حديث للرئيس فؤاد السنيورة مع مجلة التايم : نريد علاقات جيدة مع العالم العربي وسوريا ولا يمكن ان نعاديها لكننا دولة مستقلة

-A A +A
Print Friendly and PDF

 

س:   ماذا يحدث في لبنان؟ كيف تشرحون الوضع، لماذا، متى وأين؟ وإلى أين؟

ج:    إنها قصة طويلة تعود إلى ما قبل سنتين تقريباً، عندما اتُّخذ القرار بتمديد ولاية الرئيس لحود على الرغم من قناعة معظم اللبنانيين بعدم التمديد لأنه ينافي الدستور. فضلاً عن أن مثالاً سابقاً للتمديد لم يثبت نجاحه. أنا لا أريد التحدث هنا عن الرئيس الراحل الهراوي فأنا أحترمه، لكن من المهم أن نعرف أن لبنان لديه موقع مميز في المنطقة ومن هنا أهمية احترام الدستور. إذاً بالعودة إلى تجربة العام 1995 عندما تم تمديد الولاية الرئاسية وبالنظر إلى جميع المؤشرات، نكتشف أن لبنان لم يكن مع تعديل الدستور. على الرغم من ذلك، أخذ السوريّون قراراً بتمديد ولاية الرئيس لحود على عكس إرادة العدد الأكبر من النواب. ويمكن العودة إلى الصحف التي تحدثت عن الموضوع آنذاك لاستخلاص أن الشعب لم يكن راضياً عن هذا التمديد. والتمديد أدى إلى مزيد من الفوضى في لبنان وإلى عدد من الاغتيالات على رأسها اغتيال رئيس الوزراء الحريري ومحاولة اغتيال الوزير حمادة، ممّا أدّى بدوره إلى التظاهرات الشعبية وانسحاب سوريا من لبنان. لا أنكر أن الوجود السوري كان في مرحلة ما مفيداً للمساعدة في تحقيق الانسحاب الإسرائيلي من لبنان. لكنه من ناحية أخرى لم يساعد في احترام الدستور، مما أدى إلى تغييرات كثيرة.

تمّ عندها إجراء الانتخابات. هذه الانتخابات اعتبرتها المنظمات الدولية التي أشرفت عليها بأنها منصفة ونزيهة وعادلة. قد ينتقد البعض قانون الانتخابات. فلكل وجهة نظره. لكن إذا انتقدنا نتائج انتخابات العام 1995، علينا أن نفعل ذلك أيضاً بالنسبة للعام 1990.

تشكّلت هذه الحكومة بأكبر نسبة شعبية بين النواب والشعب. فقد حظيت بدعم 126 نائباً وحصلت على ثقة مجلس النواب. وقد بذلت الجهود للتعامل مع القضايا الملحة من جهة ونتائج الاغتيال، أي المحكمة الدولية، من جهة أخرى. كان هذا هدف الحكومة الأساسي. لماذا؟ لأن بعد هذا الاغتيال، تعاقبت اغتيالات أخرى لزعماء روحيين ورؤساء تحرير ورجال سياسة الخ... فقط بسبب أرائهم. لهذا نصرّ على المحكمة الدولية. ليس فقط لمعرفة من ارتكب الجرائم بحقّ حمادة والحريري وغيرهم، بل أيضاً لحماية الديمقراطية. إذا لم نفعل شيئاً إزاء الأمر، فكل مرتكبي الجرائم سوف يفلتون من العقاب. والتساهل في هذا الموضوع سيشجّع استمرار الجرائم. هذا ما حدث مثلاً مع الوزير بيار الجميل. ومن هنا يجب اعتماد موقف قوي.

