كلمة دولة رئيس مجلس الوزراء الأستاذ فؤاد السنيورة لإطلاق الحملة الوطنية لصيانة الأحراج وتنمية الغابات ومكافحة الحرائق-حملة "الحرقة بالقلب"

أيها المواطنون،
الإخوة في وسائل الإعلام،
السادة الحاضرون من الدفاع المدني ووزارات الدولة،
ورؤساء البلديات والجمعيات الأهلية والبيئية،
سفراء الدول والمؤسسات المانحة،
الإخوة في جمعية الثروة الحُرجية والتنمية،
أيها الحفل الكريم،
في الوقت الذي نجتمعُ فيه للإعلان عن حملةٍ وطنيةٍ لمكافحة الحرائق، وصيانة الأحراج وتنمية الغابات، ما تزال الجهاتُ المختصة في الدفاع المدني وقوى الأمن الداخلي والجيش اللبناني والمتطوعون والمواطنون في القرى والبلدات الجبلية، يكافحون الحرائقَ في بعض مناطق الشمال اللبناني. إنّ هذه الظاهرةَ الكارثيةَ التي بدأت في مطلع شهر تشرين الأول بشكل واسع وعنيف ومفاجئ وغير معتاد قضت على ما يقارب مساحة 2000 هكتار من الأشجار الحُرجية والمثمرة، لكي يصبح عدد المساحات المحروقة طوال هذه السنة نحو 3700 هكتار تشملُ نحو مليونَي شجرة حتى الآن. أما المناطقُ التي تضررت نتيجةَ الحرائق فإنّ مساحتَها تبلُغُ ستةَ أضعاف ما جرى تشجيرُهُ منذ العام 1990. وهذا يعني خسارة بما يقارب 4% من مساحة الغابات في لبنان ولتقريب صورة الكارثة فإنّ المساحةَ المحترقةَ تُوازي تقريباً مساحةَ 4000 ملعب لكرة القدم.
أما الحرائقُ فلها في العادة أسبابٌ عِدَّةٌ، وهي ظواهرُ عالميةٌ، ومناطقُ البحر المتوسط من الجهات البارزة للإصابة. وقد رأى المواطنون على شاشات التلفزة ما حدث في أحراج اليونان وقبلها في قبرص ودول متوسطية أُخرى. وهناك الآن حرائقُ هائلةٌ ما تزالُ مشتعلةً في كاليفورنيا في الولايات المتحدة حتى الآن.
نعلم جميعاً أنّ أسباب الحرائق إلى تلويث البيئة، ومخلَّفات المعادن والنُفايات التي يتسبب بها البشر دون جهد مقابل في الصيانة أو الوقاية. كذلك فإن الهجرة المتمادية من الريف تسهم في زيادة حدة المشكلات إذ لا يبقى هناك أحدٌ للاهتمام بالنظافة والصيانة وإزالة الأسباب المباشرة للحرائق. كما أنّ النيران المُعادية للخُضرة وللطبيعة تنجُمُ أحياناً عن التخريب المتعمّد أو الإهمال المتمادي، كما عن عدم اليقظة، وضَعْف الوعي المدني، وعدم الاهتمام وعدم الاكتراث بالعناية بالطبيعة.
لكنْ في النهاية فإنّ ما يجري مسؤوليةٌ كبيرةٌ، وإذا استمرينا على هذه الحال فإنّ السنوات القادمة ستشهد تحوُّلَ لبنان إلى أرض صخرية بور أو محروقة بكل ما للكلمة من معنى فيصبح عندها الحديثُ عن لبنانَ الأخضر حديثَ ذكرياتٍ في الكتب والأشعار والأغاني والألبومات والأفلام السينمائية. كما يصبح الحديث عن طقس لبنان المعتدل والمتميز حديث خرافة.
إنّ هذه الطبيعةَ الجميلةَ الخَلاّبَة التي عُرِفَ بها لبنان منذ أقدم العصور والتي تغنى وتباهى بها اللبنانيون، وأُعجب بها السياح والرحّالةُ والمستشرقون قد ورثْناها عن أجدادِنا الذين زرعوا وصانوا هذه الروابي والوِهاد قبل آلاف السنين، وضحُّوا من أجل أن تبقى. ونحن من واجبنا أن نورِّثَها لأولادِنا وليس مسموحاً أو مقبولاً أن نقفَ أمام احتراقِها وانْدِثارِها من دون حراك بل من دون ثورة على الذات- ثورة على حالة الإيغال في الإهمال بهدف خلق إرادة جديدة لتغيير الأساليب المُتَّبَعة والعادات التي درجْنا عليها في الحقْبة الأخيرة في معالجة حقيقية لهذه المسألة الضاغطة على حاضرنا ومستقبلنا.
