كلمة دولة رئيس مجلس الوزراء الأستاذ فؤاد السنيورة في الجلسة الأخيرة لمجلس الوزراء قبل موعد انتخاب رئيس الجمهورية

إخواني الوزراء،
مع انعقاد هذه الجلسة لمجلس الوزراء تكون الحكومة، حكومتكم، حكومة الإصلاح والنهوض- حكومة الاستقلال الثاني التي منحها مجلس النواب ثقته، قد أمضت في سدة المسؤولية نحو سنتين وأربعة أشهر. ونحن نأمل بكل صدق وتصميم أن تكون هذه الجلسة هي الجلسة الأخيرة لهذه الحكومة. فنحن نأمل ونسعى كل منا من موقعه ومن خلال دوره أن يتم انتخاب رئيس جديد للجمهورية خلال الأيام القليلة المقبلة، لكي يتمكن لبنان حقيقة من الانطلاق إلى آفاق جديدة رحبة يريدها الشعب اللبناني ويحتاجها لبنان ويتحرق إليها اللبنانيون. ذلك أن عدم التمكن من انتخاب رئيس جديد في المهلة الدستورية هو من السيناريوهات السيئة والاحتمالات التي لا نتمناها ولا نريدها وتقف إلى جانبنا في ذلك الغالبية الساحقة من اللبنانيين. ولذلك فإننا نعمل وبكل جهد وإخلاص لكي يتم تجاوز هذا الاستحقاق بانتخاب الرئيس الجديد للجمهورية ونتمكن عندها من تسليم هذه الأمانة الغالية إليه وإلى المجلس النيابي لكي تنتظم الحياة الدستورية والنيابية وتنعكس تداعيات ذلك إيجاباً على شتى مناحي الحياة في لبنان وعلى الصعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية.
في الواقع، لقد كان لي شرف تحمل مسؤولية رئاسة هذه الحكومة وأن نمضي معاً في هذه المسيرة الشاقة والتي ما كنت لأظن للحظة أنها ستكون بهذا القدر من العناء وهذا القدر من الصعوبات والمشاكل والتحديات غير المسبوقة بحجمها وتجمعها وتتابعها وهي التحديات التي واجهتنا وعانت منها البلاد والشعب اللبناني ولم يزل. لكني ومع ذلك وفي محصلة الأمر شديد الاطمئنان، إلى أننا قمنا وبإخلاص بواجبنا الوطني على أفضل ما كان بالإمكان أن نقوم به. ولذلك فإني شديد الثقة بأن كلاً منا على درجة عالية من الارتياح والصفاء لما قام به وعمل من اجله لمقاربة الأهداف التي كلفنا ممثلو الشعب اللبناني على أساسها بهذه المسؤولية وفي ما سعينا من أجله لتثبيت دعائم السيادة والاستقلال والديمقراطية وفيما عملنا من أجله أيضاً لتخفيف الأعباء والمصاعب على اللبنانيين.
أيها الزملاء،
لا يجب أن ننسى ولن ننسى أن هذه الحكومة ومنذ بداية تشكيلها عانت من كونها كانت تعمل في ظل ظروف جعلتها تتقدم وكأنها تسير على حد السيف. فهي قد تعرضت للمؤامرات ولهجمات الإجرام والإرهاب وعانت مع الشعب اللبناني مختلف صنوف الويلات والمصاعب. لقد طال الإرهاب والإجرام المتمادي والمستمر، وعلى مدى عمر الحكومة، وزراء ونواباً وقيادات وشخصيات استقلالية. ولقد نالت هذه الحكومة وبشكل مباشر نصيباً وافراً من هذا العنف والإرهاب. فقبل قيام الحكومة استهدف الإجرام نائب رئيس الحكومة وزير الدفاع فيها والذي أنقذته العناية الإلهية. وقبله زميلنا الوزير والنائب مروان حمادة والذي كان استهدافه بداية انكشاف المخطط الترهيبي الذي استهدف لبنان.وقد سقط من صفوف هذه الحكومة الشهيد الوزير بيار الجميل الذي نذكره بغصة وحرقة لاسيما وان سنويته الأولى تحل علينا بعد بضعة أيام، ونحن لا يمكن أن ننسى ذلك السياسي الواعد وأريحيته وشبابه ورياديته ووطنيته.
