مقابلة لدولة الرئيس فؤاد السنيورة مع صحيفة Europa الصادرة في ايطاليا

-A A +A
Print Friendly and PDF

 

س. دولة الرئيس، كما تعرفون بوجود القوات الإيطالية في لبنان ضمن اليونيفيل، يهتم الإيطاليون بالوضع اللبناني ويوجد قلق اليوم بسبب الأخبار التي يشاهدونها وهي ليست بأخبار جيدة. ما تعليقكم؟

ج. لا أود القول إنها ليست أخبار جيدة لكن كما تعلمين، قبل كل ولادة، يوجد ألم المخاض. والوضع الحالي يعكس هذا الألم.

 

س. إذاً، هل سننتظر تسعة أشهر حتى تُحل المشكلة؟

ج. قد يكون ذلك صحيحاً.

 

س. أين نحن اليوم من هذا المخاض؟

ج. في الواقع، وفقاً للدستور، من المفترض حصول تغير مع انتخاب رئيس جديد. أنا لا أتحدث عن فترة 9 أشهر لكن الظلمة تسبق النور. وقبل كل شروق، يوجد غروب. اسمحي لي أن أعبر عن تقدير لبنان، حكومة وشعباً، للجهود التي بذلتها وتبذلها إيطاليا لمساعدة لبنان. هنا ثبت القول المعروف: الصديق عند الضيق. وتأكد لنا مؤخراً أن إيطاليا بلد صديق للبنان ويهب لنجدته وقت الحاجة. وهو ما نقدره للشعب الإيطالي، وحكومته، ولرئيس الوزراء برودي، والسيد ديليما الذي اهتم على غرار السيد برودي بالوضع اللبناني. وأود أن أعبر عن عميق تقديرنا للمبادرة التي اتخذها السيد برودي عندما طلبت منه أن يسمح لقواته بمراقبة المياه اللبنانية في ظل الحصار الإسرائيلي.

 

 

س. أي فوراً بعد وقف إطلاق النار؟

ج. بل بعد وقف الأعمال العدائية حيث لم يكن هناك وقف إطلاق نار بعد الحرب. فقامت إيطاليا حينها بمراقبة المياه اللبنانية في ظل الحصار، ولا ننسى القرار الاستراتيجي الذي اتخذته إيطاليا عندما أرسلت قواتها إلى لبنان. ونحن نقدر ذلك للغاية. ومنذ ذلك الوقت، يختبر لبنان بعض "الهزات والاحتكاكات السياسية."

 

س. أهي مجرد احتكاكات؟

ج. نعم وهي تعزى لتأثيرات الحرب وتأثيرات البلدان الخارجية التي تمارس ضغوطاً على لبنان.

 

س. هل ستسمي هذه البلدان؟

ج. نعم، أنا أتحدث عن التأثير السوري والإيراني. وأشدد هنا القول إننا لا نريد استبدال التأثير السوري والإيراني بالتأثير الأميركي وأي تأثير أجنبي آخر. نحن لا نريد وضع لبنان في دائرة تأثير أي دولة.

 

س. هل تشعر بالانزعاج عند وصف حكومتكم بحكومة السنيورة التي يدعمها الغرب أو الولايات المتحدة؟

ج. هذا غير صحيح على الإطلاق لأن تصرفي الشخصي خلال تاريخي السياسي خير دليل على كوني أؤمن بالمعتقدات والالتزامات الوطنية وسأستمر كذلك دوماً. نحن ثابتون في مقاربتنا أي أننا نريد استقلال كامل ولا نريد "شهادة" بوطنيتنا من أحد. لقد قلت ذلك سابقاً وأكرره. وأذكر أني قلت ذلك للمرة الأولى في أيلول 2005 بعد شهر ونصف الشهر من تشكيل الحكومة الحالية. لا أحتاج إلى "اختبار دم" لوطنيتي.

 

 

 