إخواني، أيها الأعزاء،
أيها الحضور الكريم،
مما لا شك فيه أنّ الحكومةَ والأجهزةَ الرسميةَ والبلديةَ مطالبةٌ بوضْع الخِطط والالتزام بتنفيذها وكذلك تعزيز الإمكانات لمواجهة هذه الكوارث التي تصيب البيئةَ اللبنانيةَ والثروةَ الحُرْجية. لكنَّ كلَّ الخِطط لا يمكنُ لها أن تنجحَ وتكونَ فاعلةً إن لم يتعاون كلُّ المجتمع في احترام القانون وفي حماية ثروتِه وتُراثِه الوطني. ونحن من جهتنا لن نقصِّرَ في بَذْلِ الجَهْدِ وتأمين الإمكاناتِ الضروريةِ لمكافحةِ الحرائق، لكنّي أُريدُ أن ألفِتَ النَظَرَ إلى أنَّ لبنانَ عرف الثروةَ الحُرْجيةَ منذ مئات السنين وحافظَ عليها من دون إمكاناتٍ ومروحياتٍ للإطفاء وسياراتٍ للدفاع المدني. لقد حافظ عليها اللبنانيون بحبه للطبيعة وحرصه عليها وكذلك بتمسكه بهذه الميزة التي حبا الله بها لبنان وذلك بوعْيه وحرصه وعنايته وهذه العمليةُ في النهاية لا يفرِضُها فقط القانونُ بل الوعْيُ والثقافةُ الوطنيةُ الحريصةُ على التراث والثروة الوطنية.
إنّ هذا الوعْيَ البيئيَّ مكانُهُ الهيئاتُ الأهليةُ وجمعياتُ المجتمع المدني، والجهاتُ المدرسيةُ والتربويةُ. وقد قامت جهاتُ المجتمع المدني التطوعية بأعمالٍ جادّةٍ في التشجير والعمل على إيجاد محميات للثروتين الحُرجية والحيوانية. وهذا هو الوقتُ لكي نُكثّف الجَهد من أجل بلوغ الهدف في لبنانَ أخضر ومُعافى. وهذا هو المكانُ لنشكر جمعية الثروة الحرجية والتنمية وباقي الجمعيات وكل من يستطيع أن يؤدي عملاً إيجابياً في هذا المجال وكل هذه الفئات المهتمة والمدعوة للمشاركة في الحملة التي نطلقُها اليوم ونشكر كل الذين يمكن أن يساهموا في هذا الجهد الوطني والبيئي.
أيها الإخوة،
أيها السادة،
لقد اختار المنظمون لهذه الحملة شعارَ "الحرقة بالقلب" وهو شعارٌ مُناسبٌ وفي مكانه لأنّ لبنان كلَّه يحترق وليس المساحة التي أشرتُ إليها فقط. والحرقة ناتجةٌ عن الإهمال والتقصُّد بالإهمال وإلحاقُ الأذى في أماكنَ كثيرة في لبنان وفي وقت واحد، والحرقة ناتجة عن وجود غير كاف لإرادة استنهاضِ الهِمَم وحشْد الإمكانيات لمعالجة هذه المسألة.
إننا إذ نُطلقُ اليومَ مع جمعية الثروة الحُرجية والتنمية AFDCالحملةَ الوطنيةَ لصيانة الغابات ومكافحة الحرائق والتشجير، والتي تتعاونُ فيها وزاراتُ الداخلية والبلديات والبيئة والدفاع والهيئة العليا للإغاثة ومجلس الإنماء والإعمار والجمعيات الأهلية والمدنية للتنمية الريفية ومؤسسات القطاع الخاص التي نعتقد أن لها دوراً هاماً في إطلاق هذه الحملة وإنجاحها. لا نريد أن تبقى هذه الجهودُ آنيةً أو مقتصرةً على مناسبات الكوارث وننساها مع هطول الأمطار لتتجدد معاناتنا مع فصل الصيف الذي يلي. بل نقصِدُ ونعملُ على أن تبقى حَمَلاتُ التوعية الوطنية قائمةً، ومتزايدةً ومتطوّرة ومُبدعة. فالناسُ المواطنون، هُمْ عُمْدَتُنا في رعاية البيئة، وحماية الطبيعة. لقد ورِثْنا لبنانَ الأخضر، هذه البقعة الرائعة في هذا الشرق عن أجدادِنا، ونحن معنيون بتوريثه إلى أبنائنا وأحفادنا أخضرَ زاهراً ومُعافىً.
