مقابلة دولة الرئيس فؤاد السنيورة مع جريدة الحياة (ثلاث أعداد متتالية)

مرات عدة خاطب رفيق الحريري رفيقه وصديقه فؤاد السنيورة قائلاً: "ضع في حسابك إمكان توليك رئاسة الحكومة". وكان السنيورة يسارع إلى الرد: "أعوذ بالله". ولم يكن الحريري يهجس باحتمال تعرضه لعملية اغتيال. كان يفكر في البدائل المحتملة في حال فرضت التعقيدات في علاقاته بدمشق ورئيس الجمهورية ابتعاده شخصياً عن رئاسة الوزراء لخفض التوترات مع بقاء السراي في عهدة فريقه ومشروعه.
تجرّع رفيق الحريري كأس التمديد وابتعد. هبت رياح القرار 1559 وهبت رياح الانتخابات النيابية وبدا أنه يستعد للثأر عبر صناديق الاقتراع. في 14 شباط (فبراير) 2005 تم شطب الحريري من المعادلة. ويقول السنيورة أن الحريري دفع ثمن حجمه وثمن اصطدام اللعبة السياسية بحجمه الكبير في بلد صغير.
في تموز (يوليو) من تلك السنة الملغومة توّج السنيورة رئيساً للوزراء وبأرقام قياسية. ومنذ اللحظة الأولى كانت الحكومة تقلب بين يديها عبوة جاهزة للانفجار اسمها المحكمة ذات الطابع الدولي في اغتيال الحريري. وضاعفت سلسلة الاغتيالات التي شهدها لبنان من صعوبة تعايش الحكومة مع العبوة التي تقلبها.
في 12 تموز 2006 سيضرب لبنان زلزال آخر. فبعد ساعات من عملية نفذها "حزب الله" خارج منطقة مزارع شبعا وأسفرت عن سقوط جنود إسرائيليين قتلى وأسرى أطلقت حكومة أيهود اولمرت آلة القتل على لبنان. كانت الحرب علامة فارقة في تاريخ الحروب العربية- الإسرائيلية. أمطرت المقاومة مدن شمال إسرائيل بآلاف القذائف. أصيبت صورة الجيش الذي لا يقهر بعطب ومعها صورة القدرة الحاسمة على الردع وكسب الحروب الخاطفة. ولم تتوقف الحرب إلا بعد صدور القرار 1701 لمجلس الأمن حاملاً ملامح النقاط السبع التي يقول السنيورة أن "حزب الله" أيدها بالصوت والصورة وبنسبة مئة في المئة.
الجدل حول الحرب وسلاح "حزب الله" سيتحول سريعاً عبوة أخرى لن تتأخر في الانفجار بحكومة السنيورة وبدا أن الخلاف العميق على المحكمة أشعل الفتيل. استقال الوزراء الشيعة واختلط الخلاف على المحكمة بالخلاف على شرعية الحكومة وميثاقيتها ولن تتأخر المعارضة في نصب خيامها لمحاصرة السراي بدءاً من أول كانون الأول (ديسمبر) الماضي.
لم يسقط الرجل "الناعم الحازم" سريعاً. أخطأ الذين راهنوا على استسلامه. وتحولت المبارزة على شفير السراي فرصة لهبوب رياح مذهبية لم يعرف لبنان مثيلاً لها منذ استقلاله. وها هو لبنان يشم رائحة الحرب الأهلية على رغم تأكيد مختلف الفرقاء رفضهم الانزلاق إليها وسط تحول لبنان ساحة للمبارزة بين معسكرين لبنانيين ومعسكرات إقليمية ودولية.
من هو فؤاد السنيورة؟ ماذا يريد؟ من أين جاء؟ وهل هو رجل محظوظ أم سيئ الحظ أم الاثنين؟ وكيف يجرؤ على اتخاذ قرارات كبيرة وخطيرة؟ ما قصة الحرب وما قصته مع الحريري؟ أسئلة كثيرة راودتني لأن معرفتي بالرجل جديدة وعابرة. وأظن أن الأسئلة نفسها راودت قراء "الحياة" التي يظهر فيها اسم السنيورة يومياً فهو رجل يقيم في صلب الأحداث ويقيم أيضاً في عين العاصفة.
قبل أيام كان الرئيس السنيورة في لندن في زيارة خاصة. بدا كمن يرتاح من عناء عاصفة ويستعد لأخرى. هالني أن يمضي أياماً قليلة بعيداً عن المعارضة وفنونها في تنغيص إقامته في السراي. لهذا قررت أن أنغص إجازته فحملت إليه أسئلة واتهامات وأجاب برحابة صدر. وهنا نص الحلقة الأولى:
هل خشيت لدى تبلغك نبأ العملية التي نفذها "حزب الله" خارج منطقة مزارع شبعا في 12 تموز (يوليو) الماضي من أن تشن إسرائيل حرباً على لبنان؟
كنت مجتمعاً بفخامة الرئيس إميل لحود وأبلغنا بحصول العملية. بعد الاجتماع أرسلت في طلب الحاج حسين خليل (المعاون السياسي للأمين العام لـ "حزب الله" السيد حسن نصر الله) وبحثت معه في الموضوع. سألته لماذا العملية وخارج مزارع شبعا فأجاب: "أتيحت لنا فرصة". سألته: "هل استشرتم أحداً؟". قال: "مثل من؟". فأجبت: "الحكومة، هل تضعونها أمام أمر واقع". ذكرته بما قاله السيد نصر الله في جلسات الحوار الوطني من أن المقاومة لن تدخل في عمليات وان دخلت فستكون العمليات تذكيرية وفي منطقة مزارع شبعا. وسألته: "ماذا سيفعل الإسرائيليون؟" فأجاب: "لا شيء". قلت له: "ألا ترى ما يحدث في غزة؟". فأجاب: "لبنان مختلف عن غزة". قلت له: "يمكن أن يفعلوا مثل ما يفعلون في غزة وأكثر ولبنان ليس حاضراً لمواجهة وضع من هذا النوع".استبعد رداً من هذا النوع.
في النهاية قلت له لقد حصل ما حصل فكيف نتعاون الآن لاحتواء أي رد فعل. وبعد ساعات بدأت الحرب.
هل صحيح أن بنك الأهداف الإسرائيلي كان يتضمن نقاطاً حساسة غير التي قصفت؟
نعم، وهم قالوا أنهم سيعيدون لبنان عشرين عاماً إلى الوراء. كان هناك عدد من الأهداف: جسور والمطار ومحطات الكهرباء وغيرها. هذا ما جعلنا نتحرك لنبقى على صلة مع كل مواقع القرار في العالم: الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن وكل الدول المؤثرة والأمين العام للأمم المتحدة فضلاً عن الدول العربية. كان الغرض من الاتصالات وقف العدوان الإسرائيلي والتخفيف من حدته إذا استحال وقفه. خضنا معركة دبلوماسية وإعلامية هائلة.
هل نجحتم في إنقاذ بعض الأهداف من القصف؟
اعتقد أن الهدف الأهم لدى إسرائيل كان ضرب محطات الكهرباء والمطار ومنشآت حيوية أخرى.
من ساعدكم في ذلك؟
الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن. كانت إسرائيل مصرة على تركيع لبنان وتدمير اقتصاده وكنا نتحرك لمنعها.
من هي الجهات التي وقفت إلى جانب لبنان؟
فرنسا كانت في طليعة من تحركوا. روسيا ساهمت أيضاً. وكان هناك تواصل مع الرئيس جورج بوش ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير ومع المسؤولين الصينيين. لكن أهم من يذكر بالخير هو الرئيس جاك شيراك وهو بأمانة صاحب أفضال كثيرة على لبنان. كان حازماً في موقفه. كان دائماً إلى جانب لبنان. يمكن أن نذكر تفاهم نيسان في 1996 الذي أعطى لبنان اعترافاً دولياً بحقه في مقاومة الاحتلال. طبعاً دور الرئيس الحريري كان مهماً في الوصول إلى ذلك التفاهم. ثم أن دور الرئيس شيراك واضح في باريس-1 وباريس-2 وباريس-3.
النقاط السبع
انطلقت الحرب فمن أين جاءت فكرة النقاط السبع؟
النقاط السبع لبنانية بنسبة مئة في المئة.
أليست وليدة أملاءات كما تقول المعارضة؟
لا أملاءات لا أميركية ولا من فلان أو علان. لبنانية تماماً وهي فكرتي.
من أين جاءت؟
جاءت حصيلة كل ما شهدناه خلال تلك الفترة وكل ما نعتقده. النقاط السبع تتضمن وقف إطلاق النار والانسحاب الإسرائيلي والإفراج عن الأسرى والجنديين الإسرائيليين ومزارع شبعا. موقفي كان ويبقى أن لبنان ليس في وارد التخلي عن شبر من أرضه. أنا منذ البداية تبنيت فكرة أن علينا أن نحرر مزارع شبعا ونعود إلى اتفاقية الهدنة وبسط سلطة الشرعية اللبنانية على كل أراضيها أي أن يدخل الجيش اللبناني إلى الجنوب وهو ما كان ممنوعاً عليه. فضلاً عن تقديم الدعم اللازم للبنان لتخطي هذه الأزمة التي تسببت بها إسرائيل وطالت واستحكمت.النقاط السبع هي التي بني عليها القرار 1701
هل كانت الصيغة الأصلية المقترحة للقرار أشد قسوة؟
طبعاً، والأمر معروف. رفضت الحكومة المسودة الأولى للقرار لأنه كان يضع مزيداً من الشروط على لبنان. أنا رفضت المسودة. وحين حصل الاعتداء في قانا بادرت إلى الاتصال بالرئيس نبيه بري وقلت له إنني سأطلب من وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس أن لا تأتي إلى لبنان. وبادر بدوره وقال: أنا ذاهب إليك في السراي.وأصدرنا بياناً مشتركاً. وقلت: هذا موقفي وإذا أرادوا أن يقصفوا السراي لن أغيره.اتخذت موقفاً بالغ الصلابة واستطعنا أن نحقق تغييراً لمصلحة لبنان. لولا هذا الموقف الذي اتخذناه جميعاً لما توصلنا إلى ما توصلنا إليه.
أنا لا أنكر أننا كنا أمام موقفين: موقف الانحناء أمام الذين وقفوا وصدوا بأجسادهم الاحتلال الإسرائيلي وهؤلاء أحييهم وانحني أمام استشهادهم وتضحياتهم كما أنحني أمام تضحيات الشعب اللبناني من صمد منه في الأرض ومن اضطر إلى النزوح وبقي على صلابته.