س. تتحدث عن مخاض صعب واختبار دم، هل هناك حاجة لمستشفى؟

ج. أبداً، قلت إننا لا نحتاج اختبار دم يومي وهو أمر جرت العادة على استخدامه كل مرة من النظام السوري خلال وجوده في لبنان. قاموا بذلك مع المغفور له الرئيس الحريري الذي كان يخضع لهذا الاختبار باستمرار. فاليوم كانوا يقولون له اليوم إنه وطني وغداً ليس كذلك، ثم أصبح خائناً. نحن لا نقبل أن يشك أحد بوطنيتنا. في الحياة الفعلية، أنا لست عدو سوريا ولن أكون كذلك يوماً كما لن أكون عدو إيران. وسأحاول دوماً إنشاء علاقات جيدة مع سوريا لأنها دولة شقيقة ومجاورة للبنان. وسأقوم بما في وسعي لإنشاء علاقات جيدة مع إيران لأنها دولة مجاورة للعالم العربي ويوجد عناصر مشتركة بين إيران والعالم العربي. نحن نريد علاقات جيدة مع هاتين الدولتين وبقية الدول في العالم. قدمت الولايات المتحدة مساعدتها للبنان وسنستفيد من المجالات التي تساعدنا فيها وسنبذل كل الجهود كي تساعدنا في المجالات الأخرى. يجب أن نكون عمليين في علاقاتنا مع الدول الأخرى فالعالم ليس منقسماً إلى معسكرين: معسكر الخير ومعسكر الشر. الحياة ليست هكذا. إيطاليا ليست في معسكرنا وتساعدنا بنسبة 60% وعلينا التعامل مع ال40% المتبقية وأحاول تحسين الأمور حتى تتمكن إيطاليا من مساعدتنا في بقية الأمور.

 

س. بعد انفجاري عين عليق، يمكن القول إنها أول مرة منذ عامين يلقى المدنيين الأبرياء حتفهم بأبشع الطرق ويقارن البعض انفجار باصي عين علق بباص عين الرمانة. هل سيغرق لبنان في الحرب الأهلية من جديد؟

ج. توجد محاولات لترهيب الشعب اللبناني وتخويفهم. أنا لا أعرف من يريد ذلك ولا أتهم أحد، لكني أعلم أن من مصلحتهم منع اللبنانيين من ممارسة حرياتهم واتخاذ القرارات من دون خوف أو خشية أو تأثير من أحد. ولا ننسى أن هذا التفجير الإجرامي حصل قبل يوم من ذكرى السنتين لاغتيال الرئيس الحريري وكانت النية إخافة اللبنانيين.

 

س. طالبت قوى 14 آذار بفرض عقوبات على سوريا، ما رأيك بذلك؟

ج. هذا قرار قوى 14 آذار وليس موقف الحكومة اللبنانية.

 

س. ألا تمثل الحكومة قوى 14 آذار؟

ج. كلا، نحن نحاول وضع مسافة بين الحكومة والحكومة اللبنانية. نحن كحكومة وكرئيس حكومة، لدينا نقاط مشتركة مع قوى 14 آذار لكن حكومتنا لم تدعم هذا الطلب.

 

س. أهذا واقع؟

ج. نحن لا نطالب بفرض حكومات على سوريا.

 

س. قلت إن لبنان يعاني اليوم من ألم المخاض لكن لن يؤدي ذلك إلى حرب أهلية؟

ج. كلا لن تندلع حرب أهلية لأن اللبنانيين عاشوا الحرب الأهلية ولم ينسوا مرارتها. لم يمر وقت طويل منذ انتهاء الحرب الأهلية. يعرفون معنى الحرب الأهلية ومعاناتها أتم معرفة ولن يضيعوا في متاهاتها من جديد. فلنتذكر أنه منذ بضع أيام، شارك اللبنانيون بالآلاف في مظاهرة سلمية يوم 14 شباط وبرهنوا للعالم أنهم لا يخافوا أحد ونزل الكل بإرادته دون أن يجبره أحد ولم تُحرق الدواليب أو تُقطع الطرقات. نزلوا إلى الشارع وعبروا عن رأيهم وعادوا أدراجهم دون أي مشاكل، وذلك على الرغم من الحواجز البسيطة التي فرقت بين المعارضة والموالاة.

 

س. لكن كان هناك عدد كبير من الجنود والأسلاك المكهربة؟

ج. صحيح، لكن لم يحاول أحد إحداث مشكلة بل بقوا متحضّرين.

 

 

س. أتعني أن الآخرين غير متحضّرين؟

ج. كلا لكنهم دُفعوا إلى هذه الأعمال وهذه ليست طبيعتهم.

 

س. من تعني بذلك؟

ج. من كان وراءهم ومن يريد إبقاء الوضع متوتراً. كان ذلك مجرد مثال لأؤكد لك أنه لن تحصل حرب أهلية في لبنان.

 

س. يوجد تقارير كثيرة عن وجود أسلحة في لبنان وحصول اللبنانيين على هذه الأسلحة. منذ فترة، صادر الجيش شاحنة محملة بالأسلحة وأعلنت وزارة الدفاع أن هذه الأسلحة أضحت في يد الجيش اللبناني بينما طالب حزب الله عبر شاشة المنار بهذه الأسلحة. وقال البعض إنها ليست أسلحة لحزب الله لأنها أسلحة خفيفة لكن حزب الله يغطي الطرف الذي كانت هذه الأسلحة موجهة له. ما تعليقكم؟

ج. كلا، أعلن السيد نصر الله أنها أسلحة المقاومة وهي أصبحت اليوم في يد الجيش اللبناني لحماية لبنان.