لقد كانت هناك دائماً والحقُّ يُقالُ جهودٌ أهليةٌ ورسميةٌ تُمثلُ وعياً بالبيئة الصحيّة وضرورات حمايتها، والتشجير وضرورات الاهتمام به. لكنّ هذه الجهودَ تراجعتْ منذ عدة عقود، ولعدة جهات: لجهة التشجير وزيادة المساحات الخضراء، ولجهة مكافحة تلويث البيئة، ولجهة دعم جهاز مأموري الأحراج بزيادة الأعداد والتدريب، ولجهة إيلاء البلديات، لجهة توعية المواطنين واستقطابهم لصالح البيئة والخُضرة وتبنيهم لقضية لبنان الأخضر قولاً وعملاً، وأخيراً لجهة تطوير الأجهزة التي تقومُ بالعمليات الوقائية، والأُخرى التي تقومُ بالمكافحة المباشرة للحرائق كالدفاع المدني والجيش اللبناني.
أيها المواطنون،
منذ بدء ظاهرة الحرائق في المساحات الحُرجية والخضراء، قام المواطنون المتطوعون، وقامت البلديات، وقامت الأجهزة المختصة بجهودٍ مشكورة وكبيرة. ولا شكَّ أنها خفّضتْ من الأضرار، ومنعتْ من تفاقُمِها. وقد ساعدتْنا في الأسابيع الماضية كلٌّ من الدول الشقيقة والصديقة وفي مقدمها المملكة الأردنية الهاشمية وقبرص وإيطاليا فلهم جميعاً الشكر والامتنان. واتصلْتُ منذ يومين برئيس الوزراء الفرنسي، الذي وعد بالمساعدة في إصلاح ثلاث طائرات بوما عندنا، والتي يمكن استخدامُها وتجهيزها في مكافحة الحرائق. والطلبُ جارٍ لعدة جهاتٍ أُخرى للمساعدة الآنية، ولدعم جهود الإصلاح والتطوير في هذا المجال. ونحن من جانبنا وبالإمكانيات البلدية والأهلية الأُخرى المتاحة وتلك التي نسعى لتأمينها سنطلق حملةَ تحريجٍ كبيرةٍ وواسعة وبالتعاون مع الجمعيات الأهلية والقطاع الخاص. وقد بادرني رئيسُ وزراء فرنسا الذي أشكر له جميع مبادراته وللدولة الفرنسية والرئيس ساركوزي بأنه سيُرسلُ لجنة مختصةً لهذه الغاية بالقول إنه سيكونُ أولَ من يزرعُ غَرْسَةً في بداية هذه الحملة. وهو مشكورٌ على هذه الحمية والنية الطيبة. كذلك تبدي إيطاليا الدولة الصديقة استعداداً لدعم جهود لبنان في المكافحة وفي إعادة التحريج. لكني من هنا أغتنمُ المناسبةَ لكي أُطلقَ النداءَ إلى كل المؤسسات والجمعيات والبلديات والنوادي القروية في لبنان إلى أن تجعل هذه المسألةَ همَّها وعملَها كلٌّ في نطاق بلديتِه وقريته ولنُعِدْ إحياءَ الشعار القديم الذي تربينا عليه ألا وهو: "إزرع ولا تقطع" واليوم يجب أن نقول ازرع ولا تحرق، ازرع ولا تهمل ازرع ولا تترك الأرض يباباً وإلاّ فإنّ لبنانَ لن يكونَ له وجودٌ كما عرفْناه وكما تركه لنا أجدادُنا وَمَنْ سبقوا إلى تطوير هذه الحياة الجميلة والبيئة الرائعة. كذلك فإني أطلق النداء وسنعمل على رص الصفوف والجهود مع الدول الصديقة وجمعيات المحافظة على البيئة في العالم لمساعدة لبنان على تخطي أزمته البيئية التي تفاقمت بسبب اندلاع هذه الحرائق.
