كلمة دولة رئيس مجلس الوزراء الأستاذ فؤاد السنيورة في افتتاح المعرض الخمسين للكتاب العربي ببيروت في مركز بيال للمعارض

زملائي الإخوة في النادي الثقافي العربي،
السادة نقابة اتحاد الناشرين في لبنان وأعضائها،
المثقفون والمؤلّفون وأهل الفكر،
أيها الحضور الكرام،
المعرِضُ الخمسون للكتاب العربي والدولي وفي بيروتَ بالذات، ليس مناسبةً عاديةً أو كغيرِها من المناسبات. فلنعُدْ بالذاكرة إلى أول معرِضٍ للكتاب العربي أقامه النادي الثقافي العربي ببيروت قبل خمسين عاماً، أي في العام 1957. لقد كان عاماً لا كالأعوام السابقة أو اللاحقة، كما كان نشاطاً ذا دلالاتٍ كبيرة. كانت مصر قد تعرضت للغزو عام 1956 بقصد إلغاء قرار تمصير قناة السويس، وإسقاط نظام ثورة يوليو. وكان لبنان يعاني من ضغوطٍ نتيجة أحداث المنطقة، والانقسامات السياسية الداخلية والتي تتعلقُ كلُّها بهويته ونظامه السياسي. وهكذا كان هناك أمران أساسيان على المحكّ: انتماء لبنان، ودستورية النظام السياسي فيه. وفي ذاك الظرف السياسي المُحْرج والمُقلق، أراد النادي الثقافي العربي، المشاركةَ في التصدّي للتحدّي بطريقةٍ حضاريةٍ ومُجْدية، فأقام أولَ معرِضٍ شاملٍ للكتاب العربي، والذي دأَب منذ ذلك الحين، وفي أحرَج الظروف وأصعَبِها على إقامتِه حتى بلغَ المعرِضُ كهولتَه الناضجةَ والغنية، وعامَهُ الخمسين في هذه السنةِ بالذات. وهي كما نعلمُ جميعاً سَنَةٌ أُخرى من سنوات التحدّي: تحدي النضال من أجل أن يبقى لبنانُ وطناً نهائياً لسائر بنيه، وأن يبقى نموذجاً للعيش المشترك والانفتاح والاعتدال وأن تبقى الدولةُ الواحدةُ، والسلطةُ الواحدة، والنظامُ الديمقراطي، والتداوُلُ السلمي للسلطة، ومن خلالِ ذلك: لكي تبقى بيروتُ رمزاً عالياً للثقافة والحرية والديمقراطية في دنيا العرب والعالَم.
أيها السادة،
أيها الإخوة،
يا ستَّ الدنيا يا بيروت...
إنَّ الدنيا بعدكِ ليست تكفينا...
الآن عرفْنا أنّ جذورَكِ ضاربةٌ فينا...
قومي إكراماً للأنهار وللوديان...
