مجلس الأمن لمصلحة لبنان بصفته بلد يتعرض للاحتلال وفي وضع حد للأعمال العدائية ورفع الحصار وإرسال الجيش اللبناني إلى الجنوب بعد 35 عاماً من غياب القرار في هذا المجال، إذ كان يخون كل من كان يتحدث عن إرسال الجيش إلى الجنوب، وفي أخيراًتحقيق الانسحاب الإسرائيلي من كل الأراضي التي تم احتلالها مؤخراً في الجنوب. هذه الانجازات حققتها الحكومة اللبنانية، فهذه الحكومة التي كانت تعتبر حكومة المقاومة السياسية أصبحت فجأةً وبسبب قرار صدر في الخارج حكومة السفير الأميركي. ما أريد قوله صراحةً هو أن هؤلاء، وبالرغم من ادعاءاتهم وأعمالهم ومحاولة تصنيفهم إيانا، هم في نهاية المطاف مواطنينا وعلينا مد يدنا لهم وهذا ما نفعله حالياً ونحن مؤمنون أن لا سبيل آخر سوى خوض حوار حقيقي معهم لمحاولة معالجة الخلافات والتوصل إلى حل إذ يجمع بيننا الكثير من الأمور.

 

سئل:   لكن كيف ستخرجون من هذا الطريق المسدود؟

أجاب: أولاً، نحن نؤمن بشدة أنه لا يمكن التوصل إلى أية نتيجة من خلال الاعتصام، هذا تاريخ لبنان وأعني أنه لا يمكن لأي فريق أن يتغلب في حين يغلب الفريق الآخر، للبنان تاريخ طويل في هذا المجال. وكان بعض الأفرقاء قد حاولوا في أوقات معينة تحقيق نوع من النصر لكن الأمر لم ينجح، أكان ذلك في أوائل الخمسينات أو منتصف الخمسينات أو الستينات أوفي أوائل السبعينات. لذا يجب عدم اللجوء إلى هذه النقطة إذ أن التجارب أظهرت أنها لا تساعد. أنا أوافق أن المهمة صعبة لكن الاستمرار في هذا الموقف وهذه المقاربة سيؤدي إلى نتائج خاصةًً وان البديل يكمن في العودة إلى حيث كنا في الماضي تحت الوصاية السورية. سأكون صريحاً معكم وهذه وجهة تفكيري، أنا لست ضد سوريا فأنا شخصياً عبر حياتي ومساري المهني أؤمن بشدة بعلاقات مميزة بين لبنان وسوريا ومن يعتقد أنه عدو لسوريا فمجنون، نحن لا نريد العداء مع سوريا فتاريخ طويل يجمع بيننا كما يجب ألا ننسى العامل الجغرافي إضافةً إلى المصالح المستقبلية المشتركة العديدة، لذا نؤمن أنه على لبنان وسوريا أن يكونا دوماً معاً لكن كأي أخوين حتى لو عاشا في منزل واحد لكن لكل منهما غرفته ولن يقبل أي كان أن يقوم أحد الأخوين بمحاولة السيطرة، نحن نريد أن نعيش معاً لكن على أساس الاحترام المتبادل ولدينا تجربة في هذا المجال حيث قام السوريون بعمل ايجابي بالنسبة للبنان في وقت من الأوقات عبر وضعهم حد لدعوات تقسيم لبنان ومساعدتهم لبنان على تخطي تبعات الاحتلال الإسرائيلي إلا أن وجودهم أصبح ثقيل العواقب على لبنان اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً وإدارياً إذ تدخلوا فعلياً في كل المجالات في البلد وهذا لا يمكن القبول به، لذا حظي لبنان بعد اغتيال الرئيس الحريري على استقلاله الثاني. لكن لا نريد أن نصبح أعداء لسوريا، فنحن لسنا كذلك، بل نؤمن أنه باستطاعة لبنان البلد المستقل والسيد أن يخدم مصالحه ومصالح سوريا والقضية العربية بشكل أفضل مما لو كان دولة تابعة.

