كلمة دولة رئيس مجلس الوزراء الأستاذ فؤاد السنيورة في حفل إصدار تقرير عن السنة الثانية من أعمال الحكومة بعنوان: سنة الصمود والتصدي تموز 2006- آب 2007

-A A +A
Print Friendly and PDF

 

الرئيس السنيورة أطلق تقرير "السنة الثانية على حكومة الإصلاح":

 

الحكومة عازمة على تسليم الأمانة إلى الرئيس الجديد المنتخب

لأن الاستمرار تعميق للأزمة وهذه مشكلة لا طاقة لنا على احتمالها


سيذكر التاريخ أن قضاة لبنان وقفوا وقفة واحدة لنصرة العدل

لكن جاء من يحبطهم بسبب وراثة من وصاية هدفها تعطيل إرادة لبنان


وطنية- 20/11/2007 (سياسة):

أطلق رئيس مجلس الوزراء فؤاد السنيورة ظهر اليوم في السراي الكبير تقريرا عن أعمال الحكومة بعنوان: "السنة الثانية على حكومة الإصلاح والنهوض (حكومة الاستقلال الثاني) سنة الصمود والمبادرة تموز 2006- آب 2007"، وذلك في حضور حشد كبير من الوزراء والسفراء العرب والأجانب والمسؤولين السياسيين والاقتصاديين والإعلاميين.

 

كلمة الرئيس السنيورة:

وبالمناسبة ألقى الرئيس السنيورة كلمة جاء فيها:

"أرحب بكم في داركم، في السراي الكبير، بيت كل اللبنانيين.

أحببت أن التقي بكم اليوم مع إصدار تقرير عن أعمال السنة الثانية من عمر هذه الحكومة، حكومة الإصلاح والنهوض وحكومةِ الاستقلال الثاني.
والحقيقةُ أنّ اجتماعَنا اليومَ يتلاقى ويتقاطعُ مع عدة مواعيدَ وعناوينَ هامة بالنسبة لكم ولنا ولكل الشعب اللبناني، حيث ينظُرُ إلينا العالمُ كلُّ العالم بأمل ورجاء ولكنْ بترقُّبٍ وقلقٍ أيضاً.

 

في الغد نحن على موعدٍ مع التئام عَقد مجلس النواب لانتخاب الرئيس الجديد للبلاد، وفي الغد أيضاً تُصادفُ الذكرى السنوية الأولى لاغتيال شهيدِنا الشابّ، شهيد شباب الاستقلال الثاني النائب والوزير الشيخ بيار أمين الجميل. أما بعد غد فتحلُّ ذكرِى استقلال لبنان، ذكرى الاستقلال الأول الذي صنعه الآباءُ والأجدادُ والذي أعلن انطلاق الجمهورية اللبنانية صاحبةِ السيادةِ والقرار الحُرّ والمستقلّ.

 

قام الاستقلال الأولُ أيها الإخوة، على ركائزَ عدة أساسية. الركيزةُ الأولى لاستقلال بلدنا ولتطوره ونموه كانت وما تزالُ وستبقى ما بقي لبنان الذي نعرفه، وهي العيشُ المشتركُ بين اللبنانيين مسيحيين ومسلمين.

 

والركيزةُ الثانية، الواقعةُ، في أساس نظامنا هي الديمقراطيةُ اللبنانيةُ، المستندة إلى الحرية والموائمة بين استمرار وتطور وتدعيم مفهوم العيش المشترك بين اللبنانيين، وبين انتظامِ عملِ نظامِهم السياسي وانتظامَ حركة مؤسساته الدستورية.

 

وفي هذا الخصوص، فإنّ المبدأَ الأساس الذي يُعيُد إنتاج هذه الصيغة ويؤِّكدُ على توازنها وتلاؤمها المستمر مع التحولات الجارية من حولنا، هو التمسكُ بمبدأ أساسيٍ آخر، ألا وهو مبدأُ تداوُلِ السلطة عن طريق الاختيار الحر والمنتظم. إذ لا معنى للديمقراطية في لبنان، من دون هذا التبادُل المنتظِم للسلطة وأعتقُد أنكم لاحظْتُم وأنتم تَدخْلُوُن هذه الدارَ ما نُقِشَ على مدخلها من قولٍ مأثور وهو "لو دامت لغيرك لما اتصلت إليك".