أيها الزملاء،
انتم تعرفون أننا لم نكن لنجلس على هذه المقاعد أو نُنتدب لتحمل المسؤولية لو لم تقع تلك الجريمة الرهيبة التي استهدفت حياة شهيدنا الكبير الغالي الرئيس رفيق الحريري وباسل فليحان ورفاقهما الأبرار. وانتم تعرفون أن هذه الحكومة ما قامت لو لم تنتدب فيما انتدبت نفسها إليه لمهمة أساسية هي مهمة معرفة الحقيقة، حقيقة من اغتال الرئيس الشهيد وحاول اغتيال حاضر لبنان ومستقبله. ولهذا فقد كان لمهمة حماية وتأمين انطلاق التحقيق الدولي في الجريمة النكراء وقيام المحكمة الدولية الخاصة بلبنان الجهد والانتباه الأساسي لعمل الحكومة. وهي لهذا السبب تعرضت لكل صنوف العرقلة والإعاقة والاعتكاف والاستقالة والتنكيل والضغط السياسي والتهويل والتهديد والقتل في محاولة لمنعها من السير في طريق قيام المحكمة والتي في النهاية وبسبب العراقيل والتهديدات والاغتيالات والتفجيرات والاعتكافات والاستقالات قامت بقرار دولي وتجري متابعة عملية إنشائها لكي تظهر الحقيقة ويعرف القاتل والمجرم ويعاقب ويتوقف مسلسل الإجرام والقتل في لبنان. وبالتالي فقد عملت الحكومة حتى لا يتحول لبنان إلى بلد لا يعاقب المجرم فيه أو يظل في منأى عن العقاب. أقول هذا الكلام مع إننا كنا نتمنى صادقين أن يكون قيام المحكمة بقرار لبناني حكومي وبرلماني جامع يشارك فيه الجميع بعد أن اقر به الجميع كأولوية وضرورة في أكثر من مناسبة وآخرها ما كان على طاولة الحوار الوطني.
لكن والحق يقال ما اكتفت الحكومة بمهمة حماية التحقيق الدولي والعمل على قيام المحكمة ذات الطابع الخاص فقط وهي على ذلك لم تطرح جانباً كل المهام الأخرى الحقيقة أن الحكومة كانت وفية لشعارها الأساسي أي حكومة الإصلاح والنهوض ؟ قبل سنتين ونيف وحين محضني النواب الكرام ثقتهم وكلفت برئاسة هذه الحكومة قلت في بيان التكليف يومها:
"نحن اليوم نخوض خضم تحديات ضمان أمن المواطن والوطن، وتحديات تثبيت دعائم النهوض الاقتصادي والاجتماعي. ليست اللحظة لحظة للتجاذب السياسي، ولا لتجديد النزاعات والاختلافات. ولذلك نشارك الأستاذ سعد الحريري يده الممدودة لسائر فئات الشعب اللبناني، ولسائر جهاته السياسية، من أجل السير قدما في برنامج إصلاحي شامل بدءا باستكمال تطبيق الطائف والدستور، وبالقانون الجديد والدائم للانتخابات، واللامركزية الإدارية، وخطة النهوض التربوي الشامل، والخروج تدريجا من إسار الطائفية بما يحفظ الوحدة الوطنية والعيش المشترك، وتعزيز استقلالية القضاء، وترشيق حجم إدارة الدولة، وتعزيز كفاءتها، وتصويب عمل المؤسسات، ومكافحة الهدر والفساد، وتعزيز النمو والتنمية والتصدي للمشكل الاقتصادي بمعالجات تعتمد على قدرات اللبنانيين، وعلى ما بناه الرئيس الشهيد وراكمه من إنجازات وخيارات وصِلات بالأشقاء والأصدقاء. إن ذلك كله لا يمكن بلوغه إلا بالدور المميز للشباب، الذين انتفضوا مع كل اللبنانيين يوم الرابع عشر من شباط رافضين الجريمة الإرهابية واستهدافاتها. والذين حملوا لواء الحقيقة والاستقلال والتوحّد الوطني في نهضة 14 آذار الوطنية. ونحن مقبلون على الإصلاح والتغيير بهمتهم وإيمانهم بوطنهم، وطنا واحدا لهم جميعا دونما تفرقة أو تمييز. لقد دفع اللبنانيون ثمنا غاليا من أجل الحرية ومن أجل الديمقراطية، ومن أجل الدولة القوية والعادلة وصاحبة القرار".