هذه حقائق يجب أن نسجلها. يجب أن نسجل أيضاً أن هذه الحكومة، التي سموها هم، في وقت من الأوقات، حكومة المقاومة السياسية، استطاعت أن تجند كل العالم إلى جانب لبنان وأن تفرض النقاط السبع وأن تغير مشروع القرار 1701 وأن تتخذ قرار إرسال الجيش إلى الجنوب وكل المواقف التي تؤدي إلى انسحاب إسرائيل من كل الأراضي التي احتلتها حديثاً. وما كان لذلك أن يحصل لو لم تكن هناك حكومة تستطيع أن تقف باسم الشعب اللبناني هذا الموقف.
هل وافق "حزب الله" صراحة على النقاط السبع؟
نعم، وافق "حزب الله" على النقاط السبع بنسبة مئة في المئة. وهو عبر عن ذلك بمواقف علنية. مجلس الوزراء في جلسة 27 تموز (يقرأ من أوراقه) وبعد أن استمع مجلس الوزراء إلى ما دار في مؤتمر روما وبعد مداخلات عدد من الوزراء الذين شاركوا في المؤتمر وزملاء آخرين توقف المجلس أمام الخطاب الذي ألقاه دولة الرئيس وأكد تأييده وتبنيه لمضمون الخطاب وأجمع على الإشادة بدور دولته في إدارة الأمور ومتابعتها على كل الصعد. ثم جاءت القمة الروحية. بعدها جلسة أخرى لمجلس الوزراء في 5 آب (أغسطس): "جددت الحكومة تمسكها بالإجماع وإجماع سائر اللبنانيين حول النقاط السبع وتمنت الابتعاد في مواقف الجميع عن كل ما يمكن أن يؤثر على وحدة الموقف الوطني". وقال الوزير محمد فنيش (ممثل حزب الله): "إن مجلس الوزراء متفق على آلية اتخاذ القرار وهو مجمع على النقاط السبع بحسب النقاشات التي جرت في مجلس الوزراء". وأضاف: "هذه هي النقاط التي أجمعنا عليها ونقارن بينها وبين ما يطرح في مجلس الأمن ونأخذ بما يتناسب معها".
هل صدرت النقاط السبع بالتنسيق مع الرئيس بري؟
نعم وبنسبة مئة في المئة وحرفياً.
ولم يكن هناك موقف مختلف لـ "حزب الله"؟
إطلاقاً.
كيف تفسر عودة الحزب إلى نوع من الغموض حول هذه النقاط؟
ربما شعر البعض أن الموضوع أصبح جدياً. ربما كان اعتقد أن الموضوع ليس بهذه الجدية ومشى فيها. الرئيس بري يعرف أن كل المبعوثين الذين جاؤوا إلينا، خصوصاً الأميركيين والفرنسيين والبريطانيين لم يعترضوا على أي بند من بنود الحكومة اللبنانية التي وافق عليها مجلس الوزراء بالإجماع ووردت في خطابي في روما والذي تبناه مجلس الوزراء حرفياً.
دعني أعود إلى ما قاله الأمين العام لـ "حزب الله" السيد حسن نصر الله بالصوت والصورة: أدعو الحكومة اللبنانية إلى مزيد من الصمود السياسي والتمسك بخطة النقاط السبع التي أجمعنا عليها كلبنانيين، أن أي تجاوز لبنود هذه الخطة، التي اعتبرت برأينا تحفظ الحد الأدنى من الحقوق الوطنية والمطالب، هو خروج على الإجماع الذي كنا حريصين عليه في كل المراحل السابقة".
هل تغيرت الحسابات إذاً؟
ربما.
مزارع شبعا:
هل هناك جديد يتعلق بجهود الأمم المتحدة بشأن مزارع شبعا المحتلة؟
فريق الأمم المتحدة يتولى رسم الخرائط من أجل تحديد الحقوق اللبنانية واستند إلى كل ما قدمناه له من معلومات وعاد إلى الأرشيف الفرنسي وما فيه من معلومات من عشرينات القرن الماضي والعمل مستمر وأنا آمل خيراً.
هل صحيح أن وزير الخارجية الإيراني منوشهر متقي لم يرحب بوضع مزارع شبعا في عهدة الأمم المتحدة في مرحلة انتقالية؟
زارنا وزير الخارجية الإيراني آنذاك وقال انه يفضل أن تنتقل المزارع مباشرة إلى يد لبنان. قلنا له أننا نحن أيضاً نعتقد أن ذلك أفضل لكننا نبحث حالياً عما هو ممكن في هذا الأمر. كان موقفه غير مرحب لكننا اعتبرنا أن القرار في الموضوع يجب أن يكون لبنانياً في النهاية. بحثت الموضوع نفسه مع وزير الخارجية السوري وليد المعلم فأبدى ترحيبه. ثم سمعنا لاحقاً كلاماً مناقضاً لذلك من قبل مندوب سورية في الأمم المتحدة يشترط أن تتلازم عملية تحرير مزارع شبعا مع عودة الجولان وأنها خاضعة للقرارين 242 و338. نحن كان موقفنا أنها خاضعة للقرار 425 وهذا موقف لبنان أساساً.في مقابلة أخيرة أكد الوزير المعلم أن لا مانع لدى سورية في أن تكون مزارع شبعا تحت سلطة الأمم المتحدة أي أن ترابط فيها قوات الـ "يونيفيل". وبادرت إلى الترحيب بهذا الموقف. يفترض أن يقدم الأمين العام للأمم المتحدة تقريراً في حزيران (يونيو)المقبل يضمنه ما استجد لديه حول مزارع شبعا.
ما هي التسجيلات التي يقول "حزب الله" أن الإفراج عنها سيكشف مواقف بعض الأطراف؟
لا أسرار في هذه المسائل. تطرح القضايا في مجلس الوزراء ومن حق أي وزير أن يعبر عن رأيه وهواجسه. المهم دائماً هو القرار. لنفترض أن نقاشاً حصل حول قرار إرسال الجيش إلى الجنوب وظهرت وجهات نظر مختلفة ثم اتخذ القرار. المهم في النهاية هو القرار. لا أسرار في هذه المسائل والمحاضر موجودة.
سلاح "حزب الله":
قيل أن أطرافاً أساسية في الحكومة كانت ترغب في استمرار الحرب لتفرض نزع سلاح "حزب الله"؟
بأمانة كاملة. لم أسمع أحداً يتحدث في مجلس الوزراء بهذا المنطق. موقف الحكومة كان واضحاً. والموقف الذي كنت أعبر عنه كان واضحاً. كان هاجسنا وقف الحرب فوراً. هذا ما قلناه في روما وفي أماكن أخرى. هناك الآن من يدّعي ويخترع ويفتعل. هذا الأمر يحزنني. فرضت على لبنان من قبل إسرائيل حرب ظالمة. إن تذرع إسرائيل بتجاوز "حزب الله" الخط الأزرق لا يبرر أبداً الحرب التي شنت. حتى الذين في العالم كانوا يؤيدون الموقف الإسرائيلي قالوا إن الرد غير متناسب مع الحادث. الحكومة اللبنانية تحركت منذ اللحظة الأولى لوقف الحرب.
أقول يحزنني الموقف حين أقارن بين ما كنا عليه يومها وما نحن عليه الآن. كنا موحدين كلبنانيين في موقفنا لوقف العدوان وانسحاب إسرائيل وإرسال الجيش اللبناني فأين هو الموقف الموحد اليوم؟ أنا لا اعتقد أن إسرائيل حلمت في أي لحظة بتفكيك الموقف اللبناني وفرط الوحدة بالطريقة التي نجحنا نحن كلبنانيين في أحداثها. للأسف هناك تفسخ اليوم في الجبهة اللبنانية لم يشهده لبنان في تاريخه.
المحكمة:
هل العقدة هي المحكمة ذات الطابع الدولي؟
نلمس منذ مدة أن موضوع المحكمة يقع في نقطة الارتكاز في ما نشهده. اختلفنا في المرة الأولى على موضوع المحكمة حين اضطررنا وبسبب حادثة اغتيال جبران تويني للسير في موضوع المحكمة فاعتكف عدد من الوزراء. ثم عدنا إلى عبارات تتعلق بالمقاومة ولم يكن هذا هو الموضوع. كنا في الحوار الوطني قد توافقنا على موضوع المحكمة. أقر الحوار بالإجماع موضوع المحكمة ولجنة التحقيق في جريمة اغتيال الرئيس الحريري ومتفرعاتها.
إذاً، المحكمة هي العقدة؟
هي من الأمور التي تعرقل. وللتاريخ أقول. كنت أردد: ماذا لديكم من ملاحظات وهواجس، تعالوا نناقشها. ويشهد الله انه في اليوم الذي أقررنا فيه المحكمة بعد اغتيال بيار الجميل (11-12-2006) اتصلت بالأمين العام للأمم المتحدة. قلت له أقررنا اليوم النص الذي يفترض على أساسه أن يعد مشروع القانون الذي سيرسل إلى مجلس النواب.وكان بعض الوزراء قد قدموا استقالاتهم بسبب موضوع تعيين جلسة للنظر في موضوع المحكمة.
لماذا تسرعتم ولم تتجاوبوا مع الدعوات إلى التمهل؟
يلومني الرئيس نبيه بري لأنني لم اتصل به للاتفاق على موضوع تعيين جلسة لمجلس الوزراء. وهو نفسه يعترف بأنني اتصلت برئيس الجمهورية إميل لحود وقلت له أنني مضطر للسفر إلى اليابان وكوريا وأنني استناداً إلى حقي الدستوري سأحدد موعداً للجلسة الاثنين فإن لم يكن موافقاً لك نعقدها الثلاثاء أو الأربعاء أو الخميس. أنا أعطيت أياماً لشريكي في السلطة التنفيذية أي فخامة الرئيس. بالنسبة إلى الرئيس بري هناك الفصل بين السلطات. وأنا كان هاجسي عدم العودة إلى الترويكا التي عانى اللبنانيون منها. عينا الجلسة وبعدها اتصلت بكوفي انان. قلت له أنا قد أعود إليك طالباً بعض التعديلات وأنا حريص على التوقف عند أي هاجس لدى زملائي. الحقيقة حصلت أشياء غير مبررة. ربط المحكمة بالحكومة. محاولة لإدخال الوضع في متاهات الحكومة وصرف الأنظار عن المحكمة. نحن بالنسبة إلينا المحكمة يجب ألا تسيّس. أولى خطوات التسييس ربط المحكمة بالحكومة. الموضوعان مختلفان ويجب أن يفصل بينهما.
