كلمة دولة رئيس مجلس الوزراء فؤاد السنيورة لمناسبة حفل إفطار دار الأيتام الإسلامية

الإخوة في عمدة دار الأيتام الإسلامية،
أيها الإخوة، أيها الأعزاء،
اللقاءُ في رمضان من تقاليد هذا الشهر الكريم، وهو عندنا في لبنانَ وبيروتَ مناسبةٌ للتواصُلِ والتشاورِ وتبادُلِ الرأْيِ والمراجعةِ والتصحيحِ والتبصُّر فيما نحنُ فيه، وما نحن مُقْبلونَ عليه.
ويسرني اليومَ على الخصوص أن أتحدث إليكم على إفطار دار الأيتام الإسلامية، وهو أعرقُ إفطاراتِ بيروت، كما أنّ دار الأيتام إحدى أعرق المؤسسات الخيرية والتنموية في لبنان.
إنّ لبنانَ الذي نجتمع اليوم على محبته، ويشغلُنا البحثُ عن حماية صيغته ووفاقه الوطني، لا يقومُ ولا يستمرُ من دون الحفاظ على العيش المشترك بين جميع أبنائه وعائلاته. لبنان هذا تُميِّزُهُ صيغة العيش المشترك، القائمةُ على الحريةِ والديمقراطيةِ والاعتدالِ والتسامحِ، بين مختلف فئاته. وهذا يعني، كما علمتْنا التجارب أنّ استمرارَ صيغة لبنان كما ارتضيناها والعملَ على تطويرها وتدعيم وفاقنا الوطني، كلُّ ذلك يكونُ بالاستناد إلى نقيض منطقِ الغلبةِ والتغالب والفرض والسيطرة بالعنف والإكراه. فقد دلت التجاربُ التي تعلمناها، أن مشاريع الغَلَبة أودت بالبلاد إلى التهلُكة، كما علّمتْنا التجاربُ أنّ محاولاتِ القفز على المعادلات التي ارتضيناها إلى غاياتٍ أخرى، عن طريق توسُّل العنف والتهديد والتهويل، أدّت إلى تراجُعاتٍ في مسيرتِنا الوطنية عانَينا ونعاني منها معاناةً كبيرةً ومستمرة.
هذه التحدياتُ كلُّها ما قلّلتْ من اقتناعِنا بالصيغة اللبنانية، بل إنّ الأَوضاعَ التي تشهدُها المنطِقة العربية أَوصلتْنا إلى الاقتناع بأنّ صيغتنا التعددية المنفتِحة مهمةٌ للعالَم العربي كلِّه وكذلك العالم الإسلامي، والرِهانُ على نجاحِها رهانٌ على مستقبل واعدٍ وزاهرٍ لوطننا ولأمتِنا.
وفيما يتصّلُ بنا فإنّ الوعْيَ بالدولة وضروراتِها، والوعْيَ بالهوية والانتماء العربي، هما اللذان حَكَمَا مسيرتَنا منذ ظهور الكيان اللبناني. فقد رأينا دائماً أنّ الدولةَ فكرةً ومؤسَّساتٍ هي المكانُ الذي يتوحَّدُ فيه اللبنانيون، ويعملون على قَدَمِ المُساواةِ في الحقوق والواجبات، كما اعتقدنا ورأينا دائماً في الانتماء العربي الهويةَ والثقافةَ والخيارَ الذي يُصالحُنا مع أنفُسِنا، ويُحدِّدُنا تُجاه الآخرين، ويحفظُ مصالِحَنَا وتَوازُنَنا في عالَمِ اليومَ، وفي خيارات المستقبل مع الأشقّاء، ومع القضايا الكبرى للأمةِ والمصير.
وانطلاقاً من الدولة وضروراتِها ومقتضياتِها بل وإرغاماتِها عَمِلْنا على مدى العقودِ الماضية، وتحمّلْنا إلى جانب سائر فئات المواطنين المسؤوليات المنوطة بنا. ويشهدُ الله، ونحن في عشيةٍ مباركةٍ من عشيّات هذا الشهر الفضيل، أنه ما كان هناك استحقاقٌ وطنيٌّ أو ظرفٌ وطنيٌّ، وكان هناك خياران أو إمكانيتان إحداهما للدولة والأُخرى لغيرها في الداخل أو الخارج إلاّ واخترْنا جماعةً ونُخَباً الدولةَ ومؤسساتِها وقوانينَها ودستورَها.
