كلمة دولة الرئيس فؤاد السنيورة بمناسبة افتتاح "أيام صيدا المهنية 10"، خان الإفرنج- صيدا

أصحاب السماحة والسيادة،
أصحاب وممثلو الشركات المشاركة،
الطلاب الأعزاء،
الضيوف الكرام،
أيها الإخوة والأخوات،
أهلاً وسهلاً بكم،
يسرني أن أكون معكم اليوم شاهداً على مبادرة متواضعة باتجاه فتح نافذة للفرص أمام شبان وشابات مدينة صيدا وجوارها من الإقليم والجنوب ومحافظة النبطية. وهي مناسبةٌ لاستنهاضهم للتفكير بمستقبلهم والإعداد له واتخاذ المبادرات نحو تحقيق ما يطمحون إليه. استنهاضِهم لاتّخاذ المواقف الإعدادية والاستباقية، وتحفيزهم لكي يكونوا في موقع المبادر والمقرّر والابتعاد عن موقف المتلقي، وحثّهم على تمكين أنفسهم في دراستهم وفي معارفهم وفي مهاراتهم كي يكونوا قادرين على تطوير وتوسيع عدد الخيارات المتاحة لهم وأن يكونوا أيضاً هم من ينتقون من بين الخيارات ويجتهدون في بناء مستقبل كريم.
ولعلَّ حَدَثَ اليوم أن يكونَ بادرةَ خيرٍ تُطْلَقُ للمرة الأولى في مدينة صيدا، أملاً في أن تصبح حدثاً سنوياً يُساهِمُ في جعل صيدا مدينةً لإطلاق الفرص في هذه المنطقة من لبنان وباباً لتمكين الشباب والشابات فيها. فهذا الحَدَثُ من شأنه أن يؤدّيَ عدةَ غاياتٍ: هو فرصةٌ للتأكيد لأصحاب المؤسسات المشاركة أنهم قد يجدون في أبناء هذه المنطقة كوكبةً خيرةً من الأكْفاء والطامحين بين الشبان والشابات للعمل لديهم، وكذلك أن يشكِّلَ فرصةً لهؤلاء الشباب والشابات للتعرف إلى تجربةٍ قد تكونُ نقطةَ البداية لإتقانهم مهارات جديدة تتيح لهم التعامل مع تجارب التوظيف لدى هذه الشركات والإعداد لها. وكانت قد تقدمت بهذه المبادرة شابَةٌ من شابّات مدينة صيدا، وثقت باستثمار خبراتها ومهاراتها وسارعت لتحقيق فكرةٍ راودتْها منذ وقت، مستعينةً بإرشاداتِ ونصائحِ أصحاب الخبرة والمعرفة لإنجاح هذا الحدث. ولقد وقفنا معها وإلى جانبها لإنجاح هذه المبادرة الأولى في مدينة صيدا.
أيها الإخوة والأخوات،
منذ أن حظيت بشرف تمثيل مدينة صيدا وأهلها في مجلس النواب، وضعت نُصب عينيَّ هدفين لطالما تمسكت وعملت من أجلهما. ولقد بدأْتُ في مدينة صيدا وما زِلْتُ وسوف أستمرُّ بالعمل على التقدم على مساراتهما: الهدف الأول هو تعزيز دور الدولة في مدينة صيدا ومنطقتها وفي كل لبنان إن شاء الله وتعزيز سيادتها من خلال تفعيل دورها باحترام القانون والمؤسسات. الدولة التي نريدها أن تكون، الدولة الحاضنة والحافظة للأمن وللأمان، أمان الناس بكافة وجوهه الأمنية والاقتصادية حاضراً ومستقبلاً. أما الهدف الثاني فهو استنهاض أهل المدينة بكافة فئاتهم وتعزيز قدراتهم للتفكير بمدينتهم ولإحياء مقدراتها واستثمار مواردها وطاقاتها بهدف إطلاق حيويتها وتنشيط اقتصادها وجعلها مقصداً لأهلها ولمن حولها لكي لا تبقى معبراً، بل أن تصبح مقصداً للبنانيين. من كل المناطق ولغير اللبنانيين، وبالتالي إبراز مدى أهمية العمل على تطوير جواذبها وإطلاق المبادرات وإبراز حسنات العمل والسكن فيها.