 

سئل:   خلال الحرب مع إسرائيل، بدا من خلال الأصداء الواردة والتغطية الإعلامية أن الولايات المتحدة أيدت إسرائيل ضد لبنان وأن الرسالة التي نقلت إلى الجهات المعتدلة في العالم العربي مفادها أنه حين يكون على الولايات المتحدة الاختيار من تؤيد فستختار إسرائيل، هل شعرتم بأنه تم التخلي عنكم في هذه الفترة وأن هذا هو فحوى الرسالة؟

أجاب: دعيني أطلعك على أمر أن تاريخنا مع الولايات المتحدة طويل ولم يبدأ مع الاحتلال الأخير وقد حفل تاريخ العالم العربي دوماً بالكثير من الشكاوى وجهت ضد الولايات المتحدة لاتخاذها موقفاً داعماً لإسرائيل في مواجهة القضية العربية، وأعتقد أن هذه السياسة أدت إلى ما نشهده اليوم، فهذه السياسة ليست سياسة حزب أو فريق حاكم في الولايات المتحدة لا بل لطالما اعتمدت الولايات المتحدة الازدواجية ووقفت ضد العالم العربي والفلسطينيين، حتى أنها بالإضافة إلى دول غربية أخرى دفعت بالأمور في نهاية المطاف إلى حد دفع معه العالم العربي نحو التطرف على أنواعه الديني وغير الديني بسبب اليأس فهناك شعور في العالم العربي والإسلامي أن الشعوب العربية تتعرض للإذلال يومياً، فهذه الشعوب ترى بأم العين إسرائيل تخضع العرب وتقتلهم وتجبرهم على ترك بيوتهم وقراهم وتبني ضد إرادة الشعب حائطاً غير شرعي في القدس وليس بيدهم حيلة لأن هذه الأمور مفروضة من قبل الولايات المتحدة. نحن نؤمن أنه يجب استخلاص العبر مما حصل حتى الآن ودفع الأمور نحو حل حقيقي للنزاع العربي الإسرائيلي في منطقة الشرق الأوسط بدء من لبنان، وهذا ما كنا نبحثه قبل الاحتلال الإسرائيلي الأخير للبنان عبر التحدث مع وزيرة الخارجية رايس وذلك منذ تولي رئاسة مجلس الوزراء التي أشغلها منذ 18 شهراً، وأنا على الموقف نفسه الذي كنت قد اتخذته سابقاً بصفتي وزيراً للمالية في الحكومات المتلاحقة التي شكلها الرئيس الراحل رفيق الحريري رحمه الله وهو أنه علينا معالجة المشكلة الأساسية في المنطقة. وقد أوضحت عندما توليت رئاسة مجلس الوزراء أنه من المهم جداً استعادة لبنان لأراضيه المحتلة، فالإسرائيليون دخلوا لبنان في العام 1982 وكانوا قد نفذوا العديد من محاولات الاحتلال قبل هذا التاريخ في الأعوام 1978 و1969و1967 و1957 وقد أعلنوا في العام 1982 أنهم قدموا إلى لبنان للقضاء على منظمة التحرير الفلسطينية إلا أنهم لم ينجحوا في ذلك بل على العكس مهدوا الطريق لإنشاء حزب الله، لذا نحن نعي أن الاحتلال هو المشكلة تماماً كما كانت عليه الحال خلال الاحتلال الإسرائيلي الأخير للبنان إذ يقول البعض أن حزب الله عبر الخط الأزرق وهذا صحيح ظاهرياً إنما أساس المشكلة تكمن في استمرار الاحتلال فقد انسحبت إسرائيل من لبنان في العام 2000 لم عليها إذاً الاستمرار في احتلال مزارع شبعا وهي أراض لبنانية ولم لم تقم بتسليمها للبنان. وذلك ليس كل شيء فحتى اليوم لم تسلم إسرائيل لبنان خرائط الألغام التي زرعتها في أراضيه. في ال36 ساعة بين 14 آب وتاريخ إنهاء إسرائيل للأعمال العدائية، أي بين نهار السبت عند الساعة الواحدة بتوقيت بيروت عندما اتخذ مجلس الأمن قراره ونهار الاثنين عند الساعة الثامنة عندما اتخذت إسرائيل قرار وقف الأعمال العدائية، قامت إسرائيل بقصف الجنوب بقنابل عنقودية لا تزال 1،2 مليون قنبلة غير منفجرة منتشرة على الأراضي اللبنانية إضافةً إلى ما يزيد عن 380،000 لغم أرضي لم نحصل بعد على الخرائط الخاصة بها. كما أن إسرائيل لا زالت تخرق المجال الجوي اللبناني ولا زالت تحتجز أسرى لبنانيين لديها. لذا فان أساس المشكلة يكمن في استمرار الاحتلال واستمرار مأساة الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية الذي يؤدي إلى المزيد من المواجهات بين الفرقاء الفلسطينيين.