هناك من يقول أن المحكمة ذات الطابع الدولي اكبر من قدرة لبنان على الاحتمال؟
لا يستطيع لبنان احتمال أن لا تكون هناك محكمة. الأمر يمس جوهر العدالة وجوهر الحريات في البلد ويؤدي إلى استمرار هاجس الاغتيالات ويبقيه سيفاً مسلطاً فوق رقاب اللبنانيين.
لديك تفويض بإيفاد رسالة إلى مجلس الأمن لإقرار المحكمة بموجب الفصل السابع؟
هناك تمن من مجلس الوزراء وسأتصرف بالطريقة المناسبة.
ماذا بعد إقرار المحكمة؟
اعتقد أن الأنظار تتجه الآن نحو انتخابات الرئاسة ويجب أن نسير في اتجاه إجراء الانتخابات. ماذا يريد اللبنانيون؟ لا يريدون التفريط بشبر من الأرض ولا يريدون بلدهم ساحة قتال ولا أن يكون في حلف ضد آخر. لبنان بلد عربي. الطائف حسم ذلك. نحن لا نريد استبدال الوجود السوري بالوجود الأميركي أو الإيراني أو غيره. لبنان لا يمكن أن يكون إلا منفتحاً وعدونا واحد هو إسرائيل. اللبنانيون يريدون عودة الدولة.دعك من الكلام الذي يروّج. يريدون وطناً ومدارس وفرص عمل. لا يريدون التفريط بالمقاومة وخائن من يفرط. لكننا نريد الدولة.
الاتصالات مقطوعة بينك وبين السيد حسن نصر الله؟
عملياً ليست هناك اتصالات بسبب الوضع الأمني. أحياناً هناك أشخاص يأتون لزيارتي ويذهبون لزيارته.
والقطيعة مع الرئيس بري؟
أنا حاولت أكثر من مرة أن أكون على اتصال معه.
ما هو تفسيرك لمقاطعته لك؟
ربما يكون محرجاً. أنا لا أكن له إلا كل خير وتقدير. الرئيس بري يستشهد من وقت إلى آخر بالزمخشري وكأن الزمخشري مسألة فيها خنفشاريات. يقصد أن الزمخشريات شيء عاطل. الزمخشري من أهم مفسري القرآن ورواة الحديث. ذات مرة عقبت عليه في هذا الأمر.وعندما زرت معرض الكتاب العربي (قبل أسابيع) قصدت إحدى دور النشر وانتقيت مجلدين للزمخشري وأرسلتهما هدية للرئيس بري.
الاعتصام واقتحام السراي:
عندما اعتصمت المعارضة في ساحة رياض الصلح ونصبت خيامها، هل تخوفت من قيام المعتصمين باقتحام السراي؟
يقول زملاء لي في الوزارة إنهم لم يشهدوا يوماً فؤاد السنيورة بمثل ذلك الهدوء. أنا لا يخامرني خوف على الإطلاق. يشهد الله. لم أكن يوماً بمثل هذه السكينة.
بسبب طمأنينتك أن المعارضة لن تفعل؟
أنا لدي نفحة عالية من الإيمان. ونفحة من الثقة بالله وباللبنانيين. وثقة بأنهم أعقل من أن يقوموا بهذا العمل.
هناك تهمة موجهة إليك انك لعبت بامتياز الورقة السنية في مواجهة الاعتصام واستقدمت الجماهير إلى السراي مستنهضاً الشارع السني؟
جاءني لبنانيون من كل الأطياف يمارسون حقهم في التعبير أسوة باللبنانيين الآخرين. لا يمكن أن أقف عائقاً أمام رغبتهم في التعبير. أنا اعتبر أن لهذه الحكومة أكثرية في مجلس النواب. هذا هو النظام الديمقراطي أحببناه أم كرهناه. يجب أن نعترف به. ثانياً هم يعرفون أن الحكومة مدعومة من قبل أكثرية اللبنانيين. أنا لا أقلل من أهمية الفئات التي جيشوها واحترمها وانحني أمامها. على الأقل 60 في المئة من اللبنانيين يؤيدون الحكومة وهذه نتائج استطلاعات والنسبة في ازدياد. أنا لا أنسى من يعارض الحكومة فلماذا يحاولون تناسي الجمهور الأكبر الذي يؤيدها. نحن نمد يدنا ونفتح قلبنا لمن يعارض. هؤلاء من شعبنا. ولهذا كنت اخترع باستمرار مبررات للانفتاح عليهم. أنهم أبناء شعبي. لمعلوماتك أنا صاحب نظرية 19+10+1 وأنا صاحب نظرية 17+13.المقصود بالأولى أن نأخذ من الفريقين ما يجبرهما على أن يحاولا اللقاء. نأخذ من الأكثرية القدرة على الفرض. ونأخذ من الأقلية القدرة على التعطيل.
لماذا الود غائب بينك وبين العماد ميشال عون؟
أبداً، ليست بيني وبين أي قيادي لبناني قطيعة. تحدثت معه بعد مجيئي من باريس.حين أتحدث معه شخصياً تبدو الأمور سمناً وعسلاً. اتصل به وأعايده. طبعاً نسمع لاحقاً أشياء أخرى.
هل حاولت جدياً إشراك كتلة عون في الحكومة؟
نعم، حاولت جدياً لكنه كان يصر على أعداد يصعب توفيرها في التركيبة.
هل كان مصراً على أن يتولى أحد أعضاء كتلته وزارة العدل؟
نعم.
لماذا؟
لا أعرف. طلب 3 وزراء أحدهم في وزارة العدل. أنا كنت أتمنى أن يشارك. الحقيقة أن مجلس الوزراء ليس مكاناً للخلاف. انه مكان للتوافق على إقرار سياسات. الحكومة تمثل أمام مجلس النواب وهو الذي يقرر مصيرها. المحاسبة للحكومة لا تكون بجلسات للخطب والهجاء ثم تمنح الثقة. انظر كيف تتصرف البرلمانات في أوروبا.
هل خفت لحظة أحداث جامعة بيروت العربية من فتنة سنية- شيعية كبيرة؟
أنا كنت في مؤتمر باريس-3. تلقيت أنباء عن حصول صدامات. وحصل اقتراح بمنع التجول ونزول كثيف للجيش. وافقت فوراً، واتصلت بقائد الجيش وبالرئيس بري.
"الحياة" حملت إلى الرجل "الناعم والحازم" أسئلة القراء واتهامات المعارضين -2-
...السنيورة: أتوقع انتخاب رئيس للجمهورية وأهمية دوره أن يكون حَكَماً
... قرار التمديد للهراوي اتخذته دمشق والحريري لم يكن مؤيداً لتعديل الدستور
لندن- غسان شربل- الحياة 17/05/07
توقع رئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة انتخاب رئيس للجمهورية خلفاً للعماد إميل لحود وشدد على أن أهمية دور الرئيس تكمن في أن يلعب دور الحَكَم وأن يبتعد عن الزواريب السياسية.
وتحدث السنيورة عن رحلته في السياسة والحكم مع رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري، وقال إن الأخير لم يكن في 1995 مؤيداً لتعديل الدستور وان قرار التمديد للرئيس الياس الهراوي اتخذته دمشق. كما تحدث عن وصول الرئيس إميل لحود وعلاقته المضطربة مع الحريري وملابسات التمديد وصدور القرار 1559 لمجلس الأمن. وهنا نص الحلقة الثانية:
هل تخشى أن نكون في طريقنا إلى الفراغ الرئاسي وقيام حكومتين؟
أولاً مسألة الحكومتين مخالفة للدستور. تأليف الحكومات أصبح واضحاً ومختلفاً عما كان عليه قبل الطائف. تأليف الحكومات يتم باستشارات ومجلس النواب هو الذي يقترح اسم رئيس الحكومة والاستشارات ملزمة وعلى رئيس الجمهورية أن يحتفظ بما قاله كل نائب.
إذا لم ينتخب رئيس للجمهورية هل يعني هذا انتقال السلطة إلى حكومتك؟
البت بشرعية ودستورية الحكومة من صلاحية مجلس النواب والدستور لم يعط مثل هذا الحق لرئيس المجلس. الرئيس بري هو الذي كان يشدد أن المجلس سيد نفسه.
من طرح اسمك لتولي رئاسة الوزراء؟
في البداية كتلة "تيار المستقبل".
وهل علاقتك بالكتلة لا تزال طيبة؟
جيدة جداً. وكذلك الأمر بسائر الكتل. أنا رجل حوار وانفتاح. أحاور وأقنع وأقتنع. أذكرك بأنها المرة الأولى التي يحصل فيها رئيس وزراء مرشح على 126 صوتاً من أصل 128. لم يرشحني الرئيس حسين الحسيني والنائب أسامة سعد.
سعد الحريري:
وعلاقتك برئيس تيار المستقبل النائب سعد الحريري؟
جيدة جداً. نحن على تواصل دائماً.
هناك ود أم تعاون فقط؟
في علاقتي به مزيج من أمور عدة. انه ابن أخي. وهو صديقي. ورئيس الكتلة التي رشحتني وما زالت الأساس في تأييد هذه الحكومة. هناك مشاعر متبادلة من الود والاحترام والتعاون العميق. أنا رافقت سعد مذ كان صغيراً.
كيف تقوِّم صعوده السياسي؟
اعتقد انه يسجل قفزات في أدائه وفي إحاطته بالأمور وفي تصرفه بطريقة مسؤولة.أنا أكن له المحبة والاحترام والتقدير والتأييد.
هل تغار منه؟
على الإطلاق.
صورته وهو يشبك يديه مع جاك شيراك ونيكولا ساركوزي ألا تثير الغيرة؟
على العكس. مسألة تثير فرحي.
افترضت أن شاغل المنصب يمكن أن يشعر بشيء من القلق؟
أنا موجود في موقعي لأنني مؤمن بما أقوم به. أنا مستمر في دوري ما دامت الأوضاع تستوجب ذلك.
هل تتوقع انتخاب رئيس للجمهورية؟
نعم.