حاولت هذه الحكومة العمل كحكومة وحدة وطنية، فكل القرارات التي اتخذتها حظيت بإجماع الوزراء مما يشير إلى النية في شمل كافة الأطراف. وقد عرفنا التحدي الأول يوم اغتيل جبران تويني في 12 كانون الأول 2005. وقررت الحكومة الموافقة على تشكيل حكومة ذات طابع دولي، وهنا صلب المشكلة. طلبنا من الأمم المتحدة تشكيل المحكمة وعلى الرغم من أننا ناقشنا هذه المسألة وتحدثنا جميعاً عن المحكمة الدولية، انسحب نواب أمل وحزب الله بسبب المحكمة الدولية. وعادوا لمناقشة تحديد كلمة "مقاومة" لتفريقها عن الميليشيا بعد 7 أسابيع من المقاطعة. أجرينا عندها طاولة الحوار التي دامت حوالي 3 أشهر ونصف حتى نهاية حزيران. خلال هذه المناقشات كانت مسألة المحكمة الدولية على رأس جدول الأعمال، والجميع وافق عليها. وعندما أنهينا المناقشات حول المحكمة تم تعيين اثنين من كبار القضاة للتفاوض مع الأمم المتحدة. وكانت هذه بداية المشاكل. ما ساهم في ذلك كان احتلال إسرائيل للبنان في تموز وآب بحجة أن حزب الله عبر الخط الأزرق. وهذه كانت ذريعة. فإن نطاق ردة فعل إسرائيل لا يشير إلى أن ما فعلوه كان رداًُ على ما فعله حزب الله. السبب وراء ذلك هو الاحتلال المتواصل. فإسرائيل انسحبت في العام 2000 بعد مواجهات مع المقاومة. والجدير ذكره أنه عندما احتلت إسرائيل لبنان في العام 1982 كانت الحجة أنها تريد التخلص من منظمة التحرير الفلسطينية، لكنها لم تفعل ذلك. فتشكلت بذور حزب الله وبقيت منظمة التحرير الفلسطينية. وعلى المرء استخلاص الاستنتاجات الصحيحة. وجاء احتلال عام 1982 بعد احتلال آخر في العام 1978: عملية الليطاني.

وعندما انسحبت إسرائيل أبقت على جزء من الأراضي اللبنانية وهي مزارع شبعا. قد تسألوني إنها فقط 45 كلم2، فهل هي مهمة؟ أجيب أنها أراضي لبنانية. لم تنسحب كلياً مما أبقى الجرح ينزف.

على الرغم مما قلناه في الصيف، أننا لم نكن نعرف وأننا لم نوافق وأننا غير مسؤولين، عملنا جاهدين لمقاومة الإسرائيليين، فكانت هذه الحكومة حكومة مقاومة وطنية. وفي نهاية المعارك تم رفع الحصار وأُرسل الجيش اللبناني إلى الجنوب. وكان هذا القرار قراراً لم نتجرّأ أبداً على اتّخاذه طوال 35 سنة. وتمكنت الحكومة من وضع إستراتيجية النقاط السبع وانسحبت إسرائيل في شهرين وجاءت إلى لبنان قوات جديدة تشكلت من 30 جنسية مختلفة.

وعلينا هنا التحدث عن الملف النووي الإيراني. فالبعض يقول إن إيران تريد أن تهزم الولايات المتحدة في لبنان وبدأنا نسمع فجأة عن إرادة البعض بتغيير الحكومة وباعتبارها حكومة أميركية. إذاً انتقلنا من وضع إلى آخر. كنا أرباب المقاومة السياسية، والآن أصبحنا خونة ومتعاونين مع الولايات المتحدة. فجأة سمعنا عن رغبتهم بالتغيير وعن المحكمة الدولية الخ... هذه الاحتجاجات تأتي من أشخاص غير لبنانيين يستخدمون بعض اللبنانيين في هذه العملية. فمن جهة، تريد إيران توسيع سلطتها في لبنان والمنطقة وخلق نوع من دولة تابعة. من جهة أخرى، يرفض السوريّون المحكمة الدولية، أو على الأقل يرفضون تشكيلها قبل نهاية التحقيق. وهذا غير ممكن لأن التحقيق جزء من المحكمة.

إذاً ماذا حدث؟ بدأت المشاكل من الخارج عبر استخدام بعض اللبنانيين من الداخل.