قومي إكراماً للإنسان... نزار قباني
ما ظهرتْ بيروتُ الحرية، وبيروتُ الثقافة والاستنارة، وبيروتُ الانفتاح والتقدم والتفوق، مُصادفةً أو خِلْسة. وإنما أنْشأَها أهلُها، وأنشأها اللبنانيون، وأنشأها العربُ، وتحت سَمْعِ العالَم وبَصَرِه، على شاكلةِ مطامحهم وأحلامهم، وبالجَهد والعَرَق والعملِ والالتزام. وهو الجَهْدُ نفسُه، والالتزامُ نفسُه، الذي خالَجَ ودفَع روّادَ الاستقلال الأوائل، الذين صنعوا الميثاق الوطنيَّ، وصنعوا المجتمع السياسيَّ اللبناني. وقد اختلف اللبنانيون على أشياءَ كثيرة، لكنهم ما اختلفوا ولن يختلفوا على عيشهم المشترك، وعلى وحدةِ مجتمعِهِم ودولتِهِمْ وحريتِهِمْ ومصيرهم الواحد. والصراعُ الدائرُ اليومَ في بيروتَ وعلى بيروت، وفي لبنان وعلى لبنان، له المعنى نفسُه، والمسؤولياتُ ذاتُها، والأعباءُ ذاتُها: أن ينتصر معنى الدولة ويتعزز الالتزام بها، وان تتحرر مؤسساتُها من التعطيل والارتهان، وأن يحتفظ الشعبُ اللبنانيُّ بحرية قراره، وبنظامه المدني الديمقراطي، وأن لا يكونَ الوطنُ ساحةً لصراعات الآخرين، ولا بندقيةً أو كيس رمل لأحد، وأن يظلَّ لبنانُ عربياً حراً مستقلاً، يتمتّع فيه أبناؤه بنتائج كَدِّهم وإبداعهم وقُدُراتِهِمْ، فيشدُّون أَزْرَ الصديق، ويردُّون كيدَ العدوّ، ويتحمَّلون مسؤولياتِ انتمائهم العربي بفخرٍ واعتزازٍ وأريحيةٍ يعرفُها لهم وعنهم إخوانُهُمُ العربُ، والعالَمُ أجمع.
لا يجوزُ ولن يقبل اللبنانيون التضحيةَ بوطنهم على مذابح الصراعات الإقليمية. ولم يقبلوا احتجاز قلب عاصمتهم بالحواجز بين ساحتي شهيدي الاستقلالين الأول والثاني رياض الصلح ورفيق الحريري. ولن يقبلوا إقفال مجلس نوابهم المنتَخب، ولماذا؟ لمنْع إقرار المحكمة، وإحقاق العدالة، في مقتل كبارِ لبنانَ في السياسة والثقافة والإعلام. نعم! إنّ الذين بَنَوا بيروتَ العظيمةَ، وشيَّدوا تلك الصروحَ التعليمية الرائعة التي أنارتْ سماءَ هذا الشرق لأكثرِ من مائة عام، وهم يحتفلون اليومَ بالمعرضِ الخمسين للكتاب العربي والدولي، لن يقبلوا أن يُرتَهَنَ إنسانُهُم، ويتهدَّدَ عُمرانُهُمُ الاقتصاديُّ والسياسي، لأنّ فرداً أو جماعه شاءت وبالقوة، تنفيذَ طموحات السطوة، وإرادات الانقسام الخارجية.
أيها المثقفون،
أيها الناشرون،
لقد تحدثتُ إلى الكثيرين منكم، واطّلعتُ على الجهود الكبيرة التي قمتم وتقومون بها من أجل الإبداع في الكتابة المتقدمة والمستنيرة في شتّى المجالات، ومن أجل تطوير ثقافةٍ عربيةٍ معاصرة، والتجويد في صناعة الكتاب، والتواصل الوثيق من طريق الترجمة والنقل مع ثقافة العصر، وعصر العالَم. وكما كانت بيروتُ القرنين التاسع عشر والعشرين رائدةً في صنع الثقافة، وفي إطلاقها، فإنّ المثقفين العرب، والناشرين العرب، ردُّوا الجميلَ لبيروتَ بوضْعِها في قلوبهم وعقولهم إلى جانب القاهرة ودمشق وبغداد والرياض والرِباط والجزائر. وقد بلغني أنّ معارضَ الكتاب الأخيرة بالقاهرة والرياض ومسقط وأبو ظبي، كانت بالغةَ الدلالةِ بالنسبة للعاملين في المجال الثقافي مؤلّفين وناشرين. الدلالةُ على نهوضٍ جديدٍ يستندُ إلى التحسُّن في مستويات التعليم، وزيادة عدد القراء، ونموّ القدرة الشِرائية للناس، وقبل ذلك وبعده: الأمن الاجتماعي والاقتصادي، والانتظام في عمل الدولة ومؤسساتها من أجل المواطنين.
