ترجمة كلمة دولة رئيس مجلس الوزراء الأستاذ فؤاد السنيورة أمام سفراء الدول المانحة في السراي الكبير بشأن الأوضاع الإنسانية للاجئين الفلسطينيين في نهر البارد

-A A +A
Print Friendly and PDF

 

 

سعادة السفراء،

رؤساء البعثات الدبلوماسية والمنظمات الدولية،

 

لقاؤنا اليوم يواكب حالة الطوارئ الإنسانية التي نمر بها نحن والإخوة الفلسطينيين. وما يزيد من مأساوية الوضع أن الإخوة اللاجئين الفلسطينيين العزّل الذين هُجروا قسراً من موطنهم، ونجوا من حروب متتالية، مضطرون اليوم للنزوح عن منازلهم مؤقتاً بسبب نزاع جديد افتعلته مجموعة إرهابية زُرعَت بينهم، لا تمُتّ بصلة إلى بيئتهم وعاداتهم ونمط حياتهم.

 

لم تَختر الدولة اللبنانية هذه المواجهة، وهنا لا بُدّ لي من التأكيد على أنّ هذه المواجهة ليست أبدا بين اللبنانيين والفلسطينيين، بل هي حربٌ شُنّت عليهما معاً، وفي آن واحد؛ هي حربٌ أعلنت بعد أقل من عام على العدوان الإسرائيلي المدمِّر، والذي ما زلنا نعاني من تداعياته السلبية على كافة المستويات وخصوصاً الاقتصادية الاجتماعية والنفسية؛ هي حربٌ تشنّها منذ حوالي الثلاثة أسابيع مجموعة إرهابية سمّت نفسهَا "فتح الإسلام"، لا شأن لها لا بالقضية الفلسطينية، ولا بالإسلام، تهدف إلى زعزعة الاستقرار في البلاد، وتشويه العلاقات اللبنانية- الفلسطينية، هذه العلاقات التي عكفنا بعد شهرين من تشكيل هذه الحكومة، على تصويبها وصوغها على أسس متينة من خلال إعادة بناء الثقة، مع اتخاذ عددٍ من الإجراءات التي تُسهّل حياة الأخوة الفلسطينيين والطريق ما زال طويلاً في هذا السياق.

 

إنّ المواجهة التي نخوضها مواجهة ضد إرهاب الاغتيال والتفجيرات المتنقلة. إنها حرب في عين علق، في الأشرفية وفردان وعاليه والبارحة في سد البوشرية، إنها مواجهة للإرهابيين في سبيل تعزيز سيادة الدولة بجيشها وقواها الأمنية، وحماية المواطنين اللبنانيين، واللاجئين الفلسطينيين على حدٍّ سواء، خصوصاً في مخيم نهر البارد.إنّ الدولة اللبنانية تخوض حرباً من أجلِ مستقبل لبنان وشعبه، ومن أجل ِ صون ِ قيم التسامح والانفتاح والديمقراطية التي نؤمن بها ونسعى دوماً إلى ترسيخها.

     

إنها حرب لم يكن باستطاعة لبنان تفاديها ولا يسعه أن يخسرها. إنّ عدم التصدي للاعتداء الذي قامت به هذه المجموعة الإرهابية، يعني المساومة على أمن واستقرار اللبنانيين، وبالتالي مستقبلهم ما قد يُحوّل لبنان ساحة مفتوحة لأعمال عنفٍ إرهابية ضدّ المدنيين.

 

لا بدّ من أن أؤكد لكم في هذا الإطار، أنّ العمليات العسكرية التي يقوم بها الجيش اللبناني تهدف إلى التخلص من كل تهديد قد تشكّله هذه المجموعة أو غيرها. وكان موقفُ الشرعية اللبنانية واضحاً وصريحاً في كيفية معالجة ما جرى منذ البداية، وهو اجتثاث الإرهاب، بتفاهم ٍ تام مع الفصائل الفلسطينية. طالبنا الإرهابيين بالاستسلام، وأعلنا أننا نضمن لهم معاملة إنسانية ومحاكمة عادلة وشفافة. لم تستجب نداءاتنا، ولم يترك أمامنا سوى الخيار العسكري. أرغمنا على الحسم وكان "آخر الدواء الكيّ".

