كلمة دولة رئيس مجلس الوزراء الأستاذ فؤاد السنيورة في ذكرى انسحاب العدو الإسرائيلي من الجنوب يوم 25 أيار

أيها اللبنانيون،
يا أبناء الجنوب الحبيب،
يا أبطال المقاومة والتحرير،
تَحِلُّ الذكرى السابعةُ لتحرير الجنوب العزيز من قوات الاحتلال الإسرائيلي مختلفةً عن مثيلاتِها في السنوات الست الماضية، وذلك لثلاثِ نواحٍ، الأولى أنه كان على لبنانَ في تموز من العام الماضي، أن يخوضَ مرةً أخرى، تجربةَ التصدي والمقاومة في وجه عدوانٍ إسرائيليٍ غاشمٍ خلَّف ضحايا أعزّاء، ودَماراً كبيراً في الجنوب وضاحية بيروت، وسائر أنحاء لبنان. والناحيةُ الثانيةُ للاختلاف أنّ الجيشَ الوطنيَّ اللبنانيَّ انتشر في جنوب لبنان، لحماية أهلِه، وحدودِه، وهو أمرٌ ما كان متوافراً طَوالَ أكثرِ من ثلاثة عقود. والناحيةُ الثالثةُ للاختلاف أننا نتقدمُ في ملفِّ تحرير مزارع شبعا، ووضْعها تحت عُهدة الأمم المتحدة، تخليصاً لها من الاحتلال الغاشم وإعادتها إلى حضن الوطن ، وأملاً أن تُبادرَ الشقيقةُ سوريا للتعاون في وضْع السيادة اللبنانية على تلك البُقعة العزيزة من أرض لبنانَ موضعَ التنفيذ من خلال ترسيم الحدود بين البلدين الشقيقين.
لقد كان الانسحابُ الإسرائيلي في العام 2000، والذي أدّت إليه أعمالُ المقاومة وتضحيات المقاومين، وصمودُ أهلنا في الجنوب المقاوم، وكذلك صمود وتضحيات شعبنا اللبناني الأبي منذ انطلاق الشرارة الأولى للتصدي للعدو المحتلّ. لقد شكل ذلك كله خطوةً كبيرةً باتّجاه حسْم الصراع على الأرض والسيادة لصالح لبنان. كذلك الأَمْرُ في حرب تموز من العام الماضي، حيث وقف خلالها اللبنانيون جميعاً سواعدَ متضامنةً، وإرادةً واحدةً، كما وقفوا منذ أواخر الأربعينات، صوناً لأرضهم وكرامتِهم وإنسانِهِمْ، ومشاركةً في تحمُّل أعباءِ الصراع العربي مع العدوّ الإسرائيلي على فلسطين، والذي خاض الجيشُ اللبنانيُّ الفتيُّ آنذاك معركتَه الأولى إلى جانب أشقّائه العرب في عام النكبة، عام 1948.
أيها المواطنون،
أيها الجنوبيون،
أمامنا اليومَ وغداً وبعد غدٍ ثلاثةُ تحديات: تحدّي استكمال تحرير الأرض، وتمكين جيشِكم الوطني من حماية الحدود الدولية مع فلسطين المحتلّة، وصونِ أجواء لبنان وحدوده البرية والبحرية، وأمامنا التحدي الآخَر، تحدّي إزالة آثار العدوان برفْع الأضرار، والتعويضِ على المواطنين اللبنانيين الذين تحملوا مآسيَ الاجتياح والاحتلال وكذلك العملُ على إعادة الإعمار، ونشْر سلطة الدولة اللبنانية وحدَها كاملةً غير منقوصة على أرضِها. وأمامنا التحدي الثالث، تحدّي تحقيق الأمن الوطني، والسلام الوطني، والنهوض الوطني. والذي تؤشّرُ إلى أهميتهِ وخطورتِهِ أحداثُ الشمال الأخيرة ضد الجيش اللبناني وقوى الأمن، والتفجيرات وأعمال الاعتداء في بيروت وغيرها، والتي تنالُ من حياة وأمان المدنيين اللبنانيين والفلسطينيين.
