كلمة دولة رئيس مجلس الوزراء الأستاذ فؤاد السنيورة في حفل عشاء تكريم قادة الشرطة والأمن العرب لمناسبة انعقاد مؤتمرهم الحادي والثلاثين في لبنان

-A A +A
Print Friendly and PDF

 

قادة الشرطة والأمن في الدول العربية الشقيقة،

أصحاب المعالي الوزراء،

أصحاب السعادة،

أيها الحضور الكريم،

 

أهلاً وسهلا بكم في لبنان وفي هذه العشية في السراي الكبير، بيت كلِّ اللبنانيين والعرب.

 

ينعقدُ مؤتمرُكُم الكريمُ للمرة الثانية على التوالي في لبنان. وأذكُرُ أنني التقيتُكُم هنا في السنة الماضية في هذا المكان وقد سَعِدْتُ لعودتِكُم إلى بيروت، التي تحبُّكم وتُحبُّونها منذ كانت وكنتم. والحقيقةُ أنه منذ لقاء السنة الماضية معكم جرت في نهر الأحداث مياهٌ كثيرةٌ في لبنانَ والعالَم العربي، وفيما يخصُّكم على الجانب الأمني أيضاً.

 

ففلسطينُ ما تزال تُعاني من الأَوجاع التي تتسبب بها سياساتُ الاستيلاء والقتل والتشريد التي تُمارسُها الحكومةُ الإسرائيلية. من دون أن ننسى ما حَلَّ من شِقاقٍ بين إخْوة الأمس وتباعُدٍ مرفوضٍ بين غَزَّةَ والضفة على رغم وجود المشكلة الواحدة والعدوِّ المشترك الذي مايزال يمارسُ سياسةَ العقاب الجماعي على المواطنين في غزة.

 

والعراقُ لا يزالُ غارقاً في محنته وسط أوجاعٍ وفظاعاتٍ يومية لا تُحَدُّ ولا تُحصى، بل تقشعرُّ لها الأبدان، وتُهدّدُ وحدةَ وتماسُكَ هذا البلد العربي الكبير والعزيز، من دون أن ننسى ما استَجدَّ من أزْمةٍ في الأيام الأخيرة في بعض مناطق شمال العراق مع القوات التركية وهي المناوشات التي تُهدّدُ بانفجار أزمةٍ تتطلَّب من جهةٍ أُولى العملَ على تَدارُكِ تفاعُلِها بكل السُبُل لتجنيب العراق والمنطقة صنوفاً جديدةً من التجارب المُرَّة التي نحن بغنىً عنها في هذه الظروف. إننا إذ نتطلعُ إلى خروجِ العراق من محنتَي الاحتلال والفتنة، نؤكِّدُ على علاقات الصداقة والجوار الآمن والتاريخ المشترك والود والاحترام المتبادل بين البلدين الشقيقين العراق وسوريا من جهةٍ وتركيا الدولة الصديقة من جهةٍ أُخرى.

 

وكما قال أحدُ كبار الكُتّاب: إنّ المصائبَ لا تأتي فُرادى. فالسودانُ العزيزُ أيضاً يُعاني ومنذ سنواتٍ من التدخلات الخارجية، والاضطراب الداخلي، وهو يحتاجُ إلى التضامُن والمؤازرة من الأشقّاء للتوصل إلى حلولٍ لقضاياهُ ومُشكلاته.

 

أمّا في بلدكم الثاني لبنان فقد تابعتم مؤخراً ومن دون شك، وبعد المحنة الشديدة التي تعرض لها لبنان بسبب العدوان الإسرائيلي الغاشم من صيف العام 2006، وقائعَ الجريمة النكراء التي ارتكبتْها فئةٌ إرهابيةٌ في منطقة الشمال العزيزة عبر الاستيلاء على مخيم نهر البارد، وقد تسلقتْ على اسم الإسلام والقضية الفلسطينية وهما منها بَراء ظناً منها أن ذلك سيمنحُها إمكانيةَ التغطية على ما ترتكبُهُ من أفعالٍ إجراميةٍ وعدوانيةٍ في حقِّ المواطنين المسالمين والإخوة الفلسطينيين، وفي حقِّ قُوانا العسكرية والأمنية.