 

س. هل تتفق مع الدكتور جعجع عندما قال إن الجيش وحده من يجب أن يشكل المقاومة؟

ج. أظن أن الدكتور جعجع كان يشير إلى الوقت، من دون أن يشير إلى الوقت المحدد، الذي يكون فيه السلاح محصوراً في يد الجيش وقوى الأمن. وهذا هو السبيل الصحيح، لكن متى يحصل ذلك؟ يكون ذلك فقط عبر الحوار بين اللبنانيين وليس عبر مصادرة الأسلحة والمواجهات. وسنحقق هذا الهدف عبر الحوار الوطني بعد تحرير الأراضي التي تحتلها إسرائيل.

 

س. في ما يتعلق بحصر السلاح في يد الجيش، يقول مناصرو حزب الله في الجنوب إن القوات الفرنسية والإسبانية تستغل تفويض اليونيفيل للبحث عن الأسلحة في الأودية والمستودعات. ما تعليقكم؟

ج. اليونفيل تقدم الدعم للجيش اللبناني والأوامر التي أعطتها الحكومة اللبنانية للجيش واضحة. الجيش يذهب ليحمي مواطنيه في الجنوب ويتعامل مع مقاتلين قاوموا الاحتلال الإسرائيلي وهؤلاء ليسوا بلصوص بل هم مواطنون لبنانيون. كما يحق للجيش اللبناني دخول أي منطقة يريدها. وأنا صرحت في مجلس الوزراء أنه لو كان لي منزل في الجنوب، يحق للجيش دخوله وتفتيشه. هذه هي أوامر الجيش وإن وجد أي سلاح يحق له مصادرته.

 

س. هل يبحث الجيش عن الأسلحة؟

ج. هذا حق الجيش اللبناني واليونيفيل تدعمه بالكامل. وفي حال وجدوا أي سلاح يمكنهم مصادرته.

 

س. هل تعيد التأكيد اليوم في السادس عشر من شباط على البيان الوزاري الذي أعلنته حكومتكم العام الماضي والذي يدعم المقاومة اللبنانية؟

ج. المقاومة ليست عدونا. نحن سنستمر بالتعامل معهم وعليهم احترام قوانين وأنظمة البلد. لكننا لسنا هنا لاعتقالهم أو مضايقتهم بل التعامل معهم على أساس احترام القوانين والأنظمة.

 

س. هل يوجد أي خطر اليوم على اليونيفيل وفقاً لتصريحات الوزير المر التي تعتمد على معلومات عناصر الاستخبارات؟

ج. قال نصر الله اليوم أنه لا خلاف مع اليونفيل وأعلن وزراؤه أنهم يدعمون القرار 1701 واليوم أعاد السيد نصر الله التأكيد على عدم وجود مواجهات مع اليونيفيل وهي القوة الأساسية في الجنوب.

 

س. أي أن اليونفيل غير معرضة لأي تهديد؟

ج. لا أظن أنه يوجد تهديد فعلي للقوات الدولية. ونحن نظن أن كل الجهود التي تبذل لرسم الخط الأزرق وحماية البلاد من المضايقات الإسرائيلية حيث تنتهك الطائرات الإسرائيلية الأجواء اللبنانية باستمرار هي جهود بناءة. وإسرائيل ترفض حتى اليوم تسليم خرائط الألغام التي زرعتها خلال فترة الاحتلال واليوم يوجد خطر القنابل العنقودية التي ألقتها خلال الحرب الأخيرة والتي تتسبب ببتر أعضاء المصابين وتقتل الكثير من اللبنانيين في الجنوب. ولا ننسى الأسرى اللبنانيين في السجون الإسرائيلية واحتلال مزارع شبعا وهو لب المشكلة اليوم.

 

س. أتظن أن ما تقوم به الأسرة الدولية غير كافٍ؟

ج. ما زال هناك الكثير مما يمكن القيام به للضغط على إسرائيل مما يسمح لنا في نهاية المطاف بتطبيق النقاط السبع. مزارع شبعا أرض لبنانية محتلة رغم عدم اعتراف السوريين بلبنانيتها. والأمم المتحدة تعتبرها أرض سورية وليس لبنانية لأن سوريا لم تقدم تعاونها في هذا الإطار. لذلك، قدمنا اقتراحاً لحل المشكلة بوضع مزارع شبعا تحت وصاية الأمم المتحدة. وهي فكرة مبتكرة وننتظر من الأمم المتحدة الضغط على إسرائيل من قبل كل الدول المحبة للسلام والولايات المتحدة لتحقيق هذا الهدف. وهذا سيفيد الجميع وخصوصاً لبنان فيصبح قادراً على بسط سلطته على كافة أراضيه وتكون الدولة هي التي تحتكر السلطة في البلاد لأنه طالما هناك احتلال لا يمكن لأحد قول شيء لحزب الله.