رئيس وفاقي؟
أهمية رئيس الجمهورية أساساً أن يكون حكماً بين السلطات وأن يسهر حقيقة على احترام الدستور. أن تكون لديه رؤية. السياسات تضعها الحكومة. الرئيس يجب أن تكون لديه رؤية لدور لبنان وان يساعد في تحقيق هذه الرؤية. وان يكون راغباً في الابتعاد عن السير في الأزقة والزواريب السياسية وان يبقى على الاوتوستراد الذي يبقيه كبيراً ومحترماً في نظر الناس.
يقال أن حصة الطائفة السنية تضخمت في عهد حكومتك؟
أين هو التضخم؟ أريد أن أفهم. دلوني عليه. هناك أناس لم يستطيعوا احتمال مدير عام بالإنابة لإحدى الوزارات. يتقاعد مدير عام فيتسلم مكانه الرجل الثاني. المسلمون السنة مرت فترة أهم مركزين لهم في الإدارة يشغلهما أشخاص غير سنة. مركز محافظ جبل لبنان يشغله منذ خمس سنوات شخص غير سني. لم تحدث مشكلة. منصب الأمين العام للخارجية شغله على مدى ثلاث سنوات شخص غير سني. أين المشكلة؟ السلة موجودة ولم تتغير.الأخبار توزع لذر الرماد في العيون وتجييش الطوائف ضد بعضها.
وشعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي؟
الآن هناك تعاون ونجحوا في كشف جرائم عدة. الغرض من الشائعات وضع الأجهزة في مواجهة بعضها ووضع الطوائف في مواجهة بعضها. أنا حريص على التعاون بين كل الأجهزة: مخابرات الجيش وشعبة المعلومات والأمن العام وأمن الدولة.
هل هناك معلومات جديدة عن اغتيال النائب بيار الجميل؟
هذه العملية تحتاج إلى متابعة الخيوط التي تظهر.
واغتيال جورج حاوي؟
الحقيقة يجب أن نبقي القضاء بعيداً عن أي ضغوط أو تدخلات. مجلس القضاء الأعلى يذكر أنني طالبت بإعطائهم الاستقلالية الحقيقية لدى إجراء التشكيلات. لم اطلع على اسم ولا أعرف أحداً.
لديك تفويض بإيفاد رسالة إلى مجلس الأمن لإقرار المحكمة بموجب الفصل السابع؟
هناك تمن من مجلس الوزراء وسأتصرف بالطريقة المناسبة.
ماذا بعد إقرار المحكمة؟
اعتقد أن الأنظار تتجه الآن نحو انتخابات الرئاسة ويجب أن نسير في اتجاه إجراء الانتخابات. ماذا يريد اللبنانيون؟ لا يريدون التفريط بشبر من الأرض ولا يريدون بلدهم ساحة قتال ولا أن يكون في حلف ضد آخر. لبنان بلد عربي. الطائف حسم ذلك. نحن لا نريد استبدال الوجود السوري بالوجود الأميركي أو الإيراني أو غيره. لبنان لا يمكن أن يكون إلا منفتحاً وعدونا واحد هو إسرائيل. اللبنانيون يريدون عودة الدولة.دعك من الكلام الذي يروّج. يريدون وطناً ومدارس وفرص عمل. لا يريدون التفريط بالمقاومة وخائن من يفرط. لكننا نريد الدولة.
ما قصة فحص الدم؟
نحن عرب باختيارنا ولا تناقض بين لبنانيتنا وعروبتنا. لا نريد فحوص دم ولا شهادات حسن سلوك. حسمنا موضوع هوية لبنان واخترنا لبنان السيد المستقل المعتدل.
هل أنت خائف من إطلالة "القاعدة" عبر لبنان؟
اعتقد أن استمرار المشاكل في العالم العربي والإسلامي واستمرار غياب الحلول للقضية الأساس (القضية الفلسطينية) يدفعان باتجاه مشاعر اليأس والتطرف لدى العرب والمسلمين ويعمقان حالة الإذلال. وفي مثل هذه الأحوال تبرز الأفكار المتطرفة والممارسات المتطرفة.
من وقف إلى جانب لبنان في محنة الحرب؟
على الصعيد الدولي كان لفرنسا وبعدها روسيا دور واضح. دور الرئيس جاك شيراك كان كبيراً. على الصعيد العربي لم يبخل علينا الأشقاء بالدعم. مصر والأردن وسورية ودول الخليج وسائر الأشقاء. موقف المملكة العربية السعودية كان واضحاً وفاعلاً وموقف الملك عبد الله بن عبد العزيز كان داعماً للبنان باستمرار ولم تبخل المملكة على لبنان بأي دعم ضروري لوقف العدوان وإعادة الإعمار. أنا لا أنسى في خضم الأزمة الأخيرة (حصار السراي) كيف اتصل الملك عبد الله بن عبد العزيز. صداقة السعودية للبنان مثال للصداقة الحقيقية.
مع الحريري:
متى عرض رفيق الحريري عليك عملاً؟
بعد تركي لجنة الرقابة على المصارف.
كان صار مليونيراً في 1982؟
نعم. قبل ذلك كان الحريري في 1979 مهتماً بإنشاء المركز الطبي في كفرفالوس. تمنى علي أن أكون إلى جانبه في مجلس أمناء "مركز الحريري الطبي". كان العمل تطوعياً وأنا فخور بهذا الدور. كانت بيننا علاقات صداقة وثقة عميقتان، لكن العمل كان تطوعياً. في 1982 تمنى علي أن أتولى إدارة مجموعة البحر المتوسط وهي مجموعة مصرفية كبيرة لها وجود في لبنان وفرنسا وسويسرا وأميركا. وعملت في هذه المؤسسة حتى عام 1992حين اختارني الرئيس الحريري وزيراً للمال في حكومته الأولى.
متى بدأ الحريري التخطيط لتولي رئاسة الحكومة؟
نشط الحريري في الحقول الاجتماعية والتربوية والسياسية وكأنه كان يمهد الأرضية لدور وطني. اعتقد أن موضوع رئاسة الوزراء تحديداً لم يطرح قبل اتفاق الطائف (1989). بعد الاتفاق راحت تتكون لديه ملامح رغبة في العمل السياسي بمعناه اليومي والمباشر.
هل تعتقد أن دوره في إعداد ملف الطائف كان كبيراً؟
نعم. لعب دوراً كبيراً جداً في تقريب وجهات النظر بين الأطراف. أقول هذا في ضوء ما سمعته منه ومن آخرين بينهم الدكتور خالد قباني الذي كان إلى جانب الرئيس حسين الحسيني ولمس الدور المهم الذي لعبه الرئيس الحريري.
هناك من يتهم الرئيس الحريري بأنه وظف قوته المالية الضاربة لتمرير مشاريعه في البلد والوصول إلى رئاسة الحكومة وهناك أصوات تحدثت عن رشاوى؟
هناك مثل لبناني معناه أنهم أرادوا أن يعيبوا على التفاح أمراً فقالوا له يا أحمر الخدين. أين هي المصالح التي أسسها الحريري. نحن نعرف كيف يعمل الأغنياء.الحريري وظف قدراته في خدمة البلد. لم يبدأ بمنح التعليم من أجل أن يتولى منصباً حكومياً. ولو كان هدفه الموقع السياسي وحده لكان الأمر أقل كلفة بكثير. ما أنفقه الحريري في موضوع التعليم يفوق المليار دولار. أراد إعطاء آلاف اللبنانيين فرصة التعلم والعمل وليكونوا مصدر غنى لبلدهم، خصوصاً أنهم من مختلف المناطق والانتماءات. ربما كانت حصة صيدا أكبر من غيرها، لكن هذا الأمر طبيعي. لقد عمل على تخفيف آلام اللبنانيين.
ولكن معارضين يقولون أن ثروته تضاعفت نتيجة وجوده في الحكم؟
أين؟
شراء أراضٍ وغيره؟
لو استثمر هذه الأموال في مجالات أخرى وفي أي مكان في العالم، لحقق أضعاف هذه المبالغ. من الناحية الاستثمارية البحتة ارتكب الحريري أخطاء كبيرة جداً. لكن ذلك لم يكن هدفه. نعم اشترى أراضي في صيدا. هذه مدينته وهو يحبها. دعني أخبرك انه في أماكن أخرى كان يشتري لإنهاء مشكلة أو لمساعدة أناس يصرون على بيعه عقاراً ليحلوا مشكلتهم. باستثناء شراء مصرف البحر المتوسط لم يدخل الحريري في الأعمال التجارية في البلد.
ذات يوم جاء طه ونجيب ميقاتي وهما أول من بدأ خدمات الهاتف عبر نيويورك. طرحا علينا تمويل المشروع وأنا كنت أدير مؤسسة استثمارية. درست المشروع ووجدته جيداً من الناحية التقنية والمصرفية. طرحا علينا أن ندخل معهما في الاستثمار في الملكية. كان موقفي أنني لا أريد أن يدخل رفيق الحريري في الأعمال التجارية في لبنان، وكان رأيه مطابقاً لرأيي. هذه العملية كانت مربحة جداً لكن الحريري لم يدخلها. خذ استثمار الحريري في "سوليدير" وما كان يمكن أن يجنيه لو وظف هذه المبالغ في مكان آخر.
ماذا كان يريد إذاً؟
تحسين أوضاع البلد وأوضاع اللبنانيين.
هل كان مغروراً؟
كان يقول أن المال يوضع في مكانين: إن وضعته فوق رأسك ينزلك وإذا وضعته تحت قدميك يرفعك؟
كيف كانت علاقتك معه؟
كانت جيدة جداً ومبنية على صداقة عميقة وثقة عمياء إذا صح التعبير. وبأمانة أنا أحببت رفيق الحريري، وكانت لدي ثقة كبيرة بدوافع تحركه. كنا نختلف في وجهات النظر لكن طبيعة العلاقة جعلته يتقبل مني أحياناً ما لا يتقبله من آخرين. كانت علاقتنا في منتهى الشفافية والصراحة.
هل كانت تحدث قطيعة بينكما؟
لا، أنا أؤمن بالمؤسسات وهو قائد المسيرة. نتناقش، أحياناً يقنع أحدنا الآخر وأحياناً أخرى لا نقتنع. في الحال الثانية أنا كنت ألتزم الخيار الذي اعتمد.