 

عمد معظم اللاجئين الفلسطينيين القاطنين في مخيم نهر البارد إلى الرحيل احتماء من اعتداء ِ الإرهابيين، أما الذين ما زالوا في مخيم نهر البارد فقد أرغموا على ذلك.

 

وبالإضافة إلى الإدانة الصريحة ل "فتح الإسلام "، والتي عبّرت عنها بوضوح السلطة الفلسطينية، مع نفيها لأي علاقة بين هذه المجموعة الإرهابية وأيّ من المنظمات السياسية الفلسطينية، أصدرَ القادة العرب، جامعة الدول العربية، ومجلس الأمن بيانات تدعم جهودنا في اجتثاث هذه الظاهرة.

 

سيداتي سادتي،

 

يقوم جيشنا الوطني بأقصى ما في وسعه لتحييد المدنيين، وتجنب إيقاع خسائر في الأرواح على الرغم من الاستفزازات المتكررة، مع حرصه على تأمين ممرٍّ آمن لإجلاء الجرحى، تسانده الحكومة اللبنانية عبر الهيئة العليا للإغاثة، بالتعاون مع الأونروا واليونيسيف، والصليب الأحمر اللبناني والدُّولي، والهلال الأحمر الفلسطيني، والهيئات الأهلية اللبنانية والفلسطينية، التي تعمل على تأمين أفضل رعاية للنازحين. وهنا لا بدّ من الإشارة إلى أنّ عناصر "فتح الإسلام" تطلق النار من الأحياء المأهولة في المخيم مستهدفة بنيران القناصة كل مدني يحاول الخروج من المخيم أو يَمُرّ في محيطه، مع إرغام كل من يحاول تركه على البقاء بغية استعماله درعاً بشريةً.

 

أما الوضع الإنساني للنازحين من مخيم نهر البارد فيبقى في صميم اهتماماتنا، وقد توليتُ شخصياً الإشراف على كما والمتابعة اليومية لأعمال الإغاثة التي تضطلع بها الهيئة العليا للإغاثة، الأونروا، اليونيسيف، الاتحاد الدُولي للصليب الأحمر، الصليب الأحمر اللبناني، والهلال الأحمر الفلسطيني، وبالتنسيق مع لجنة الحوار اللبناني – الفلسطيني. نلتزم تأمين كافة احتياجات النازحين، ويجب إعادة إعمار كافة الأبنية والوحدات السكنية التي تضررت جراء الأعمال الحربية. إلا إن عملية إعادة الإعمار تتطلب مساعدة ودعم كافة الأشقاء العرب والأصدقاء في المجتمع الدولي. وها نحن نطلق نداء استغاثة طالبين مساندة كافة أعضاء المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية. المسؤولية ملقاة على عاتقنا جميعاً تجاه الشعب الفلسطيني. المجتمع الدولي استجاب لطلبنا وساعدنا في إعادة إعمار ما هدمه العدوان الإسرائيلي المدمر الصيف الماضي، وها أنا أتوجه بالطلب إليكم أن تكرروا دعمنا في هذه المحنة والمهمة الإنسانية. لنشبك أيدينا ونحول الكارثة إلى فرصة لترسيخ العلاقات الأخوية مع الفلسطينيين ولتحسين شروط الحياة في المخيمات.

 

 

سوف نبني على ما تم انجازه في إطار تحسين وتطوير العلاقات اللبنانية الفلسطينية. مع التزامنا التام بمقررات هيئة الحوار الوطني وتحديداً رفض التوطين، وإنّ كل تشكيك قد يطول دوافع تحسين شروط حياة اللاجئين الفلسطينيين يتعارض حتماً مع هذا الالتزام وهو ذات دوافع مغرضة.

