كلمة دولة رئيس مجلس الوزراء الأستاذ فؤاد السنيورة -إطلاق مشروع نظام مؤشرات قياس الأداء المؤسسي(مرفق البيان الصحفي)

أيها الحفل الكريم،
شهدت العقود الأخيرة متغيرات عدة في طريقة إدارة الشأن العام وتحديداً إدارات ومؤسسات القطاع العام التي تشدد على قياس الإنجازات وإيلاء أقصى الاهتمام بالخدمات المقدمة إلى المواطنين. وعليه، أضحى القطاع العام تجاه واقع جديد، وتحديات جديدة، وآليات وأدوات عمل جديدة، تتطلب بالتالي إستراتيجيات جديدة ومناهج عمل حديثة، أي بمعنى آخر نموذجاً متطوراً للتثبت من مدى الالتزام بمبادئ الحوكمة أو الحكم الرشيد يقوم في أحد محاوره على اعتماد نظام لقياس الأداء وتحديد الإنجازات.
يمكن اعتبار نظام قياس الإنجازات أحد المكونات الأساسية في برنامج الحوكمة لإصلاح القطاع العام، وهو البرنامج الذي تسعى الحكومة إلى تطبيقه التزاماً ببيانها الوزاري، وببرامج مؤتمر باريس-3،حيث يفترض تطبيق نظام مؤشرات قياس الأداء المؤسسي قيام الإدارات والمؤسسات العامة المعنية، كل في ما يعنيها، بإعداد خطة إستراتيجية تنبثق عن رؤية واضحة لدورها ومهامها وبرامجها، تضمنها الأهداف والنتائج الواجب تحقيقها خلال فترة زمنية محددة.
وعلى هذا الأساس يشكل نظام مؤشرات قياس الأداء المؤسسي بشقيه عنينا بها: المؤشرات العامة والمؤشرات القطاعية، وهو المشروع الذي جرى تمويله بهبة كريمة من الإتحاد الأوروبي، يشكل هذا النظام المنهاج العلمي المعتمد والبوصلة التي لا تخطئ، للتثبت من قيام الإدارات المعنية بالتقدم فعلاً على مسارات تحقيق هذه الأهداف ومقدار النتائج المحققة كلياً أو جزئيا، وعند الضرورة قيامها بتصحيح السياسات والبرامج للوصول إلى مزيد من الفعالية والكفاءة في استعمال الموارد البشرية والمادية والزمنية لتحقيق قدر أفضل من الأداء.
إننا نسجل بارتياح إدراك وزارة الدولة لشؤون التنمية الإدارية وعدد من المؤسسات الرقابية بشأن الدور العصري الذي يتوجب أن تلعبه هذه المؤسسات في إطار مهامها الرقابية على الإدارات والمؤسسات العامة والبلديات، بحيث يجب أن لا يقتصر فقط على دور التحري عن دقة الالتزام بالتشريعات والإجراءات وضبط المخالفات وتحديد المسؤوليات، بل إلى القيام بدور أكثر حداثة تماشياً مع ما تقوم به هيئات الرقابة والتفتيش في دول متقدمة، عنينا بذلك التقييم المؤسسي الشامل لأداء الإدارات والمؤسسات العامة والبلديات ومدى تمكنها من تحقيق الأهداف الموضوعة، وبالتالي ممارسة دور الدعم والمساندة لهذه الإدارات والمؤسسات، بما في ذلك التعاون على تحديد مواطن الخلل والضعف، والمشاركة والمساعدة في اقتراح الحلول لمعالجتها.
ولقد انصبّت الجهود خلال السنين الأخيرة على المباشرة بدرس وتنفيذ نظام مؤشرات قياس الأداء المؤسسي بإشراف وزارة الدولة لشؤون التنمية الإدارية وبالتعاون التام مع التفتيش المركزي، وبمعاونة اختصاصي دولي مشهود له بالكفاءة والعلم، وتم لهذه الغاية تنفيذ المرحلة الأولى من المشروع وهي تقضي بوضع مجموعة من المؤشرات العامة لقياس الأداء المؤسسي، جرى اختبارها وتطبيقها بنجاح في عدد من الوزارات التالية: الأشغال العامة والنقل، الاقتصاد والتجارة، الزراعة، البيئة، الصحة العامة، والعمل. علماً أن هذه المؤشرات تتصل بالمحاور الرئيسية لعمل الإدارة العامة: كالإدارة الإستراتيجية، مدى تحقيق النتائج، النجاح في خدمة المواطنين ومدى التحسن الجاري على ذلك، إدارة شؤون الموظفين، الإدارة المالية، والرقابة الداخلية.
