كلمة دولة رئيس مجلس الوزراء الأستاذ فؤاد السنيورة إلى اللبنانيين في أستراليا بمناسبة عيد الجيش (مرفق بيان المكتب الإعلامي)

أيها الإخوة في أستراليا،
أيها اللبنانيون في كل مكانٍ من ديار الاغتراب،
أنا سعيدُ اليوم بهذه المناسبة التي أتاحت لنا جميعاً ونحن على طرفي الكرة الأرضية أن أُطل عليكم وأتوجه إلى إخواني وأحبّتي ومواطني اللبنانيين في أستراليا، لأعبر وتشاركونني، التعبير عن التقدير الكبير لدور الجيش اللبناني في المهامّ الوطنية الجسام التي قام ويقومُ بها بعد طُولِ تعطيلٍ وتغييبٍ وظُلمٍ وابتزاز.
منذ العام 1969، وفي ظروفٍ استثنائية، جرى بالتدريج إخراج الجيش من الجنوب، وهو ما أدى إلى إضعاف سلطة الدولة فيه وعليه وانعكست تداعيات ذلك على كافة الأراضي اللبنانية. مما أسهم في فتح المجال لإسرائيل وإعطائها الذرائع لتهديد أَمْن الجنوب وأهله، وبالتالي أَمْن لبنان، خلال العقود الأربعة الماضية عَبْر سبعة اجتياحات واعتداءات لم تنقطع وهي مازالت تتمثل في استمرار احتلال إسرائيل لمزارع شبعا وفي انتهاكاتها الجوية لسمائنا واحتفاظها بأسرانا في سجونها. وبدلاً من أن يكونَ الجيش محلَّ إجماعٍ وطني، وتجري على أساس منه إعادةُ انتشاره في الجنوب لحماية المواطنين، والحيلولة دون استمرار الإغارات الإسرائيلية عليه، ومنع سيطرة قوى الأمر الواقع على بَشَرِه وَحَجَرِه. بدلاً من ذلك كلِّه، صار الجيشُ موضعَ انقسامٍ وطني، سواءٌ لجهة انتشاره على الحدود الدولية للبنان، أو لجهة مساعدتِه ومساندتِه للقوى الأمنية الأخرى من أجل تعزيز الأمن والاستقرار بالداخل. وما كان ذلك تعبيراً ًعن التشكيك في وحدته وتَماسُكِهِ ووطنيته وحسْب، بل وتعبيراً عن عدم الإيمان بحقّ الدولة اللبنانية المنفرد ببسط سلطتها على كامل الأرض اللبنانية بواسطة قواها الشرعية وحدَها.
أيها الإخوة،
أيها اللبنانيون،
حتى الأمس القريب كان الخطاب المُعْلَن من قبل كثيرين اعتبار الجيش اللبناني إما غير وطني أو ضعيفاً. أمّا نحن ومنذ العام 2000 فقد اعتبرْنا أنه لا حلَّ ولا تأمينَ للبنانَ وحمايته وصون جنوبه من إسرائيلَ وعُدوانِها المتكرّر ولا استقرار أيضاً إلاّ بدعم الجيش وإقداره مع القوى الأمنية الأخرى على بسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية. ليس لأنّ ذلك حقَّ الجيش وحقَّنا، وواجبَه وواجبَنا، بل ولأنّ التجربة الطويلة منذ العام 1948 أثبتت ذلك، رغم جهود المقاومة الفلسطينية واللبنانية والإسلامية في التصدّي للاجتياحات الإسرائيلية. نقول هذا دون الانتقاص أبداً من صمودهم وتضحياتهم جميعاً. ذلك الصمود وتلك التضحيات المشرفة وعلى مدى عدة عقود. وها نحن قد استطعْنا بالفعل، نشر الجيش الوطني اللبناني، في الجنوب وحتى الحدود على أَثَر حرب تموز وبالرغم من الفظائع الإسرائيلية التي حدثتْ فيها. لقد انتشر الجيش بنتيجة قرارٍ اتخذ في مجلس الوزراء بالإجماع، وفعل الجيش الوطني ذلك بكفاءةٍ عاليةٍ تُعاونُهُ القوات الدولية المعزَّزة التي أتت إلى لبنان بمبادرة كريمة من عدد من الدول الصديقة والشقيقة وبناء للقرار 1701. إلا أننا ما نزالُ نسعى لاستعادة مزارع شبعا، وإطلاق الأسرى، ونزع الألغام، ومنْع الاختراقات الجوية من جانب العدوّ. وها نحن نعمل جاهدين لاستعادة منطقة مزارع شبعا على أساس أنها يجب أن تخضع للقرار 425 واستناداً إلى ما أشار إليه القرار 1701 انطلاقاً من النقاط السبع التي أقرها مجلس الوزراء بالإجماع وأجمع عليها اللبنانيون والجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي والعالم أجمع.