نحن كلبنانيين نريد علاقة جيدة مع سوريا ومع العالم العربي فنحن دولة عربية. وأعتبر أنه من السخيف أن يكون لبنان عدواً لسوريا. فهذا ليس دورنا أن نعادي سوريا. وليس بمقدورنا أن نفعل ذلك. تقضي مصلحتنا بإقامة علاقات جيدة مع سوريا على أساس الاحترام المتبادل. وعلى سوريا أن تعتاد على فكرة أن لبنان مستقل. لكن سواء أقاموا معنا علاقات دبلوماسية أم لا، فهذا لن يؤثر على إيماننا بالقضية العربية وبأننا جزء من المنطقة العربية، مثال الفرنسيين والإتحاد الأوروبي. على سوريا أن تقبل بذلك، بأننا جزء من العالم العربي. نحن بلد يجمع 18 طائفة مختلفة ولا نريد المزيد من الحساسيات. قد تبدو هاتان الفكرتان بسيطتين: أن لبنان مستقل وجزء من العالم العربي، لكننا أمضينا سنوات وضحّينا بالكثيرين لإثبات هذه المعادلة. وسوريا حتى الآن لا تتصرف حسب هذا المفهوم.

المشكلة مع المحكمة الدولية هي القلق. لم نكن نريد أن نستخدم المحكمة ضد أحد، لا السوريين ولا غيرهم. فهذا ليس واجبنا. والمحكمة الدولية خلقت بعض الانزعاج. وقلنا إننا مستعدون للتعامل مع هذا الانزعاج ومناقشة لماذا يعارض البعض المحكمة، لكن لا أن ننسى أمر المحكمة. فنحن نريد المحكمة الدولية لمقاضاة المجرمين.

لا نريد أن يكون لبنان ساحة لحرب الآخرين. فاللبنانيون قد سئموا ولا يريدون العودة إلى الوراء، عندما كانت شؤوننا تُدار من مكتب ضابط في الجيش أو من خارج لبنان. نحن بلد صغير، نعم، لكننا لسنا ساحة حرب ولسنا جزءاً من أي تحالف. فلبنان لا يستطيع التحالف مع مجموعة دول ضد دول أخرى. نحن سنصبح مستعدين للسلام مع إسرائيل فقط عندما توقع كل الدول العربية السلام مع إسرائيل.

 

س:   ما كان شعوركم بعد كل الجهود التي بذلتموها من أجل قضية لبنان وينتقدكم الآن حزب الله ويوجّه إليكم الاتّهامات؟

ج:    أنا أشعر بخيبة أمل، لا أنكر ذلك. لكن كل ما يقولونه لن يؤثر في ما أفعله. أنا أؤمن بما أفعله وبما يجب أن أفعله. ولست بحاجة إلى شهادة مواطنة من أحد. أنا لبناني وعربي وأؤمن بضرورة التعاون مع الدول العربية. إن اتهامي بأي شيء لن يحملني على معاداة أحد ولن يقرّبني أو يبعدني عن القضية العربية.

نريد من الدولة أن تأخذ بزمام الأمور لإبعاد أي حجة محتملة، مثل وجود الأسلحة، وهذه كانت حجة للاحتلال. هناك اتجاه في العالم للتعامل مع العوارض وليس مع علة المرض. لكن ما علينا فعله هو معالجة العلة من الجذور والمشكلة هي الاحتلال.