 

لقد تسبَّب الإرهابُ الأَعمى والمجنون في تلك المنطقة بمواجهةٍ ضارية خاضها الشعبان اللبناني والفلسطيني معاً لإخراج هذه العصابة من أوكارها، وقد كانت لإخْوانِكم في الجيش اللبناني والقوى الأمنية اللبنانية وقفاتٌ بطوليةٌ كتبوا سطورها بالدماء والتضحيات وحَقَّقوا فيها النصر رغم الصعوبات والعقَبات الكأْداء والكبيرة. لقد كان الهمُّ الأولُ للحكومة اللبنانية وقيادة الجيش اللبناني تجنُّبَ المساس بالمدنيين. وكان الهمُّ الثاني حفظَ علاقات الودّ والتضامُن بين الشعبين اللبناني والفلسطيني. لقد أرادوا ايقاف مسيرة بناء الدولة وضرب هيبتها والحد من سلطتها الطبيعية والشرعية على كامل أراضيها وإحلال الفوضى ونشر الرعب والخيبة. لكنَّ يَقظَة اللبنانيين وموقفَ الحكومة الحازم، وعزيمةَ قيادة الجيش اللبناني وانضباطهُ، وتضحيات الجنود والضُبّاط وقُوى الأمن الداخلي، كلُّ ذلك أفشل تلك المخطَّطات وردَّها في نحورِ الذين خطَّطوا والذين نفَّذوا ذلك الشرَّ الكبيرَ ضد الشعبين اللبناني والفلسطيني، وضدَّ الأمن العربي، وسُمعة الإسلام.

 

أيها الإخوة،

أيها الحضور الكريم،

 

إن اجتماعَكُم للمرة الثانية في لبنان لهو دليلٌ على عمق التعاون والتضامُن العربي مع لبنان، وسأُصارحُكُمُ القول أنه لتحقيق النصر على المجموعة الإرهابية في الشمال تطلَّبَ الأَمْرُ عِدَّةَ عناصر عَمِلْنا جاهدين على توفيرها، وأولُ عناصر النجاح هذه كان استقلاليةَ القرار اللبناني. فنحن صَمّمْنا ولن نتراجعَ عن استعادةِ الدولةِ اللبنانيةِ سُلْطَتَها على كامل أراضيها. وصمّمْنا على أن لا نتنازلَ للإرهاب، ولا نتخاذلَ في وجهه. وقد لَقِيْنا من اللبنانيين صموداً وتأييداً لا سابقَ له كما لقينا من الأشقاء العربِ تضامُناً ودعماً كبيرين كانا بين الأسباب البارزةِ للنجاح.

 

أمّا أهمُّ عوامل الصمود والفَوز في هذا المجال فتمثلتْ في بَسالةِ مقاتلينا في الجيش والقوى الأمنية، وهممهم العالية، وانضباطهم، وهي العناصرُ التي شكّلت حَجَرَ الزاويةِ في كُلِّ هذه المواجهة البطولية التي خُضْناها رغم ضَعف الإمكانيات التي سعينا ونسعى إلى تقويِتها وتدعيِمها.

 

قادةَ الأمن والشرطةَ العرب،

 

عندما تسلَّمتْ هذه الحكومةُ مهامَّها كانت قواتُنا الأمنيةُ تعيشُ حالةً تشبهُ حالةَ السيارة التي فقدتْ مِقْودَها. كان هناك الضعف في العُدة والعديد والتدريب. لكنْ قبل ذلك الإحساس بأنه لا مهامَّ لها إلاّ في أضيق الحدود، كما أنها ليست هي صاحبةَ القرار في القيام بهذه المُهمةِ أو تلك، فضلاً عماّ كان يجري من وراء ظهرِها وتقعُ هي ضحيةً لذلك.

