كلمة دولة رئيس مجلس الوزراء الأستاذ فؤاد السنيورة إلى اللبنانيين في الذكرى السنوية الأولى لعـدوان تمـوز 2006

-A A +A
Print Friendly and PDF

 

أيها اللبنانيون،

 

قبل عامٍ من الآن، كنا نُمَنّي النفسَ والبلادَ بصيفٍ واعدٍ يُعيدُ القليل مما كنا خسرناه من حيوية اقتصادية منذ استشهاد الرئيس رفيق الحريري وما تبع ذلك من ارتجاجات، لكنّ إسرائيل التي طالما عَوّدَتْنا على تصدير الحقد وإلحاق الدمار، استغلّت تجاوُزَ حزب الله للخط الأزرق واسر جنديين من جنودها لكي تحول لبنان إلى أرض محروقة بهدف إعادته عشرين سنةً إلى الوراء.

 

قبل سنةٍ من الآن وجد الشعب اللبناني نفسه تحت رحمة الآلة العسكرية الإسرائيلية الغاشمة التي حولت آمالَه إلى كوابيس واستقرارَه إلى دوامة من الخراب، فعملت على تقطيع أوصاله وتشريد عائلاته وإلحاق الموت والأذى بأبنائه وتدمير بنيته التحتية ومؤسساته العامة والخاصة التي جاهد اللبنانيون كثيراً من اجل إقامتها.

 

 

 

أيها الإخوة المواطنون،

 

في هذه الأيام نستذكر شهداءَنا وعذاباتنا وآلامَنا، وأنينَ جرحانا وبكاءَ أمهاتنا ومهانةَ شيوخنا. لكننا أيها الإخوة نستذكر أيضا وبفخر بطولات مقاومينا وصمودَ شعبنا وتضامنَ عائلاته ووحدتَه في وجه المحنة والعدوان وآثاره.

 

أيها اللبنانيون،

 

تُمتحَنُ الشعوبُ في أزماتها وليس في أوقات استقرارها وازدهارِها. وفي المقابل فإنّ غالبية الدول والمجتمعات المستقرة والمزدهرة لم تصل إلى ما هي عليه إلاّ بعد أن نجحت في الاستفادة من تجاربها المرة والقاسية، فعرفت كيف تستخلصُ الدروس والعِبرَ، وتحوِّلَ المآزقَ إلى فُرَص، والمشكلات إلى مبادراتٍ وحلول. لذلك إني أدعوكم وأدعو نفسي إلى النظر والمراجعة لا من أجل اجترار الماضي وأحزانه وتوتراته بل من أجل استخلاص الأمثولات والعبر لكي نعودَ ونقرأَ معاً وبهدوء دروسَ ما جرى لنا وعلينا بحثاً عن استقرار بلدنا ومجتمعنا وتجربتنا الفريدة في العالم.

 

أولُ هذه الدروس، أننا في لبنان لا يمكنُ لنا أن نخطوَ إلى الأمام إلا بالتضامن فيما بيننا. إن وقوف اللبنانيين معاً في مواجهة العدوان هو الذي أنقذهم، بينما اختلافُهُم على النتائج والمسبِّبات هو الذي أضعفهم وفَرَّق صفوفَهم وحرمهم من الفرص التي كانت متاحة لهم. ومهما يكن من أمر التباين المشروع في الآراء والخلاف على السياسات، لا يتحمل لبنان تباعداً إلى حدود النزاع والقطيعة.

 

وثاني هذه الدروس، أنّ التنوع اللبنانيَّ لا تحميه إلاّ الدولةُ الواحدةُ القادرةُ والعادلةُ والفاعلةُ في آن.الواحدةُ، بكل مؤسَّساتِها وبسلطتِها الكاملة على كامل ترابها وأراضيها عبر مؤسساتِها الشرعية الأمنية والمدنية ونظامها الديمقراطي، بعيداً عن حكم الأجهزة المخابراتية والأمنية.

 

هي الدولةُ القادرةُ، التي تحمي المواطنين، كلَّ المواطنين في مواجهة الأعداء والطامعين والمتدخلين من مختلف القوى والسلطات والوصايات من خارج إطار الدولة وكذلك من المجرمين والإرهابيين.

 

وهي الدولةُ العادلةُ، التي لا تميز بين مُواطنٍ ومُواطنٍ في الحقوق وفي الواجبات وفي توزيع المنافع وفي الإقدار على الاستفادة من الفرص. الدولة التي يجب أن تصبح هي أول من يعلم وهي بالتالي أوّلُ من يُطالبُ ويُطالَب على أساس احترام الدستور والقانون وتعزيز الحريات الشخصية والعامة.

 

 

 

 

وهي الدولةُ الفاعلةُ، القائمة على احترام العيش المشترك والميثاق الوطني والدستور اللبناني عبر التمسك بالنظام الديمقراطي وآلياته والقبول بهذه الآليات واحترامها واعتبارها طريقاً للعمل والممارسة وبما يمكن من إقدار الدولة على استعمال الموارد والقُدُرات المتاحة ويحقق المردودَ الوطنيَّ الأفضلَ للمواطنين.