إنّ المسؤوليةَ تقعُ على كاهل الجميع وتبقى على عاتقِ البلديات والجمعيات الأهلية والأجهزة المختصة بالدولة. وسنعْمل على تشكيل لجنةٍ دائمةٍ في رئاسة مجلس الوزراء تتشكل من سائر تلك الجهات المعنية للعناية الدائمة، وللتوعية الدائمة لبذل الجهد المتضامن من كل الوزارات والمؤسسات العامة والخاصة المعنية من أجل تحقيق المعالجة الكفوءة واللازمة لهذه المسألة. كذلك إضافةً إلى إقرار خطةٍ وحملةٍ وطنيةٍ للتشجير تقومُ فيها البلدياتُ والجمعياتُ الأهليةُ والمؤسسات الخاصة بدورٍ كبير. عندنا اليومَ مأمورو الأحراج الذين ينبغي زيادةُ عددهم وتدريبُهم للمراقبة والإعلام عن الأحداث والانتهاكات تحت إشراف ومسؤولية البلديات. ولدينا ضروراتُ تعزيز الدفاع المدني عناصرَ متطوعة وتجهيزات حديثة سنسعى للحصول عليها من الأشقاء والأصدقاء. وعلينا قبل كلّ ذلك وبعده التحلّي بروح المسؤولية لتنظيف الأحراج ولليقَظة، كما علينا أن نستنهض همم مؤسساتنا التربوية التي لها جهد كبير ودور هام في هذا الشأن، وكل ذلك لبعث روح الحبّ للطبيعة وللخُضرة في نفوس الأجيال الشابة من اللبنانيين. فوطنُنا في تاريخه وفي حاضره بيئةٌ من بيئات السِحْر الخلاّب، وبيئةٌ من بيئات الحُبّ للشجرة. وقد اختار آباءُ الاستقلال شجرةَ الأرْز الخضراء الخالدة رمزاً للوطن، وشِعاراً لبقائِه وخلودِه. أفلا تستحق منا هذه الشجرة التي هي رمز الوطن أن نهتم بها ونصونها وننميها. ألا تستحق منا هذه الشجرة التي ترمز فيما ترمز إلى تجذرنا في أرضنا وفي وطننا إلى مزيد من الجهد المتضامن بين جميع اللبنانيين للحفاظ على الحد الأدنى من الحياة الطبيعية والمستقرة في بيئة صحية ونظيفة نستطيع أن نورثها لأولادنا وأحفادنا.
لا يعتذرن أحد منا بأن ليس هناك من دور له في هذه الحملة الوطنية الكبرى. بل نحن في حاجة لاستنهاض همم الجميع طفلاً كان أم كهلاً فهذه قضية لبنان ومستقبل اللبنانيين وبإمكان كل منا أن يقوم بعمل أو يستنهض من يستطيع أن يقوم بعمل ودور إيجابي لتحقيق هذا الهدف. نحن يجب أن لا نكتفي بالقول كما قال بعضهم: "اذهب أنت وربك فقاتلا إننا هنا قاعدون". بل يجب أن نقول: "اذهب أنت وربك فقاتلا إننا معكما مقاتلون" مقاتلون بالغرسة الخضراء لكي نجعل لبنان مرة أخرى لبنان الأخضر.
إنّ ما نعلنُهُ اليومَ مع المؤسسات والدول المعنية والجمعيات والبلديات ومنهم جمعية الثروة الحُرجيةِ والتنمية هما حملةٌ ونداء. حملةٌ من أجل صَون خُضرة لبنانَ وغاباتِه. ونداءٌ إلى المواطنين، وإلى الأشقّاء والأصدقاء للتعاوُن في مجال المكافحة، ومجال الصيانة، ومجال التشجير والتنمية وهذه الحملة كما أشرتُ لا يجبُ أن تكونَ مقتصرةً على عددٍ محدود وزمنٍ محدودٍ، فعلى كل من يسمعنا من اللبنانيين وممن يحبون لبنان أن يلبي النداء بان يدفع ويبادر والمؤسساتُ الخاصةُ مدعوةٌ للمساهمة والمساعدة كلٌّ في نطاق إمكانياته وفي نطاق سَكَنه وعيشِه وحركتِه. فالخير إنما يكونُ في أهل الخير ولبنان الأخضر سوف يبقى على طبيعته بهمة كل بنيه وكل اللبنانيين.
"الحرقة في القلب"شعار نطلقه ولكن لا حرقةَ في القلب إن شاء الله. وسيبقى لبنانُ الأخضر. سيبقى لبنان. سيبقى لبنان
