كلمة دولة رئيس مجلس الوزراء الأستاذ فؤاد السنيورة خلال افتتاح اجتماع الهيئات المالية العربية

-A A +A
Print Friendly and PDF

 

أيها الإخوة والأصدقاء،

أيها الحضور الكريم،

 

يسرني ويفرحني كثيراً أن ألتقيكم هذا اليوم، هنا في بيروت. فاجتماعكم معنا وبيننا في بيروت وفي هذه الظروف التي يمر بها لبنان هو الدليل الأكيد على ثقتكم وتضامنكم ووقوفكم إلى جانبنا في الصعاب التي يمر بها بلدنا، وعلى وجه الخصوص في الظروف الراهنة. إنكم هذه الحالة أيها الأصدقاء الأعزاء تثبتون أن للبنان أشقاء مخلصين ومحبين يثقون به وبقدراته وبضرورة نهوضه وقيامه بدوره الحيوي في المنطقة. وإلا ما هو معنى وجودكم بيننا في هذا الوقت لو لم يكن ذلك انطلاقاً من حرصكم على دعم لبنان ودعم تميزه وصموده ووجوده.

 

إخواني،

أيها الأصدقاء والأشقاء الأعزاء،

 

لقد كان آخر اجتماع لكم في بيروت عام 1998 بحضور شهيدنا الغالي الرئيس رفيق الحريري لكنْ منذ ذلك اليوم جرت في النهر مياهٌ كثيرةٌ سواءٌ في لبنان أو في المنطقة وتألبت ظروفٌ وتبدلتْ مواقفُ وانقلبتْ دولٌ وتغيرتْ صُوَر.

 

منذ اجتماعكم الأخير في الرباط وقبل سنة من الآن، تعرض لبنان إلى أشرسِ هجمةٍ عدوانيةٍ عرفها تاريخه من قِبَلِ آلة قتْلٍ غاشمةٍ فاجرة هدفت إلى إعادته عشرون سنةً إلى الوراء. فقد استهدفت تقطيعَ شرايينه وأَوصاله وطرقه وبُناه التحتية وتدمير مؤسساته الرسمية والمدنية والتجارية وبنيته السكانية بهدف تشريد سكانه وضرب استقراره وهز صيغة العيش المشترك بين أبنائه. لكن لبنان الذي صمد في وجه هذه الهجمة الإجرامية الإسرائيلية إنما نجح في الصمود وفي رد العدوان بفضل عاملين اثنين: وحدته الوطنية الداخلية وتضامن الأشقاء والأصدقاء معه.

 

إن الموقف العربي إلى جانب لبنان في كل الظروف والمحن التي مر بها يؤكد عمق العلاقات الأخوية العربية. ولطالما وجد لبنان إخوانه العرب إلى جانبه منذ بداية محنته أي منذ بداية المحنة العربية التي بدأت مع نكبة فلسطين. فقد كان لبنان بين الدول العربية الأولى التي عانت من تداعيات وسلبيات هذه المحنة وانعكاساتها وما يزال. لقد واجه لبنان الآلة العسكرية العدوانية الإسرائيلية طوال السنوات الماضية نتيجة التزامه بالقضايا العربية وهو بذلك كان يدفع الثمن الغالي عن كل العرب وباسم كل العرب ونيابةً عنهم. وعلى ذلك فإن إسرائيل تتصرف تجاه لبنان على انه أرضٌ محروقة متاح أمامها للقصف والقتل والتدمير وتجريب واختبار أحدث الأسلحة الفتّاكة في العالم. وكلما استرجع لبنان أنفاسه او حاول الوقوف على رجليه تأتي إسرائيل لتجدّد عدوانَها واجتياحها من أجل إيقافه أو رَدِّهِ إلى الوراء. وهي بعد أن اجتاحت عاصمته في العام 1982 لم تقف عند هذه الحدود بل نراها تكرر بعد كل سنتين أو ثلاث عدوانها واجتياحها وكل مرة بحجة جديدة كان آخرَها أسرُ الجنديين من قبل حزب الله.