 

إذاً، فإنّ القواعدَ التي انبنى عليها استقلالُ لبنان لا يُمكنُ تغييرُها أو حَذْفُها أو الإطاحةُ بها، بل من الواجب تطويرها وتدعيمُها وهي قاعدةُ العيش المشترك وأساسُهُ الاحترامُ المتبادل للحريات والنظام الديمقراطي القائم على حرية الاختيار، وتبادل السلطة عبر الاختيار الحر البعيد عن منطق الغلبة والإرغام والتسلُّط.
إذاً، فإنّ اجتماعَنا اليوَم وكما أشرتُ، يتقاطُع مع مناسباتٍ متعددة، فيها ما فيها من مفارقات وتلاؤمات، فإلى جانب الذكرى الأليمة لاغتيال الشهيد بيار الجميل، ومع الفخر الذي أنتجهُ استقلالُ لبنان الأول والاندفاعة التي تحرّكُها عمليةُ استكمالِ الاستقلال الثاني، ومع الأمل الذي يحرّكُهُ التفكيرُ في نتائج موعد الغد في مجلس النواب فإننا ننتظر جميعاً وبفارغ الصبر هذا الانتخابَ لكي ينتقلَ لبنانُ من القلق والتوتر إلى الأمل والتطلع إلى الأمام والسعي إلى إقدار اللبنانيين على التصدي للمشكلات المتراكمة والاستفادة من الفرص المتاحة. وأنا اعتقد جازماً انه مهما تلبَّدت الغيومُ فإنّ السماءَ لا بد أن تنقشع وشمسُ الاستقرار والازدهار لا بُدّ أن تُشرق على ربوع هذه البلاد التي ما فتئت ومنذ أكثر من ثلاثين عاماً تنتقل من وَجَعٍ إلى آخَرَ ومن مَخاض عسير إلى السقوط في لُجّةٍ أعمقَ من سابقاتها، لكنها ومع ذلك تستمرُّ في اختراع الأمل تلو الأمل والرجاءَ إثْرَ الرجاء عاكسة بذلك إيمان اللبنانيين وإرادتَهم في الحياة وسعيهم في أن يكون لهم دورٌ بنّاءٌ وفاعل في بلدهم وفي منطقتهم وفي العالم.

 

أيها الإخوة والأخوات،

 

إن تداول السلطة وباعتباره ركيزةً من ركائز النظام الديمقراطي. لذا فإنّ هذه الحكومةَ عازمةٌ على تسليم الأمانة إلى الرئيس الجديد المنتخب ونوابَ الأمة، لا الاستمرار ولا البقاء لأنّ الاستمرارَ والبقاءَ يعني بالعُرْف والنظام الديمقراطي تعميقَ الأزمة وهذه مشكلةٌ لا طاقةَ لنا على احتمالها ولا قدرة للبنان على مكابدتها. نعمْ هدفُنا ومسعانا تسليم مقاليد المسؤولية لكي تنتظم أُسُسُ الحياة السياسية اللبنانية، وتعيدِ إنتاج نُخَبها وقياداتها وتجاربها مستفيدةً من تجاربها وبانيةً على إنجازاتها.

 

 

لقد عملت هذه الحكومة وتعملَ وفقْ الأُسُس الدستورية وهي ستنهي مهمتها وفق ذاتَ الأُسُس الدستورية التي مارست مهامها على أساسها، وهي في هذه الحال ستُعتبرُ حكْماً مستقيلةً فورَ بدءِ الولاية الدستورية للرئيس الجديد المنتخَب.
أشرتُ في كلامي إذن إلى أنّ أُسُسَ نظامنا الديمقراطي، تقُوم على مبدأ تّداوُلِ السلطة. لكننا في الوقت ذاته نعرفُ أيضاً أنّ مَنْ أُسُس نظاَمِنا الديمقراطي إجراءَ المحاسبةِ والمساءلةِ لعمل وأداء الحكومة وتحديداً في مجلس النواب. من هنا فإني كنتُ امني النفسَ وقبل انتهاء عمل هذه الحكومة أن يُتَوَّجَ ذلك بتقويمٍ موضوعيٍ لعملها من قبل مجلس النواب، لكنْ للأسباب التي تعرفونها فإنّ ذلك غيرُ متاحٍ طالما استمرَّ تعطيلُ هذه المؤسسة الدستورية الأم.