أوليس صعباً العمل مع رجل بمثل هذه الهالة والقدرة؟
الحقيقة، إننا كنا نجلس منفردين ونتحدث بصراحة وأحياناً كثيرة كان يقتنع. أتذكر حادثة معينة. الذين شاركوا في حكومات الرئيس الحريري، رحمه الله، يعرفون أنني كنت أكثر الوزراء معارضة. لكنني كنت أعارض داخل مجلس الوزراء وحين يتخذ القرار التزم التضامن الوزاري. هذه هي الأصول. هناك حادثة يرويها النائب الشيخ بطرس حرب. كنا في عشاء وكان مدعواً. سألني عن مقررات جلسة مجلس الوزراء فحكيت له ووقفت إلى جانب قرار معين. أحد الوزراء الحاضرين قال لي: "شو قصتك يا فؤاد، في جلسة مجلس الوزراء قبل قليل انتقدت هذا القرار". أجبته: "في مجلس الوزراء انتقدت ولكن بعد اتخاذ القرار أتصرف بمنطق التضامن الوزاري". ثمة من يسأل: "ولماذا بقيت في الحكومة إذاً؟". وجوابي: "بقيت لاعتقادي أن وجودي يتيح لي تقديم مساهمة ايجابية داخل الحكومة والى جانب الرئيس الحريري. ولو كنت اشعر أن وجودي لم يعد مفيداً لقلت. وهذا حصل في آخر حكومة حين قلت للرئيس الحريري إنني لا أنوي الاستمرار وكان ذلك في 2004 بعد التمديد. لقد وصلت إلى قناعة بسبب ما رافق عملية التمديد أن لا جدوى من استمراري. طبعاً بعد فترة جاء استشهاد الرئيس الحريري".
الوفاء للسعودية
هل صحيح أن العاهل السعودي الراحل الملك فهد بن عبد العزيز لم يكن متحمساً لتولي رفيق الحريري رئاسة الحكومة في 1992؟
لنذهب إلى النتيجة فهي أهم مما سبقها. عندما تولى رئاسة الوزراء كان يحظى بالدعم الكامل. الرئيس حافظ الأسد قال له آنذاك وقبل توليه رئاسة الحكومة: "أنا أعرف أن لديك وفاء للمملكة العربية السعودية".
أريد أن أقول وبحكم التجربة والمعايشة أن الوفاء كان قيمة أساسية في حياة رفيق الحريري وممارسته. الوفاء مزية أساسية في شخصية الرئيس الحريري.
قال لي الرئيس الحريري إنه التقى الرئيس حافظ الأسد أكثر من خمسين مرة؟
هذا صحيح.
وقال إنه قام لديه بجهود تتعلق بالحرب العراقية- الإيرانية وملفات إقليمية أخرى؟
وهذا صحيح أيضاً. لعب الرئيس الحريري أدواراً مهمة في تقريب وجهات النظر بين سورية والمملكة العربية السعودية وعن اقتناع. نحن بحكم نشأتنا العروبية نشأنا على محبة سورية.
كيف استقبل انتخاب الرئيس إميل لحود في 1998 وهل كان لديه شعور بأن هذا الانتخاب يرمي إلى كبح مشروعه؟
ليس سراً أنه لم تكن لدى الحريري الرغبة في تولي لحود الرئاسة.
التمديد للهراوي
هل مدد للرئيس الياس الهراوي في 1995 لإبعاد كأس لحود؟
سأقول لك بصراحة ما أعرفه. رفيق الحريري وأنا لم نكن يوماً مع التمديد لا للرئيس الهراوي ولا للرئيس لحود.
أتمنى أن تقول الحقائق بلا تلطيف؟
نعم. لم يكن مؤيداً التمديد للهراوي لكن الظروف حتمت السير فيه.
ما هي الظروف؟
الظروف في المنطقة والحديث عن مفاوضات. بدأ التمديد للهراوي بعبارة سورية هي: "الوقت الحالي ليس الوقت الملائم لتغيير الأحصنة".
هل تجزم أن فكرة التمديد للهراوي جاءت من دمشق؟
طبعاً، ومن أين ستجيء؟
هناك انطباع بأن رفيق الحريري زرعها في دمشق ليتولوا تسويقها؟
أعوذ بالله. لو عدت إلى تصريح له على باب القصر الجمهوري في أيار (مايو) ودعا فيه إلى بت هذا الموضوع. كان موقفه معارضاً التمديد للهراوي. الظروف حتمت ومشى فيها. لكن الأخطر من ذلك ما يقوله المثل اللبناني "من جرب المجرب كان عقله مخرب".ترتبت على التمديد الأول نتائج تبدأ بمخالفة الدستور وأدخلنا قصة "لمرة واحدة" وتمتد إلى آثارها على الصعيد السياسي والنسيج اللبناني ووصولاً إلى تبعاتها الاقتصادية والاجتماعية. كانت الأكلاف باهظة ودفعها اللبنانيون. يمكن رؤيتها كمياً عبر مراقبة آثارها على النمو والدين العام ومستوى معيشة اللبنانيين والوضع السياسي.لهذا كان يفترض عدم تكرار الخطأ واحترام الدستور وقاعدة تداول السلطة.
أعود وأسألك ألم يكن الحريري وراء التمديد للهراوي؟
أعوذ بالله. إن من يقولون ذلك يحملون الحريري ما كان لا يستطيعه. قرار التمديد للهراوي اتخذ في دمشق وليس في مكان آخر.
هل كان انتخاب لحود صعباً على الحريري؟
كان يتمنى أن تكون الأمور مختلفة.
من كان مرشحه؟
كانت هناك أسماء عدة. كان يعرف أنه أحد اللاعبين وليس اللاعب الوحيد، وكان يعرف أنه لا يستطيع أن يفرض وجهة نظره على الإطلاق. كان الحريري يدرك موقعه وحجمه.
انتخب لحود وتلقى الحريري نصيحة من نائب الرئيس السوري آنذاك عبد الحليم خدام بترك "سيارة لحود الجديدة في الحكم تستهلك زخمها" في غياب الحريري ثم تكون العودة؟
فور انتخاب لحود بدأ إطلاق النار على الحريري. من اليوم الأول بدأ إطلاق النار على الحريري من طريق استهدافي من خلال عملية تلفيق ملفات ضدي. لفقوا ضدي ملفاً غريباً وكنت آخر إنسان في لبنان يمكن أن يسأل عنه. ملف محرقة برج حمود. ربما كنت الوحيد الذي وقف ضدها.
إذا أحلناك اليوم إلى القضاء ألن نعثر على ما يدينك أو على حساب بعلامة غامضة؟
طبعاً. هذا الموضوع نظر فيه في مجلس النواب وجاءت النتيجة بالإجماع. أنا وقفت ضد المسألة لأنني لم أكن أرغب في إلزام الخزينة اللبنانية بنتائج قرارات اتخذها البعض خلافاً للقانون.
الحريري ولحود:
هل كان لدى الحريري مرارة من قرار دمشق الإتيان بلحود؟
طبعاً لم يكن مؤيداً أو راغباً. لكن الحريري رجل براغماتي جداً. كان يتعامل مع الأمر الواقع واختار اللعبة الديمقراطية، أي الانتخابات التي أعادته رئيساً للوزراء.
لم ينعقد الود يوماً بين لحود والحريري؟
للأمانة، أقول إن الحريري كان يحاول. حتى حين كان لحود قائداً للجيش، كان الحريري يحاول. هناك خلفية معينة لدى الرئيس لحود لم تكن قريبة. فلنقل أن الكيمياء لم تعمل بين الرجلين.
عاد إلى الحكم مع لحود وكنت في صلب تلك التجربة، كيف كانت؟
لم أكن على علم بأن الحريري كان يرغب في أن أعود وزيراً معه، خصوصاً في ضوء ما كان. أقول صادقاً هنا أنني كنت أتمنى أن أعود وزيراً وللأمر علاقة بكرامتي الشخصية خصوصاً أنهم حاولوا تلطيخ سمعتي بما أنا منه براء بنسبة مئة في المئة.
هل تريد أن تقنعني بأنك لم تستفد من مرورك بالسلطة في أيام الحريري؟
(يضحك). الحمد لله رب العالمين وربنا شهيد علي، إنني لم أفعل غير ما اعتبره خدمة لبلدي وضميري مرتاح. أنا كنت دائماً أسير قيم معينة، تربيت عليها ولا أغادرها.أكرر لك أن الأهم بالنسبة لي هو احترامي لذاتي. في الأيام الأولى لتولي رئاسة الوزراء سئلت ماذا أريد أن أفعل وكان ردي: أريد أن أتصرف كرجل دولة. ليست لي مآرب شخصية. ليس لديّ موّال وجئت أغنيه. لست طامحاً للسلطة.
في 2004 عندما قدمت ميزانية العام 2005 وهي ميزانية عرفت بأنها تضع حصيلة كل ما كنت أسعى لتحقيقه ولم استطع. أنا رجل إصلاحي ودائماً كانت هناك معارضات. ظهر نهجي سواء بالنسبة إلى وزارة المال أو الإدارة أو الاقتصاد ككل. قالت لي إحدى الصحافيات أنت تضع هذا المشروع وقد لا تعود وزيراً للمال، فأجبت: إذا عدت وزيراً فهذا شرف ومسؤولية من بلدي وأنحني أمام هذا الشرف. أما إذا لم أصبح وزيراً لا تظني أنه سيرف جفن لي. فسروا كلامي على غير حقيقته.
أنا الآن رئيس للوزراء. إذا تغيرت الظروف ولم أعد في موقعي لا يظنن أحد أنه سيرف لي جفن. إطلاقاً. أعود وأعمل في الشأن العام لخدمة بلدي ومن دون أن يؤدي ذلك إلى عودتي إلى العمل السياسي اليوم. أنا مهتم بالشأن العام من صغري. أنا أعمل في الحقل الثقافي وفي الحقل الاجتماعي. أريد دائماً أن أكون قيمة مضافة.
كنت إلى جانب الرئيس الحريري في مرحلة التمديد للرئيس لحود، ماذا تذكر، وهل كانت لديه مرارة؟
كانت تحليلاتنا تقول إن لا مصلحة للبلد في التمديد. والأيام أظهرت أنه لم تكن في التمديد مصلحة لا لبنانية ولا سورية ولا عربية. كنا نعتقد أنه يمكن تحقيق جملة من الأغراض وعبر واحد من جملة مرشحين تطمئن سورية إليهم ويكون لا غبار على اتجاههم العربي والقومي ومن دون تمديد.
هل صحيح أن الحريري قال في دمشق إنه يوافق على أي رئيس تختاره باستثناء التمديد للحود؟
هذا صحيح، لكن كان هناك إصرار على لحود.
