كلمة دولة رئيس مجلس الوزراء الأستاذ فؤاد السنيورة في حفل إفطار جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية

الأخ الأستاذ أمين الداعوق
- رئيس جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية-
الإخوة أعضاء مجلس أُمناء المقاصد،
أيها الحضور الكرام،
ترتبطُ جمعيةُ المقاصد في أذهان أجيال المسلمين بلبنان، وعلى مدى قرنٍ ونيِّف بعدة أمورٍ أساسيةٍ ليس بوُسع أحدٍ منا نسيانُها أو التنكُّرُ لها.
وأولُتلك الأُمور المنحى النهضويّ الذي انتهجتْهُ منذ نشوئها عام 1876. فقد أقبلتْ نخبةٌ من أهل بيروتَ على إطلاق نهضةٍ تربويةٍ وتعليميةٍ شكّلت حركيةً عارمةً على مدى أكثر من عشرة عقود. وما اقتصر نشاطُها على المجال التعليمي على أهميتِه، بل امتدّ إلى المجالات الصحية والرعائية والاجتماعية وكذلك مجال التنمية الريفية.
وثانيتلك الأمور الدورُ الوطنيُّ والسياسيُّ، سواءٌ لجهة تشكيل ما عُرف باسم الشارع الوطني، أو لجهة تكوين النُخَب السياسية، أو لجهة الإسهام في صَون وتطوير مفاهيم الانتماء الوطني والقومي.
وثالثُتلك الأُمور، المبادرة في مجال تطوير مفاهيم العمل التنموي المؤسسي والمناطقي. فالمقاصدُ الخيريةُ كانت تعني في وعي مؤسِّسي الجمعية ورُعاتها الأهدافَ التنموية لجهة تطوير المؤسسات وتطوير المناطق اللبنانية بالعلم والثقافة والوعي المتقدم.
ورابعُتلك الأمور الإسهام الكبير في صنع لبنان الحديث، والمنفتح، والمتعدّد، من خلال تشكيل الانتماء الرحْب والواسع لبيروت، والتي ظلّت المقاصدُ مُرادفاً لها حتى أواسط القرن العشرين.
وخامسُتلك الأمور ريادةُ نهج الاعتدال والانفتاح في المجال الإسلامي، وفي العلاقة بين طوائف الوطن وفئاته.
أيها الإخوة،
أيها البيروتيون،
عندما نلتقي في إفطار المقاصد، في هذه العشِيّةِ الرمضانية، لا نتذكَّرُ فقط، بل نعيشُ الآفاقَ التي أسهمت المقاصد، وأسهمت بيروتُ المقاصديةُ في صُنْعِها. ونحن مدعوّونَ اليومَ إلى المُضيّ فيها، إلى المُضيّ في حركةِ مراجعةٍ وتصحيحٍ ونهوضٍ وإصلاحٍ وتطوير. التطوير المؤسَّسي، والتطوير التربوي، والتطوير الوطني، والتطوير القومي، والتطوير الإسلامي. فمنذ "الفجر الصادق" تقريرَها الأول دأَبت المقاصدُ على اتّباع نهج الالتزام: الالتزام بسماحة الإٍسلام، والالتزام بالعروبة، والالتزام بالمبادئ التي قام عليها لبنان فيما خص الاستقلال والحرية والسيادة. كما والالتزام بالتنمية والتطوير في سائر الشؤون، وكان التزامُها الأول والأخير، مَنَعةَ بيروت وعِزّتَها وكرامتَها وتقدُّمها، وريادتَها في عالَم العروبة، وعالَم الحضارة الشاملة.
أيها المقاصديون،
أيها البيروتيون،
أيها اللبنانيون،
إنّ نهجَ الالتزام الوطني والقومي والإسلامي هو نهجُ بيروت، وهو نهجُ المقاصد. هو النهجُ الذي سار عليه شارعُنا الوطني، والنهجُ الذي عاش واستُشهد من أجله رياض الصلح ورشيد كرامي والمفتي حسن خالد والرئيس رفيق الحريري. لقد سمعْنا جميعاً الرئيسَ الحريريَّ في خطابه الشهير بالجامعة الأميركية ببيروت عام 1991، والحريري مقاصديٌّ أيضاً، سمعناهُ يجدّد التزامَ هذه الجماعة بالوطن وبالدولة وبالوفاء وبالحرية. ومن أجل إباءِ بيروتَ وصيدا وطرابلس وسائر ربوع لبنان استُشهد رفيق الحريري واستُشهد كلُّ الأحرار الأُباة، الذين شرَّفوا الشهادة وشرَّفتْهم، خلال العامين الماضيين، وآخِرُهُم النائبان وليد عيدو وأنطوان غانم.