ولستُ من محبّي التحدث عن الأمن في المجال الثقافي. لكنني- والحقُّ يُقالُ- عميقُ الإحساس بالتفاوُت في الأولويات بيننا وبين العالَم. ففي العالم المتقدم اليومَ أولويتان اثنتان: التعليمُ والتدريب، والتنافُسُ في عمليات التنمية. وكِلا الأمرين تقودُهُما الدولُ والأنظمة بعد أن جرى تجاوُزُ القضايا الوطنية والقومية الكبيرة، واندفعت سائرُ الطاقات باتّجاه النموّ والتقدم. أمّا الوضعُ العربيُّ والذي يطرحُ أسئلةً مخيفةً بشأن الثقافة والمثقفين، والقراء وعددهم، وتردّي العلاقة بالعالَم، وتخلْخُل فكرة الدولة، فلا شكَّ أنّ مسألة الأمان والضمان الاقتصادي والتعليمي والثقافي والسياسي، تشكّل فيه المقدّمة الضرورية لتحقيق التغيير باتجاه التقدم. إذ لا ضمانَ ولا أمانَ إلاّ بالدولة الديمقراطية الناظمة، والعاملة في خدمة مواطنيها، حفظاً لمصالحهم الوطنية والقومية، وتحسيناً لشروط حياتهم المادية والاجتماعية والمعنوية والثقافية وحرياتهم الأساسية.
يوجِدُ الناسُ، وتوجِدُ الشعوبُ الكياناتِ والدول، لتحقيق الأمنين الاجتماعي والاقتصادي، ثم تكون المشاركة بين الدولة وقطاعات المجتمع المدني في عمليات التنمية والنهوض والتقدم.
إنّ الذي أتحدثُ عنه هنا هو ضرورةُ الدولة للثقافة، وضرورة الثقافة للدولة. فالوعْيُ الثقافيُّ المتقدمُ لدى النخبة هو الذي يصنعُ الدولةَ المدنيةَ ذاتَ المؤسَّسات. والدولةُ القويةُ بنُخبتِها هي التي تقودُ عمليات التقدم, والوعْيُ المستنيرُ الذي يكونُ علينا جميعاً أن نتحلّى به لتحقيق الأمن الاجتماعي والاقتصادي وبالتالي الثقافي والسياسي، يتمثل في الالتفاف من حولِ الدولة في وجه ظواهر التفكُّك الداخلي، وتدخُّلات الخارج. وللمثقفين والناشرين دورُهُمُ الكبير في التصدّي لهاتين المسألتين البارزتين، اللتين ذكرتُ أنّ العالَم يتجاوزُهُما، بينما ما يزال المخاضُ والتعثُّر يميِّزُ تجربةَ الدولة في مجالِنا الثقافي والسياسي. لقد قال لي أحدُ الناشرين القُدامى إنّ بغداد كانت أكبرَ سوقٍ للكتاب في الوطن العربي حتى العام 1985. إنما الذي يحدُثُ بعد أربع سنوات على الغزو الأميركي للعراق، أعقبت اثني عشر عاماً من الحصار، أنّ بغداد توشك أن تسقط من الداخل، بعد أن سقطت من الخارج، لغياب الدولة والحرية، واستيقاظ الحساسيات الإثنية والطائفية. وهذه ضربةٌ كبرى للثقافة العربية التي كانت بغدادُ رمزَها الكبير، والتي ستعودُ كذلك في وقتٍ قريبٍ إن شاء الله.