 

س:   هل تعتبرون أنه إذا تم نزع سلاح حزب الله، ستعود إليكم مزارع شبعا؟

ج:    علي أن أقوم بواجبي من أجل تحرير مزارع شبعا. أما سحب سلاح حزب الله، فيجب أن يتم بالتفاوض والحوار وليس بالقوة. هؤلاء هم رجالنا. كانوا يقاتلون لتحرير الأراضي المحتلة والدفاع عن لبنان. وأنا أحني رأسي أمام تضحياتهم. علينا أن نعمل من أجل التحرير، وبعدها عليهم أن يفهموا أن ما من دولة يمكنها أن تستمر إذا بقيت الأسلحة بغير يدها. لا يمكنني أن أطلب من حزب الله أن يضع سلاحه جانباً وما زال بلدنا محتلاً. إن مزارع شبعا لبنانية. لبنان وسوريا يقولان ذلك. أما الأمم المتحدة وإسرائيل فتقولان أنها سوريا. طلبنا من السوريين أن يعطونا وثيقة مكتوبة حول هذا الأمر، لكنهم لم يفعلوا. كأنهم يريدون استمرار الوضع باستخدام مزارع شبعا كذريعة. لا يريدون أن تسيطر الدولة، لهذا لم يكن الجيش اللبناني في الجنوب. الأمر سيّان مع الإيرانيين. يريدون استمرار الوضع الراهن. لهذا السبب وضعنا إستراتيجية النقاط السبع واقترحنا أن تنسحب إسرائيل وتأتي الأمم المتحدة مكانها.

 

س:   ماذا سوف تفعلون بشأن مزارع شبعا؟

ج:    أنا أفعل كل ما بوسعي. كل قادة العالم سمعوا عن مزارع شبعا. عندما أقابلهم أو أتصل بهم أُثير دائماً هذا الموضوع وسوف أستمر بذلك.

 

س:   هل تدعمكم الولايات المتحدة في هذه المسالة؟

ج:    أنا أعتقد ذلك. هناك مؤشرات تدل على هذا الدعم. وعندما تحدثت إلى الرئيس بوش ووزيرة الخارجية رايس ونائب الرئيس شيني، أظهروا لي استعدادهم للدعم. تُظهر الولايات المتحدة استعدادها لدعم لبنان واستقلاله. وكانت وراء نجاح باريس-3. فمن دون دعم الرئيس بوش لكان المؤتمر مستحيلاً، فقد شجّع كل حلفائه للمشاركة.

 

س:   إذاً لما كان مؤتمر باريس-3 ناجحاً من دون دعم الولايات المتحدة؟

ج:    لا أريد التقليل من دور كافة الدول المشاركة. لكن دعم ثلاثة دول كان الأبرز: فرنسا والولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية. ولا يمكن التقليل بأهمية كل من ألمانيا وايطاليا والإتحاد الأوروبي... لكن بصراحة من دون هذه الدول الثلاث لما كان شيء ممكناً.

 

س:   بالعودة إلى مزارع شبعا، ماذا ستفعل الولايات المتحدة بشأن هذه القضية؟ هل تحظون بدعمها؟

ج:    نعم، علينا أن نصل إلى حل شامل. فناحية واحدة من المساندة ليست ملائمة. فنحن بحاجة إلى مساعدة سياسية أيضاً. المزارع هي الأهم.

 

 

س:   وتوافقكم الولايات المتحدة الرأي؟

ج:    إنهم يظهرون الدعم. نريد منهم ممارسة الضغوط على إسرائيل ويقولون أنهم يفعلون ذلك. لكنني أريد أن أرى النتائج. فهذه مسألة تم جرّها لسنوات عديدة واستُخدمت كحجة.

 

س:   لم تستطع الولايات المتحدة بضغوطها رفع الحصار عن لبنان، فكيف تفعل ذلك بالنسبة إلى مزارع شبعا؟

ج:    الوصفة هي الانسحاب وتحرير المعتقلين وتسليم خريطة الألغام. هذا جزء من إستراتيجية النقاط السبع. هذه الوصفة هي ما لدينا لضمان عودة الأمور إلى مسارها الطبيعي.

 

س:   ماذا لو بعد أن يحدث الانسحاب، يقول حزب الله أن عليه إبقاء أسلحته؟

ج:    علينا أن نحترم رغبة اللبنانيين. علينا أن نعطيهم أولاً الاستقلال والانسحاب. في النهاية يريد الشعب اللبناني العيش حياة لائقة وبكبرياء، وهو لا يستطيع الاستمرار في الحرب.