 

وثالثُ هذه الدروس، أن لا نستغرقَ في القطيعة والتباعد. فاستمرارُ القطيعة يغذي الشك ويعظّمُه ويمعنُ في إفقادِنا الثقةَ بعضَنا ببعض. والتباعد يخلقُ الهواجسَ ويزيدُ من الصِعاب. من هنا فإنّ أخطَر ما واجهْناه ونواجهه ليس الخلاف والخصام والتباين في وجهات النظر وحسْب، بل استمرار القطيعة واستجداء النزاع وانتظار الأشقاء والأصدقاء لكي يدُلُّونا على الالتقاء والتلاقي والاجتماع، فيما المسافاتُ بيننا أقرب من المسافات التي نقصِدُها ونُدْعى إليها.

 

أيها اللبنانيون،

أحبائي المواطنين في كل مدينةٍ وبلدةٍ وقريةٍ وبيت،

 

أياً كان حجم الحملات التي تُشن ضد الحكومة، منذ استقالة الوزراء الستة والتي مازلنا، اليوم كما بالأمس، نأسف لها ونرفضها وندرك حجم الخسارة الوطنية التي تسببت بها، فإننا عملنا ونعمل بصدق وبلا كلل، وفي ظروف بالغة القساوة، أن نكون حكومة كل اللبنانيين، لا حكومة فئة دون أخرى، حكومةً تجمعُ ولا تُقْصي وترتفعُ فوق الحسابات الصغيرة والمحسوبيات.

 

وأياً كانت الانتقاداتُ، البنّاءة أو المتجنية، العارفةُ بالوقائع أو المتجاهلةُ لها، فإننا نسعى ونجتهد، بالموقف الصادق والعمل البناء، ملتزمين ميثاق الشراكة والعيش الواحد لنكون حكومة الإصغاء والحوار، حكومة تصون حقوق الجميع وتحترم التوازنات والخصوصيات وتدافع عن وحدة لبنان وحريته واستقلاله.

 

إني اغتنمُها اليوم مناسبةً لكي أمُدَّ يدي إلى جميع إخواني في الوطن لكي نعيد البحث في آليات التلاقي من أجل الحوار والنقاش والتفكر والتبصر في أمورنا وأحوالنا ومستقبلنا ومستقبل أولادنا وبلدنا ومجتمعنا، إذ إن ما يجمعُنا هو أكثرُ بكثيرٍ مما يفرِّقُنا. دعونا نبني على ما يجمعُنا ونعالجْ ما يفرقنا.

 

في المحصلة مهما افترقت الدروب لا بد أن نعود إلى الحوار والمصارحة، لذلك دعونا نترك خلفنا منطق التشكيك والتخوين والاتهام والتشهير والابتعاد عن ادعاء القدرة على إصدار الشهادات في الوطنية والعروبة أو اللجوء إلى التمييز بين لبناني وآخر في الوطنية والعروبة، إذ إن استمرارنا على هذا الدرب لن يوصلنا إلا إلى ازدياد الخسارة، واحتمالات الأسوأ.

 

 

 

علمتنا التجارب انه ما من منتصرٍ في لبنان من خلال التنازع والتباعد. وحده الذي فكر وعمل للغلبة كان مغلوباً، إذ لا يقيمنا ويدعم بنياننا إلا الوحدة والتمسك بميثاقنا الوطني وعيشنا المشترك ودستورنا ونظامنا الديمقراطي.

 

أيها الإخوة المواطنون،

 

أمامنا تحدياتٌ كثيرةٌ ومتعددةٌ في أيامنا الطالعة، أولُها، استكمالُ ما هدمه العدوان الإسرائيلي وما لحق بنا من خسائر بسبب التصادم والتناحر الداخلي وبسبب ما يلحق باللبنانيين وكذلك بالفلسطينيين من خسائر من جرَّاءِ عمل تلك العصابة الإرهابية في مخيم نهر البارد. لقد قطعنا في ذلك شوطا كبيراً ومتقدماً برغم الصعوبات والتعثرات والإعاقات. لكن الكثير ما يزالُ ينتظرنا وعلينا الإعداد جميعاً للنجاح في مواجهة التحديات القادمة.

 

وثانيها، استكمالُ تطبيق القرار الدولي 1701 الذي سمح بعودة الاستقرار إلى الجنوب بهمة جيشنا الوطني وعلى يده وبالتعاون والتنسيق مع قوات الطوارئ الدولية الملتزمة معنا حمايةَ جنوب لبنان والحفاظَ على استقراره والعمل على تطبيق كامل النقاط السبع بما فيها تحرير الأراضي المحتلة واستعادة مزارع شبعا بوضعها تحت وصاية الأمم المتحدة.