 

سئل:   ما هي سياسة الولايات المتحدة في ما يتعلق بلبنان؟ هل تدعم الولايات المتحدة إسرائيل والاحتلال أو أنها تدعم لبنان؟

أجاب: أولاً، إن الولايات المتحدة تدعم سيادة واستقلال لبنان إلا أن ما نطلبه فعلاً منها هو أن تضغط على إسرائيل للانسحاب من مزارع شبعا، كما نطالبهم بحث إسرائيل على وقف طلعاتها الجوية فوق لبنان.

 

سئل:   لكن هل يقومون بذلك فعلاً أم لا؟

أجاب: يقولون أنهم يفعلون ذلك، لكن ما يهمني فعلاً هو النتائج النهائية. لقد تحدثت إلى الرئيس بوش أكثر من مرة قبل وبعد وخلال الاحتلال وقمت بزيارة إلى الولايات المتحدة وكان لنا حديث طويل قال لي خلاله أنه ما زال مقتنعاً بأهمية قيام دولتين دولة فلسطينية ودولة إسرائيلية يمكنهما العيش معاً. إن العبرة التي يمكن استخلاصها من الحرب الأخيرة، وهي العبرة نفسها التي كان علينا استخلاصها قبل ذلك، مفادها أنه لا يمكن تحقيق أية نتيجة عبر استخدام القوة وعلى إسرائيل أن تعي أن أمنها وسلامتها وأمن المواطنين الإسرائيليين لن يتحقق من خلال امتلاكها كماً كبيراً من الأسلحة إذ أنها خلال احتلالها الأخير للبنان استخدمت عملياً كافة أنواع الأسلحة المتطورة باستثناء السلاح النووي.

 

سئل:   عندما تتكلمون تبدون تماماً ككافة اللبنانيين إلا أن المعارضة تتهمكم بأنكم أداة بيد السياسة الأميركية.

أجاب:صحيح أنهم يحاولون تصنيفي على هذا النحو إلا أنهم هم أنفسهم يقولون في الوقت نفسه أنهم يريدون توسيع الحكومة برئاسة فؤاد السنيورة، أنا باق في منصبي ما دمت أحظى بثقة مجلس النواب وفي حال كان علي ترك هذا المنصب أؤكد لك أنه لن يرف لي جفن. ما أقصده هنا هو أنني، في تصريحاتي هذه، لا أمثل نفسي فقط بل أمثل غالبية اللبنانيين إن لم يكن كل اللبنانيين، الآن إن رغب البعض في توصيف الولايات المتحدة بأنها الشيطان وتوصيف طرف آخر بأنه ملاك فاناأحترم وجهة النظر هذه، أنا رجل واقعي بمعنى أنني أعي أن الحياة ليست مكاناً للصالحين بل هي كل هذا وأنا كرجل سياسي علي التعامل مع الجميع بما يخدم مصالح بلدي، بعبارة أخرى يساندني بلد ما مئة بالمئة هذا جيد ويساندني بلد آخر بنسبة 10% آخذ هذه النسبة وأحاول التعامل مع نسبة ال90% المتبقية فان لم تصبح هذه النسبة معي جزئياً أو كلياً علي عندهاعلى الأقل التخفيف من حدة عدائها أو موقفها المعادي لي، هذا هو الموقف الذي علي التعاطي معه. في ما يتعلق بالولايات المتحدة نعم إن علاقتها مع إسرائيل ودودة جداً وأنا أحاول إيضاح مشاكل لبنان والعالم العربي للولايات المتحدة وان دعم التوصل إلى حل دائم للنزاع العربي الإسرائيلي لن يخدم فقط مصلحة لبنان والعالم العربي إنما مصلحة الولايات المتحدة كذلك لأن تبعات استمرار النزاع تنعكس ليس فقط على صورة الولايات المتحدة إنما على الأمن في كافة أنحاء العالم.

 

سئل:   هل تعتقدون أنه على إسرائيل وسوريا الدخول في مفاوضات تحت رعاية الولايات المتحدة؟

أجاب: نعم، أما في ما يتعلق بالمنهجية وبكيفية إجراء المفاوضات فذلك عائد للسوريين، إلا أنني أعتقد أنه عليهم القيام بشيء ما، إذ سيكون عليهم في نهاية الأمر الجلوس والعمل على حل فعلي تعيد إسرائيل بموجبه للعرب كل الأراضي التي احتلتها في العام 1967 بما في ذلك هضبة الجولانوغزة والضفة الغربية وبالتأكيد قبل كل ذلك الأراضي اللبنانية المحتلة.