 

بيد أنّ الحكومةَ التي كنتم قد اطّلعتم على تقريرها الأول عن السنة الأولى وستطَّلعون على التقرير الثاني عن أعمالها خلال السنة الثانية قامت بواجبها على أفضل وجه وأنا وزُملائي الوزراء الذين يتواجد عددٌ منهم في هذا الصَرْح، مطمئنون إلى أنّ ما تِمَّ القيامُ به وانجازُهُ كان هاماً وكبيراً يستحق أن يُدافَعَ عنه ويُفَتَخَر به، أماّ الحُكْمُ النهائي على هذه الأعمال فقد بات بين أيدي اللبنانيين والتاريخ.

 

أيها الإخوة،

أيها الحضور الكريم،

 

عرضْتُ لكم جملةَ المفاهيم التي يرتكز عليها نظامُنا السياسيُّ وصيغتُنا اللبنانية، لكي أقول أنّ الحكومة التي نُوّدع، قاومت كلَّ المحاولات لإسقاط هذا النظام الذي ارتضيناه وتشاركْنا فيه، ولهذه الأسباب فإنّ حكومَتكم وقفت بوجه الإسرائيليين واجتياحاتهم وانتهاكاتهم للقرارات الدولية، ووقفت كذلك في وجه الإرهابيين والمجرمين والقَتَلة ووقفت أخيراً في وجه الانقلابيين ورفعت الراية، رايةَ الاستقلال والحرية والديمقراطية لا الشمولية أو الديكتاتورية، وخاضت معكم كلَّ المعارك في وجه محاولات الاحتلال من جهة والإرغام والتهويل من أجلِ إسقاطِ الاستقلالِ الثاني من جهةٍ ثانية. إنه الاستقلال الذي صنعتْهُ دماءُ شهدائنا الأبرار، دماءُ شهيدنا الغالي رفيق الحريري وباسل فليحان ورفاقهما. دماء سمير قصير وجورج حاوي وجبران تويني وبيار الجميل ووليد عيدو وأنطوان غانم. دماءُ الشهداء الأحياء، مروان حمادة والياس المر ومي شدياق دماء شهدائنا من الجيش الذين سقطوا للدفاع عن ديمقراطية لبنان وتنوعه وحرياته، دماءُ مئات المواطنين الآخرين الذين قتلهم السفّاحون ترهيباً وإرعاباً من أجل كلِّ هؤلاء لم نستسلم للغوغاء والمتربصين الحالمين بالسطوة والسيطرة وبوصايةٍ من نوع آخر تُشبُه الوصاية التي حطمتْها انتفاضةُ شعبنا في الرابع عشر من آذار، هنا بالقرب منكم في ساحة الحرية والوحدة في وسط بيروت، الذي يُقبَضُ على أنفاسه وتُخنقُ حريتُه والهدفُ القضاءُ على رمزيته قلباً نابضاً للبنان الذي نحب، ومساحةً مشتركةً لكل اللبنانيين والعرب.

 

نعم إنّ أولَ المداميك التي ثبتتْها الحكومة، هو مدماكُ الاستقلال الثاني وحمايته، الاستقلالُ الثاني الذي دفعْنا ثمنهُ من دماء أعزّ شبابنا وأغلى قادتِنا ومفكِّرينا وأحبِّ مواطنينا ودماء جيشنا الباسل.