أيها الإخوة الأعزاء،
أيها الحفل الكريم،
نجتمعُ اليوم، مع بدء مرحلة انتخاب رئيس جديد للبلاد والدولة والجمهورية. ونحن من موقعنا، الذي تشرفتُ بتحمل مسؤولياته بثقة مجلس النواب الكريم المنتخب من الشعب اللبناني، ننتظرُ بفارغ الصبر، ونَعُدُّ الأيامَ والساعات لكي نتجاوزَ هذا الاستحقاقَ الهامَّ ويصارَ إلى تسليم الأمانة، إلى الرئيس الجديد المنتخب ومجلس النواب الكريم، لكي تُتابِعُ البلادُ رحلةَ التعافي الجديدة التي انتظرنا استئنافها منذ ما قبل التمديد المشؤوم والذي تعرفون ظروفه، وما جَرَّ على البلاد من ويلاتٍ وخرابٍ وتنَازُع.
إنها ساعةٌ مباركةٌ، ببركة هذا الشهر الكريم حين يتمُّ انتخابُ الرئيس الجديد للجمهورية ويفتحُ مع الحكومة الجديدة آفاقاً رحبةً للبنان على المستقبل الموعود بالآمال والتطلعات. والحكومة التي لي شرفُ رئاستها لن توفر الجهد والتصميم والعمل من اجل إتمامِ وإنجاحِ هذا الاستحقاق في موعده استناداً إلى أحكام دستورنا، الذي هو الحَكَمُ الفصلُ الذي ارتضيناه لإدارة شؤونِنا وقضايانا الوطنية والمؤسساتية.
إنّه وفي مقابل الفراغِ في سُدّة الرئاسةِ الأُولى، الذي يهددنا به البعض، فإننا مصممون مع الشعب اللبناني ونوابِ المجلس الكرام، أن لا نتجاوزَ الولايةَ الدستوريةَ الحالية، إلاّ ويكونُ لنا رئيسٌ جديدٌ يُعيدُ مع الحكومة العتيدة جَمْعَ البلادِ وإطلاقَ عمل المؤسسات الدستورية، المقفلة والمعطَّلة لألف حُجّةٍ ومئة سببٍ واهٍ ومرفوض.
إنّ الجريمةَ الجديدةَ المتمثلّةَ في قَتْل النائب أنطوان غانم، واضحةٌ في مغزاها، وهو الإرعاب وخَلْق الفراغ، والإصرار على التهديم والتخريب. لكنْ كما لم تُضْعِفْ عزيمتَنا ولم تُخِفْنا الجرائمُ الأُخرى، فإننا لن نخافَ هذه المرة. إننا عندما نتمرد على الضعف والإخضاع إنما نتذكَّرُ شهيدَنا الغاليَ الرئيس رفيق الحريري الذي صنع السلم ونشر العلم وجدد العمران وصنع للوفاق الوطني أعرافاً باقيةً ودفعَ حياتَهُ مع رفاقه الأبرار لكي يبقى وطنُنا ويستمر.
إن الأملَ والعملَ اليومَ هو أن لا تنقضيَ المُهْلةُ الدستوريةُ إلاّ وعندنا رئيسٌ جديدٌ ودستوريٌّ للجمهورية، التي ستبقى إن شاء الله، بفضْل صمود اللبنانيين، ومساعدة الإخوة العرب، عصيةً على الإجرام وعلى التخريب والقتل والهدْم.
أيها الإخوة الأعزاء،
إن الحكومة التي أسميناها، وأسميتموها حكومةَ الاستقلال الثاني، والتي تسلمْتُ مسؤولياتِها في ظروفٍ تعرفونها وضمن تحديات ومشكلات شديدة القسوة على مدى عامين ونيف، قامت بواجبها ومهامها، فرسّخت الاستقلالَ وحمتْهُ ودافعتْ عن نِصابه وَثبّتتْ مفاهيمَهُ، والتزمتْ بالإجماع الوطني حين خرجَ المتردِّدون عليه.
لقد صمدت الحكومةُ رغم تعرضها لمحنٍ ومؤامراتٍ وجرائمَ استهدفتْها وفي ثلاثةٍ من وزرائها سقط أحدُهُم شهيداً هو الوزير بيار الجميل وسقط نُوّابٌ كان في طليعتهم الشهيد النائب جبران غسان تويني والشهيد النائب وليد عيدو ونجله ورفاقه، وآخرهم النائب الشهيد أنطوان غانم.