هذه المدينة الغالية صيدا عانت وما تزالُ تعاني من غياب الكثيرين من شبابها وشاباتها عنها، فهم يغادرونها سعياً وراء فُرَص العمل الملائمة لهم إما في خارج لبنان أو حتى في العاصمة بيروت، التي يقصدونها بحثاً عن مجالاتٍ أوسع وأكثر ملاءمة للعمل والإنتاج. وهي في ذلك باتت مورِداً للكفاءات وأصحاب الأهلية والمهارة في كثير من المجالات المهنية في لبنان وخارجه.
لذلك نجدُ اليوم أن كثيرين من أبناء مدينة صيدا قد دأبوا واجتهدوا وعملوا بِكَدٍّ من أجل تحقيق أسمى المراتب في مجالات عملهم. وإنه لمن دواعي فخر واعتزاز مدينة صيدا أن تجدَ أنّ عدداً من أبنائها قد لمعت أسماؤهم في أبرز محافل العالم بإنجازات مشرِّفة وقصص نجاح مذهلة، سوف تُسْعِدُ آذانَنا بالاستماع إلى عيِّنةٍ من قصصهم الملهِمة على مدى هذين اليومين وأملاً في أن تكونَ هذه القصصُ "خارطة طريق" ومنطلقات أساسية لا بد أن يقتديَ بها شبابُ اليوم ويستخلصوا منها العبرَ والدروسَ القيمة، دروساً في المثابرة والعمل الجادّ والمثمر، دروساً في الصبر واتّخاذ المبادرات.
أيها الإخوة والأخوات،
إن البحث عن العمل ليس بالمهمة السهلة، ومسألة إيجاد العمل الملائم والمجدي باتت من أصعب المهام وأكثرها تطلباً. وهي عملية تحتاج للتفكير والتخطيط وتتطلب مهارات يراكمها الإنسان مع الوقت. ومع تنوع المجالات المهنية وتضاؤل فرص العمل في أيامنا هذه، بات المطلوب من شبابنا الباحثين عن العمل الكثير الكثير. ولستُ أُشيرُ بذلك إلى خريجي الجامعات فحسب، وإنما أيضاً إلى جميع الشبان والشابات الذين واللواتي يرغبون ويرغبن بالانخراط في أي مجال عمل تطبيقي أو مهني أو تقني... من هنا فإن جزءاً كبيراً من جهودنا في مدينة صيدا يتركز من جهة أولى على إنماء اقتصاد المدينة وإطلاق حيويتها ومن جهة ثانية على تعزيز دور المؤسسات التي تساعد على تمكين الشباب وتزويدهم بالمهارات العملية الملائمة، تلبيةً لاحتياجات سوق العمل في مدينة صيدا وخارجها.
بالدرجة الأولى، بات المطلوب من شبابنا اليوم أن يكونوا حاضرين ومستعدين، مستعدين بتميزهم في دراستهم في مدارسهم وجامعاتهم وتميزهم بكفاءاتهم ومعارفهم ومؤهلاتهم ومهاراتهم، وهذه عناصر لا يقوى على تحقيقها سوى الإنسان مع نفسه مهما تلقى من دعم ومساعدة. إنه شرط أساسي في عملية البحث عن العمل، فنحن نعيش في عالم سريع التطور والتغيّر والتجدّد، مما يزيد من حدة المنافسة بين الشباب ويزيد من عدم رضى أصحاب العمل والمؤسسات بأقل من "التميز". ولكي يكونَ الشبانُ والشاباتُ مستعدّين للعمل عليهم أن يسعوا إلى "التميّز" لزيادة فُرَصهم بإيجاد العمل المناسب. كما عليهم أن يبادروا بالاستفادة من كل ما هو متاح لهم، من خلال تلقي الدروس الضرورية في مجال عملهم ليتزودوا بكل ما هو جديدٌ من مهارات ويستعدوا لخوض غمار سوق العمل. و "بالتميز" لا أقصد التفوق في الإنجازات الأكاديمية، بل الاستمرار في بذل الجهود طوال الحياة العملية في أي مجال عمل، سواء اكان ذلك في المهن الاحترافية أو في المهن الخدماتية التي يحتاجُها الناسُ في حياتهم اليومية وذلك على قاعدتي التعلم المستمر والقدرة على التكيف المتواصل مع المتغيرات الحاصلة.