التمديد لسياسة سورية:
هل كان وضع الحريري سيئاً جداً بعد تبلغه قرار التمديد؟
نعم، كان غير مرتاح على الإطلاق. استمرت المحاولات لإقناعه بحجة أن التمديد ضروري ومفيد للبلد. كان موقفه أن لا مصلحة للبنان في التمديد. طبعاً عندما اتخذ قرار التمديد اختار الخروج من الحكم. استمرت المحاولات لإقناعه. ذات يوم قيل له:ماذا تريد؟ أن لا يسبح لحود في البركة، سنمنعه من السباحة في البركة. قيل له إن ليس هناك أحد اسمه لحود هناك سورية وأنت تمدد لا للشخص بل لسياسة سورية. كان على قناعة أن لا فائدة من التمديد.
طبعاً كان الحريري يتألم عندما يذكر تلك المرحلة. ذات يوم أسمع كلاماً قاسياً أمام مجموعة من الضباط. ومرة ثانية حين سمع كلاماً عن تكسير البلد. أقول هنا ما قاله لي. اتصل بي بعد عودته من دمشق وسألني من معك؟ فقلت باسل فليحان. فطلب أن نوافيه إلى فقرا لتناول الغداء. كان متجهماً جداً ومتألماً. وعلى رغم ذلك، كان يحاول التفكير في طريقة ايجابية وبينها صيغة لتشكيل الحكومة على أساس الوعود التي قدمت له أي حكومة بصلاحيات، خصوصاً أننا كنا تراجعنا عن بعض مستلزمات باريس-2. وتبين أنة الوعود كانت لتمرير التمديد ولم يتم الالتزام بها.
تهديدات وإنذارات
هل كان لديه شعور أنه قد يتعرض لعملية اغتيال؟
تلقى أكثر من مرة تهديدات أو فلنقل أنها إنذارات. لم يكن يكشف ذلك، لكنه صارحني بوجود أشياء من هذا النوع. لنقل إنها كلام عن احتمال التعرض له.
هل كان خائفاً أم أنه كان يعتبر أن لديه ضمانات؟
كان يتحدث عن تأكيدات تلقاها من جهات عربية وغير عربية أنه من غير الوارد المس به. في الحقيقة إنه كان مؤمناً ويعتبر أنه "لا يصيبنا إلاّ ما كتب الله لنا".
أين كنت لحظة الاغتيال في 14 شباط (فبراير)؟
أنا كنت في البنك، لأنني كنت قررت ترك العمل السياسي اليومي.
وأبلغته هذا الأمر؟
نعم، أخذت منحى آخر وأبلغته. فجأة دوى انفجار فاعتقدت أن طائرات إسرائيلية تخرق جدار الصوت فوق بيروت. نظرت عبر النافذة فلم ألمح طائرات. نظرت في اتجاه فندق فينيسيا فرأيت الدخان. لم أتوقع لكن شعرت بغليان في قلبي. حاولت الاتصال لكن الهاتف لم يعمل. والحقيقة عرفت بالخبر من زميلكم جميل مروة الذي أبلغني فأصبت بحالة من الذهول والألم استدعت إحضار طبيب.
هل يحمل القرار 1559 بصمات رفيق الحريري؟
هناك ظلم كبير في هذا الموضوع. هناك محاولة لتحميل رفيق الحريري ما لا يجوز تحميله إياه. هذا قرار دولي وجاء ثمرة لقاء إرادات دولية. تحميل الحريري المسؤولية سلوك ظالم.
هل كان على علم بأن قراراً من هذا النوع سيصدر؟
نعم كان على علم بوجود تحضيرات لقرار من هذا النوع. لكن كونه على علم لا يعني أنه وراءه.
ثمن ماذا دفع رفيق الحريري؟
لننتظر نتائج التحقيق. أنا لم أوجه التهم ولا أفعل ذلك. أعتقد أنه دفع ثمن حجمه حين صار كبيراً على نمط العمل السياسي في لبنان. صارت الحركة السياسية تصطدم بحجمه. الحقيقة أن هذا الحجم كان رصيداً للبلد أيضاً. يحدث أن تنجب دول صغيرة قيادات كبيرة. وبدل الإفادة من حجم الحريري لتكبير البلد أزيح وبالشكل المعروف. أما من أزاحه، فأنا أترك الأمر للتحقيق.
إلتقاك القاضي سيرج براميرتز؟
نعم وقبله ديتليف ميليس وقبلهما فيتزجيرالد.
(غداً حلقة ثالثة وأخيرة)
"الحياة" حملت إلى الرجل "الناعم والحازم" أسئلة القراء واتهامات المعارضين -3- السنيورة: العبارات الجارحة لا تؤثر على سياستي فانا أسمعها وأضغط على زر الإلغاء... أحب المتنبي وعنترة ودرويش وأم كلثوم
وعبد الحليم حافظ يوقظ رومانسيتي
لندن- غسان شربل- الحياة 18/05/07
اغتنم رئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة زيارته القصيرة الخاصة إلى بريطانيا لممارسة بعض ما يتعذر عليه في بيروت بسبب هواجس الأمن وأعباء الموقع وانشغالاته. تمشى في الهايد بارك. أشجار وعصافير وبحيرة ورذاذ. لا أحد يعرف ماذا دار في ذهن الرجل الذي دفعته الأقدار إلى الإقامة في عين العاصفة وطالبته بقرارات أكبر من قدرة البلد على الاحتمال. هل تراه ابتهج بفسحة تنفس على بعد آلاف الأميال من خيام المعارضة. ومن التصريحات التي تهاجم "حكومة الإملاءات" وتحرك ملف التعويضات وعينها على ملف أشد خطورة. ومن الحملات التي تدعو إلى فتح ملفات الفساد وعينها على معركة "القصر أو القبر". لا أحد يعرف إن كان تمنى لو أن المعارضة اللبنانية تشبه المعارضة البريطانية. ولو أن مجلس العموم هو المسرح الوحيد للمبارزة لا ساحة رياض الصلح ولا مفارق الطرق.
لا ينتمي فؤاد السنيورة إلى فئة الرجال الجائعين إلى السلطة. وهي فئة يحبها الصحافيون. لأن تصريحات أفرادها صاخبة وسلوكهم مثير وسيرتهم تساعد على استخراج عناوين صارخة. أغلب الظن أن الأقدار ترسم المصائر في أحيان كثيرة.
دخل السراي في الزمن الصعب. في زمن القرارات المحفوفة بالأخطار. كان اغتيال رفيق الحريري أكبر من قدرة البلد على الاحتمال. كذلك كانت حرب تموز (يوليو) الماضي. وثمة من يقول إن الحقيقة نفسها هي مطلب أكبر من قدرة البلد على الاحتمال. كانت إجازة السنيورة القصيرة مجرد استراحة بين عاصفتين. انطلقت الأولى فور الاحتكاك بملف إنشاء المحكمة ذات الطابع الدولي. ستنطلق الثانية حين يرجع ويبعث برسالته إلى الأمين العام للأمم المتحدة داعياً مجلس الأمن إلى إصدار قرار ملزم بقيام المحكمة.
ضبطت فؤاد السنيورة في جناحه في الفندق يقرأ الكتاب الأخير للشاعر محمود درويش وعنوانه "في حضرة الغياب". غلبني الخبث. قلت إن الرجل يحاول الإبحار في قاموس درويش، وهو جميل وبهي ومتوتر، لينسى مفردات القاموس الذي تغرف منه المعارضة في حملاتها على الحكومة ورئيسها. وتمنيت لو توجّه قادة المعارضة أيضاً إلى معرض الكتاب واصطحبوا ما يلزم من الروايات والدواوين ليتركوا للبنانيين فرصة قضاء الصيف الأخير من عهد الرئيس إميل لحود. للأسف لم يفعلوا ويبدو أن اللبنانيين مدعوون لقضاء الصيف على حد السيف كي لا نقول أكثر.
يحب فؤاد السنيورة المتنبي. وربما كان ذلك نقطة الاتفاق الوحيدة مع المعارضة.فالعماد ميشال عون قال لي يوم كان في قصر بعبدا إنه يقدر شاعر "الخيل والليل والبيداء" و "أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي وأسمعت كلماتي من به صمم". والرئيس نبيه بري شاعر رقيق وان بدا قاسي القلب حين يتعلق الأمر بـ "دستورية" الحكومة وميثاقيتها والنصاب المطلوب لانتخاب الرئيس وتنصيبه.
إذا كانت المعارضة لم تنجح في دفع السنيورة إلى مغادرة سكينته فهل ينجح الصحافي؟ تمطره بكل ما لديك من أسئلة واتهامات فيرد هادئاً. لا كلمة قاسية أو نابية أو تهمة جارحة. الرجل مسكون بهاجس التصرف كرجل دولة. سامحه الله.
وهنا نص الحلقة الثالثة والأخيرة:
دولة الرئيس متى ولدت وأين؟
ولدت في تموز 1943 في صيدا. نحن خمسة صبيان و3 بنات وأنا آخر الصبيان. ولدت في عائلة محافظة. والدي عبد الباسط كان تاجراً ومزارعاً في آن. في البيت نهلنا الإيمان والعروبة والكد والاعتماد على النفس والسعي إلى أن يحظى المرء دائماً باحترام ذاته.
هل كان والدك قاسياً؟
كان والدي يمثل قيم الالتزام والعمل والجدية. كان شديد الحرص على سمعته ولم يكن ثمة فارق بين قناعاته وممارساته. والدتي كانت ككل أم تمثل الحنان. هذا المناخ العروبي ترافق مع تشديد على أهمية التعليم والتآلف والتعاون. أنا في الحقيقة فخور بالانتماء إلى هذه العائلة وهذا التكامل بين الأب والأم في علاقة سوية.
كان والدك تاجراً ألم يعلمك هذه الشطارة اللبنانية التي تتضمن خرق القواعد والتحايل عليها؟
كان والدي مؤمناً وصادقاً وإليه يعود الفضل في القيم التي أحملها. علمني مثلاً أن "من أخذ ورد ما بيترد" أي المصداقية. بمعنى أنك لا يمكن أن ترد من أخذ سابقاً ووفى بالتزامه.
أين درست؟
في مدرسة المقاصد الإسلامية في صيدا، وانتقلت في مرحلة البكالوريا إلى المدرسة الإنجيلية (الاميركان) في المدينة نفسها وانتقلت بعدها إلى الجامعة الأميركية.