لقد أعقب هذه المرحلة كما علمت، المباشرة بوضع مؤشرات أداء قطاعية خاصة للقطاع المالي، الصحي، الاجتماعي، الفني (الطرق)، البيئي، الزراعي، وغيرها. وتمّ مناقشة وتدقيق هذه المؤشرات خلال ورش عمل مشتركة تمّ تنظيمها في السنوات المنصرمة، كما جرى تطبيقها بصورة اختبارية في الإدارات المعنية من قبل فرق التفتيش.
لذلك، وإيماناً منّا بأهمية هذا المشروع الذي يساهم برفع مستوى أداء إدارات ومؤسسات القطاع العام في لبنان والنهوض بالدور الرقابي للتفتيش المركزي، وتعميم "ثقافة قياس الأداء".
يسعدني اليوم أن أرعى إطلاق مشروع النظام المعلوماتي لمؤشرات قياس الأداء المؤسسي المموّل من الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي، الذي يتيح لفرق التفتيش المختصة المولجة تطبيق نظام مؤشرات قياس الأداء المؤسسي من إدخال واستخراج المعلومات ومعالجتها بواسطة الإنترنت، والحصول على النتائج والإحصاءات والمعطيات التي يحتاجونها، بما يساعدهم على إجراء المقاربات والمقارنات بصورة دورية، للتحقق من مجالات التحسن والتقدم الذي تمّ إحرازها من قبل الإدارة المعنية في مختلف المؤشرات والفرص الكامنة التي يمكن الاستفادة منها في المستقبل.
ونظراً لأهمية هذا المشروع أتمنى على كل من وزارة الدولة لشؤون التنمية الإدارية والتفتيش المركزي، للسير قدماً في تطبيقه، ووضعه في صيغته المؤسساتية النهائية، وتأمين كافة التسهيلات اللازمة لإنجاحه.
وقد يكون من المفيد الإشارة هنا، إلى أن هذا المشروع يجسّد التطبيق العملي لأبرز الابتكارات في علم الإدارة العامة، لكبار الباحثين في مؤلف تمّ نشره في السنوات الأخيرة يشكّل مرجعاً أساسياً في هذا الموضوع، هو: "إعادة ابتكار الإدارة*" الذي يشدد على مقولة مفادها أن: "ما يمكن قياسه يمكن أن يتم تنفيذه: What Gets Measured Gets Done" وهي مقولة تستولد جملة من العناوين أهمها:
· إذا لم تقسِ النتائج، لا يمكنك التمييز بين النجاح والفشل.
· إذا لم تتثبت من النجاح، لا يمكنك مكافئته.
· إذا لم تكافئ النجاح، فإنك على الأرجح تكافئ الفشل.
· إذا لم تعترف بالفشل، لا يمكنك تصحيحه.
· إذا لم تبرهن عن النتائج، لا يمكنك كسب تأييد المواطنين الذين يشكلون الهدف الذي نسعى لإرضائه.
ولأن حكومتنا مصممة على النجاح في ورشة إصلاح الإدارة العامة، وإبراز النجاحات التي حققناها وسنحققها لتحقيق الهدف الذي نسعى إليه في كسب ثقة الرأي العام في هذه الورشة، فإننا نرحّب بإطلاق نظام مؤشرات قياس الأداء المؤسسي، وتتعهد الحكومة باستمرار الجهد لتقديم كافة الدعم اللازم له لتطبيقه.
عشتم وعاش لبنان
السراي الكبير
الثلاثاء في 18 أيلول 2007
رئيس مجلس الوزراء
فؤاد السنيورة
*Reinventing government by Osborne and Gaebler