 

في موازاة ذلك ومواكبة له أثارت الحكومة ضرورة قيام علاقات طبيعية وأخوية ووثيقة مع الشقيقة سوريا قائمة على الندية والاحترام المتبادل عبر علاقات دبلوماسية بين البلدين مستمدة ذلك من الجذور التاريخية والمصالح المشتركة التي تربط بين البلدين. من جهة أخرى دافعت الحكومة عن الأرض المحتلة في مزارع شبعا وفرضت قضيتها بنداً أساسياً على جدول الأعمال الدولي والإقليمي بعد أن كانت تعتبر أرضاً غير لبنانية تابعة لسوريا ولا يشملها القرار 425.

 

وانطلاقاً من ذلك كان من الطبيعي أن تقفَ الحكومةُ وقفة رجلٍ واحدٍ بوجْه العدوان الإسرائيلي وغطرسته فحمت الأرضَ والشعبَ والمقاومةَ واستنبطت النقاطَ السبعَ التي حازت على إجماع الداخل ودعْم الأشِقّاء والأصدقاء ومهَّدت الطريق لإنهاء الاحتلال الجديد الذي نَتَجَ عن العدوان وانتشار الجيش وقوات الطوارئ الدولية وقد كانت الحكومةُ واضحةً في هذا المجال فرفضُ الوصاية التي كانت قائمةً، يعني أيضاً رفضَ استبدالها بأي وصايةٍ أو وجودٍ آخر لأي طرفٍ أو جهةٍ عربية أو إقليمية أو دولية.

 

إنّ الحكومةَ التي تتقدمُ بأعمالها إلى اللبنانيين، تُريدُ أن تُذكِّرَ بأنها حرصت على حماية التحقيق الدولي في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه رغم كلَّ الضغوط والتهديدات، وناضلت من أجل قيام المحكمة ذات الطابع الخاص ووفّرت لقيامها كل الشروط بحثاً عن الحقيقة لا عن الانتقام، لكي يُحمى لبنان ولا يبقي ساحةً مفتوحةً للقتل من دون عقاب ولا ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية. وكم كانت أمانينا قريبةً من التحقيق لو بقينا متضامنين متكاتفين حول المحكمة ومشروعها وعندها كان قيامُ هذه المحكمة يكون صادراً من إرادةٍ لبنانيةٍ كاملةٍ وشاملةٍ، حكومية وبرلمانية، بعد أن حاز قيامُها على الإجماع الوطني على طاولة الحوار وفي شتى المنابر التي سمعنا فيها التأييد لهذه المحكمة.

 

في كل الأحوال ما جرى قد جرى ولن ننظر إلى الوراء بل إلى الأمام حين يُحاسَبُ القاتُل وُيكُشَفُ المجرمون والقتَلَةُ الذين وقفوا خلف هذه الجريمةَ وغيرَها من الجرائم التي استهدفت قياداتِنا ومفكِّرينا واستهدفت استقلال البلاد وسيادتها وحريتها ومجالات تطورها وتقدمها المستقبلي.

 

 

 

وأودُّ أن أضيف أنّ حكومةَ الإصلاح والنهوض- حكومة الاستقلال الثاني كانت أمينةً للشعارات التي رفعتْها فحرَّكت الإصلاحَ السياسيَّ عَبْرَ إعادة العمل بقانون الجمعيات وأطلقت يدَ لجنةٍ مختصةٍ من خِيرة رجالِنا حتى وصلت إلى صياغة مشروع قانون جديد للانتخابات النيابية يرتكزُ على أُسُسٍ حديثةٍ وبات وجودُهُ يشكّلُ حَجَر أساس لأي نقاشٍ مستقبليٍّ في هذا الموضوع، وأنتم تعرفون ما أصاب هذا الملف بعد أن تدخلت الغايات لتعطيله، كما عملت الحكومةُ على قيام السلطة القضائية المستقلة، وأنتم تعرفون أسباب الجمود الذي أصاب هذا الملف بعد أن تدخلت الغايات والغرضيات لتعطيل التشكيلات القضائية على الرغم من إجماع قضاتنا ذوي الكفاية والنزاهة عليها.