كيف لنا أن ننسى الإرهاب المجرم الذي تنقل بين المناطق والأحياء ومن أفاعيله جريمة عين علق والتفجير في أكثر من منطقة وذلك كلُّه بهدفِ زعزعةِ الأمن وإحلال الفوضى وضرب العزيمة. لكن الشعب اللبناني صمد، وصمدت حكومته، ووقفت في وجه أعاصير الحقد ووضعت ثقتَها بالدولة وأجهزتَها الأمنية والمدنية، وبالشعبِ اللبناني الذي يؤكد دوماً على تصميمه على البناء، وعلى الحياة الحرة والكريمة والديمقراطية.
أيها الإخوة،
نحن مصممون على عدم التراجع أو الاستسلام أو الخوف، لأننا راهنا على إيمان وصمود شعبنا ومؤسسات الدولة وقواها. وبهذه العزيمة نجحنا في تلمس طريق النهوض، فمنحنا أجهزتنا العسكريةَ والأمنيةَ الثقة رغم كيد الشامتين والمتآمرين والمشككين، ونجح الرهان، وكان كشف القَتَلة في جريمة عين علق وما تلاها من نجاحات أمنية، الشاهدَ على صدق النية وقوة الإرادة. نجحت مؤسساتنا العسكرية والأمنية في استيعاب الصدمات، فاشتد ساعدُها، ولهذا ازدادت الحملاتُ المشككةُ والمغرضةُ والمتآمرة عليها وعلى مستوى التعاون فيما بينها.
لقد كان قرار إرسال الجيش إلى الجنوب بعد أن نجحنا بفعل بطولات المقاومة وتضحياتها وتضحيات الشعب اللبناني في منع إسرائيل من تحقيق أي نصر. تلك الخطوة التي أكدت تمسكَ الحكومة مرةً جديدةً بمسؤولياتها الوطنية والتاريخية، وبمؤسسات الدولة صاحبة الحق في الدفاع والحماية ومقدمةً لبسط سلطة الدولة الشرعية غير المنقوصة على كامل ترابها الوطني وذلك بعد أن نجحنا في تأكيد حقنا بلبنانية مزارع شبعا المحتلة تمهيداً لاستعادتها وتحريرها ونجحنا بانتزاع اعتراف المجتمع الدولي بذلك بعد أن كان قد اعتبر القرار 425 قراراً منفَّذاً.
إن الحكومة التي تحمَّلتُ مسؤوليةَ رئاستها وبفضل دعم وثقة أغلبية الشعب اللبناني وأغلبية أعضاء المجلس النيابي الكريم وكذلك مؤازرة الأشقاء والأصدقاء والأحرار في العالم، حمت جَذوةَ الحرية والاستقلال التي أطلقتْها انتفاضةُ الرابع عشر من آذار، وعبرت جسْرَ الصمود والتماسك في وجه الإرهاب والإرهابيين والقتلة والمجرمين والطامعين والأعداء، فكانت المحكمةُ الدوليةُ ثمرةَ نضالها وصمودها رغم كل ما واجهتْهُ من مؤامرات وأفخاخ وتقلبات. والحكومةُ تصدَّتْ بفخرٍ وعِزّةٍ للعدوان الإسرائيلي الغاشم ونتائجه، وحمت الدولةَ ومقاومة الشعب اللبناني والوحدة الوطنية في أصعب الظروف وأحلكها. وقد أطلقت الحكومة اكبر عملية إعادة اعمار شهدها لبنان ونجحت في تخطي كل الصعاب بمؤازرة الأشقاء والأصدقاء، وهي شارفت بعد الانتهاء من إعادة بناء البنية التحتية، شارفت على استكمال تعويض ومساعدة كل المتضررين من تلك الحرب المدمرة في عملية ليس من سمة لها إلا الشفافية والصدق والمسؤولية، تجاه الوطن والمواطنين رغم كل حملات التشكيك والتجريح والافتراء الملفوف بالسياسات الفئوية، والغرضية الضيّقة والمريضة.
تجاوزت حكومةُ الاستقلال الثاني كلَّ خطوطِ الأوهامِ والعراقيلِ التي وُضعت في طريقها، ووقفت مع الشعب والجيش وحمت ظهر القوى الأمنية على خط حماية لبنان في مواجهة الإرهابيين في نهر البارد وخارج نهر البارد، وصانت القضيةَ الوطنيةَ اللبنانيةَ والقوميةَ والشعبَ الفلسطيني العزيز. وها هي الحكومةُ تسعى وبكل جَهدٍ صادق لإعادة إعمار ما هَدَّمَتْهُ العصاباتُ الإرهابيةُ في نهر البارد ومحيطه لكي تبقى كلمةُ الدولة وهيبتُها محترمةً ومقدَّرةً ومَصونة. وهي ستبقى وحتى آخِر يوم دستوري من عُمُرها صامدةً ترفعُ الرايةَ الوطنية وتَرُدُّ التحدي وتنتصرُ للمواطن مهما تكاثرت الافتراءاتُ والتجنياتُ وحملات التجريح والتضليل.