هذا ما قلناه يوم كلفنا بتشكيل الحكومة .
أيها الزملاء،
انطلاقاً من ذلك لقد عملتم بجد ونشاط نادرين واتخذت حكومتكم عدداً كبيراً من القرارات وأنجزت عدداً وافراً من مشاريع القوانين وأصدرت جملة من المراسيم وعالجت عدداً كبيراً من المشكلات العالقة بشكل لم تنجزه أية حكومة من قبلها. فقد بلغ عدد الجلسات التي عقدتها هذه الحكومة ورغم كل الأزمات ومنذ تشكيلها 106 جلسات اتخذت فيها 4910 قرارات وهذا العدد يشكل عملياً اكبر نسبة من القرارات إلى عدد أيام عمر الحكومة التي تتخذ بتاريخ الحكومات اللبنانية، مما يجعلها الأكثر إنتاجية بالرغم من كل ما واجهته الحكومة من عراقيل. وتجدر الإشارة إلى أن كل القرارات التي اتخذتها الحكومة وقبل الاعتكاف وبعده وحتى انسحاب زملائنا الوزراء منها والتي رفضنا استقالتهم، اتخذت كلها بالإجماع وليس بالتصويت ولم تلجأ الحكومة خلال فترة وجود زملائنا معنا إلى التصويت إلا في موضوع واحد هو المحكمة الخاصة بلبنان من اجل كشف المجرمين الذين وقفوا خلف جريمة اغتيال الرئيس الحريري ورفاقه.
لكم كنا نمني النفس أن نتجاوز العراقيل وننجز هذه المهمة الوطنية متكاتفين متضامنين لكن حدث ما حدث وكان لا بد من اتخاذ القرار في ضؤ ذلك الموقف غير المتعاون، ونحن مقتنعون بما قمنا به في هذا الصدد. لماذا؟ حتى نستطيع أن نضمن أن تسود العدالة في لبنان ويدرك من هم وراء تلك الأعمال الإرهابية أنهم لن يظلوا في منأى من العقاب.
أيها الزملاء،
لقد كانت الحكومة وفية لالتزاماتها التي قطعتها على نفسها أمام الشعب اللبناني بان تكون وفية لانتفاضة الاستقلال على كل المستويات وأول خطواتها كانت على مستوى الإصلاح السياسي حيث بادرت إلى إعادة الاعتبار إلى قانون الجمعيات بما يتيح المجال في الالتزام الجاد والعملي باحترام حريات المواطنين وضمان حقهم التعبير وحقهم في تشكيل وإنشاء الجمعيات والأحزاب وهو القانون الذي جرى تعطيله لسنوات طويلة. وإذا كان مسلَّماً أن المدخل إلى الإصلاح السياسي يكون عبر قانون حديث للانتخابات فقد شرعت الحكومة فور تسلمها لمهامها بتشكيل هيئة وطنية مستقلة لإعداد مشروع قانون جديد وحديث للانتخابات النيابية. ولقد نجحت تلك الهيئة في النهاية في مهمتها وأصبح لدينا مشروع قانون عصري للانتخابات النيابية يأخذنا نحو المستقبل ويؤكد على صيغة لبنان الفريدة- صيغة العيش المشترك. على أنه يمكن وفي كل الأحوال الانطلاق من هذا المشروع والبناء عليه وتطويره أو تعديله. إلا أن ظروف البلاد التي تعرفون حالت دون الشروع في مناقشة هذا المشروع الهام والذي نأمل أن تعود إليه الحكومة التي يجب أن تشكل بعد انتخاب الرئيس لمناقشته والبت فيه.
كذلك كانت الحكومة سباقة ووفية لوعدها بالعمل على تحقيق استقلالية القضاء على يد قضاته المميزين الأكفاء بعد أن أسهمت الحكومة وبعد صعوبة فائقة في تشكيل مجلس القضاء الأعلى. ولكن محاولاتها لتعزيز استقلالية القضاء وبالتالي التقيد بمبدأ فصل السلطات أُحبطت مع أول محاولة جادة قامت بها عبر إيقاف وتعطيل التشكيلات القضائية من قبل جهات تعرفونها ولأسباب لا تجهلونها.
