كلمة دولة رئيس مجلس الوزراء فؤاد السنيورة في الذكرى السنوية الأولى لوفاة الرئيس الياس الهراوي (سُجلت في السراي الكبير بتاريخ 07/07/2007 بُثت في قصر الأونيسكو بتاريخ 08/07/2007 )

-A A +A
Print Friendly and PDF

أُسرةَ الرئيس الياس الهراوي الكريمة،

أيها الإخوة والأخوات،

 

أردتُ في هذه الكلمة التعبيرَ عن التقدير الذي أُكِنُّهُ للراحل الكبير الرئيس الياس الهراوي في الذكرى الأولى لوفاته. وهو تقديرٌ ينبُعُ من أمرين اثنين: المعرفة الشخصية الطويلة نسْبياً والتي أفْضَتْ إلى علاقةٍ قائمةٍ على الودّ والحديث المتّصل رغم اختلاف الآراء في بعض الأحيان.وقد ازدادت علاقتنا وثوقاً بعد مغادرته الرئاسة ، ومغادرتي الوزارة. والأعمال الجليلة التي قام بها الرئيس الهراوي وحفلَ بها عهدُه، وهو ذلك العهد الذي أَخرج البلادَ من زمان الميليشيات وأَوصلها إلى زمن الدولة، كما قال هو لكاتب سيرته.

 

وإنْ أنسَ لا أنسى الظروفَ الكارثية التي بدأتْ خلالها رئاستُه على أثر الاغتيال الإجرامي للرئيس رينيه معوَّض. فقد انعقدت جلسةُ الانتخاب في شتورا، وأقام في أبلح، ثم في المقر المؤقت في بيروت، وكنتُ وسط تلك الظروف الصعبة، وكلما قابلتُهُ بعد ذلك مع الرئيس الحريري في مجلس الوزراء يحاولُ هو التخفيفَ عن الحاضرين بالقول: لقد تخلّصنا من الفوضى، ونحن نعيدُ الآن بناءَ النظام، واللبناني يتمهل في وضع الأحجار الأُولى، لكنه يسرعُ إذا اطمأنّ ووثِقَ وسُرعان ما يظهرُ البناءُ مكتملاً شامخاً. وهكذا كان حين جرى الشروع، في وضع اتّفاق الطائف موضعَ التنفيذ التزم واقدمَ ووفّى رغم أنه كان يرى احياناً أنّ هناك عدة أمور تستحقُّ المزيد من النقاش.

 

الياس الهراوي ابنُ العائلة الزحلاوية العريقة خَبَرَ التجربةَ اللبنانية منذ الخمسينات، وأكادُ أقولُ إنني لا أعرفُ أحداً عرفَ لبنانَ بمدنه وقراه وعائلاته وسياسييه وفنّانيه ومثقَّفيه وعلاقاته كما عرفه. إنه من ذلك الجيل الذي عرف التركيبة والصيغةَ وآمن بهما. وكان وبشكلٍ واعٍ يعتبر نفسَه ابناً بارَّاً لهما.

 

تبدأُ ذكرياتُهُ الفتية بكلية الحقوق في اليسوعية التي يقول إنّ دولة الرئيس رياض الصلح أدخله إليها, لكنه وهو يحدّثُكَ عن ظروف والده وعن دراسته هو وعمِله، يستطردُ في ذكر ذلك الزمن الجميل عائداً بجذور الأُسرة الهراوية إلى مصر، ليستذكرَ ضاحكاً أنّ تلك الأُصولَ البعيدةَ ربما كانت السببَ في حبّه لأُمِّ كلثوم وعبد الوهّاب وصباح فخري والطرب الأصيل، وحرصِه على الذهاب في الستينات إلى القاهرة والإسكندرية ودمشق للسَماع والحديث والتعرف على لبنانيين كثيرين ما عرفهم ببيروت بل في عواصم الدنيا العربية الأُخرى، يُسهمون، كما كان يقول، في نشر العروبة وثقافتِها بعد أن أطلقوها من لبنان. على أنه وهو يستكشفُ آفاق عروبة لبنان انتماءً وثقافةً وفناً كان شديد الحرص على أن يُحس العربُ بقُرب لبنان منهم بقدْر قربهم منه وأكثر ولذلك كان ينتهزُ كلَّ فرصةٍ ممكنة بدعوة مبدعين وفنانين عربٍ الى لبنان، لكي يعرفَهم اللبنانيون ويعرفون هم عُمقَ ارتباط اللبنانيين بذلك الفن وتلك الثقافة.