أيها المثقفون،
أيها الناشرون،
أيها الحضور الكرام،
أعرفُ أنكم خائفون على بيروت، هناك دواعٍ للقلق، لكنْ لا داعيَ بالفعل للخوف. فهذا النادي الثقافي العربي مستمرٌّ منذ أكثر من ستين عاماً. وهذا المعرضُ للكتاب العربي ببيروت يجتازُ عامَهُ الخمسين. وها أنتم أيها الناشرون العرب تُهرعون إلى بيروت، ليس لأنكم تريدون تسويقَ كتبكم وحسْب، بل ولأنكم تحبُّون بيروت، وتحبون لبنانَ واللبنانيين، وتُطِلُّون من بيروتَ ولبنان على آمالِ العربِ وطموحاتِهم ومستقبلِهِمْ القوي والمتقدم إن شاء الله. فالعربُ الذين أَسهموا ويُسهمون في بقاء بيروتَ عاصمةً للثقافة العربية يقومون الآن بإقدار لبنان، بواسطة هبتين ماليتين كريمتين، من دولة قطر وسلطنة عُمان للنهوض بالمكتبة الوطنية، ولتشييد دار الثقافة والفنون في قلب بيروت.
نحن مستمرون بالحبّ العربي، وبالمودة العربية، وبالانتماء العربي. أسهم العربُ في بناء لبنان في الخمسينات والستينات من القرن الماضي. ثم أعادوا مع اللبنانيين إعماره في التسعينات، وهاهُمُ اليومَ يُقْبلون على مساعدته في إعمار ما دمَّرتْهُ إسرائيل في حرب تموز. نعم، نحن باقون ومنتصرون بالودّ العربي، وبالالتزام العربي، وباقون ومنتصرون بإيمان اللبنانيين بوطنهم وبعيشهم المشترك، وحرصهم على دولتهم وعُمْرانِهِمْ وتطورِهِمْ، وتشبُّثِهِمْ بحريتهم واستقلالهم وسيادتهم على كامل ترابهم الوطني، وسلامهم الأهلي والوطني.
إنّ الرسالةَ التي يوجِّهُها المعرضُ الخمسون للكتاب في بيروت، والرسالة التي يوجِّهُها اللبنانيون إلى العرب والعالَم أنّ لبنانَ الذي تعرفونه باقٍ بثقافته ومؤسَّساتِه وعروبتِه وعالميتِه. لبنانُ ليس دوراً انتهى أو ينتهي، بل هو شعبٌ وانتماءٌ ودولةٌ صنعوا بل أبدعوا جميعاً وظيفةً ودوراً، وها هم اللبنانيون يعملون ويطوّرون ويبدعون ويجدّدون بالقول وبالثقافة وبالفعل، مع أشقائهم وأصدقائهم والعالَم الأسع.
أيها اللبنانيون،
أيها العرب،
أيها المثقفون والناشرون،
نحن باقون معاً على حبّ بيروت، بيروت الحرية والثقافة والبهجة والانفتاح والحيوية، بيروت الاستنارة والتقدم والاعتدال وقبول الآخر بيروت المدينة والحضارهبيروت محمود درويش:
أجملُ من قصيدتِها وأسهلُ من كلام الناس
بيروتُ خيمتُنا الوحيدة
بيروتُ نجمتُنا الوحيدة
تحيةً لمعرض الكتاب في بيروت في دورته الخمسين.
تحيةً للنادي الثقافي العربي بشبابه الدائم والمتجدّد.
تحيةً لنقابة اتحاد الناشرين اللبنانيين وتحيةً للناشرين العرب الآخرين الذين يبادلون بيروتَ الثقةَ والإيمان.
تحيةً لجميع الكُتّاب والأُدباء والشعراء، الذين انطلقوا من بيروتَ، وشاركوا في مشروع التنوير الذي رادتْهُ بيروت، وهو فاعلٌ اليومَ في صنع المستقبل اللبناني والعربي.
تحيةً لجميع من أسهمَ ويُسْهِمُ في نجاح واستمرار هذا الجَهد الثقافي والحضاري. تحية لجميع المشاركين فيه.
عاشت بيروت. عشتم. وعاش لبنان.
مركز بيال للمعارض- بيروت
الخميس في 12/04/2007
رئيـس مجلـس الـوزراء
فـؤاد السـنيورة