أيها الإخوة،
أيها الأعزاء،
إن حكومة الإصلاح والنهوض، حكومة الاستقلال الثاني، ورغم كل ما وقف في وجهها، ومنذ البدء بتأليفها، لتعطيل مسيرة التحديث والإصلاح، تمكنت من حماية الاقتصاد الوطني في وجه كل صنوف التدمير والتعطيل، وحافظت وإلى حد بعيد على مستوى عيش اللبنانيين، والذي كان من الممكن أن يتراجع خطوات كبيرة جداً إلى الوراء لو لم تُتَّخَذ الإجراءاتُ التي اتُّخذت. وقد طبقت الحكومة الإصلاح وعملت له بصدق ومسؤولية وعملت ونجحت في عقد مؤتمر باريس-3 رغم كل محاولات التعطيل والتأخير، تارةً عبر الاعتصامات، وتارةً أخرى عبر التهديدات بالعصيان والانقلابات. والحكومة لم تكتف بدفع الإصلاح الاقتصادي والإداري والاجتماعي إلى الأمام، بل عملت على إطلاق الإصلاح السياسي عبر إعادة العمل بقانون الجمعيات وتكليف اللجنة الوطنية لصياغة أول مشروع متكامل للانتخابات النيابية، والذي هو أساس الإصلاح السياسي في لبنان بعد أن صانت ودافعت عن حرية التعبير والتجمع و الاجتماع. كما أكدت في ممارساتها على الفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية وفي التأكيد على استقلالية القضاء.
والى من يتحدثون عن التوافق والشراكة والاستئثار والمشاركة، فان الحكومة ومنذ قيامها حرصت وعملت على اتخاذ كل قراراتها بالتوافق والإجماع ولم تلجأ إلى التصويت الذي يتيحه الدستور إلا في قرارٍ واحدٍ هو قرار إنشاء المحكمة الدولية والمصادقة على نظامها بعد أن حاز على الإجماع الوطني في الحوار وخارج الحوار وبعد أن تناولت يدُ الإرهاب الوزراءَ والنواب والمواطنين وهدَّدتْ وتُهدِّدُ مَنْ تَبَقَّى.
أيها الأعزاء،
أيها الحضور الكريم،
إن الحكومة وهي تُعِدُّ العُدَّةَ لكي يصار إلى تسليم الأمانة إلى الرئيس المنتخب المقبل ومجلس النواب، ترى أن الشعب اللبناني يستحقُّ الحُلُمَ والأملَ بغدٍ أفضل انطلاقاً من رؤية مستندة إلى التجارب والحاجات والمتطلبات العصرية. رؤيةٌ تُغلِّبُ المصلحة العامة على الخاصة، وتعيد الاعتبار إلى فكرة الدولة وضرورة تعزيز وجودها ودورها في رعاية أمن ومستقبل المواطنين، الدولة الديمقراطية القوية والقادرة والعصرية والمنفتحة. رؤيةٌ تُعيد إصلاح المؤسسات والقطاعات العامة والاقتصادية والوظيفية بعد أن ترهلت بالأعباء والأثقال، ومشروعات الانقسام، وأضاليل الفتنة والتهديد.
إنّ اللبنانيين يستحقون أفضلَ مما حصلوا عليه، يستحقون العيشَ في بلد ديمقراطي مستقل محترم السيادة. يستحقون اقتصاداً حيوياً يطابق مواصفاتهم وطموحاتهم ومستواهم الثقافي والعلمي. ويستحقّون مؤسَّساتٍ دستوريةً وسياسيةً تعملُ لهم، وبإرادتهم، وتقْوى ولا تَضْعُف، وتبني ولا تهدمْ، وتكونُ للجميع لا لفئةٍ دون فئة.
اللبنانيون يستحقون حياةً كريمةً من دون وصايةٍ أو توجيهٍ أو فرضٍ أو ترهيب أو إرغامٍ أو اختباراتٍ للتعالي والمزايدة والادعاء والمغالطة والتسلُّط.