 

س. هل ألغيتم الخدمة العسكرية الإجبارية لتسهيل دخول عناصر مقاومة حزب الله في الجيش اللبناني؟

ج. كلا، اتخذ هذا القرار منذ سنوات ولكنه طُبق مؤخراً، وهي كانت الفترة اللازمة لتنفيذ هذا القانون. لكن القانون صدر خلال الوجود السوري في لبنان.

 

 

س. عام 2000 بعد انسحاب إسرائيل؟

ج. كلا بل كان نتيجة شكاوى كثيرة قدمها المواطنون.

 

س. أي لا صلة على الإطلاق مع حزب الله؟

ج. كلا، حصل ذلك قبل انسحاب السوريين واغتيال الرئيس الحريري.

 

س. هل يمكن اعتباره مفيداً الآن؟

ج. ليس في هذا الإطار. كما تعلمين، كانت الخدمة العسكرية الإجبارية لمدة عام. أنا أردت إبقاء الخدمة العسكرية لكن لمدة 6 أشهر. هناك من أراد إبقاءها لمدة سنة، وهناك من أراد إلغاءها، وآخرون أرادوا إبقاءها لإلحاق من يترك المدرسة بالجيش أو إلحاق الشبان قبل الدراسة الجامعية أو بعدها. لكن أغلبية اللبنانيين كانوا ضد الخدمة العسكرية.

 

س. دولة الرئيس، أغلب رجال الأعمال اللبنانيين الذين اتقيت بهم يعتبرون أنه حان الوقت للتسوية فلبنان لا يحتمل أزمة جديدة. ما تعليقكم؟

ج. أنا أوافقهم الرأي وهذا ما صرحت به اليوم. تحدثت للصحفيين اليوم وقلت إنه لا بد من استنتاج الدروس مما جرى مؤخراً بعد 11 أسبوعاً من التظاهرات والاعتصامات. وبعد ما حصل الأربعاء الماضي، لا يمكن التحدث عن أغلبية وهمية وما إلى ذلك. يوجد اليوم أغلبية فعلية. فلنتجاهل الأرقام والأعداد وأداء المجموعات المختلفة، ولنفكر بالمستقبل. لا يمكن الاستمرار على هذا المنوال. هذا يضر بالبلاد والحياة الاجتماعية والاقتصادية في لبنان ولا يفيد بشيء. لا ينبغي أن نضيّع جهودنا سدىً. يجب أن نتفق لأنه لا يمكن أن يكون هناك غالب ومغلوب في لبنان.

 

 

 

س. أتظن أن مبادرة الرئيس بري ستنجح؟

ج. أظن ذلك لأنه لا يوجد طريق آخر. قلت ذلك منذ اليوم الأول وبعد 11 أسبوعاً من الاعتصام.

 

س. هل تظن أن السيد نصر الله سيقبل بهذه الدعوة بعد أن شاهدت خطابه الأخير على الشاشات اللبنانية؟

ج. ليس بعد.

 

س. هل ستستمر المواجهة؟

ج. يعود الجواب على هذا السؤال له لكن هذا الواقع اليوم. يجب إيجاد حل. لا يمكن الاستمرار على هذه الحال لأن التكلفة مرتفعة جداً.

 

س. متى كانت آخر مرة اتصلت برئيس الوزراء برودي؟

ج. يوم الأربعاء حين كان في دلهي.

 

س. هل أخبرته أن كل شيء سيكون على ما يرام؟

 نعم فنحن صديقان مقربان وأنا أحترمه جداً.

 

س. أتعرف أن وضع السيد برودي على المحك اليوم في إيطاليا، فإن حصل شيء في لبنان، قد يؤدي ذلك إلى سقوط السيد برودي؟

ج. لا داعي للقلق، لن نخيب آماله. السيد برودي صديق فعلي للبنان وهو رجل فهم الوضع الجغرافي السياسي وهو يعرف أنه لا يوجد بلد منيع أمام ما يحصل في بقية العالم. إيطاليا بلد أوروبي مهم وبلد متوسطي مهم كذلك. والمسافة بين لبنان وإيطاليا مجرد ساعتان في الطائرة. ولا يمكن لإيطاليا القول إن ما يحصل للبنان غير مهم. على العكس، فإن استمر الوضع على حاله في لبنان، ستتأثر كل دول البحر المتوسط والعالم كله. فهذا البلد الذي يعتبر بلداً صغيراً بمساحته التي تصل إلى 10452 كلم2 وعدد سكانه الأربعة ملايين هو بلد أبعاده مهمة جداً.

 

س. لكن عادة لبنان يفطر قلب من يحبه؟

ج. لا نريد فطر قلوبكم بل نريد أن نزيد تعلقكم بنا.

تاريخ الخطاب: 
13/02/2007