إن هذا الدور الوطني والقومي الكبير الذي قام الجيش اللبناني ويقومُ به في الجنوب، يوازيه ويسيرُ معه منذ زُهاء السبعين يوماً دورُهُ في التصدّي لمؤامرة الإرهاب والتخريب المتمثلّة فيما يُعرف بتنظيم "فتح الإسلام". فقد بادر هؤلاء للاعتداء على الجيش وعلى أمن الدولة وأمن اللبنانيين وأمن الإخوة الفلسطينيين. ولقد رأت الحكومةُ اللبنانية، أنّ استمرار الصبر على هذه العصابة، يعني تعريضَ الأمن الوطني الداخلي للخطر، والسماح بتحويل لبنان إلى ساحةٍ للإرهاب وساحة للتطرف. ولذلك فقد كان القرارُ الذي اتخذته الحكومة اللبنانية مستندة إلى تأييد كاسح من قبل اللبنانيين بضرورة تحطيم مؤامرة فتح الإسلام، والتي انصرف لها الجيشُ إلى جانب مهماته الأُخرى، وها هو قدَّم ويقدم التضحيات والشهداء والدماء السخية والغالية للحفاظ على أمن لبنان، وعلى تعزيز قواعد العلاقة السليمة بين اللبنانيين والفلسطينيين وعلى الانطلاق من هذه المصيبة التي فرضتها علينا تلك المجموعة التي تسلقت على كلمتي فتح والإسلام وهما منها براء، ننطلق من ذلك من أجل إعادة صياغة العلاقات اللبنانية الفلسطينية بحيث تكون قائمة على احترام ما نص عليه الدستور اللبناني لجهة عدم القبول بالتوطين تحت أي ظرف من الظروف وتلتزم بمبدأ احترام سلطة الدولة اللبنانية على كامل الأراضي اللبنانية والعمل أيضاً على تأمين ظروف إقامة الإخوة الفلسطينيين في لبنان وريثما تتأمن عودتهم المؤكدة إلى ديارهم بشكل يضمن لهم العيش الكريم مع التأكيد على مسؤولية المجتمع الدولي عن ارتكاب هذه الجريمة التي لحقت بالإخوة الفلسطينيين وبالعرب جميعاً والمستمرة منذ ستين عاماً ولم تزل وكذلك أيضاً على مسؤولية وضرورة إسهام الإخوة العرب في تحمل هذه الأعباء الكبرى التي ألقيت على كاهل لبنان واللبنانيين الذين لم يتذمروا ولم يتنكروا يوماً لانتمائهم العربي. إن ما يقوم به الجيش اللبناني البطل اليوم هو لإثبات أنّ حق الدولة اللبنانية في بسْط سلطتها على أرضها، لا تردُّد فيه ولا تَراجُع وهي تقوم بالتقدم على هذا المسار بثبات والتزام.
أيها الإخوة،
أيها اللبنانيون،
إنني إذ أُوجِّه إليكم هذه التحية في عيد الجيش، أُقدِّرُ لكم هذا الاهتمام، وأُقدِّرُ لكم هذا الحرصَ على العناية بقضايا الوطن وسلامِه وأَمْنه. وسنظلُّ نعملُ معاً، مع سائر اللبنانيين، في نطاق الشرعية ونطاق المؤسَّسات الدستورية، ومن أجل تعزيز أمن الوطن وسلامِه وانتظامِ عملِ مؤسساتِه، ومن ضمنها مؤسسةُ الجيش الوطني، والقوى الأمنية الأُخرى. التحديات كثيرة، ومن بينِها التحدياتُ الأمنيةُ التي تنهضُ الأجهزةُ العسكرية والأمنيةُ الرسميةُ والشرعيةُ بأعبائها بعد طول غياب. وسيظل إيماننا قوياً بنظامنا الديمقراطي القائم على تداول السلطة واحترام الدستور وعلى الانفتاح وعلى الحرية وسنظل ملتزمين بحرية لبنان واستقلاله وسيادته وعروبته.
تهانيَّ لكم بالجيش في عيده، عيد تأسيسه، وعيد انتصاره، الجيش الوطني، عماد الوطن وحصنه المنيع، جيش لبنان، كل لبنان، والمدافع عن أرضه وسيادته وكرامة الوطن. تهاني لجميع اللبنانيين، تهاني لأبنائنا في الجيش من قادة وضباط وجنود في عيدهم. وبارك الله شهداءَ الجيش، وشهداءَ لبنان الذين يرمقونا من عليائهم مساندين جهودنا وجهود اللبنانيين في الصمود والتصدي لأعداء الأمن والاستقرار في لبنان، وحفظ الله علينا وطنَنا ووحدتَنا وتضامُنَنا.
والسلامُ عليكم.