كذلك نجحت الحكومة بالاتفاق مع السلطة التشريعية على الولوج في مسار يؤدي إلى تعزيز المساءلة والمحاسبة السياسية في مجلس النواب وهو الدور الآخر المناط بالسلطة التشريعية وبالنواب من خلال إدخال أسلوب عقد الجلسة النيابية الأسبوعية التي تفتح المجال أمام النواب للأسئلة والاستفهامات والاستجوابات وهي من أكثر الطرق المعتمدة لدى الكثير من الدول العريقة بديمقراطياتها وهو ما يفتح بالتالي الباب أمام الحكومة للتصويب والتصحيح ونحو تحسين مستويات الأداء الحكومي. ذلك مما نعتقد أنه يسهم في تعزيز الحياة السياسية في البلاد ويؤكد على فصل السلطتين التشريعية والتنفيذية ويرفع من مستويات الأداء ويزيد من مشاركة الجميع في الحياة السياسية في البلاد بفعالية واقتدار.
أيها الزملاء،
لقد تمكنت الحكومة في العام 2005 رغم كل الآثار السلبية الناتجة عن العمليات الإرهابية والتخريبية التي استهدفت لبنان من أن تحقق نمواً وصل إلى قرابة الاثنين بالمائة. كما نجحت في أن تعد العدة باتجاه إطلاق حركة الإنتاج والنشاط الاقتصادي وأن تحضر الأرضية الصالحة لنمو اقتصادي كبير برزت بوادره في الأشهر الستة الأولى من العام 2006 حيث كانت ملامح النمو تؤشر إلى نسبة نمو عالية تفوق الستة بالمائة. لكنكم تعرفون جميعاً ما الذي جرى بنتيجة العدوان الإسرائيلي الغاشم الذي قام بتدمير البنية التحتية وقطع أوصال الاقتصاد وشرد أهلنا في الجنوب وفي عدد كبير من القرى الأخرى ودمر أبنية ومنازل المواطنين في الضاحية الجنوبية والمناطق المجاورة بما يتجاوز الـ120 الف وحدة سكنية . ونتيجة لذلك استحالت مؤشرات النمو إلى مؤشرات تراجع وحل التقدم المرتقب باتجاه نسبة نمو قدرها 7% إلى نمو سلبي حيث استقر على ناقص واحد بالمائة أو ناقص اثنين بالمائة.
لكن على الرغم من ذلك فان الحكومة لم تجبن ولم تتراجع ولم تستنكف أمام همجية العدوان فعملت بكل جهد اعتمادا على تضحيات اللبنانيين وتضحيات مقاومتهم وتضحيات ومساعدة الاشقاء والاصدقاء لوضع خطة إنعاش اقتصادي سريعة وشاملة ولهذا كان مؤتمر ستوكهولم للدول والمؤسسات المانحة الذي أرسى لعملية إنعاش وإغاثة واسعة وسريعة لمواجهة آثار العدوان.
وقد كانت معركة النهوض والإصلاح وإعادة الاعمار معركة قاسية ومريرة رغم المعيقات والإعاقات والدأب المعروف والموصوف من قبل بعض الجهات والأطراف على اصطناع السدود والأزمات. فبعد أن أطلقت الحكومة أوسع عملية لإعادة اعمار ما دمره العدوان وللعمل على إنجاز ملفي المهجرين والجنوب اندفع المتنصلون والمتربصون والمتضررون من عودة الدولة ودورها إلى القيام بأكبر عملية لخنق مسيرة التعافي حيث تعددت المواقف السلبية والتوتير السياسي وأساليب التحطيم المعنوي والتخريب الاقتصادي ولم يكن آخرها الاعتصام المفتعل والذي مازال قابضاً على أنفاس مدينة بيروت وأنفاس كل لبنان من أقصاه إلى أقصاه من خلال استمرار نصب الخيم والمربعات الأمنية في وسط العاصمة بيروت الصامدة الممانعة لسيطرة التعسف ومحاولات التسلط والتكبر والإرغام.