إنّ سوقَ العمل أصبح اليوم يميّز ويقدّر العاملين بحسب مستوى ونوعية أدائهم وإنتاجيتهم، فلا نجد تساهلاً مع من يؤدي عمله بخفة ودون كد أو مثابرة، حتى لو كان هذا العمل على أبسط المستويات التقنية. فعلى كل شخص أياً من كان أن يتقنَ عملَهُ ويُجيدَهُ كي يضمن استمراريته وانتاجيته على المدى البعيد. إن سوق العمل اليومَ لا يقبلُ بالعامل المهني المستهتر أو القليل المعرفة والكفاءة تماماً كما لا يقبل بخريج الجامعة الذي لا يعير عملَهُ الاهتمامَ وَالجَهدَ الكافي، فقد قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: "إن الله يحب إذا عَمِلَ أحدُكُم عملاً أن يُتْقِنَه".
قد يقول لي قائل إنّ في بلدنا لا مجال لإيجاد عملٍ لمن ليست لديه "واسطة".
أيها الأبناء،
إن مسألة "الواسطة" ليست بالأمر الجديد وهي لا تقتصر على لبنان. "فالواسطة" موجودة في جميع بلدان العالم على اختلاف مستوياتها، لكن الاعتماد على "الواسطة" دون الاستناد إلى المؤهلات والكفاءات والمهارات لا يتيح الفوز بالعمل وذلك كما يتبين من قراءة تجارب الكثيرين من الناجحين. ودليل على ذلك أيضاً هي التجاربُ التي خُضْتُها من خلال عملي في القطاع الخاص وكذلك في الشأن العام.
إنني على مدى سنوات خبرتي العملية وحتى قبل أن أخوضَ تجاربَ العمل في الشأن العام، وخلالها لطالما قابلت شباناً وشابات ممن يقصدونني لدعمهم في الحصول على عمل أو وظيفة، ولا أكشف سراً إذا قلت إنني قدّمتُ وأُقدّمُ يَدَ الدعم للكثيرين ممن لجأوا إلي، لكن المُلْفِتَ للانتباه في كل تلك القصص التي خَبِرتُها، إن موقف أصحاب العمل ودون استثناء وهم محقون في ذلك، هو في الاطلاع على مؤهلات طالب الوظيفة وما إذا كان هذا يتمتع بالكفاءة ويستحق العمل في المؤسسة.
لا يظنّن أحد أن "الواسطة" بحد ذاتها هي المفتاح للحصول على العمل. وهي ان أوصلت صاحبها إلى الفوز بالعمل ليست ضامنة لبقائه أو لتقدمه. وأستطيع القول إنني وفي المقابل، وجدت أن بعض الأشخاص ممن ينجحون في الحصول على عمل بفضل واسطة، وليس لأن مؤهلاتهم كافيةٍ للقيام بالعمل المطلوب سُرْعان ما كانوا يخسرون عملهم بعد مُدّةٍ قصيرة.
أيها السيداتُ والسادة،
إنّ عالمَنَا اليومَ بات يَفْرِضُ الكثيرَ من التحديات في عملية البحث عن العمل...وهذه المشكلة تفاقمت مؤخراً إثر ما شهدناه من أحداث على مستوى العالم والأبرز بينها كانت مشكلة الانهيار المالي التي أَلْقت بظلالها القاسية على جميع دول العالم دون استثناء وأدت بالتالي إلى تضاؤل فرص العمل في العالم. من جهة أخرى وبحسب تقرير نُشِرَ حديثاً عن جامعة الدول العربية وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي ورد فيه أنه لكي تتوافر المرونة المطلوبة في سوق العمل العربية، سوف تضطر هذه الدول لأن توفر 51 مليون فرصة عمل جديدة حتى العام 2020. إذاً في ظل هذه المعطيات، بات على شبابنا اليوم أن يفكروا جدياً في إيجاد السبل الملائمة والأكثر عملية لخوض غمار الحياة المهنية، وإذا لم يتخذوا هم المواقف الاستباقية ويستعدوا بأنفسهم لهذه المهمة، لن يجدوا مَنْ يقومُ بذلك بالنيابة عنهم.