صحيح أن لبنان مُهدّد من قبل إسرائيل، لكن قد نفعل شيئاً بين المقاومة والجيش لتعزيز وضع الجيش. لا يمكن أن يتواجد جيشان في دولة واحدة. لكن الحل لن يأتي إلا عبر الحوار والإقناع والحجج وحمل الشعب إلى فهم ذلك. هذا ما يجب أن نفعله بأنفسنا ولن يتم الأمر بكبسة زر.

ونسأل ماذا تستفيد إسرائيل من كل ذلك؟ بعد كل هذه الحروب واجتياحات لبنان، بعد كل ذلك، هل أصبحت إسرائيل أكثر أمناً؟ هل حققت أهدافها؟ كلا. علينا الوصول إلى الاستنتاج التالي: الحل هو في العلاقات الجيدة مع الدول المجاورة. فإسرائيل في النهاية هي في بحر من العالم العربي. وسلامها وأمنها يتحققان بعلاقات جيدة مع العرب على أساس مبادرة السلام العربية ومؤتمر مدريد ومبدأ الأرض مقابل السلام. وأنا لا أقول أنه إذا تم الانسحاب من مزارع شبعا فإن حزب الله أو حتى الجيش سيذهبان إلى هناك. فقط الأمم المتحدة. إذاً، بماذا قد تضحي إسرائيل في هذه الحالة؟

 

س:   بالمياه؟

ج:    لا مياه هناك

 

س:   بالموقع الإستراتيجي المميز؟

ج:    إذا أردتم استخدام منطق تأمين المياه، فأنتم تشرّعون الاحتلال. مزارع شبعا هي أراضي زراعية عادية، فيها الماعز فقط.

 

س:   في رسالتكم إلى الرئيس بوش والوزيرة رايس، ماذا تقولون؟

ج:    الاستقرار

 

س:   هل يوافقون معكم أو لا؟

ج:    عندما قمت بزيارة بوش بعد الحرب، وجدتُ آذان صاغية. واتخذت الأمم المتحدة بعض الخطوات الصحيحة في هذا الاتجاه، مثل تعيين خبير خرائط لوضع الخرائط. أجد أن هذا الملف ليس ميتاً، على العكس. وأريد تعزيز هذه العملية.

 

س:   وهل قالوا أنهم موافقون على اقتراحكم؟

ج:    لم أسمع هذه الكلمة.

 

 

 

 

 

س:   لو كنتم مكانهم، هل كنتم لتقبلون بانسحاب إسرائيل واستبدالها بالأمم المتحدة؟

ج:    لو أردتُ أن أفهم الشرق الأوسط وأن آخذ مصالح الولايات المتحدة بعين الاعتبار، لكنتُ مكانهم حلّيت مشاكل لبنان ووضعتُ شبعا تحت وصاية الأمم المتحدة، ولكنت دافعتُ من أجل السلام.

 

س:   هل أنتم راضون عن الجواب الأميركي؟ وما شعوركم حيال هذا الأمر؟

ج:    كلبناني، أتوقع جهوداً أكبر في هذا الاتجاه. في السياسة، ما من شيء أبيض أو أسود. أود منهم ألا يعتمدوا سياسة الكيل بمكيالين. أريد منهم أن يحلوا المشكلة التي دامت لسنوات بلا حل. لذلك أريد أن تمارس الولايات المتحدة جهوداً إضافية من أجل انسحاب إسرائيل.

 

س:   لقد دعمكم الرئيس بوش بالاسم ودعم حكومتكم. لكن عندما كانت تُقصف البلاد من قبل حلفاء الولايات المتحدة، قاوم الأميركيون فكرة وقف إطلاق النار. هل أنتم راضون عن دعم الولايات المتحدة لحكومتكم؟ ألا تخشون من أن تبدو الحكومة حكومة دمية كما يتّهم البعض؟