 

وثالثُها،تطبيق البرنامج الذي وضعناه لإعادة إعمار ما هدَّمَهُ العدوّ، في الجنوب والضاحية والجبل والشمال وما حل في سائر أنحاء لبنان بسبب النزاعات الداخلية والاعتداءات الإرهابية مستعينين إلى ذلك بدعم من أشقائنا العرب وأصدقائنا في العالم. ذلك أنّ تأمينَ عيش ومستقبل المواطنين إسهامٌ كبيرٌ في تأمين الوطن، فالتغلُّب على إرهاب العدوّ وابتزازاتِه وعلى إرغامات الدمار وإعاقات المنازعات الداخلية هو ما سيمكننا من بناء المستقبل الذي نريد.

 

رابعُها، استكمالُ السير بتطبيق برنامجنا الإصلاحي الذي التزمنا به أمام مؤتمر باريس-3 والدول الشقيقة والصديقة التي هبت لمساعدتنا ووثقت بنا وذلك تعزيزاً لإمكانات تطور اقتصادنا وتحسيناً لمستوى ونوعية عيش مواطنينا.

 

وخامسُها،استكمال بناء مؤسساتنا العسكرية والأمنية الشرعية وفي طليعتها جيشنا الوطني وقوى الأمن الداخلي اللتان اشتد عودهما، إن في مواجهة العصابة الإجرامية في مخيم نهر البارد، أو في الكشف عن الجرائم الإرهابية وملاحقة المجرمين وسوقهم إلى العدالة وفي جهدهما لتعزيز الأمن والأمان في البلاد.

 

وسادسُها،العمل على تصويب العلاقات اللبنانية الفلسطينية وتحسينها على أساس رفض التوطين رفضاً باتاً التزاماً بما جاء في الدستور اللبناني، وعدم استعمال مسألة التوطين في المقابل أداةً للتخويف والابتزاز. ويقتضي ذلك وضع حد نهائي لما جرى في مخيم نهر البارد حيث تمكنت عصابةٌ بعيدةٌ عن القضية الفلسطينية بعدها عن قيم الإسلام من اختطاف المخيم واتخاذ اهله رهائن والاعتداء بالوقت ذاته على الجيش والقوى الأمنية وعلى المواطنين. لذلك من الضروري التأكيدُ على الإخوَّةِ بين الشعبين والعمل على تامين مستلزمات حياة كريمة للإخوة الفلسطينيين في لبنان واستكمال الخطوات التي كانت الحكومة قد انطلقت بها في هذا المجال والمنطلقة والمستندة إلى التأكيد على سيادة سلطة الدولة والقانون على جميع الأراضي اللبنانية وعلى جميع اللبنانيين والمقيمين دون استثناء.

 

وسابعُها، تحدياتنا، بناءُ وفاقنا السياسي والعودة إلى مؤسساتنا الدستورية وإلى العملية السياسية الديمقراطية، لاسيما لجهة انتخاب رئيس جديد للجمهورية ضمن المهلة التي يحددها الدستور حتى تعود إلى الدولة رئاسة فاعلة رامزة لوحدة لبنان وتطلعاته إلى المستقبل، وتكون ساهرةً على الدستور وحافظةً لمؤسساته وتوازناته وسلطاته ومتمسكة باستقلال لبنان وتكون قادرة وبالتعاون مع الحكومة اللبنانية على نسج علاقات صحية وطنية، وإنشاء علاقات طيبة مع جميع الأشقاء العرب وفي مقدمهم الشقيقة سوريا وهي علاقات تقوم على الندية والاحترام المتبادل والتعاون الجدي لما فيه مصلحة البلدين الشقيقين وكذلك إقامة علاقات صداقة وتعاون مع جميع أصدقاءنا في العالم قائمة على الانفتاح والاحترام المتبادل.

 

 

أقول كذلك أيضاً لنحرصْ على انتخاباتٍ رئاسيةٍ في موعدِها الدستوري. ولنتوافَقْ على حكومةٍ موسَّعة أو حكومة وحدةٍ وطنية أو أيَّ تسميةٍ شئتم. فالمطلوبُ أن نكونَ معاً، وأن نبقى معاً، وأن تستمرَّ الشراكةُ التي بنيناها وتستقرّ.

 

أيها اللبنانيون،

 

لمناسبة الذكرى الأولى لعدوان تموز دعونا نتطلع إلى الأمام مستفيدين من تجارب الماضي ونُعِدَّ العُدَّةَ للمستقبل لكي نصبح أكثر مناعةً مما كنا، وأكثر قدرةً على مواجهة التحديات في الأيام المقبلة علينا. ثم إنّ وطننا ومواطنينا وأشقاءَنَا وأصدقاءَنا ينتظرون منا أن نتجاوز خلافاتِنا لكي نُعيدَ الثقة التي تراجعت ببلدنا وبقدرتنا على تأمين المستقبل المستقر والآمِن لأولادنا وليكن إيماننا بلبنان وثقتنا بالمواطنين العاملين والقادرين والأمنيين سبيلنا الوحيد إلى مستقبله.

 

عشتم وعاش لبنان حراً عربياً سيداً مستقلاً.

 

السراي الكبير

الأربعاء في 11/07/2007

 

                                          رئيس مجلس الوزراء

                                          فؤاد السنيورة

تاريخ الخطاب: 
11/07/2007