في ظلِّ هذه المعطيات، باتت مسؤولياتُنا تُجاه مجتمعنا تُحَتِّمُ علينا في الدرجة الأولى أن نكونَ موحَّدين، موحَّدين في رؤيتنا لمستقبل بلدنا وموحَّدين في نظرتنا إلى المتغيرات في العالم وإلى كيفية التعامل معها. موحدين لكي تتضافَرَ جهودنا ونأخذ على عاتقنا المسؤولية التي تقتضيها الظروف التي سنواجهها في المرحلة القادمة. وهذا يقتضي من جهة أولى العمل بجد من أجل تحقيق النمو في اقتصادنا الوطني والتنمية المناطقية المطلوبة ومن جهة ثانية إعداد شبابنا من أجل إقدارهم على خوض غمار تحديات مستقبلهم المهني. إنّ حياتَنا اليومَ باتت أشبهَ بالقطار الذي يتوقف عند محطات محددة، ومن يكون حاضراً وجاهزاً في تلك المحطات في الوقت المناسب ويبادر للصعود إلى مقصورات القطار ينجح بالوصول إلى وجهته، ومن لم يكن مستعداً وموجوداً في المحطة أصلاً لن يجدَ مَنْ يُمْسِكُ بيده ليُصْعِدَهُ إلى القطار رغماً عن إرادته.
أعتقدُ، أيها الشباب والشابات، أنّ الرسالةَ التي أردتُ إيصالَها لكم ولأهاليكم صارت واضحة. فعالمُ اليومَ هو عالَم الكفاءات المتقاربة في التهيؤ والاستعداد والشروط الضرورية. بيد أنّ المنافسةَ الحادّة هذه- وأنا لا أُريدُ إخافتكم- تقتضي إضافةً للشروط الأساسية الهِمةَ والاندفاع في طريق التميُّز، لتحسين الفُرصة المُتاحة، واجتراح الفُرَص الجديدة، والآفاق المفتوحة.
وهذا يصح في الأَوساط المحلية في صيدا مَثَلاً، وعلى مستوى لبنان، كما على مستوى العالم العربي، والعالَم الأَوسع. فالنجاحُ الفرديٌّ في صيدا، يمكن أن يتحول إلى نجاحٍ على مستوى لبنان، والنجاحُ على مستوى لبنان يحتاج إلى شروطٍ إضافية تتعلق بالسياسات تجاه التعليم والتمكين والتنمية والاستقرار، كما أنّ النجاح الذي يحقّقُهُ اللبنانيون على المستوى العربي علاقةٌ بالسياسات تُجاه حاضر العالَم، والتواصُل معه في العمليات التعليمية والتدريبية الكبرى، وبينها مستويات التعليم وتلاؤم نوعيته مع حاجات اقتصادنا، وسلاسة الانتقال والقدرة على التكيف مع المتغيرات، وجود الاستثمارات الكبرى في البحوث العلمية والتكنولوجية. إنه عالمٌ مترابط، ونحن محتاجون للتأهُل فيه، وبقدر ما يتعاظَمُ تأهُّلُنا تتعاظمُ فُرَصُنا ونجاحاتُنا.
لذلك رسالتي إليكم اليومَ أن تكونوا استباقيين ومبادرين لا منكفئين ولا أن تنتظروا فقط إلى من يدفعُ بكم إلى الأمام. انتهزوا الفُرَصَ الملائمة وكونوا حاضرين ومستعدين لها في الوقت المناسب، تحلَّوا بالصبْر والإيمان وتسلَّحوا بالعلم والمثابرة والعمل الجاد. وأرجو أن يكون هذا المعرض مناسبة للكثيرين منكم لكي يجدوا فرصة العمل التي يريدون.
عاشت صيدا مدينةً للتميُّز والاجتهاد والنجاح.
عشتم وعاش لبنان.