 

سيداتي سادتي،

 

عملت جاهداً وعن قرب مع السيد ريتشارد كوك مدير الأونروا في لبنان لتقييم ومعرفة الحاجات على الأرض. وكان من النتائج المباشرة لهذه المواجهة أن مخيم البداوي يحتضن الآن أكثر من /37،000/ شخص في حين أنّه قادر على استيعاب حوالي / 16،000/ شخص، ما قد يؤثر على بنيته التحتية مع الإشارة إلى أنّ الموارد لم تعد كافية لتأمين حاجات سكانه الأصليين، ولا حاجات ومتطلبات ضيوفه.وعلى رغم الجهود الكبيرة التي بذلت في مجال الإغاثة يبقى الكثير من الحاجات التي تفوق طاقتنا وحدنا.عرضت الأونروا خطة قصيرة المدى تلبي حاجات النازحين حتى آب المقبل وتشمل القطاعات التالية: الصحة، الغذاء، المسكن، التعليم، المياه، الصرف الصحي، الحماية والأمن ودعم فوري لمرحلة ما بعد الأزمة. إنّ جهود وأهداف الأونروا واليونيسيف، واللجنة الدولية للصليب الأحمر وكل أعضاء المجتمع المدني الذين عملوا خلال هذه الأزمة سوف تساعد اللاجئين على استعادة حياتهم الطبيعية بأقل قدر من المعاناة. لقد عملنا مع الكثيرين منكم ومع أصدقائنا في المجتمع الدولي بهدف تأمين الدعم لخطتنا لتحسين أوضاع المخيم. كما يجب معالجة أساس المعضلة والمعاناة التي يعيشها الفلسطينيون لإيجاد حلول بعيدة المدى وإلا كل جهودنا سوف تذهب سدىً.

 

إنّ الأزمة الحالية تتخطى حدودنا لتمتد إلى الشرق الأوسط بأكمله بل والى العالم بأسره. منذ تأليفها قامت هذه الحكومة بجهود جادة لتحسين الأوضاع المعيشية للاجئين الفلسطينيين في المخيمات. وسنحافظ على التزامنا الكامل بأحقية القضية الفلسطينية، وسنقف كما دوماً متضامنين مع الشعب الفلسطيني. لقد قمنا ولأول مرة بتحسين أوضاعهم الاجتماعية والتعليمية، ومعالجة مشاكل العمل بحيث يتم استيعابهم في النظام الاقتصادي اللبناني، مع التزامنا التام وتعهدنا الكامل بعودتهم إلى ديارهم ورفضنا الواضح والصريح لكل توطين.

 

سيداتي سادتي،

 

يقع علينا واجب مشترك لتبديد المخاوف وتخفيف معاناة اللاجئين الفلسطينيين في محاربة الفقر، الوقاية من الأمراض، وتعزيز الأمل والكرامة وفي الحياة الكريمة وتوفير الأمن.

 

إنّ توفير الأمن في المخيمات يعني أمناً في لبنان بكامله، وهو أساسي لتوفير البيئة الملائمة للازدهار الاقتصادي. إنّ اللاجئين الفلسطينيين كانوا ضحايا للعديد من الانتهاكات ومن واجبنا تلبية حاجاتهم وطلبهم للمساعدة. واجب كسب ثقة الفلسطينيين وأن نظهر لهم أنهم ليسوا هم الأهداف بل هم ضحايا أبرياء لهذه الأزمة. وقد أكدنا مراراً وتكراراً أنّ نزوحهم مؤقت وعودتهم إلى مخيم نهر البارد مؤكدة وإعادة إعمار مساكنهم حتمية.

 

سيداتي سادتي،

 

إني أناشدكم مساعدتنا لإتمام هذه المهمة التي لا يمكننا القيام بها بمفردنا ولا يمكننا أن نتغاضى عنها. من الضروري والملحّ أن لا نفشل في هذه المهمة فيتأكد الفلسطيني أنّ المجتمع الدولي والدولة اللبنانية لن يتركاه.

 

شركاء نحن في المسؤولية، معاً يمكننا إحداث التغيير.

وشكراً.

 

السراي الكبير

الثلاثاء 05/06/2007

 

                                      رئيـس مجلـس الـوزراء

                                      فـؤاد السـنيورة

تاريخ الخطاب: 
05/06/2007