أيها الزملاء،
لو لم تقم الحكومة بواجباتها بجدية وتتمسك بتصميمها وإقدامها بالتعاون مع الأصدقاء والأشقاء لما كان مؤتمر باريس3 الذي فاق في نجاحه كل التقديرات ولما أمكن الصمود والوقوف في وجه أعاصير وموجات الإرهاب والترهيب والتخريب السياسي والأمني.
إني لن أتردد أمامكم وأمام الشعب اللبناني أن أعلن أن حكومة الإصلاح والنهوض- حكومة الاستقلال الثاني قامت بجهد جبار للحفاظ على مستوى عيش اللبنانيين على مدى فترة وجودها في سدة المسؤولية. ولكن الحكومة تدرك كل الإدراك ما يعانيه اللبنانيون في هذه الأيام من مصاعب تفاقمها الأوضاع الأمنية غير المستقرة والتوترات السياسية وانحسار الثقة بالمستقبل والتي تؤثر سلباً على النمو الاقتصادي وعلى عمليات ايجاد فرص العمل الجديدة أمام شبابنا وفي المحصلة على الاستقرار الاجتماعي والذي يدفع بشبابنا إلى الهجرة. لكن الحكومة وهي بالرغم من ذلك استمرت في بذل الجهود من أجل مواجهة المصاعب الاقتصادية والمعيشية التي يعاني منها المواطنون الآن والتي تعود في اغلب أسبابها إلى عناصر ومعطيات خارجية تتصل بالاقتصاد العالمي وظروفه واحتقاناته، من ارتفاعات خيالية لأسعار النفط وسعر صرف اليورو بالدولار الاميركي وارتفاع أسعار المواد الأولية والأعلاف وبالتالي مشتقات الألبان واللحوم ومنها بسبب وقف الدعم واستعمال بعض المنتجات الزراعية في انتاج المحروقات ناهيك عن الأزمات الإقليمية والدولية.
إن هذه المصاعب كانت لتكون كارثية لو لم تقم الحكومة بواجباتها وضمن قدراتها المالية المحدودة والتي يساهم في الحد منها استمرار الأوضاع السياسية المتأزمة واستمرار الأزمة السياسية واستمرار الاعتصامات وغيرها من أعمال الإعاقة والتوتير. كل ذلك يسهم في عملية الحد من إمكانيات الحكومة على القيام بالمعالجات السليمة لهذه المصاعب . ان هذه المصاعب التي كانت لتكون كارثية لو لم تقم الحكومة بواجباتها وضمن قدراتها المحدودة للحفاظ على مستوى معيشة اللبنانيين من خلال تعزيز الاستقرار المالي والنقدي. وهي ظلت حريصة كل الحرص على تحريك عجلة النشاط الاقتصادي ومعالجة الآثار الكارثية للحرب ولأعمال الفتنة والإرهاب وللتشنجات والاحتقانات السياسية وهي كانت وستظل حريصة على أموال المكلف اللبناني فلا تنفقها إلا بتحسب ولا تجبيها إلا بعدالة وبعد تعب ومعاناة. وهي لذلك عملت على احتواء تلك الزيادات في الأسعار بحيث ضبطت معدلات ارتفاعها وبالرغم من كل ما جرى لم تزد عن ما نسبته ثلاثة بالمائة سنويا على مدى السنوات الثلاث الماضية من عمر الحكومة ، وهو ما تبينه المؤشرات العلمية التي تصدر عن الإحصاء المركزي وحيث عملت الحكومة أيضاً على استمرار الدعم لأسعار الخبز بالرغم من الارتفاع الهائل في أسعار القمح العالمية واستمرت الحكومة في دعم أسعار الكهرباء علماً أن الدولة مازالت تدعم مؤسسة كهرباء لبنان بأكثر من مليار دولار سنوياً وهو أمر يفوق طاقة الدولة اللبنانية وقدراتها وهي بالتالي توفر على كل مستهلك للطاقة في لبنان أموالاً طائلة حسب الأسعار الحالية للنفط وإن كان ذلك على حساب الخزينة اللبنانية التي هي في محصلة الأمر جيوب اللبنانيين جميعاً. كذلك فقد بادرت الحكومة إلى دعم أسعار المازوت هذا العام كما فعلت في السنتين الماضيتين هذا إلى جانب ما تقوم به الحكومة من جهود لدعم المؤسسات الإنتاجية في التصدير وفي تحريك نشاطات المؤسسات الإنتاجية التي تعرضت للدمار والتخريب والشلل الاقتصادي بسبب الحرب وبسبب التعطيل القسري لإعمالها.