 

سئل:   هل تعتقدون أن الولايات المتحدة تستمر في جر سوريا باتجاه هذا التحدي؟

أجاب: إن سوريا دولة،لا يستطيع أحد محو هذه الدولة عن الخريطة ويجب إشراك سوريا لكن إشراكها يعني جعلها جزء من الحل وليس جزء من المشكلة من جهة وإشعارهم أنهم سيستعدون في نهاية الأمر الأراضي التي احتلتها إسرائيل من جهة أخرى. وهذه هي سبيل إعادة إشراك سوريا، إذ أنه على السوريين أن يشعروا في نهاية المطاف أنهم سيصلون إلى وضع يستردون فيه أرضهم. كما أنه يتعين على السوريين أن يعتادوا في الوقت نفسه على فكرة كون لبنان بلد سيد مستقل.

 

سئل:   ماذا عن إيران؟

أجاب: ليس لدينا مشكلة ظاهرة مع إيران. إن إيران تقع على الحدود مع العراق ومعظمنا نحن الذين ترعرعنا على فكرة الأمة العربية فأنا لبناني وعربي في الوقت نفسه ولا أجد أي تناقض في هذين الانتماءين وأنا أؤمن بالأمة العربية تماماً كما تؤمنون أنتم بأوروبا فأنتم فرنسيون لكنكم تنتمون أيضاً للاتحاد الأوروبي والمجتمع الأوروبي. لذا يمكن أن يكون المرء لبنانياً ومصرياً وسورياً وسعودياً وينتمي في الوقت نفسه للاتحاد العربي. إذاً إن إيران تقع على الحدود مع العراق ويجب أن نقيم علاقات جيدة جداً معها، صحيح أن هناك بعض الخلافات التي علينا حلها لكن ليس بالقوة فأنا لا أؤمن بالسبب الذي أدى إلى المواجهة بين إيران والعراق، وما نراه هناك اليوم ليس سوى نتيجة هذه الحرب البشعة التي أدت إلى دمار إيران والعراق على حد سواء والى المزيد من التطرف والتوتر في العلاقات الإيرانية العربية، ليس هذا هو السبيل لتسوية الأمور. أنا أعتقد أن أمور عدة تجمع لبنان وإيران ونحن نريد أن نحافظ على صداقتنا لكننا نريد أن تقوم هذه العلاقة بين الدولتين وليس بين دولة وحزب في لبنان لأننانؤمن بشدة بأن الدولة اللبنانية التي افتقدنا وجودها لعقود عليها أن تعود إلى الساحة وأن تكون القوة الوحيدة في لبنان وأن تحتكر الحكومة اللبنانية مسألة حيازة السلاح ويجب تسليم أي سلاح آخر للحكومة اللبنانية ليس بالقوة إنما عبر الحوار والتعاون والتنسيق بين الحكومة اللبنانية ومختلف الأحزاب. علينا أن نفهم سبب وجود حزب الله ألا وهو استمرار الاحتلال كما قلت لكم سابقاً لنتخلص إذاً من الأسباب الكامنة التي أدت إلى هذا الوضع، عندئذ يمكننا معالجة العوارض الناجمة عن هذا الوضع. نعم علينا أن نقيم علاقات جيدة مع إيران لكن على الإيرانيين أن يدركوا أن لبنان دولة مستقلة وأن عليهم التعامل مع الدولة وليس مع مجموعات لأنها من خلال ذلك ستدفع أطرافاً أخرى لسلوك مسلكها، مما سيؤدي إلى تفتيت الكيان اللبناني. نحن نؤمن أنه بعد أربعة عقود من انعدام أي وجود حقيقي للدولة، يعي الشباب هؤلاء الذين يبحثون عن مستقبلهم أنه لا يمكن ضمان مستقبلهم هذا وأنه لا يمكن تأمين نجاحهم في حال لم تعد الدولة إلى الساحة ولا أعني بذلك دولة تتدخل في كل المجالات بل أعني، وأنا رجل ليبرالي جداً، دولة ديمقراطية يمكن التعامل معها ويمكنها حض الفرد على تقديم أفضل ما لديه، هذا ما أؤمن به فعلاً.