 

شخصيتُه شخصيةٌ مليئةٌ بالحبور والفرح, لكنه ليس الحبورَ المتكلَّف، بل هو حبورٌ عميقٌ يبعثُ في محدّثه وقاصده الثقةَ والأملَ والبهجة. حتى إذا وصل إلى الصعب الصعب قال كلمتَهُ واتخذ قرارَه غيرَ هيّابٍ ولا متردّد. ذكيٌّ ذكيٌّ، يعرفُ الصِعاب، ويعرفُ الظروف، ويعرِفُ العقبات، ويعرفُ الإرغامات الجديدةَ والقديمة، لكنه يردّد على الدوام: يا سَنَدي، لقد تجاوزْنا خمسة عشر عاماً من النزاع الداخلي، ومن الاجتياحات الإسرائيلية، وها نحن ننهضُ من تحت الرماد كالسهم، ثم تقول لي هذا ممكن وهذا غير ممكن، بعد كلّ ما مرَّ بنا صرتُ أؤمنُ أنَّ كلَّ شيءٍ ممكن، المهمُّ أن نعرفَ كيف نفعلُ هذا الأَمْرَ أو ذاك!

 

هذه الشخصية الغنية والعميقة واللمَّاحة، تجلّتْ عن رجل دولةٍ من الطِراز الأول. فقد كنتُ أراهُ عندما يقتنع أنّ أمراً ما فيه مصلحةٌ للدولة، يتجاهلُ كلَّ اعتبارٍ آخَرَ ويُقْدِمُ عليه غير هيّاب. لكنْ إذا وقع الاختلاف فقد كان سيّدَ من يبحثُ عن التسْوية ولا يَضيرُهُ أن يقال إنّ فلاناً هو الذي كسِب الرِهان، فالمهمُّ أن لا يشعرَ طرفٌ أنه مستبعَدٌ أو مستضعف أو مُهان, وقد حدَّثني أحدُ زواره أنه سمعه يقول بمرارةٍ بعد قرارٍ جماعيٍ ما أمكن إنفاذُه : رأيي أنّ ثُنائية الخوف والغبن قد انتهت بالطائف، لكنْ أخبرْني كيف ننتهي من ثُنائية الابتزاز والجبن؟ وكيف ننتهي من مقولة أنّ الجيشَ اللبنانيُّ ليس من مهامِّه الدفاع عن لبنان؟!

 

ولا أذكر مرةً اختلفْتُ فيها مع الرئيس الهراوي على أمرٍ إلاّ وكان يبادرُ مباشرةً أو عبر الرئيس الحريري لمصالحتي أو الحديث معي متناسياً كلَّ ما حدث وكان. وما كان يخلطُ بين العلاقة الشخصية والشأن العامّ. فقد تختلف معه على أشياء كثيرة، ويظلّ صديقاً لك. ولستُ أُنكرُ أنني كنتُ في قراره نفسي ضدَّ التمديد له، رغم ما كنت أُكنّه له من مشاعرَ طيبةٍ، ومن احترامٍ كبير. كان الأمرُ عندي وما يزال يتعلق بالموقف من الدستور وأهمية احترامه وحفظه من العَبَث به ومن التسرع في طلب تعديله وذلك بسبب الكلفة الباهظة للتعديل في هذا الخصوص على الصعد الوطنية والسياسية والاقتصادية وبسبب تأثيره السلبي على مبدأ تداول السلطة سلمياً ودستورياً. وقد صارحتُه بذلك بعد حدوثه، وقلت له: سيذكر لك التاريخ واللبنانيون عشرات القرارات الكبيرة، ولن يكونَ بينها التمديدُ وما أدَّى إليه. وقد تظاهر بالابتسام وقال: لا بأس، وسوف تعرفُ الشرَّ المستطيرَ الذي وقيتُكم منه ببقائي في سُدّة الرئاسة!

 

في الذكرى الأولى لغياب الرئيس الهراوي، وبعد مرور الذكرى الثانية على غياب صديقك الرئيس رفيق الحريري، أُصارحُك أيُّها الرجل العذْب، أنّ الوحشةَ تتملكُنا، وأنّ فقدَكما تزدادُ وطأتُهُ على عقولنا وقلوبنا. سيبقى اللبنانيون المعتدلون العاملون من أجل لبنان السيد الحر العربي المنفتح الواحد المتآلف يذكرون لكما عملَكُما الكبيرَ من أجل الوطن والإنسان وبخاصةٍ في أزمنةِ الشدةِ هذه : ففي الشدائد تُعرفُ أقدارُ الرجال.

                                          رئيـس مجلـس الـوزراء

                                          فـؤاد السـنيورة

تاريخ الخطاب: 
08/07/2007