وفي هذا الموضوع يُهمُّني أن أشدد على أن اللبنانيين وبعد تجاربهم المُرّة طوال السنوات الماضية، استقرّ خيارُهُمْ على الدولة المدنية الديمقراطية وأداتِها الأمنية الشرعية- أي الجيش الوطني وقوى الأمن الداخلي وباقي الأجهزة، وفي هذا لا يمكنُنا ولن نقبلَ المسَّ بهيبةِ الدولة والجيش والمؤسسات، لكنْ كلُّ ذلك على قاعدة الحفاظ على القانون وحسن تطبيقه على المواطنين اللبنانيين وعلى المقيمين.
في هذا الصدد أُريدُ أن أَكونَ واضحاً، فقد سمعتُ خلالَ الأيامِ الماضية كلاماً كثيراً وتحريضاً ظالماً وتعبئةً مغرضة، هدفُها القولُ أنّ الدولةَ اللبنانيةَ والجيشَ اللبناني أو الحكومة اللبنانية تستهدفُ اللاجئين الفلسطينيين في لبنان أو الشعب الفلسطيني. والحقيقة أن الجيش اللبناني كان ضحية عدوان مجرم قامت به منظمة إرهابية تنتحل صفة الإسلام والدفاع عن فلسطين.
دعوني أقُل لكم، إنّ الفلسطينيين في لبنان في المخيَّمات وخارجَها هم إخوتُنا ونحن نتقاسمُ معهم منذ النكبة مُرَّ العيش قبل حُلْوِه. فلا يجرّبَنَّ أحدٌ أن يدخل بين الدولة اللبنانية، وبين الشعب اللبناني والشعب الفلسطيني في لبنان. هم إخوةٌ لنا أعزاء وسيبقَون كذلك في شتى الظروف. لكنْ علينا أن نكون واضحين في فصلنا بين منظمة إرهابية حاولت التسلق على عذابات ونضال الشعب الفلسطيني، وبين إخواننا في المخيمات.
بالنسبة لنا، الفصلُ واضحٌ وجلي، الإرهابُ سنعملُ على اجتثاثه وضربه، أما إخوانُنا في المخيمات فسنعملُ كما عملْنا وأكثر على احتضانهم وحمايتهم. وستستمر الدولة اللبنانية وبأجهزتها وإداراتها كافة في تعزيز مسيرتها لمعالجة صادقة وفعالة للمسائل العالقة والتي جرى تحديدها في علاقة الإخوة الفلسطينيين مع الدولة اللبنانية. وكذلك في تحسين مجالات وظروف عيشهم وإقامتهم المؤقتة في لبنان إلى أن يعودوا إلى ديارهم. وعلى ذلك لن يكون هناك استهداف ولن تكون هناك فتنة أو خصام بين اللبنانيين والفلسطينيين ونحن شديدو الحرص على العلاقة الحميمة والأخوية التي تربط بين الشعبين اللبناني والفلسطيني كما أننا شديدو الحرص على أمن الفلسطينيين الذي يجب أن يكون على عاتق السلطة الشرعية اللبنانية.
إخواني، أحبائي،
أيُّها المواطنون،
إنّ هذه التحديات لا يمكنُ النجاحُ فيها إلاّ بالتوحُّد والتضامُن كما كان عليه الأَمْرُ دائماً في وجه العدوّ الإسرائيلي، وفي وجه الجهات التي تريد زعزعةَ الأمن وقتلَ اللبنانيين وتيئيسَهُم. فعدوانُ تمّوز ما كانَ العدوانَ الأولَ ولا الأَوسَع. وقد تمكنّا بفضل تضامُن الشعب اللبناني مع نفسِه وأرضِه وشهدائِه ومقاومةِ أبنائه وتضحياتهم وصلابتهم، والعمل الوطني والدبلوماسيّ للحكومة اللبنانية- من ردّ العدوان وصدّه، وتحرير الأرض التي احتلّها العدوّ حديثاً. وها هو جيشُكُم الوطنيُّ تُعاونُهُ القوات الدولية، ينتشر في الجنوب للمرة الأولى منذ أكثرِ من ثلاثة عقود.