 

سئل:   ما رأيكم بالمفاوضات الأخيرة بين الرياض وطهران التي تناولت لبنان؟ ألا تعتبرها مساساً بالسيادة اللبنانية؟

أجاب:كما تعلمون يتم استخدام لبنان كورقة تفاوض فهناك العديد من المسائل الأخرى في المنطقة أهمها الدور الذي ترغب إيران في لعبه في المنطقة. نحن نحترم إيران لكن ليس كمحور ندور في فلكه، لا يمكن لهذا الأمر أن ينجح وذلك لأسباب تاريخية مرة أخرى تعود إلى قرون. فان كان لدى إيران جدول أعمال آخر له علاقة بنشاطها النووي هذا أمر لا يتعلق بها وببعض الدول العربية إنما بالعالم ككل. ويتم في لبنان استخدام هذه المسألة كسبيل لممارسة الضغط إذ يتم اختطاف لبنان إلى حد ما بطريقة ما وهذا ما نحاول الخروج منه فسياستنا في لبنان تكمن في أننا لا نريد أن نكون مسرحاً لنشاطات الآخرين أو ساحة حرب لمعارك الآخرين. لقد صرح البعض أنه يريد هزيمة الولايات المتحدة في لبنان هذا خيارهم، إن استطاعوا فليفعلوا، إلا أننا قلنا أن ذلك سيحول أرض لبنان إلى ساحة حرب. ثانياً، نحن نريد أن نقيم علاقات جيدة مع الجميع فنحن كبلد صغير لا قدرة لنا لتحمل تأييدنا مجموعة ضد مجموعة أخرى أو انضمامنا لمحور ضد تحالف آخر وذلك بسبب تكوين لبنان كبلد تعددي يضم 18 طائفة. يمكن لهذا البلد أن يكون الأقوى والأكثر فعالية عندما تتحقق الوحدة فيه ويصبح الأضعف عندما تتفكك وحدة اللبنانيين. هذا ما نسعى لتحقيقه، نريد علاقات جيدة مع إيران لكن لا نريد أن يتم اختطافنا على يد هذا البلد وأو أو ذاك خدمة لمصلحة جدول أعمال أحدى الدول. إن الولايات المتحدة تدعم سيادة واستقلال البلد لكننا نريد منها أكثر من ذلك ونحن نشكر الولايات المتحدة والرئيس بوش على المشاركة في مؤتمر باريس 3 الذي كان مؤتمراً ناجحاً والمساهمة التي قدمتها الولايات المتحدة، لكنني أعتقد أنه يجب أن يترافق ذلك بالمزيد من الدعم السياسي في مجال إنهاء الاحتلال، فاستمرار الاحتلال لا يؤدي فقط إلى انعدام قدرة الدولة على بسط سلطتها إنما يدفع بأطراف أخرى للتذرع بهذا الاحتلال والاستمرار في التدخل في الشؤون اللبنانية.

 

سئل:   ماذا ترغب، وفقاً لكم، الولايات المتحدة في تحقيقه هنا؟

أجاب:عليكم أن تدركوا ما يعنيه هذا البلد فقد سأل أحدهم عن السبب وراء وجود لبنان وهذه ال10آلاف متر مربع التي تثيرون بشأنها كل هذه المشاكل فتسببون بصداع للعديد من الناس وعن ماهية هؤلاء الأربعة مليون شخص، فعدد مواطني الكثير من البلدان الأخرى مرتفع بأشواط، والجواب يكمن في أن لبنان هذا لعب ولا يزال دوراً لم يلعبه أي بلد آخر، فهذا البلد كما قال البابا يوحنا بولس الثاني هو "رسالة" وبلد التوافق والعيش المشترك والبلد الذي اثبت انعدام ما يسمى صراع الحضارات أو النزاع في ما بينها.

 

سئل:   لكن يبدو في لبنان عدد من حالات النزاع بين الحضارات.

أجاب: أعتقد أن ذلك لا يعكس روح البلد، إذ يمكن استخدام أية مجموعة من الناس للاعتراض على واقع ما. أما إثباتي على ذلك فتراجع حدة الأمور بين الحين والآخر بعد أن تصل هذه الأمور إلى الخط الأحمر لان من يدفع البلد نحو التصعيد لا يمثلون روح البلد، لذا لا تدعو هذه الأحداث الحالية تغشكم. يمكن لهذا البد أن يلعب دوراً فاعلاً جداً في العلاقة ليس بين المسلمين بل بين المسلمين والمسيحيين، وفي كونه مثالاً للديمقراطية والانفتاح والتسامح. تنظرون إلي الآن وعلامات التعجب بادية على وجوهكم. كم مضى على وجودكم في المنطقة؟