 

إخواني،

أيها الحضور الكريم،

 

كونوا على ثقة أنّ التجاربَ التي مررْنا بها والامتحانات التي خضعنا لها منذ قيام لبنان واندلاع محنة فلسطين لم تزدنا إلا تمسكاً بالانتماء العربي والتعاون العربي وان دلت هذه التجارب على شيء فإنما تدلُّ على أنْ لا ازدهارَ للبنان من دون إخوانه العرب ومن دون تعاونهم معه وخاصةً في المرحلة المقبلة من اجل استعادته لسيادته المنقوصة على أرضه بفعل الاحتلال الإسرائيلي ومن أجل مساعدة اللبنانيين على إعادة الاعتبار لدولتهم وإقدارها على بسط سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية.

 

إن لبنان الضعيف أو المستضعَف هو ضَعفٌ لكل العالم العربي. اما لبنان النموذج للحرية والديمقراطية والعيش المشترك فهو حاجة له ولابنائه ولاشقائه وللعالم اجمع. الا ان لبنان ما يزال بحاجةٍ إلى تضامن أبنائه وإلى تعاون إخوانه معه وعلى وجه الخصوص في تنفيذ برامجه الإصلاحية التي تقدم بها واطلعتم عليها في مؤتمر باريس-3 والتي تصبُّ في مصلحة كل اللبنانيين وازدهار اقتصادهم وتطور مجتمعهم.

 

لقد قاوم لبنان العدوان الاسرائيلي وكافح و نجح في منع إسرائيل من الانتصار وهو يجهد ومعه اللبنانيون في التصدي لآثار العدوان ونتائجه. كما نجحت الحكومة اللبنانية في وقف العدوان ومنعه من ارتكاب المزيد من الدمار لبناه التحتية ومنشآته الاقتصادية وكذلك في دفع إسرائيل إلى الانسحاب من الأراضي اللبنانية التي احتُلتْ حديثاً وهذا ليس بالإنجاز البسيط. كما نجحت الحكومة اللبنانية أيضاً في إقرار الصيغة المعدلة للقرار 1701 وفي نشر الجيش اللبناني على الحدود الدولية الجنوبية للبنان لأول مرة منذ أكثر من 30 سنة. لكنّ لبنانَ أيها الأشقاءُ والأصدقاءُ ما يزالُ أمامه الكثيرُ لإنجازه من اجل استعادةٍ كاملة لحقوقه ومواقعه ومن أهمها:

 

أولاً:     الوصول إلى تطبيق كامل لوقف النار في الجنوب وذلك بعد وقف الخروق الإسرائيلية اليومية للسيادة اللبنانية براً وجواً.

 

ثانياً:    السعي إلى تحرير مزارع شبعا بدءًا من وضعها تحت وصاية الأمم المتحدة إلى أن يتم ترسيم الحدود بين لبنان وسوريا. هذا يعني دفع إسرائيل للانسحاب منها تمهيداً لبسط سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها بقواها الذاتية الشرعية المسلحة. هذا ما سيسمح بالوصول إلى حالة استقرار كاملة في الجنوب بعد العودة إلى تطبيق اتفاق الهدنة الموقع في العام 1949 وكل ذلك عملاً بنص النقاط السبع التي وافق عليها مجلس الوزراء اللبناني بالإجماع وحازت بعد ذلك على دعم والتزام كل قيادات لبنان السياسية والروحية ودعم الأشقاء العرب والقمة الإسلامية واصدقاء لبنان في العالم وحيث شكلت تلك النقاطُ السبعُ المنطلقَ الأساسَ للقرار الدولي رقم 1701.

 

ثالثاً:    جلاء الحقيقة، حقيقة جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري والجرائم الأُخرى، وذلك عبر قيام المحكمة ذات الطابع الدولي باعتبارها الرادع الوحيد أمام استمرار أعمال الجرائم والاغتيالات التي يتعرض لها لبنان وقادته منذ 30 سنة.

 

رابعاً:    المضي قدماً على طريق بناء الدولة اللبنانية ومؤسساتها عبر السير ببرنامج الإصلاح الاقتصادي والإنمائي والاجتماعي والإداري والمالي. كذلك المضي في إعادة تدعيم وبناء المؤسسات الأمنية من جيش وقوى امن داخلي بالتوازي مع الالتزام الحفاظ على الحريات وتدعيم الديمقراطية وانتظام وتطوير عمل المؤسسات الدستورية. وفي هذا المجال يهمني أن أشير إلى أن معركة الداخل اللبناني أي معركة البناء والنمو ليست اقل شأناً من المعارك المفروضة على لبنان من الخارج.