 

لقد أثبتت قُوانا العسكرية والأمنيةُ التي انطلقت بقرار من الحكومة اللبنانية في مسيرة بناء قُدُراتها من جديد، أنها أهلٌ للثقة ومحطٌّ للرهان. وما هي إلا شهورٌ قليلةٌ ونتيجةً للصبر والمثابرة من رجالٍ مخلصين لشعبهم ووطنهم ودولتهم حتى بدأت نتائجُ العمل على التغيير وإعادة البناء بالظهور. وقد شَكّلت جريمةُ عين عَلَق الإرهابية وما تبعَها من كَشْفٍ لملابساتها، وَمَنْ وَقَفَ خلفَها القفزةَ الأولى من ضمن خُطُواتٍ وقَفَزاتٍ أمنيةٍ أخرى تَمَّ تحقيقُها. إنّ هذا كلَّه يُثْبتُ التزامَ الحكومة اللبنانية بثوابت الموقف الوطني، وإرادةَ الأجهزة العسكرية والأمنية السيرَ فيها بدون تردُّد، وهي تتمثل بحماية استقلال البلاد وتعزيز أمن وأمان المواطنين والمقيمين على أرض الوطن وتطبيق القانون على جميع المواطنين والمقيمين دون محاباة أو تمييز.

 

ولا شكَّ أنّ المحاولات الإرهابية التي طالت قياداتٍ من هذه القوى والاستهدافات التي تتقصدها اليومَ هي نتيجةٌ لهذا الجَهد والتقدُّم الذي تحقق من قِبَلِ هذه القوى العسكرية والقيادات الأمنية المخلصة للبنانَ وشعبه. إنّ البارزَ في المسيرة الجديدة للقوى الأمنية اللبنانية عدةُ عناصر منها الإحساسُ المتجدد بالثقة وبالمهامّ الكبرى المُلْقاة على عاتقها في بسط سلطة الدولة على أرضِها بقُواها الشرعية والكفاءة والانضباط في تنفيذ المهامّ في اتّباعٍ دقيقٍ للقانون. والوعي أنّ خدمةَ أمن المُواطن هي الهدفُ الباقي. كما الوعْيُ أنّ الأمنَ العربيَّ واحدٌ، وأنّ هناك تحدياتٍ جديدةً ينبغي التصدّي لها بالتدريب والتجهيز والتلاؤم مع مقتضيات هذه المواجهة من جهة، وبالتعاون الوثيق مع الأشقّاء العرب الذين تربطنا وإياهم أواصرُ التاريخ المشترك والجوار والمصالح المشتركة والقضايا الواحدة من جهةٍ ثانية. ومن أجل هذين الأمرين، ولأنكم تحبون لبنان، أنتم معنا ببيروت وللمرة الثانية.

 

 

وإني وبمناسبة وجودكم معنا أغتنمُ المناسبة لأُوجِّهَ إلى أشقائنا العرب تحيةَ الشكر والتقدير على دعمهم ووقوفهم معنا والتزامهم المستمر بمؤازرتِنا في تحرير ما تبقَّى من أرضنا المحتلة وفي تعزيز استقلالنا وسيادتنا على أرضنا وفي إقدار دولتنا على بسط سلطتها الكاملة على الأرض اللبنانية. وأرى بهذه المناسبةِ أيضاً أن أتوجَّه إلى قوات الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي قيادةً وضباطاً وأفراداً بالتحية والتقدير للتضحيات التي قَدّمتْها والنجاحات التي حَقّقَتْها، وعلى الدَور الموعود والمأمول منها. وبفضْل هِمّةِ الجيش وقوى الأمن، وتضامُنِكم أيها الأشقّاء، آمُلُ أن يُصبحَ لبنانُ ومدينتُكُم بيروت بيئةً للأمن والأمان والتقدم، وبالتالي مقراً دائماً لمؤتمراتكم واجتماعاتكم في السنوات القادمة.

 

أهلاً وسهلاً بكم.

عاش الأمن العربي. عاش التضامُنُ العربي.

عشتم وعاش لبنان.

 

السراي الكبير

الثلاثاء في 30/10/2007

 

                                      رئيس مجلس الوزراء

                                      فؤاد السنيورة

تاريخ الخطاب: 
30/10/2007