ج:    أنا شخص عملاني وواقعي. أريد مصلحة بلدي. لكن في الوقت نفسه لا أريد التضحية بأي من مبادئنا وحقوقنا في الحياة. فلا شيء أبيض أو أسود، هذه نظريتي. عندما نتعامل مع الدول، قد تكون بعض الدول معنا بنسبة 90% أو 10% وأنا رجل سياسي. أفكر كيف أحافظ على نسبة 90% وأجعل دول الـ 10% تميل أكثر إلى صالحي وصالح بلادي. ولا أهتم بالخطابات والاتهامات. أريد التعامل مع الأميركيين، فلا حل إلا عبرهم، لكن ليس على حساب مصالح بلادي وكبرياء اللبنانيين. عندما قام بلير بزيارة لبنان، أقيمت تظاهرات ضد زيارته وكنت في مؤتمر صحافي معه أمام كل وسائل الإعلام. قلت بحضوره إنني أحيي كافة المتظاهرين الذين هم ضد زيارته. فيحقّ لهم التعبير عن رأيهم. لكن في جوابي إلى أحد الصحافيين قلت: لست هنا لأشيد بما لم يفعله طوني بلير، بل بما يمكن أن يفعله من أجل بلادي، فلا يمكن تغيير واقع ما فعلته بريطانيا بالنسبة إلى إعطاء حق مرور الطائرات. أعربتُ عن رأيي بصراحة والتزمت بمبادئي. وعندما عالجت مسألة مزارع شبعا، فعلت الأمر نفسه.

في تموز 2005، عندما أثرت مسألة مزارع شبعا مع السيدة رايس، قالت لي: هذا ليس موضوع النقاش. أنا رجل مثابر ومصمّم على مواصلة أهدافي حتى أحصل على ما أريد. أريد تحرير مزارع شبعا والآن رايس تستمع لما أقوله. لم أصل بعد إلى هدفي لكنني سأواصل السعي.

 

س:   ألم تشعروا بالخجل عندما رفضت الولايات المتحدة وقف إطلاق النار وأعلنت أنها بداية جديدة للشرق الأوسط؟

ج:    لم أشعر بالخجل. في ذلك الوقت، خلال المفاوضات، قلت أن هذه هي شروطي وأني لن أغيّر رأيي. حتى لو كان الثمن إضاعة باريس-3. وكلّهم يعرفون ذلك.

عندما كانت رايس في إسرائيل قلتُ لها قبل مجيئها أنني لا أستطيع استقبالها. وكنت واضحاً. أنا أعرب عن أرائي بعيداً عن الخطابات البلاغية للوصول إلى أهدافي.

 

س:   ماذا عن الأزمة الراهنة؟ ما هو تأثير التظاهرات وخروج الشيعة على سير الأعمال اليومية للحكومة؟

ج:    لا أحد يقول أن ما من تأثير. نحن في مأزق. لكن في السياسة كما في الأعمال، علينا أن ندرس الخيارات. هل سنضحّي بحياتنا أو بحريتنا؟ بالتأكيد الدولة في مأزق، لكن هذا لا يعني أنها غير دستورية.

 

 

 

س:   وهل تعمل جيداًً؟

ج:    نعم، لكن ليس بكل طاقاتها. شاركنا في مؤتمر باريس-3 وقمنا بخطوات لتأسيس المحكمة الدولية وأخذنا قرارات أخرى، بالطبع ليس بالسرعة التي نريدها، لأن الرئيس لحود يعوّق المراسيم ورئيس مجلس النواب يصعّب اجتماع البرلمان. وهذه الحكومة لديها الأغلبية في البرلمان. تصوّروا أنه لدينا الأغلبية لكنها لا تجتمع. الجميع يعرف شعبية الحكومة في صفوف الشعب. لكني لا أقول أن المعارضة ضدي. من واجبي أن أساعدهم لأنهم لبنانيون. ويجب إقناعهم برأينا. ثمة أمور يجب القيام بها وأنا أقوم بها ضمن إمكانياتي. لكن هناك عناصر خارجية.