نحن نعرفُ ما فعلْناه: لقد ارتكبنا جريمة الجرأة على اعتناق الحرية، والجرأة على محاولة إقامة الدولة الحرة والديمقراطية، وجريمة ممارسة القناعات الوطنية والقومية والإنسانية بدون خوفٍ ولا وجل. ولذلك فنحن نعرف أهدافَ الاغتيالات، ولن نتردَّدَ في البقاء على التزامِنا الوطني أياً تكن التكاليف والتضحيات. أمّا أن يأتيَ من يعملُ ويروِّجُ لتبرئة القاتل وتمهيد الطريق لنفوذه، فهذه سُخريةٌ لا تليقُ بالالتزام الذي نشتركُ في حمله، ولا بالاستحقاقات الخطيرة التي يُواجهُها وطننا، وتُواجهُها أمتُنا بسبب الاستكبار والابتزاز والثأرية والعشوائية والخَطابة لاستدرار الشعبية مع الجماهير وعلى قاعدة: يرضى القتيلُ وليس يرضى القاتلُ.
لا نستطيع إلاّ أن نُعلنَ عن خيبة أملِنا بل عن فجيعتنا بهذه المواقف من الاغتيالات السياسية والتفجيرات الأمنية والعمليات الإرهابية، ومنذ اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري. إنها مواقفُ ومُمارساتٌ تتجاهلُ الأُخوَّة، وتتجاهلُ الشراكةَ، وتتعمد التعطيلَ والإضرارَ بحياة الناس وبكراماتِهِمْ، وتتعمدُ زَرْعَ الانقسام. كيف نكونُ أهلَ دينٍ ووطنٍ وأمةٍ، ثم لا يَحزَنُ أحدُنا لحُزْن أخيه ولا يتألَّم لمُصابه، ولا يتضامنُ معه، ويُمعِنُ في التعمية، كما يُوغِلُ في الضغط على أهل المدينة، مدينة بيروت، وعلى كل اللبنانيين من خلال الاستمرار في الاعتصام في وسطها لحوالي العام.
رغم كُلِّ المُعاناة أو بسببها ما نزالُ مصرّين على العدالة والحرية، وهما القيمتان اللتان لا حياةَ للبنان بدونهما. ومُصرُّونَ على أن يحصُلَ الاستحقاقُ الرئاسيُّ في مواعيده وعلى أساس من آلياته الدستورية، ومُصرُّون أخيراً على جلاء الغمامةِ عن قَسَمات بيروتَ، وعن قَسَمات لبنان، ومصرُّون دائماً وأبداً على البقاء على نهج الأُخوّة والمسؤولية والمُسالمة، كما قال عزَّ وجلَّ في قصة ابنِ آدمَ مع أخيه: "لئِن بسطْتَ إليَّ يدك لتقتُلني ما أنا بباسطٍ يدِيَ إليك لأقتُلَكَ إني أَخافُ الله ربَّ العالمين".
أيها المقاصديون،
أيها البيروتيون،
كانت المقاصد منذ اليوم الأول لتأسيسها صاحبةَ رسالةٍ إسلامية ووطنية وقومية. وكانت دائماً في مستوى أداء هذه الرسالة التي تخرّجت عليها أفواجٌ متعاقبةٌ من اللبنانيين. وهي اليوم مدعوةٌ لمواصلة هذا الأداء البنّاء أكثر من أي وقت مضى. ذلك أن مجتمعنا يتعرّض إلى مخاطر تسَلُّلِ أفكارٍ ومفاهيم وتوجهاتٍ دخيلةٍ عليه تحمل بذور التطرف والغلو، وتتناقض مع قيم الإسلام وتعاليمه السمحاء، وتتنافى مع المبادئ التي قامت وتقوم عليها مجتمعاتُنا في لبنان وفي العالم العربي.
إنّ المقاصدَ قادرةٌ بما اكتنزتْهُ من خبرةٍ تربويةٍ غنية، وبما تحمِلُهُ من ثقافة الانفتاح والسماحة، على أن تُواجِهَ التحدّيَ وأن تدفعَ عن المسلمين خاصةً وعن الوطن اللبناني عامةً مساوئَ وأخطارَ ما يتسلَّلُ إليه من هذا التطرف والغلوّ. وهي في أدائها هذه المهمةَ النبيلةَ لا تكونُ أمينةً فقط على رسالة الإسلام وقيمه، ولكنها تكون في الوقت ذاته أمينةً على رسالة لبنان وعلى دوره الثقافي الريادي في محيطه العربي وفي العالم.
قبل قرنٍ ونصفٍ تقريباً بدأت نهضةُ بيروت ونهضةُ المقاصد. وهي نهضةٌ تربويةٌ وثقافيةٌ وسياسية. والمقاصدُ مدعوَّةٌ الآن إلى لعب دورٍ أساسي في التحديث والتطوير والتطلع إلى الآفاق الرحبة للعلم والثقافة والحداثة العقلانية، والعودة إلى إنتاج النُخَب العلمية والوطنية. هذا الدور تحتاجُهُ بيروت ويحتاجُهُ لبنان ويحتاجُهُ من المقاصد مجتمعُنا ككل، فالريادةُ كانت للمقاصد والأبواب تبقى بسبب عراقتِها وأمانتِها للجماعة والوطن، مُشْرَعَةً على مصراعيها لدورٍ جديدٍ كبير لها، وبما يمكنها من الإسهام في صناعة المستقبل الواعد والزاهر.
تبقى المقاصد. تبقى بيروت. ويبقى لبنان.
رئيس مجلس الوزراء
فؤاد السنيورة