لقد قُمنا معاً بالمهمّة الأصعَب، ويكونُ علينا أن ننهضَ بالمهمتين الكبيرتين الباقيتين، مهمةِ إعادةِ الإعمار، ومهمة تحقيق الأمن الوطني، والنهوض الوطني، مُجمعين على ذلك قَولاً وفعلاً، ومصمِّمين على الدفاع عن الوحدة بين اللبنانيين، محافظين بذلك على أهم صيغةٍ للعيش المشترك شكّلت نموذجاً لم يعد فقط حاجةً للبنان واللبنانيين بل هو حاجةٌ عربيةٌ وإسلاميةٌ ودولية.
أيها الإخوةُ المواطنون،
لقد وقف معنا الأشقّاءُ العربُ وكذلك الأصدقاء أثناء العُدوان وبعدَه، وأمدُّونا بالعَون السياسي والمادي الذي يمكِّنُنا من القيام بهاتين المهمتين الجليلتين، اللتين لا يجوزُ التباطؤ فيهما، ولا الانقسامُ حولَهما، ولا إدخالُهُما في البازار السياسي، وفي الصراع على السلطة، أياً تكن الأسبابُ والظروف، وأقصِدُ بهما مهمةَ إعادة الإعمار، ومهمةَ تحقيق الأمن الوطني، والنهوض الوطني الشامل. فالنزاعُ على الحكومات والوظائف، والاختلافُ على الخيارات التفصيلية في الاقتصاد والسياسة، والترتيبات الإدارية، كلُّ ذلك يأتي ويذهب، دون أن يؤثّر في حقوق المواطنين، وتَساويهم وأمنِهِم، ومواقِعِهمْ في الوطن ودولتِه ونظامِه وانتمائه وهويتِه. ولا سبيلَ لاستمرار التضامُن الوطني والوحدة الوطنية إلاّ بضمان أمْن اللبنانيين وتمكين الشعب اللبناني من ممارسة حقّه في المشاركة في القرار من خلال الدولة، ذات المؤسَّسات الدستورية العاملة والفاعلة والشفّافة والتي تتجدَّد وتتطوَّرُ بالانتخابات المنتظمة، وبالبقاء تحت سقف الدستور، وسقف العيش المشترك، والوطنية الجامعة.
لقد أخرجتْنا التجاربُ المُرّة، وأخرجَنا التصدّي الشجاع لإرهاب العدوّ، من أمرين اثنين تحكَّما لعقودٍ وعقودٍ في حياة الوطن والمواطنين: خرجْنا من النزاعات الداخلية المسلَّحة، وخرجْنا من الخوف من عدوان إسرائيل. ويكونُ علينا بالمسؤولية العالية، وبالرَحابة التي عُرف بها اللبنانيون، وبالحكمة التي اتّسم بها شيوخُهُم وكبارُهم، وبالحُبّ والحرص الذي عرفْناهُ من الأشقّاء والأصدقاءِ على لبنان، بهذه القيَمِ الساميةِ كلِّها، يكونُ علينا أن نخرجَ من الانقسام السياسي، ومن إرادات الآخرين في إبقاء لبنان ساحةً للصراعات والمصالح والمحاور الإقليمية والدولية البعيدة عن مصالح لبنان العربي السيد الحر المستقل. وذلك لا يكونُ إلا بالاستظلال بالدولة، والمشاركة في النظام الديمقراطي وآلياته، وتفعيل المؤسَّسات الدستورية التي بنيناها معاً بالدمِ والجَهد وبالإرادةِ الوطنية الجامعة، والوفاءِ للبنان.
في ظل الأزمة الحاضرة والمخاطر التي تُنذرُ بها وتهددُ لبنان والمنطقة، أُريدُ أن أكرّرَ مبادرتي من أجل الوفاق الداخلي على أساس الخيارات الوطنية التي تحفظ لبنانَ وسلامةَ أراضيه ووحدتَه وتصونُ عروبتَه ونظامَهُ الديمقراطيَّ وحرياتِه، وتُحقّقُ الأَمْنَ السياسيَّ والاجتماعي.