بمن كنت معجباً في سن السابعة عشرة؟
قبل هذا العمر بسنوات كنت مهتماً بالسياسة. بيتنا بيت عربي.
صورة من كانت معلقة في منزلكم؟
آنذاك كان جمال عبد الناصر.
كنت تحبه.
ومازلت.
إلى أي حزب انتميت؟
إلى حركة القوميين العرب واعتقد أنني كنت في الرابعة عشرة.
من كان المسؤول عنك في الحركة؟
مصطفى صالح وخضر صالح. أما قادة الحركة فكانوا محسن إبراهيم وجورج حبش.
هل كنت تعرف أعضاء القيادة؟
نعم.
هل ما زلت صديقاً لمحسن إبراهيم؟
نعم صداقتي مع "أبو خالد" مستمرة.
هل كنت ناشطاً بمعنى المشاركة في تظاهرات وتوزيع بيانات؟
نعم.
هل كنت تعرف رفيق الحريري؟
نعم كنا في الحلقة نفسها في الحركة.
هل كان متحمساً؟
جداً. كان مناضلاً.
أي نوع من العمليات النضالية؟
بعضها كان يتعلق بأدوار في خدمات لمعتقلين.
هل شارك في محاولات لتهريب سجناء؟
نعم. لا أريد الخوض في التفاصيل أكثر.
في تلك المرحلة كان جورج حبش معتقلاً في سورية؟
نعم.
هذا يعني انه كانت للحريري علاقة ما بالعملية التي نظمها الدكتور وديع حداد لتحرير حبش من سجنه؟
نعم.
كيف شارك؟
كان يعبر الحدود. ذات يوم استقبل زائراً في الرياض وسأله عن قريته في سورية.ثم راح يتحدث عن القرية الحدودية تفصيلاً وروى كيف ذهب إليها سيراً على الإقدام.كان مناضلاً بكل معنى الكلمة هكذا نشأ وهكذا أمضى عمره. ناضل في شتى المجالات. وحين اهتم بالتعليم لم يكن الأمر ادعاء بل لأنه كان يؤمن بذلك. كان يعتقد أن التعليم هو الباب الذي يمكن أن يدخل منه أي بلد لتحسين وضعه. كان يؤمن بالعلم والثقافة والجهد.لم يتمكن هو من التمتع بفرص التعليم كما كان يتمنى لأسباب اقتصادية فتضاعفت رغبته في توفير الفرص لأبناء وطنه لفتح طريق التقدم والمعاصرة. وكان يعتقد أيضاً أن الرد على هذه الحرب الطويلة التي تشنها إسرائيل علينا يجب أن يتضمن أيضاً خوض معركة التقدم العلمي.
هل كنتم تلتقون قيادة الحركة؟ وهل كنتم من المعجبين بمحسن إبراهيم؟
نعم وكانت تعقد ندوات يشارك فيها محسن إبراهيم وجورج حبش ومحمد كشلي. وحين انتقلت إلى الجامعة الأميركية واصلت النشاط السياسي في الحركة هناك.
أنت ابن بيئة محافظة ألم يزعجك أن يكون اسم أحد قادة الحركة جورج؟
هذا الموضوع لم يرد في أذهاننا. أنا من بيئة محافظة لكنها تقبل الآخر وتعيش معه. كان متجر والدي في شارع المطران وكنت أذهب إليه بعد خروجي من المدرسة. كنا صغاراً نلعب في باحة الكنيسة المجاورة وكنا ندخل الكنيسة في الأعياد والجنازات والأعراس. كانت أمي تحرص على هندامي كي أكون في صورة جيدة إذا دخلت الكنيسة. كان المجتمع متسامحاً. أنا عشت طفولتي في باحة كنيسة الكاثوليك في صيدا.
هل كان رفيق الحريري سنياً متعصباً؟
لا. لم اسمع يوم كنا في حركة القوميين العرب كلمات التمييز بين مسلم ومسيحي.لم اسمعها بالتأكيد من رفيق الحريري. ولم اسمع يومها بشيعي وسني. هذه الكلمات لم تكن متداولة في تلك الأيام. للأسف نسمعها اليوم.
هل كنتم تعرفون الدكتور وديع حداد مهندس خطف الطائرات؟
التقيته في بيروت لاحقاً.
عندما قصف "الموساد" منزل وديع حداد في بيروت رأى من توافدوا شاباً يجمع الزجاج المحطم هل تعرف ماذا كان اسمه؟
لا، من هو؟
رفيق الحريري.
جائز، ولكن لا علم لي بهذه الحادثة بالذات.
ماذا درست في الجامعة؟
كنت في الأساس أنوي دراسة الطب، وهكذا كان المناخ في البيت. بعد تفكير سلكت طريقاً أخرى ودرست إدارة الأعمال.
هل كنت شاطراً في المدرسة؟
كنت من الشاطرين وتحديداً بين الثالث والسادس أو السابع في الصف.
بماذا كنت تحلم؟ أن تصبح سياسياً أو ثرياً كبيراً أو؟
لم أحلم بأن أكون وزيراً أو رئيساً للوزراء، لكن السياسة كانت تعنيني. كنت أريد أن أكون مفيداً وان اشعر دائماً باحترامي لنفسي. والآية الكريمة تقول "بل الإنسان على نفسه بصيرا". أنا لم افعل ما أخجل منه.
وبعد الجامعة؟
في اليوم التالي انضممت إلى العمل المصرفي. هنا كنت قد تركت حركة القوميين العرب بسبب ما شهدته واعتقد أن ذلك كان في 1964. حافظت على نشاطي في "النادي الثقافي العربي"، وكان محسوباً على الحركة. أنا مستمر في هذا النشاط حتى هذه اللحظة وتوليت رئاسة النادي في 1973 و1974.
في موازاة عملي المصرفي الـ "سيتي بنك" كنت أحضر الماجستير ثم بدأت أدرس في الجامعة الأميركية، وبعد ذلك بدأت أدرس في مركز التدريب في البنك وكذلك في مركز تدريب كبار الموظفين في الدول العربية وأيضاً في الجامعة اللبنانية. انتقلت لاحقاً إلى "بنك التمويل" التابع لمجموعة "انترا" مع عصام عاشور وعمر حمزة اللذين درساني في الجامعة الأميركية. عندما تولى الدكتور سليم الحص رئاسة الحكومة اختارني لأكون رئيس لجنة الرقابة على المصارف وكنت الأصغر سناً واستمر هذا العمل من 1977 إلى 1982 حين بدأت العمل مع الرئيس الحريري في مجموعة البحر المتوسط.
التحقيق:
هل تعتقد أن لجنة التحقيق ستتوصل إلى نتيجة؟
يجب أن تصل. هنا أريد أن أقول لماذا يريد اللبنانيون التحقيق والمحاكمة.بالتأكيد ليس للانتقام. الهدف حماية اللبنانيين وحرياتهم في بلد تعرض فيه العمل السياسي والعمل العام والصحافيون ورجال الدين لمسلسل اغتيالات. أوليس غريباً أن لا يعرف من ارتكب هذه الاغتيالات؟
دولة الرئيس هناك من يسأل ما جدوى أن نعرف الحقيقة بعد دمار البلد ويقترحون تسوية تتضمن التضحية بالحقيقة لإنقاذ مستقبل البلد؟
هذا يذكرني بشريط يبث على احد التلفزيونات وفيه أن على المواطن أن يختار بين الأمن والعدالة. هذا الخيار غير ممكن وعلى المواطن أن يختار الاثنين معا. القول بأنك تختار الأمن وتبقى تحت رحمة التهديد غير صحيح. انتماؤنا العربي ليس بالإرغام بل بالاختيار.
هل كان رفيق الحريري ينوي خوض الانتخابات النيابية إلى جانب المعارضة؟
كان يضع نفسه في مكان يقترب فيه من المعارضة لكنه لم يكن قد تحول بعد جزءا منها.
لو كان رفيق الحريري حيا هل كان سمح بنزول السنة إلى الشارع وبالشعارات التي رفعوا بعد اغتياله؟
الانتماء العربي لم يكن ناتجا من الوجود السوري. لم نكن عربا بسبب الوجود العسكري السوري. نحن عرب وسنبقى عرباً ولا يستطيع أحد المزايدة علينا في العروبة.والشارع السني مثل الشارع غير السني. أنا اعتقد أن تحول السنة الواضح باتجاه لبنان كان يسري منذ اتفاق الطائف وجاء اغتيال الحريري بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير.
مشروع استقلالي:
هل تجزم بأن الحريري كان يحمل مشروعا استقلاليا؟
نعم كان يحمل مشروعا استقلاليا. وهنا لا بد من الدقة. كان يحمل مشروعا استقلاليا من ضمن العمل العربي والعلاقات الجيدة مع سورية. لم يكن يحمل مشروعا يقوم على معاداة سورية. مرت ظروف في البلد جعلت جزءا من اللبنانيين يشعرون بتضارب في ذهنهم بين كونهم لبنانيين وكونهم عربا. الظروف التي ظهرت في لبنان على مدى الحرب الطويلة وما رافقها من ممارسات. ونتيجة لاتفاق الطائف وما أعقبه من ممارسات.والتحولات التي حصلت في العالم وفي التجمعات السياسية والاقتصادية في العالم:الاتحاد الأوروبي ودول الاميركتين وجنوب شرقي آسيا. كل هذه التحولات جعلت أن لا مجال للتضارب بين أن تكون لبنانيا حقيقيا وتعمل من اجل لبنان وان تكون عربيا وتعمل من أجل القضايا العربية. هذا الأمر أخذ منحاه النهائي. في الكيمياء هناك عملية جارية لكن نقطة معينة تؤدي إلى تغيير اللون. جاء اغتيال الرئيس الحريري ليضع هذه النقطة.
نعم، نريد لبنان الواحد الموحد المستقل السيد العربي. وهذه هي الصورة التي نعمل عليها. هذا لا يعني أن يكون لبنان ضد سورية. أنا من القائلين أن لبنان السيد والمستقل أكثر خدمة لسورية من لبنان التابع وأكثر خدمة للقضايا العربية من لبنان التابع.
العلاقة مع سورية:
هناك من يتهمك بأنك تقول غير ما تضمر وأنك تريد إبقاء العلاقة مع سورية معلقة بانتظار المحكمة ذات الطابع الدولي؟
هذا غير صحيح على الإطلاق.
أوليس غريبا أن تقتصر علاقاتك مع دمشق على زيارة يتيمة؟
في اليوم التالي لحصول الحكومة التي أرأس على الثقة زرت دمشق والتقيت الرئيس بشار الأسد. كان اللقاء صريحا ووديا وواضحا.