 

سئل:   نحن نعمل في المنطقة العربية منذ العام 2001 وكنا نقصد لبنان قبل اغتيال الحريري. إن لبنان الذي مر في حرب أهلية هو اليوم على مشارف نزاع مذهبي، فما رأيكم؟

أجاب: أعتقد انه عند النظرة الأولية إلى الحالة في لبنان ستعتقدون أن البلد على مشارف حرب أهلية. أما عند التمعن بالأمور فترون أن البلد تغلب على كل التجارب التي مر بها من جراء الأزمات في الشرق الأوسط. إن هذا البلد دفع ثمن باهظاً بسبب تميزه وتمتعه بالديمقراطية والانفتاح فالكبت في العالم العربي لا يمكن أن يعبر عن نفسه إلا عبر لبنان لذا ما ترونه هنا ليس مشكلة لبنانية إنما هو انعكاس للكبت في العالمين العربي والإسلامي، يمكن للبنان أن يلعب الدور في هذا المجال أن أعطي فرصة.

 

سئل:   إذاً لستم على مشارف حرب أهلية؟ وهل هناك خطر الانزلاق نحو حرب أهلية؟

أجاب: نعم إن لم يقم الشعب اللبناني بمساعدة الآخرين بالعمل على خلاص هذا البلد. فانتم تقودون النعجة إلى عرين الأسد وتقولن لها انه عليها أن تحافظ على سلامتها، عليكم بالفعل مساعدة النعجة على الخروج من هذا العرين. لكن بالرغم من كل ذلك تمكن لبنان من الاستمرار وأظهر قسطاً كبيراً من الشجاعة.

 

سئل:   إننا نحاول معرفة سياسة الولايات المتحدة في المنطقة. ما هي النصائح التي أسدوها إليكم؟

أجاب: أنتم تنظرون إلي ومعالم التعجب ظاهرة على وجوهكم. عليكم أن تتعجبوا من السياسة الأميركية.

 

سئل:   ماذا قالوا لكم؟ كنا قد سمعنا أنهم يدفعون باتجاه قيام المحكمة الدولية، هل هذا الصحيح؟ وما هي المسائل الأخرى التي تم بحثوها معكم؟

أجاب: في ما يتعلق بالمحكمة ذات الطابع الدولي وسبب قيامها، إن هذا البلد عانى من نسبة كبيرة من الاغتيالات التي طالت سياسيين ورجال دين ومفكرين ورؤساء تحرير كلها سطرت ضد مجهول. ما نريده من المحكمة ذات الطابع الدولي ليس فقط معرفة هوية الأشخاص الذين اقترفوا هذه الجرائم إنما حماية الديمقراطية والحرية في هذا البلد.

 

سئل:   هل تلعب الولايات المتحدة دوراً في هذا المجال؟ وهل كانت تدفع باتجاه قيام هذه المحكمة؟

أجاب: نعم، لقد قدمت أميركا دعمها لنا في هذا المجال.

 

سئل:   ماذا طلبت منكم الولايات المتحدة في مجال إدارة الأزمة الحالية؟

أجاب: نحن هنا للقيام بما نظنه يخدم مصلحة بلدنا، نحن نسعى للحصول على دعم الآخرين لكننا لا نأخذ تعليمات منهم.

 

سئل:   ما هي مصلحة حكومة الولايات المتحدة إذاً وماذا طلبت؟

أجاب: هذا البلد لا يملك أية موارد طبيعية فهذا بلد فقير لا يملك سوى عقول مواطنيه ونعم هذا البلد يقع على الحدود مع إسرائيل فإذا كانت مصلحة الولايات المتحدة مرتبطة فقط بهذا السبب فقد ثبت أن هذه الطريقة ليست الطريقة المناسبة لحماية إسرائيل.

 

سئل:   أتعتقدون أنهم يدركون هذا الأمر؟

أجاب: أعتقد أنهم يدركون أهمية هذا البلد والتعقيدات التي قد تنتج عن تدهور الأوضاع فيه وفي بلدان العالمين العربي والإسلامي لأن أي تدهور أو تصعيد لن ينحصر في حدود لبنان خلافاً لما يحصل حتى في العراق، فلتبعات الأحداث هنا وقع أوسع مجالاً.