إن الوفاقَ المذكور لا يتحقق من دون حوار جدي ومكثف في المجلس النيابي يحدد البرنامج التنفيذي للسياسات والخيارات التي أجمع عليها اللبنانيون وذلك في ضوء الالتزام بأحكام اتفاق الطائف واستكمال تنفيذ بنوده.
وهذه المبادرة تشمل الاتفاق على برنامج تنفيذي لما تم التوافق عليه بالإجماع بشأن:
- قرارات الحوار الوطني.
- برنامج النقاط السبع.
- والتوافق على ما تضمنه مؤتمر باريس-3 وهو ما سيمكننا من السير في طريق الإصلاح الذي يضمن استعمالاً أفضل لمواردنا البشرية والمادية ويضمن لاقتصادنا النمو المستدام ولإنساننا عيشاً أحسن.
إنّ الاتفاقَ على برنامجٍ تنفيذي كهذا سيشكلُ القاعدةَ الضروريةَ المتينةَ لقيام حكومة وحدةٍ وطنيةٍ في هذه الظروف الاستثنائية بحيث تتوزعُ المقاعدُ الوزارية فيها وفي هذه الحالة بنسبة ما تتمتع به القوى السياسية المختلفة الممثَّلة في المجلس النيابي.
ومن البديهي أنَّ الحوار المطلوب، وهو القاعدة التي تقوم عليها حكومة الوحدة الوطنية، يسهم أيضاً في توفير الظروف للإعداد ولمواكبة الانتخابات الرئاسية ضمن المهلة الدستورية المحددة وتوفير أساسٍ صالحٍ لها من خلال رؤيةٍ وطنيةٍ جامعة.
أيها المواطنون،
في الذكرى السابعة للتحرير، نتعاهدُ على الوفاء للشهداء وللأرض والإنسان، ونلتزم بإعمار ما هدَّمه العدوّ، وتحقيق الأمن الوطني، والنهوض الوطني، بالاستمرار في بناء الدولة اللبنانية التي تبسط سلطتَها وحدها، وبقواها الشرعية على أرضِها، والعملِ من خلالِها، ومن خلال مؤسساتِها من أجل المستقبل الحرّ والواعد والزاهر للبنانَ ولسائر اللبنانيين.
في الذكرى السابعة للتحرير، تحرير الأرض والإرادة، نُعلنُ تصميمَنا على تحقيق الأمن الوطني، والخلاص الوطني، بكُلِّ ما أُوتينا من عزيمةٍ ومن ثقةٍ من الشعب اللبناني، ومن الأشقاء العرب، ومن المجتمع الدَولي.
لن نستسلمَ لإرهاب المسلَّحين تحت أيِّ عنوانٍ اختبأوا. ولن تُرعِبَنا أعمالُ التفجير، كما لم تُرهِبْنَا أعمالُ الاغتيال. ورسالتُنا الوحيدة اليومَ وغداً: الدولة المدنية، والأمنُ الوطني، والمسؤوليةُ الوطنيةُ والقوميةُ، وحياةُ الشعب اللبناني ومستقبله، وإنهاءُ هذه الظواهر الإرهابية والإجرامية، بدون ترددٍ وبأسرعِ ما يمكن.
في الذكرى السابعة للتحرير، نقفُ جميعاً مع جيشِنا الوطني، الذي يحفظُ وحدةَ الوطن واستقرارَه، وينتشرُ على الحدود الجنوبية للبلاد في مواجهةِ العدوّ، ويعالجُ الإشكاليات الأمنية الأخيرة بالاقتدار وبالحكمة وبالحزم وبما يحفظُ ويصون حياةَ المدنيين اللبنانيين والفلسطينيين.
باركَ الله شهداءَنا الأبرار، شهداءَ الجيش والقوى الأمنية، والمقاومة، والمدنيين اللبنانيين والفلسطينيين، ووفّقنا لما فيه خيرُ بلدِنا وأمتِنا وسلامِنا ووحدتِنا، إنه سميعٌ مجيب.
السراي الكبير
الخميس في 24/05/2007
رئيس مجلس الوزراء
فؤاد السنيورة