ماذا تعني بأنه كان صريحا؟
أي ما هو موقفنا وماذا نريد وما هي طبيعة العلاقة التي نريدها بين لبنان وسورية.
هل طالبت بعلاقات ندية؟
طبعا. سبقت اللقاء جلسة طويلة مع رئيس الحكومة السورية. أثار الجانب السوري موضوع الإعلام وما تنشره الصحف وتبثه التلفزيونات. وقد أجبت بصدق. قلت لهم أنني رأيت في دمشق عدداً غير قليل من الصحون اللاقطة. الإعلام لم يعد كما في الماضي. في السابق كان يمكن إغلاق الحدود ومنع الكتب والمجلات. اليوم إذا أغلقت الباب يدخل الإعلام من الشباك. كان ذلك في تموز (يوليو). لا بد من تغيير الأسلوب. قلت إننا في لبنان حريصون على العلاقات الودية والندية. وأنا قلت دائما أن لبنان لا يمكن أن يعيش في حال خصام مع سورية والعكس صحيح. في العلاقات مصلحة للطرفين.
هل كان اللقاء ناجحاً في رأيك؟
نعم، لكنه كان يحتاج إلى استمرارية ومتابعة. ما أقوله لك قلته في مؤتمر صحافي أعقب اللقاء. أنا لم أغير لا في العبارات ولا في الممارسات. لم أتغير شعرة.
هل جرحتك عبارات قاسية استهدفتك؟
تعرف في الكومبيوتر يمكن أن تضغط على زر Deleteوتلغي سطراً أو نصاً. أنا لدي هذه القدرة وهي نعمة من الله سبحانه وتعالى. وأنا يشهد الله أنني لا أحقد. هناك بيت شعر يقول:
لا يعرف الحقد من تعلو به الرتب ولا ينال العلى من طبعه الغضب
لا يحق للمسؤول أن يحقد. ذات يوم جاء شخص إلى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وقال له: "أوصني وصية لا اسأل أحداً بعدك غيرها" فأجابه: "لا تغضب".
أنا سمعت كلاماً جارحاً واليوم اسمع أكثر لكنني اضغط على زر الإلغاء. لا يحق للمسؤول التصرف على نحو مغاير لأن عبارة آلمته.
ثم التقيت الرئيس الأسد وقوفا في القمة العربية في الخرطوم، ماذا دار بينكما هناك؟
قلت له: "سيادة الرئيس أنا حابب أن أزوركم". فقال: "أهلاً وسهلاً، لكن فليكن هناك جدول أعمال". بعد يومين أو ثلاثة أرسلت مشروع جدول أعمال. غابوا نحو شهرين.وكان الوسيط الأستاذ نصري خوري الأمين العام للمجلس الأعلى اللبناني السوري. بعد شهرين قالوا بلا جدول أعمال.
كنت في زيارة لبريطانيا واتصل بي الرئيس نبيه بري وقال: "هناك إمكانية لعقد جلسة مع الرئيس الأسد". فأجبته أنني سأتصل به بعد عودتي إلى بيروت. بعد يومين من عودتي اتصلت به وكان اليوم الاثنين فقال لي: "الجلسة يوم الأربعاء". قلت له إنني لست قادراً الأربعاء فلنرتب يوما آخر.
لماذا لم تكن قادراً على الذهاب على رغم أهمية الزيارة؟
كان لدي ارتباطات أخرى. أنا طرحت أن اذهب السبت أو الاثنين أو أي يوم بعدهما.تبين بعد ذلك أن الأربعاء كان يوم صدور القرار 1680 لمجلس الأمن والذي يطلب من سورية احترام استقلال لبنان وسيادته. وبدا أن ثمة من كان يرغب في استخدام زيارتي للتغطية على القرار.
الرئيس بري يأخذ عليك تأخرك في الاتصال به وعدم حماستك للذهاب؟
هل غريب أن تكون لدي ارتباطات؟ ثم أنا اقترحت أن أذهب السبت أو الاثنين فلماذا عدم التجاوب؟
ثم جرت محاولة جديدة؟
نعم. قام بها أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني. وطلبت أنا أن يكون هناك جدول أعمال وكنت سأرحب بأي اقتراح لجدول الأعمال.
وبعدها لم تحدث أي محاولة جديدة؟
لا. موقفي لم يتغير. أنا لست ضد اللقاء.
أنت متهم بأنك تنتظر المحكمة؟
أنا كنت وما زلت مع لقاء المسؤولين في البلدين. طبعا هناك ضجيج سياسي الغرض منه تحوير الاهتمام إلى مواضيع أخرى. بين سورية ولبنان لا خيار غير اللقاء والعلاقات الودية والندية.
هل تخشى أن تستهدف شخصيا لإحداث فراغ حكومي، هل يعتقد المسؤولون عن أمنك بوجود أخطار جدية عليك؟
نعم. أنا رجل لدي درجة عالية جداً من الإيمان ودرجة عالية من السكينة. ولدي درجة عالية من الحرص أيضاً "ولا تلقوا بأنفسكم إلى التهلكة". أنا أعمل لمصلحة بلدي ولم أسئ إلى أحد ولا أجد أن هناك تمايزاً بين مصلحة لبنان وكون هذا البلد جزءاً من الأمة العربية.
هل اكتشفت الأجهزة الأمنية محاولات لرصد تحركاتك؟
لا.
قيل لي انك انزعجت مما كتبته عنك انك "أسير برتبة رئيس وزراء" بعد زيارتي لك في السراي؟
أنا احترم الصحافة وأسلوب الكاتب أنا لا أشعر أنني أسير.
قصدنا في الجغرافيا؟
كل مسؤول يتحتم عليه مراعاة الاعتبارات الأمنية.
أم كلثوم وعبد الحليم:
ما هو أكثر كتاب تحبه؟
اقرأ حاليا كتابا لمحمود درويش. كتاب نثر عنوانه "في حضرة الغياب".
الرئيس بري يحب الشعر والأدب فلماذا لا تتفقا؟
أنا أحب أن نتفق. بالمناسبة إن أجمل الساعات لدي هي حين اجلس واستذكر الشعر أو الاستماع إلى أم كلثوم أو عبد الحليم حافظ.
أي أغنية لأم كلثوم؟
أحب كل أغانيها. هناك أغنية استذكرها دائما. وهي قصيدة للأمير الشاعر عبد الله الفيصل وتقول:
أكاد اشك في نفسي لأني
أكاد أشك فيك وأنت مني
تكذّب فيك كل الناس روحي
وتسمع فيك كل الناس أذني
وكم طالت علي ظلال شك
أقضت مضجعي واستعبدتني
اجبني إذ سألتك هل صحيح
حديث الناس خنت ألم تخني
أكاد أشك في نفسي لأني
أكاد أشك فيك وأنت مني
وعبد الوهاب؟
"الحبيب المجهول"، "كليوباترا".
وعبد الحليم؟
موعود معاي بالعذاب يا قلبي.
موعود بالعذاب.
يضحك) وكارم محمود: مشغول عليك مشغول.
وفيروز؟
نعم ووديع الصافي.
هل تسمع أحداً من المطربين الجدد أو المطربات؟
أحياناً.
هل تعني نانسي عجرم لك شيئا؟
احترمها واحترم أليسا. أنا يستوقفني أي أداء جيد وكلام جميل وغير مبتذل. مثلا ماجدة الرومي.
هل تحب لها حاصر حصارك لا مفر؟
وبيروت و "كلمات". للكلمات والأغاني وقع في الذاكرة. عندما حصلت حرب السويس ظهرت أغنيات ألهبت المشاعر.
ومن الشعراء؟
المتنبي.
اشعر أن ما يناسبك هو قوله: على قلق كأن الريح تحتي.
يضحك). لست قلقا أنا متحفز. أنا لا أحب السكون. أحب القيام بعمل مفيد.
ماذا يعجبك في المتنبي؟
الحكمة والسبك اللغوي. اذكر له بيتا يصف فيه نفسه:
فامسك لا يطال له فيرعى
ولا هو في العليق ولا اللجام
شبه نفسه بالحصان حين كان محبوساً لدى كافور.
وغير المتنبي؟
عنترة. أنا أيضاً أحب نزار قباني.
لماذا نزار؟
في شخصيتي رومانسية عالية.
هل استنتج أنك من أنصار الحرب؟
طبعا. لا شيء يحرك الدنيا إلا الحب. حب الإنسان لزوجته وأولاده ووطنه وشعبه.الحب أهم طاقة ومحرك.
هل راهنت المعارضة على طبعك العاطفي.
يضحك).
وأي ألوان تحب؟
الأخضر. وفي الثياب الأزرق. واللون البني.
تحب المصاري؟
المال من اجل قضاء الحاجات. لكن السعي وراء المال ليس من طبعي.
كم تضاعفت ثروتك نتيجة عملك مع الرئيس الحريري، الأكيد أن وضعك تحسن؟
أنا عملت وبذلت جهداً والله أكرمني.
أليس في حساباتك مبلغ غامض أو عليه علامة استفهام؟
أعوذ بالله.
هل ستتولى رئاسة الحكومة مع رئيس الجمهورية الجديد.
إذا كنت تسألني إن كنت أسعى إلى ذلك فجوابي هو النفي. إذا كانت الظروف تقتضي ذك لن أقول لا وان كنت أتمنى أن لا تقتضي ذلك.
بماذا تشعر حين تجلس على كرسي رئاسة الوزراء؟
أسعى أن اشرف هذا الموقع من خلال كل عمل. وهذا المكتب هو لكل اللبنانيين وليس لفئة منهم. أسعى دائماً لخدمة المصلحة العامة.
هل قال لك الرئيس الحريري انك يمكن أن تصبح رئيساً للوزراء؟
نعم، أكثر من مرة. كان يعتقد أن الظروف قد تقتضي ابتعاده عن الموقع. كنت أرد:أعوذ بالله والله يطيل عمرك. أنا لم اسع إلى رئاسة الوزراء.
هل ترى في سعد الحريري رئيساً للوزراء؟
لديه كل الإمكانات والقدرات ولديه كل الحظ في ذلك.
علاقتك مع وليد جنبلاط؟
جيدة.
ممن تتألف عائلتك؟
ثلاثة أولاد وائل وزينة ومي. زوجتي هدى البساط من صيدا. لدي حرص دائم على علاقتي.