 

وسيذكر التاريخ أن قضاة لبنان وقفوا وقفة واحدة لنصرة العدل وممانعة التدخل السياسي من أجل إحقاق الحق، لكن جاء من يحبط آمالهم، بسبب وراثة من وصاية لم يكن لها هدف إلا تعطيل إرادة لبنان والإمعان في تكبيله وأسره في التخلف والتعقيدات والخلافات والمنازعات.

 

وفي مجال الإصلاح أيضاً وخصوصا على المستوى الإداري فقد ابتكرت الحكومة وللمرة الأولى على هذا المستوى آليةً للتعيينات الإدارية في مراكز الفئة الأولى والقيادية في الدولة اللبنانية وقد أرسلت مشروع هذا القانون إلى مجلس النواب منذ أكثر من سنة ونصف السنة، وتنطلق هذه الآلية من مفهوم فتح المجال لكل الكفايات اللبنانية بالتقدم إلى المراكز الشاغرة التي يُعلَنُ عنها في وسائل الإعلام ويتمُّ التقدُم إليها عن طريق تقديم شهادات الخبرة والمستوى الأكاديمي على أن يكون الاختيار عن طريق لجان علمية متخصصة لا علاقة لها بالاختيار السياسي بل بالمستوى العلمي والخبرات المكتسبة والقائمة على المنافسة وعلى أساس ديمقراطية الجدارة. هذه الآليةُ أرادت الحكومةُ أن تقول من خلالها إنّ لكل اللبنانيين الحقّ في المساهمة في خدمة بلدهم والوصولُ متيسرٌ وليس عن طرق المحسوبيات السياسية. وقد نفذت الحكومة هذه الآلية وعَيَّنتْ بمقتضاها أمين عام المجلس الوطني للخصخصة والهيئة الناظمة للاتصالات ولو أتيحَ لها المجال لأمنت وصولَ آخرين بنفس الطريقة إلى مراكز الفئة الأولى لخدمة المواطن اللبناني أحسَن وأفضلَ خدمة.

 

لقد عقدت الحكومةُ منذ تشكيلها 106 جلسات اتخذت خلالها 4910 قرارات لم يكن فيها إلا قرار واحد أو اثنان بالتصويت بعد أن تمنع البعض عن الالتزام بالقسم والشراكة في قضية المحكمة الدولية.

 

لم تتراجع الحكومةُ أمام كل الضغوط التي مورست عليها وعلى الشعب اللبناني ورغم أن يد الإرهاب تعيث الفسادَ والإفسَادَ، وتتربصُ بالآمنين في الشوارع والمناطق لنشر اليأس والخوف، فإنّ الحكومةَ مع شعبها وقواها العسكرية والأمنية ونجحت في الرهان وبات جيشنا وقوانا الأمنية نُخباً وعناصر متميّزة بالكفاءة والشجاعة، تستحقُ الثقة من المواطنين والمسؤولين. لقد انتشر الجيشُ في الجنوب بعد قرار الحكومة لحماية الحدود والأهل وتصدى بعنفوانٍ للإرهاب والإرهابيين في نهر البارد وحقق النصر رغم كل القيود التي فُرضت عليه ممن يُفترض أن يناصروه بفعل مطالبتهم بالدولة القوية والعادلة، فكيف تكونُ الدولةُ قويةً وعادلةً ويحالُ بينها وبين الدفاع عن نفسِها وحياةِ عسكرييها ومواطنيها.
ولقد اثبت الجيش اللبناني على مدى السنتين الماضيتين في الممارسة الوطنية الحازمة احترامه والتزامه بالقوانين وحرصه على النظام الديمقراطي وحمايته وحماية مؤسساته.