اللبنانيون يستحقون رئيساً للجمهورية يليق بهم وبطموحهم إلى العيش المشترك حيث يحلو العيش في بلد الحرية والتعدد والتسامح.
إخوتي وأحبائي،
أيُّها الحفلُ الكريم،
نحن في رمضان، وهو شهرُ المشقّة والامتحان في العبادة. وما دمتُ أتحدثُ عن التحديات الوطنية التي تُواجهُنا ونحن أهلٌ لها إن شاء الله، فإنني أُريدُ أن أتعرَّضَ بإيجازٍ لتحدٍ آخَرَ يواجهُنا نحن المسلمين، ويؤثّر في توحُّدِنا الداخلي، وفي عيشِنا، وعلاقاتِنا بالعالَم. نحن أهلُ الاعتدال في الوطنية والسياسة، وتلك ليست مصادفة. فاعتدالُنا في الشأن الوطني، يستندُ إلى ثقافةٍ عريقةٍ في الاعتدال الديني، وفي الاعتراف بالآخر، وفي العيش المشترك، وفي الانفتاح على العالَم. لا مبرّر لظواهر التشدد والتطرف، وصُنع الأقلية والأكثرية، واعتبار هذا النوع من الإسلام أفضل من ذاك النوع. فالمسلم- كما قال صلواتُ الله وسلامُهُ عليه هو: "مَنْ سلم المسلمون من لسانه ويده. وكُلُّ المسلم على المسلم حرام: دمُهُ ومالُهُ وعِرضُه. ومَنْ حمل علينا السلاحَ فليس منّا".
إن هذه القيمَ الكبرى التي نستمدُّها من ديننا، ومن أعرافِنا الوطنية والقومية والإنسانية، حَريّةٌ بأن تدفَعَ باتجاه إصلاح شؤوننا الدينية والمؤسَّسية، وهي حَريةٌ بأن تتجلَّى في وثيقةٍ تُجمعُ عليها كلمتُنا ويجتمعُ عليها نهجُنا الإصلاحي الديني والوطني. لا مكانَ للتطرُّف في صفوفِنا، ولا مكانَ ولا داعيَ للفتنة بين المسلمين أو بين المسلمين والمسيحيين. إنّ هذا عهدٌ نقطعُهُ على أنفُسِنا في رمضان، وبمقتضى نهج الوحدة والتماسُك الذي قامت عليه حياتُنا الإسلاميةُ والوطنية، وسوف تبقى.
هذا شهرُ رمضان، وهذه عشيةٌ من عشياته المباركة. وقد أردْتُ في هذه المؤسسة الوطنية الكبرى، أن يكونَ الحديثُ حديثاً في ثوابت الدنيا والدين، وثوابت العيش الوطني والإنساني. بعضُ الناس يقول: لا سلامَ للعالَم إن لم يتحققْ سلامُنا نحن. وأنا أقول: لا سلامَ لنا إلاّ مع العالَم. نحن لا نريد أن نخيف أو نخاف في علاقاتنا مع العالَم من حولِنا. فليكن رمضانُ، شهرُ الصوم والعبادة، شهرُ الرحمة والغفران، بشرى سلامٍ لجميع اللبنانيين وبشرى سلام لإخواننا في فلسطين والعراق، وللعالم أجمع. وليكن رمضانُ شهرَ التوافق الوطني، والتلاقي والتآخي الديني في لبنان. كلُّ محبّي لبنان- وهم كُثُرٌ- يريدون لنا أن نخرجَ من مآزق الاغتيال والتفجير والفرقة والانقسام، وأن ينتظم عملُ مؤسَّساتِنا الدستورية، وأن تبسُطَ الدولةُ اللبنانيةُ سلطتَها على كامل أراضيها بدون شريك أو منازع.
فليكن رمضانُ مبعثَ الخير في شهر الخير. وليكن رمضانُ منطلقَ المبادرة لأداء الواجب تُجاه الدين والوطن والمصير. وليَبْقَ رمضانُ ينبوعَ الخير في مدينة المجد والخير، مدينةِ التآخي والانفتاح والسلام، مدينة بيروت، وفي دار الخير، دارِ الأيتام الإسلامية.
كلُّ رمضان وأنتم بخير. كلُّ رمضان ولبنانُ بخير. كلُّ رمضان وأمتُنا بخير. عشْتم وعاش لبنان.
فندق فينيسيا
يوم الأربعاء في 26/09/2007
رئيس مجلس الوزراء
فؤاد السنيورة