أيها الإخوة الوزراء،
لقد صنتم عبر هذه الحكومة، الاستقلال الذي صنعته الدماء المراقة في بيروت وفي كل المناطق اللبنانية بفعل القتل والإرهاب والتفجير، فكنتم بذلك خير مدافعين عن الحرية والأمل اللبناني بغد أفضل، لم تخافوا ولم تتراجعوا ولم تنسحبوا رغم المخاطر بل صمدتم كما أمل منكم شعبكم الذي انتفض في الرابع عشر من آذار مطالبا بالحرية والاستقلال وبتعزيز السيادة . وإذا كان النواب الذين رفضوا التمديد المشؤوم قد عرفوا بنواب لائحة الشرف فاسمحوا لي وبعد هذه التجربة في الممانعة والصمود معكم في مواجهة هذا المخاض العسير أن اسميكم وزراء حماية الاستقلال، حماية الاستقلال الثاني. نعم أنتم رمز حماة الاستقلال لما قمتم به ودافعتم عنه وحافظتم عليه.
من جهة أخرى أيها الزملاء فإني على ثقة بأنكم تشاركونني الرأي وبحزم أنه ما كان لنا أن نحقق الصمود في المعارك التي شنت على لبنان من قبل إسرائيل الا من خلال مقاومة اللبنانيين ومواجهتهم لقوى الاحتلال وللقوى الإرهابية والظلامية وذلك في الصمود في شتى المناطق اللبنانية وكذلك أيضا في الصمود ازاء الهجمات الارهابية التي شنت على اللبنانيين وعلى جيشنا الباسل وقوانا الأمنية من قبل مجموعة ارهابية في مخيم نهر البارد ومحيطه. لقد ضحى جيشنا الباسل بالغالي والنفيس من أرواح ودماء ضباطه وجنوده هو الذي جعل الكلام والشعارات حقيقة جلية وعملية امام كل اللبنانيين والعالم اجمع ولذا فإننا ننحني جميعاً ومعنا كل اللبنانيين أمام هذه التضحيات التي سنحافظ على عظمتها وجلالها ولن نجعلها تذهب هدراً أو سدى في المستقبل.
أيها الإخوة الوزراء،
لقد حافظتم على الاستقلال وعززتم صموده و حددتم خطوطه وحميتموها. فقبل هذه الحكومة ظن الكثيرون أن الحق في مزارع شبعا اللبنانية قد مات فصممتم على العمل كي يستعيد لبنان هذا الحق وتضعوه من جديد بندا أساسيا على جدول الأعمال الدولي والإقليمي. بداية من التزامنا بالنقاط السبع التي أصبحت حقيقة راسخة والتي اعتمدها المجتمع الدولي من خلال القرارات الدولية.
قبل تأليف هذه الحكومة كان التلفظ أو التفكير بالسعي إلى علاقات صحيحة وطبيعية مع سوريا، تكون قائمة على الاحترام المتبادل، يعتبر انتهاكاً لممارسات أصبحت في الحقيقة تمس جوهر استقلالنا وسيادتنا، لكنكم مثلتم بمواقفكم القدوة في الشجاعة الحقة ورفعتم الصوت عالياً وبقوة لكي تقولوا أن لبنان بلد عربي مكتمل العروبة لا يحتاج إلى شهادة أو فحص يومي للدم، بل هو رائد في عروبته ونضاله العربي وهويته المتميزة الخلاقة والمتعددة، رائد في تمسكه بالعروبة الديمقراطية، التي تعترف بالآخر رغم الاختلاف والتباين في الرأي. ولبنان لا يرضى لأحد أن يفرض عليه وصايته أو أبوته وبأي شكل من الأشكال. ولهذا فلا بد لحدود لبنان أن تكون واضحة وجلية ومصانة ولسيادته أن تتعزز ولأرضه المحتلة أن تتحرر ولدوره المتجدد المتلائم والمتناغم مع حركة هذا العالم المتطور أن يتقدم. لبنان الذي سعينا جميعاً لأن يظل لبنان الديمقراطي المنفتح على العالم أجمع والذي يريد أن يكون على محبة وصداقة وتعاون مع جميع أشقائه وكذلك أن يكون على تعاون وصداقة مع جميع أصدقائه في العالم من زاوية الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية. لبنان الذي سعينا أن تكون له سياسته الخارجية المنبثقة عن قناعة أبنائه من دورهم وانتمائهم العربي الحر وانطلاقه من مصلحة لبنان التي يجب أن تأتي أولاً. لقد أردنا أن يستعيد لبنان سيادته وحريته وأن ينسحب الجيش السوري من لبنان ونحن وسوريا الشقيقة على وئام لا لنستبدله بوجود عسكري أو نفوذ سياسي لأي كان على الاطلاق، شقيقاً كان أم صديقاً.