 

إن الصعوبات التي تواجهها الدولة اللبنانية على طريق قيامها وتدعيم مؤسساتها ليست مسألة سهلة، فالطامحون والطامعون بدويلات وسلطات نفوذ كثيرون وكل طرف منهم يبرر وجوده بغياب أو بضعف الدولة بدلاً من أن يسهم في تعزيز قيامها وإقدارها على القيام بدورها في حماية وضمان حاضر اللبنانيين ومستقبلهم. لذلك فإننا نعتبر أن قيام الدولة في لبنان لا يكون بان يتمسك كل طرف بمصالحه وما يريد، بل إن قيام الدولة يكون بأن ندعم قيامَ المؤسسات بالفعل وليس عبر محاربتها، وباحترام آليات النظام الديمقراطي لا تدميرَها وتجاوزَها. فالدولُ إنما تُبنى باحترام أبنائها لمؤسساتها الدستورية. أما القولُ عندما تصبحون دولة تعالَوا وتحدثوا معنا فلن يوصلَ إلاّ إلى طريقٍ نعرفه وهو طريقُ الانقسام وطريقُ تراجع لبنان وطريق اللا دولة، ذلك أنّ الدولة لا تقوم إلا بتعاون جميع اللبنانيين بغض النظر عن الاتجاهات والآراء.

 

إن انتصار مفهوم الدولة الديمقراطية والالتزام به ليس في الواقع إلا انتصار لجميع اللبنانيين وتقويضها هو تقويض لمستقبل جميع اللبنانيين.

 

الإخوة والأصدقاء،

الأشقاء الأعزاء،

 

إنّ الصعوبات التي يمر بها لبنان في هذه الأيام ليست الأولى ولن تكون الأخيرة، لكن الأساس في كل ذلك هو ماذا نريد نحن وكيف يمكن أن نواجه هذه الصعوبات. ولذلك فإننا نرى أن الإصرار على السير في طريق المستقبل والبناء والتطوير، والوحدة الداخلية بين اللبنانيين هما الطريق الوحيد الذي يستحق سلوكُهُ العناءَ والكفاحَ من أجل قَطْعه.

 

 

نحن مصمّمون على الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي والوصول إلى النمو المستدام والازدهار. وقد أدى مؤتمر باريس-3، وما وضعته الحكومةُ من برامج، وما تسعى الى تنفيذه من خِطَط، إلى تزايُد الآمال بأن نستطيع تحقيق الأهداف التي صَبَونا ونصبو إليها.

 

لقد كنا نفضّل أن تكون المساعدات التي وقفتم إلى جانبنا بها مساعداتٍ تُستخدم كلُّها من أجل الإنماء والنمو وليس من اجل إعادة بناء جزء ما تدمر وتهدم بفعل العدوان والاجتياحات والمحن. وكنا نفضل أن يكون طريق النمو مفتوحاً ومشْرَعاً لا مكبَّلاً ومتعثراً. لكن في كل الأحوال هذا ما جعل تمسكنا بحقنا وبدولتنا ومؤسساتها هو الهدف الرئيس لحكومتنا ولبرنامجنا ولخطواتنا ومشاريعنا المقبلة.

 

لقد كان لبنانُ دائماً وفياً لالتزاماته، وأميناً للبرامج وللخطط التي يضعُها، كما هو أمينٌ في كشف ظروف الحيلولة والعرقلة. ونحن على ثقةٍ وبالمؤشرات الحالية، أننا نستطيع التقدمَ إلى الأمام، رغم المظاهر التي تدلُّ على غير ذلك. لقد نجحت تجربةُ العرب مع لبنان، ونحن مصرُّون على أن نكونَ ونبقى أهلاً للثقة، مقدِّرين كلَّ وجوه الدعم، وساعين لإنفاذها بالشكل الذي يخدمُ مصلحةَ لبنان، والمصالحَ العليا للأمة العربية.

 

 

 

 

مرةً ثانيةً أود أن أُرحّب بكم في لبنان.

 

أهلاً وسهلاً بكم في بيروت، مدينتِكم مدينة كل العرب.

 

شكراً للثقة، شكراً للدعم. لقد أحببتم لبنان وأَحبَّكُم، وكما سبق القول، فنحن لن نأْلوَ جَهداً في السعْي للبقاء على المسار الصحيح.

 

والسلام عليكم.

 

فندق الفينيسيا- بيروت

الأربعاء في 11/04/2007

 

                                رئيـس مجلـس الـوزراء

                                فـؤاد السـنيورة

تاريخ الخطاب: 
11/04/2007