 

 

 

 

 

 

أيها الإخوة،

أيها الحضور الكريم،

 

إني أدرك مقدار الضغوط التي يعاني منها المواطنون على مختلف المستويات السياسية والاجتماعية بفعل التوتر الدائم والإحساس بعدم الاستقرار وازدياد هجرة أولادنا وشبابنا، كما أن أقوى الضغوط التي يرزح تحتها المواطن اللبناني في هذه الأيام هي الضغوط الاقتصادية والمعيشية حيث تضيقُ به السُبُل. لكني هنا أودُ أن أشيرَ بصراحةٍ إلى أنّ أسبابَ ذلك معروفةٌ، ومعالجةُ هذه الأسباب ليست متوافرةً كلَّها خاصةً وأنّ ارتفاعَ الأسعار الذي نُعاني منه مرّدُه إلى أمورٍ خارجةٍ عن إرادة كل اللبنانيين والحكومة اللبنانية، كما أنها خارجة عن إرادة الغالبية الساحقة من دول العالم، وهي تتصلُ بالاقتصاد العالمي وتقلُّبِ أحواله من ارتفاع أسعار النفط بفعل الأزمات الإقليمية وارتفاع أسعار العملة الأوروبية إلى العملات الأخرى وتراجُعِ النمو في لبنان الذي تسبَّبَ به الإرهاب العُدوْانُ الإسرائيليُّ الغاشم وعمليات الاعتصام، وكل ذلك يسهم في تدمير اقتصادَنا وبنيتنا التحتية وما تبعه من اعتصاماتٍ وُمعيقاتٍ ما تزالُ ماثلةً إلى الآن.
وأودُّ أن أُشير أخيراً دونما تَعالٍ أو تبرُّؤٍ من المسؤولية إلى أنّ الانعكاسات السلبية على الاقتصاد اللبناني وعلى مستوى عيش اللبنانيين كانت ستبدو أكثر حدةً وقوةً وسلبيةً لو لم تَقمُ الحكومةُ بواجباتها، ضمن إمكانيات لبنان الاقتصادية للتخفيف عن المواطنين. وقد أسهمت الحكومة بفضل تعاون الأشقاء والأصدقاء والبرنامج الاعماري الذي أطلقته اثر العدوان الإسرائيلي، في التخفيف عن كاهل المواطنين الكارثة التي حَلّتْ على رؤوسهم وأطاحتْ بمنازلهم وأملاكهم وأحبابهم وأولادهم.
لكن أيها الإخوة، تصوروا لو أن كل تلك الكوارث لم تقع، تخيلوا ما النتائجُ التي كان لبنان سيحصدُها لو لم يدخل في الأزمات التي دخلْنا أو أُدخلْنا بها والمماحكات والحروب وتلك الاشتباكات التي افتعلناها أو افتُعلت على أرضنا وعلى الأقل على مدى السنوات الثلاث الماضية والتي من دونها كان لبنانُ قادراً على مدى السنوات الثلاثة الماضية، كان لبنان سيكون قادرا على تحقيق نمو تراكمي على مجموع ناتجه المحلي بما لا يقل عن 20% وهذه كلها إمكاناتٌ فوتْناها على اللبنانيين وعلى مجالات تطوير مستقبلهم.

 

تخيلوا مقدار الفرص التي أضعناها على أنفسنا وبلدنا وإنساننا وهي فُرَصٌ قد لا تتكررُ وقد لا تنتظُرنا إن استمر الإمعان في قَتْل حاضرنا وفي جَلْد أنفسنا، وفي اصطناع الدويلات والحروب، وتجاهُل الدستور والمؤسسات.
لقد وقفت الحكومة مع مقاومة الشعب اللبناني في وجه العدوان الإسرائيلي وأعادت طرح قضية لبنان بنداً أساسياً على طاولة البحث الدولي وأمنت انتشار قوات الطوارئ الدولية والجيش في الجنوب. وتمكنت وبفضل مساعدة الأشقاء والأصدقاء من إيصال المساعدات لقرابة مليون مواطن في الجنوب والضاحية وباقي المناطق في شتى أنحاء لبنان، وقد بدأت ورش إعادة اعمار المنازل تنتشر في كل القرى والبلدات الجنوبية والضاحية الجنوبية بعد أن دمرها العدوان، وقد أنفقت الحكومة، بما تيسر لها من إمكانيات، لهذه الغاية وحتى تاريخه ما مقداره 678 مليار ليرة والتي تشمل فقط مبالغ الدفعة الأولى من المساعدات لأصحاب 97.586 وحدة سكنية في الجنوب والضاحية الجنوبية وباقي أنحاء لبنان. هذا إلى جانب ما تمّ إنفاقه من مبالغ طائلة بلغت حتى الآن حوالي 194 مليار ليرة وذلك على شتّى أعمال الإغاثة ومساعدة المواطنين والجرحى ولعوائل الشهداء الذين نسأل الله لأرواحهم الطاهرة أن يسكنهم فسيح جناته. إضافة إلى ذلك كافة عمليات الإعمار وذلك باستثناء تلك المبالغ التي جرى إنفاقها مباشرة من قبل الجهات العربية والدولية المانحة في جميع مجالات الإغاثة وإعادة الإعمار. وعلى ذلك فقد شارفت أعمال إعادة بناء البنية التحتية من طرق وجسور وخطوط كهرباء وهاتف ومياه ومدارس على نهايتها. مع الإشارة أيضاً إلى أنه لم يبق بعد وقف العدوان بشهرٍ ونيّفٍ تلميذٌ واحدٌ خارج المدرسة.