 

سئل:   ما الدور الذي تلعبه الولايات المتحدة إذاً لمنع حدوث ذلك؟

أجاب: تدعم الولايات المتحدة من جهة الحكومة اللبنانية تماماً كما تفعل 180 دولة أخرى، فالولايات المتحدة ليست وحدها في هذا المجال علينا إضافة الدول التي اجتمعت في باريس وبالرغم من أن الحضور ضم 40 دولة فان الدول الأخرى هي أيضاً تدعم الحكومة اللبنانية إلا أنها لم تحضر المؤتمر لان المؤتمر هذا اجتماع خاص بتقديم الدعم المالي للبنان، لكن جميع الدول في كل أنحاء العالم باستثناء دولتين أو ثلاثة يقدمون الدعم السياسي للحكومة اللبنانية والولايات المتحدة واحدة من هذه الدول وقد حضرت المؤتمر كافة الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن. إذاً إن الولايات المتحدة تدعم سيادة واستقلال لبنان.

 

سئل:   ماذا عن المملكة العربية السعودية؟

أجاب: طبعاً بالإضافة إلى المملكة العربية السعودية.

 

سئل:   هل شعرتم بان السيادة اللبنانية منتهكة من جراء إجراء الطرفين السعودي والإيراني مباحثات تناولت مستقبل لبنان في غياب ممثل عن هذا الأخير؟

أجاب: كيف لي أن أمنع أي شخصين أو طرفين من إجراء مباحثات؟ فعندما يجتمع البريطانيون والفرنسيون ويتباحثون في أمور تهم العالم، أتقولون لي أن هذه المباحثات تنتهك السيادة؟ لم الأمر ينطبق إذاً على المملكة العربية السعودية، فالمملكة العربية السعودية بلد عربي يقدم الدعم للبنان ويدافع عن القضية اللبنانية أكثر من أي بلد آخر.

 

سئل:   ماذا عن الإيرانيين؟

أجاب:أعتقد أنني لا أستطيع أن امنع دولتين من الاجتماع والتطرق إلى أي أمر. هذا حق يتمتعان به. لكن ما يمكنني فعله هو التصدي عندما يريد أي كان فرض أمر علي.

 

سئل:   ألا تجر هذه المباحثات بالمملكة العربية السعودية وإيران كطرفين في الصراع؟

أجاب: كل هذا عائد إلى السبب الكامن وراء الاستقطاب الحاصل في البلد الذي يجب معالجته لأنه كما قلت سابقاً ستتخطى تبعاته الحدود اللبنانية.

 

سئل:   هل تشعرون بأن عملية الاستقطاب طالت السنة والشيعة في لبنان؟

أجاب: إن هذا الوضع الحساس يعود إلى 400 سنة لكنه لم يمنعهم من العيش والعمل معاً. تتفاقم في بعض الفترات حدة هذه الحساسية بسبب التوتر الذي يتم خلقه عمداً.

 

سئل:   بالعودة إلى الولايات المتحدة، يبدو من حديثكم أن الولايات المتحدة تود فعلاً حل المشكلة في لبنان وأنها ستمارس الضغط على إسرائيل لإنهاء احتلالها لمزارع شبعا ووضع حد لطلعاتها الجوية في الأجواء اللبنانية، وهذا من شأنه حل المشكلة.

أجاب: هذا من شأنه فعلاً حل المشكلة، وهذا ما صارحنا به الولايات المتحدة مراراً وتكراراً حتى خلال الحرب.

 

سئل:   لكنهم لا يفعلون شيئاً في هذا الصدد؟

أجاب: صحيح أنهم لا يفعلون شيئاً في هذا الصدد، وهذا ما نقوله لهم ونختلف بشأنه معهم.

 

سئل:   هل تشعرون أن السياسة الأميركية اتسمت على مدى كل هذه السنين بالازدواجية، فإيران تدعم ميليشيا حزب الله في الوقت الذي يترك فيه الجيش اللبناني والدولة اللبنانية لتدبر أمرهما بمفردهما ولا ينالان دعماً مماثلاُ من الولايات المتحدة؟

أجاب: لطالما اشتكينا من سياسة الازدواجية ليس فقط من قبل الولايات المتحدة بل من قبل الدول الغربية ككل، لكن نعم بشكل خاص من قبل الولايات المتحدة.

 

سئل:   هل تشعرون بأنه كان على الولايات المتحدة الانتباه أكثر للتدخل والتأثير الإيراني والسوري في لبنان؟

أجاب: تنظرون دائما إلى العوارض أما أنا فأتطلع للأسباب وهنا يكمن الفرق بيني وبينكم، فبدل محاولة وضع حد للسوريين والإيرانيين يجب حل المشكلة وهي الاحتلال, ضعوا حداً للاحتلال فنحن على استعداد لحل كل المسائل الأخرى.