 

س:   ماذا عن هذه العناصر؟

ج:    في الحياة إما نستسلم أو نواصل عملنا. نحاول تحسين النقاط التي نستطيع القيام بها. لدينا الغالبية في البرلمان وفي صفوف الشعب. لو لم يكن الأمر كذلك، لما بقيتُ دقيقةً في منصبي. وهي ليست المرة الأولى التي أقولها. أنا رجل مبادئ ولا أسعى إلى المناصب.

 

س:   هل تعتبرون أن المأزق في لبنان يمكن حلّه من قبل لبنان؟ أو بموجب قرار أشمل؟

ج:    الأمر يستلزم دعماً كبيراً من الخارج.

 

س:   هل يمكن حل المشكلة بين اللبنانيين؟

ج:    نحن نحاول ذلك ونقوم بكل ما بوسعنا. ما حقّقه رئيس الوزراء الحريري كان بناء المصداقية. كنت معه في كل حكوماته. حقق المصداقية وأكملتُ الطريق. والشعب يرى ذلك. لمَ تدعم الأسرة الدولية لبنان؟ هل لأن النظام دمية أو متعاون مع الخارج؟ كلا، أبداً. نحن حكومة تدافع عن الحرية والاستقلال. ونحن بلد فريد من نوعه بالنظر إلى الاعتدال والتسامح. نريد تعزيز الديمقراطية لا العكس. ونعتبر أننا نموذج جيد للتعايش بين الطوائف. هذا دور يلعبه لبنان ويتفرّد به عن الدول الأخرى. والعالم يشهد ذلك. لمَ يدعمون دولة صغيرة مثلنا؟ هل لأننا أغنياء بالنفط؟ كلا، نحن دولة صغيرة قد تغفل العين عن رؤيتها على الخريطة. لكن المميز فينا هو الدور الذي نلعبه. هم يرون هنا نموذج جيد للديمقراطية وكيف يمكن بناؤها. ففي تظاهرات حركة 14 أيار رأوا شيئاً فريداً. حتى بوجود الانقسامات، هم يرون أنّ في البلاد إبداع ومثابرة ودور يُحتذى به في التعايش. فالخوف من التصعيد هنا لديه أبعاد ونتائج أكثر ممّا في العراق. فأي مشكلة في لبنان ستتخطّى نتائجها الحدود.

 

س:   حركة 14 آذار تاريخية ونجاحها لا جدال فيه. لكن ألا تخشون أن تؤدي التوترات الآن إلى حرب أهلية؟

ج:    لا أعتقد أن اللبنانييّن يريدون الحرب. فقد عاشوها والأمر لا يتعلّق بانتصار فريق وهزيمة فريق آخر. على كل اللبنانيين أن يجلسوا معاً لإيجاد تسوية. لا أؤمن بالحرب، ولن تقع حرب. حتى خلال الأيام الأصعب، هذا ما قلته عندما أرسل القادة شعبهم إلى الشارع. قلت لهم أن هذا غير مفيد ويجلب التوتر. عليكم أن تجلسوا مع الآخرين للتحدّث.

 

س:   لماذا إذاً هذا الخيار؟ ألم يفهم حزب الله الرسالة؟

ج:    بالطبع. العديد فَهمَ ذلك. فذلك لن يؤدي بهم إلى أي مكان.

 

س:   تحدثتم عن المبادئ وعن العلاقات الجيدة مع سوريا. كأن هذا كلام الحريري.

ج:    أنا والحريري عملنا في الحركة السياسية نفسها عندما كنا أصغر سناً. كنا في الخلية نفسها إذا ما صحّ التعبير. ويمكن القول إننا تربّينا معاً.

 

س:   هل تشعرون بأنّ صوتكم صدى لتطلّعاته؟

ج:    بصراحة نعم. لا أنكر أني كنت أثمّن عالياً طرقه ومبادئه. وقد تربينا معاً. هذا ليس شيئاً تكتسبه عندما تصبح رئيس وزراء.