لقد وقفت حكومتكم في وجه العدوان الإسرائيلي وقفة رجل واحد متخطية بذلك التجاهل والتفرد الذي مارسه البعض في الداخل، فصانت الوحدة اللبنانية من دون أن تنسى الأهداف القومية والوطنية. فكان همها حماية التضامن الداخلي وفي ذات الوقت الوقوف في وجه الاعتداء الاسرائيلي الغاشم وفي وجه كل الضغوط والجرائم التي مارسها هذا العدو. وتمتعت حكومتكم بالشجاعة والاستقلالية لكي تستنبط بشتى الوسائل طريق الخروج من المآزق وتحولها إلى فرص وذلك من اجل استعادة الحق وتحرير الأرض. وقد تمتعت حكومتكم بالقوة والإقدام لكي تتخذ قرار إعادة نشر الجيش في الجنوب وعلى الحدود لكي يحمي الوطن والحياض بالتعاون مع قوات الطوارئ الدولية. وحين اطل الإرهاب في الشمال لم تتردد حكومتكم بالمضي قدماً في الدفاع عن الشرعية والسيادة ووجود الدولة وكذلك في الدفاع عن الشعب الفلسطيني الذي جاء الإرهاب المتمثل بما يسمى فتح الإسلام لينال من أخوة الشعبين اللبناني والفلسطيني. ولم تتردد الحكومة في الالتزام والسعي الجاد لإعادة إعمار المخيم ومحيطه من القرى اللبنانية وذلك على اساس ان تعود السلطة في المخيم وحدها للسلطة اللبنانية ، وقد بدأت بذلك وستستمر حتى آخر ساعة من عمرها. وهذه حكومتكم التي كانت قد بادرت منذ تأليفها بالعمل على طرح مسألة العلاقات اللبنانية الفلسطينية على بساط البحث لوضعها على المسار الصحيح الذي يخدم الشعبين الشقيقين وينطلق من رفض التوطين بشتى صوره ويؤمن عيشاً كريماً للإخوة الفلسطينيين ريثما يعودوا إلى ديارهم. حكومتكم هذه عملت على تحطيم كل الخطوط وبكل الألوان ولن أنسى أو أغالي إذا قلت أن وفداً منكم كان أول وفد وزاري يزور المخيمات الفلسطينية للإطلاع على أحوال اللاجئين فيها والتفكير والعمل بتحسينها.
أيها الإخوة الوزراء،
كانت أيام العمل معكم ممتعة وغنية رغم تعبها وإجهادها ورغم المعاناة الشديدة التي مررنا بها والتحديات البالغة التي تعرضنا لها ، لكنها في الحقيقة كانت أياماً مميزة ومشرفة لا نخجل منها، بل نفتخر بها وفيها، على أمل أن نتجاوز المسافة الباقية بنجاح. ونحن نعد الساعات والأيام لكي نسلم الأمانة إلى النواب الكرام والرئيس الجديد المنتخب وتتسلم الحكومة الجديدة مسؤولياتها وتتابع هذه المسيرة الوطنية المشرفة.
أيها الزملاء،
باسمكم أتوجه بالقول إلى الشهداء الأبرار من أحبائنا من جيشنا الباسل وقوانا الأمنية ومن جميع اللبنانيين في القول أن دمكم لم ولن يذهب هدراً طالما حمل لواء الدفاع عن حقكم فرسان كمثل وزراء هذه الحكومة، حكومة الاستقلال الثاني.
عشتم وعاش لبنان.
السراي الكبير
الجمعة في 16/11/2007
رئيـس مجلـس الـوزراء
فـؤاد السـنيورة
