بيان المكتب الإعلامي: النيويورك تايمز تنشر مقالة للرئيس فؤاد السنيورة: أعطوا مبادرة السلام العربية فرصة

تحت عنوان: "أعطوا مبادرة السلام العربية فرصة " نشرت صحيفة النيويورك تايمز مقالة للرئيس فؤاد السنيورة هذا هو نص ترجمتها إلى العربية:
مرت سنة تقريباً على قصف إسرائيل للبنان وهو وقت كاف لاستخلاص العبر من النزاع والتفكير في تبعاته.
كانت لجنة فينوغراد الإسرائيلية قد نشرت الأسبوع الماضي تقريراً تمهيدياً دققت فيه في تصرف إسرائيل خلال ما سمته "الحملة" العسكرية الأخيرة لها. إلا أن التقرير لم ينجح في استخلاص العبرة الأهم من حرب تموز ومن الحروب التي سبقتها، ألا وهي أن الأعمال العسكرية لا تؤمن الأمن للشعب الإسرائيلي، لا بل على العكس، هي تزعزعه. السبيل الوحيد المتاح أمام شعب إسرائيل والعرب لتحقيق الاستقرار والأمن يكمن في حل سلمي شامل للنزاع العربي الإسرائيلي السائد.
يندرج في هذا الإطار نداء المشاركين في قمة جامعة الدول العربية التي انعقدت في شهر آذار في الرياض مجدداً لتبني مبادرة سلام كانت قد أطلقت أساساً خلال قمة بيروت في العام 2002 من قبل المملكة العربية السعودية وتبنتها كافة الدول العربية. تمنح هذه المبادرة إسرائيل الاعتراف الكامل من قبل الدول الـ22 الأعضاء في جامعة الدول العربية مقابل انسحابها إلى حدود ما قبل 1967، مما سيسمح للفلسطينيين بإنشاء دولة مستقلة قابلة للحياة على مساحة 22% فقط من مساحة فلسطين التاريخية.
هذا الثمن باهظ، إلا أن العرب مستعدون لدفعه كونه المسار الواقعي الوحيد الذي سيؤدي إلى إحلال السلام بما يتطابق مع كافة قرارات مجلس الأمن والجمعيات العامة لمنظمة الأمم المتحدة ذات الصلة ويضمن حق العودة للشعب الفلسطيني. إن الدول العربية لا تسعى لمحو إسرائيل عن الخريطة، لا بل على العكس، إننا نسعى لأهداف مشروعة للهدنة وهي حدود آمنة وإمكانية عيش كل شعوب المنطقة بسلام وأمان.
لم تكن حرب الصيف المنصرم سوى انفجار أخير للعنف في هذا النزاع الطويل، وقد أعاقت كل بوادر السلام بدل إيجاد فرص لإحلاله. لقد انتقد تقرير فينوغراد أهداف الحرب التي وضعتها الحكومة الإسرائيلية واصفاً إياها بالمبهمة وغير القابلة للتحقيق، مع العلم أن الجيش الإسرائيلي كاد وبشكل خطير أن يبلغ الهدف الذي أعلنه رئيس أركانه الجنرال دان حالوتس ألا وهو "إعادة لبنان عشرين عاماً إلى الوراء".
لم يأت التقرير على ذكر الأضرار الهائلة التي تم إلحاقها بلبنان حيث تم تدمير المطارات والجسور ومنشآت إنتاج الطاقة بشكل منتظم، كما هدمت القرى ونزح ما يفوق ثمن الشعب اللبناني. ألحق القصف دماراً وخسائر اقتصادية قدرت قيمتها بسبع مليارات دولار أميركي في الوقت الذي خلف فيه العدوان 1،2 مليون قذيفة عنقودية لا زالت تقتل وتعوق الأبرياء.