 

س:   هل تغيّرتم عندما أصبحتم رئيس وزراء؟ كيف ترون نفسكم الآن؟

ج:    لطالما كنت أفرّق بين رجل الدولة والسياسي. وأتذكّر في اليوم الثاني الذي تلا تعييني، سألني أحدهم ماذا أريد أن أفعل. فقلتُ: أنا رجل دولة أحترم بلادي وشعبي الذي وثق بي. لا أتطلّع إلى المناصب. أتذكّر أنه في العام 2004، في إحدى المقابلات، بعيد إعلان موازنة العام التالي، وكنت آنذاك وزير مالية، سألتني صحافية: كيف تنتجون موازنة جريئة للعام المقبل وقد لا تبقون في منصبكم؟ فقلتُ: إذا تمّ تعييني مر أخرى، فهذا شرف أعطاني إياه بلدي، وإذا لا، فهذا لن يجعلني أتراجع. وهكذا طالما أنا رئيس وزراء، سأقوم ما بوسعي لحماية بلادي وقضيتها. وإذا لم أعد كذلك، فهذه الديمقراطية. أنا أؤمن بالديمقراطية.

 

س:   إذاً هل سوف تبقون؟

ج:    لا شكّ بذلك طالما أن لدي دعم مجلس النواب وشعبي. إذا لا، لن أبقى هنا دقيقة واحدة.

 

س:   هل تقيمون الآن في السراي الحكومي؟

ج:    بسبب المخاطر، يسهل التخمين. يكفي أن نرى ماذا حدث لنفهم المخاطر.

 

س:   وهل تخرجون منه؟

ج:    تناولتُ الغذاء في وسط المدينة ذلك اليوم.

 

 

س:   وهل مررتم بساحة رياض الصلح؟

ج:    لا داعي للمبالغة. لكني يوم الأحد الماضي، تناولتُ الغذاء في أحد مطاعم المنارة.

 

س:   يعني أنكم لستم سجيناً هنا؟

ج:    لا. وعندما دخلتُ المطعم، صفّق الجميع. وليست المرة الأولى التي يفعل فيها الناس هذا.

 

س:   وهل تخرجون متخفّين، من دون حرّاس؟

ج:    من قبل. كنت أخرج كثيراً وألتقي بالناس في وسط المدينة. أتمتّع بدرجة عالية من السكينة. على الرغم من المخاطر. فهي لا تُربكني. أنا رجل لديه إيمان بالله. عندما يكون مصيري الموت، فسوف أموت. وأنا أغفو ليلاً خلال دقائق معدودة.

 

س:   ما كان شعوركم عندما صفّق لكم الناس؟

ج:    في الواقع كان شعوري بأن أحدهم وضع الكثير من الواجبات وقدر كبير من الثقل على كتفي. أشعر بواجبات أكبر تجاه شعبي. عادة يحبّ رجال السياسة ذلك. أما أنا، فقلتُ لزوجتي: هذا يعني واجبات إضافية.

 

س:   مثل ماذا؟

ج:    تطلّعات أكثر.

 

س:   ما هو شعوركم وانتم تضعون صورة الرئيس لحود على الجدار خلفكم؟

ج:    لم أتوقّف يوماً عن احترام المبادئ والأهم أن لدي احترام الذات. لا أتفق معه سياسياً لكنّه رئيس الجمهورية.

 

س:   هل تتصلون به؟

ج:    عندما عدت من باريس، اتصلت به لأخبره عن نتائج باريس-3 كما اتصلتُ بالرئيس بري.

 

س:   ما كانت ردة فعل الرئيس بالنسبة إلى نجاح المؤتمر؟

ج:    قلتُ له هذا نجاح للجميع وللبنان وإنها فرصة لا يمكن تفويتها ويجب الاستفادة منها. فقال: هذا جيد لكن ما من وحدة. قلتُ يجب أن نعمل معاً على هذا الأمر.

 

س:   متى كانت آخر مرة قابلتم بها الرئيس؟

ج:    آخر مرة كانت منذ شهرين تقريباً، قبيل استقالة الشيعة. لكننا نتهاتف مراراً.

تاريخ الخطاب: 
07/02/2007