 

سئل:   لنقل أن إسرائيل انسحبت من مزارع شبعا، ماذا سيحدث عندئذ وهل سينشب نزاع بين ميليشيا حزب الله والجيش؟

أجاب: لو كان تم حل هذه المشكلة منذ زمن لما كانت أدت إلى إنشاء حزب الله ولا إلى توسعه إلى هذا الحد، لذا ما يمكن معالجته بسهولة يظل أقل ثمناً من تركه يتوسع وينتشر كالسرطان حيث تصبح معالجته صعبة جداً. هذه هي الحال في العراق ولبنان وغزة وفلسطين واستمرار النزاع الإسرائيلي الفلسطيني الذي أدى إلى انتشار شعور اليأس في العالمين العربي والإسلامي. فعوض معالجة المشكلة بالشكل الصحيح، حاول الغرب معالجة الأمر عبر ممارسة المزيد من الضغط. إن هذا النوع من المرض أو المشكلة يتفاقم في ظل التوتر والضغوط. لكن ذلك لا يعني أنه يجب الاستسلام والتراجع أمام هذا النوع من التصرف لا بل على العكس يجب معالجة الأمور عير مقاربتين تتمثلان بالحزم ومعالجة الأسباب. مارس العالم الحزم ولجأ إلى استخدام القوة من دون معالجة الأسباب. فالنزاع الإسرائيلي العربي أساس معظم المشاكل في العالمين العربي والإسلامي، كما أن معظم الجهود والموارد في العالمين العربي والإسلامي خصصت للمواجهات الناتجة عن هذا النزاع الأساسي، فعوض استخدام هذه الموارد بالطريقة الفضلى لمعالجة مشاكل المواطنين الفعلية ومعيشتهم وتعليمهم تم هدرها في مجالات أخرى لأن الناس تصرفوا في مواجهة هذه الهزيمة التي منيوا بها مع إسرائيل بطريقة غريبة.

 

سئل:   ما رأيكم بالسيد حسن نصر الله؟

أجاب: أعتقد أن نصر الله شخص مؤمن بقضية وقد ضحى حتى بابنه من أجل هذه القضية. إننا نقدر ما فعله حزب الله في دفاعه عن لبنان ومحاربته لتحقيق الانسحاب الإسرائيلي من لبنان. لكن كان عليهم بعد ذلك أن يعووا التغيرات التي طرأت والتكيف مع التطورات، عدم تفاعلهم مع الأحداث أدى أحياناً إلى إسرافهم في الثقة بأنفسهم. أعتقد أنه ما زال ممكناً الخروج من الطريق المسدود حالياً والتوصل إلى حل فعلي وذلك من خلال الحوار والانفتاح وفهم روح لبنان وما هو ممكن وما هو غير ممكن فعلياً في بلد مثل لبنان واللجوء لهذا البلد لمصلحة العلاقة بين الأديان والطوائف.

 

سئل:   لقد أعلن حزب الله والمعارضة أنهم لن يقبلوا بأقل من الثلث المعطل، هل هناك إمكانية لمنحهم هذا الثلث المعطل؟

أجاب: نحن نعتقد أن الاقتراح الذي تقدمنا به يخدم أهداف كافة المعنيين فقد حرمنا الأكثرية حق الفرض واقترحنا منع الأقلية من شل مجلس الوزراء، هذا الأمر يجمعهما معاً. وفي نهاية المطاف يبقى الأهم في الممارسة. لا أعتقد أن هناك إمكانية لمنحهم الثلث المعطل. والاهم باعتقادي التوافق على المحكمة الدولية وقد قمنا في هذا الإطار في وضع الأرضية المناسبة للتلاقي ومعالجة الأمور وليس منح مجموعة معينة حق شل أو إعاقة أعمال الحكومة وإلا فستصبح الأمور أصعب مما هي عليه.

 

سئل:   لقد أجبتم بالقول لا أعتقد، فهل هذا رفض قاطع أم أن هناك إمكانية صغيرة جداً؟

أجاب: ليس الأمر أمر إمكانية صغيرة. هذه هي المقاربة التي سبق لنا أن طرحناها وهي تخدم أهداف الجميع. أعرف أن المعارضة تطالب بشيء آخر، لكنني لا أعتقد أن هذا الأمر ممكن.

تاريخ الخطاب: 
06/02/2007