والأهم، لقد أودت هذه الحرب بحياة ما يزيد عن 1.200 مواطن لبناني، غالبيتهم من المدنيين. مما يعكس صورة لمشاعر الظلم المتمادي الذي يساور العرب من جراء حجم الدمار الذي تلحقه إسرائيل بحياتهم ولقمة عيشهم واضطهادها للشعب الفلسطيني واحتلالها المستمر وغير الشرعي لأراض عربية. لقد أثبتت حرب تموز أن الأعمال العسكرية والانتقامية ليست الجواب الصحيح لمعالجة عدم الاستقرار وأن الجواب يكمن في التفاهم والدبلوماسية.
يجب أن يدفع ذلك إسرائيل إلى السعي لحل شامل مستند إلى مبادرة السلام العربية. ففشل لجنة فينوغراد في التطرق إلى تبعات الحرب على عملية السلام يدفع إلى الشك في أن تكون إسرائيل مستعدة للسماح باستمرار هذا النزاع ما دام يندرج ضمن ظروف مضبوطة نسبياً. على إسرائيل أن تسعى لسلام وامن إقليميين يمكن تحقيقهما فقط عبر حل عادل للنزاع العربي الإسرائيلي، إذ أن البديل الأوحد مزيد من التطرف والتعصب والدمار.
للشعب العربي، شأنه شأن الإسرائيليين، هواجس أمنية مشروعة، والبرهان على ذلك ما عاناه لبنان خلال الصيف المنصرم. لقد شهدنا مراراً لجوء أطراف النزاع للقوة بذريعة الدفاع عن النفس والحفاظ على الأمن، دافعين بالوضع إلى مزيد من التفاقم ومزعزعين الأمن الذي يسعون إليه. أضف إلى أن التصعيد مرده عدم الالتزام مطلقاً بالقانون الدولي. فالاحتلال غير الشرعي والخروقات الجوية وعمليات الأسر وتدمير المنازل وحواجز التفتيش المذلة والهجمات والهجمات المضادة كلها أمور ما زالت تعزز مشاعر الغضب واليأس. إن استمرار الأعمال العدوانية وانعدام الثقة في هذا المجال مغايرين لعملية بناء الثقة التي تحتاجها هذه المنطقة بهدف تعزيز الاستقرار. إن النزاع مستمر منذ وقت طويل وأدى إلى الكثير من العواقب المربكة، والدبلوماسية تبقى الحل الوحيد.
إن للولايات المتحدة، نظراً لدورها الفريد في العالم، مسؤولية الإقدام وبشجاعة على مساعدة طرفي النزاع على تحقيق سلام عادل ودائم. وشعوب الشرق الأوسط تتطلع ببساطة للعيش بحرية وكرامة بعيداً عن مخاطر العنف والاحتلال والحرب المتواصلة. هذا ممكن إن أبدينا نية سياسية واتعظنا من عبر الماضي المؤلمة. وإدارة جهود السلام هذه لا تقع على عاتق أميركا فحسب، لا بل إنها تصب في مصلحة الولايات المتحدة أيضاً: فالسلام في الشرق الأوسط سيفسح في المجال أمام مصالحة مع العالم الإسلامي في ظل هذه الظروف التي تشهد المزيد من الانقسام والتطرف.
حاولت لجنة فينوغراد التوصل إلى استنتاجات خاصة بالقيادة السياسية والعسكرية الإسرائيلية من خلال تصرفاتها خلال حرب تموز. لكن العبرة الصحيحة تكمن في أن المسار الوحيد لإحقاق سلام دائم هو مسار سلمي. فبدعم الولايات المتحدة وشركائها في اللجنة الرباعية بشأن الشرق الأوسط – الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة وروسيا، نتمنى اتخاذ مبادرة السلام العربية قاعدةً لإحلال سلام شامل في منطقتنا المضطربة. فحينها فقط ستتمكن شعوب الشرق الأوسط من تحقيق هدفها المشترك والعيش بحرية في أمان وسلام شامل.