 

 

 

أيها الأخوة،

أيها الإعلاميون،

أيها الحضور الكريم،

 

تفصِلُنا ساعات عن انتخاب رئيس الجمهورية الجديد والذي نأمُلُ أن تتم عملية انتخابه بُيسْر وسلاسةٍ ليكون انتخابُهُ بداية الانطلاق إلى غدٍ مشرق، وبداية انطلاقةٍ جديدةٍ لاستكمال تطبيق دستور الطائف. لكن كما تعرفون فان هذا الانتخاب الذي ننتظره لن يمثل حلاً كاملاً لكل مشكلاتنا، بل سيشكلُ المدخلَ الأساسي والصحيح لمعالجة مشكلاتنا وملفاتنا العالقة وسيفتح الباب العريض لهذه المعالجة. وإذا كان انتخاب الشيخ بشارة الخوري عام 1943 قد شكل المدخل إلى التفاهم على الصيغة الفريدة للتعاون الداخلي في لبنان وانطلاق مسيرة الاستقلال الأولى القائمة على تفاهماتٍ وخطوات متبادلة، فإننا نأمُلُ أن تكون المرحلة المقبلة مدخلاً إلى تفاهم أوسع وأكثر حداثة بين اللبنانيين، يقومُ على الموائَمة بين تياري التحرير والاستقلال. تيار التحرير، الذي ساهم بشكل أساسي في إخراج إسرائيل من الأراضي المحتلة في الجنوب والبقاع الغربي، والذي هو حصيلة كل نضالاتنا السابقة ومنذ نكبة فلسطين، وتيار الاستقلال الذي ساهم بنضالاته وتضحيات شهدائه بإنهاء الوجود العسكري السوري في لبنان مع التأكيد الدائم والحرص العميق على المحافظة على العلاقات الطبيعية والجيدة والأخوية بين البلدين.
نعم إني أدعو إلى تفاهُمٍ جديد عمادُهُ هذان التياران الكبيران تيار التحرير بعد أن حاز على إجماع ودعم كل الشعب اللبناني وتيار الاستقلال والذي أعتقدُ جازماً أنه يحوز أيضاً على تأييد كاسح من كل فئات الشعب اللبناني، وان كانت درجةُ المجاهرة بهما تتباينُ بين فئة وأخرى.

 

 

 

نحن لا نظن أبداً أن إخواناً لنا في الوطن، وهم يعرفون طعم الحرية وقيمتها لا يتمسكون باستقلال بلدهم وسيادته ولا يحرصون عليهما. كما أننا نعرف أيضا وبفعل التجارب أن كل الأطراف في لبنان لم تعد ترى في إسرائيل إلاّ العدوَّ الوطنيَّ والقومي.

 

لهذه الأسباب إني أتوجَّهُ من على هذا المنبر ومن هذا البيت، وبقلب مفتوحٍ مؤمِّلاً البحثَ وبجديةٍ عن هذا التلاقي المطلوب بين هذين التيارين لأن اللقاء بينهما هو الطريقُ إلى الاستقلال الحقيقي للبنان، بلدنا وموطننا وموئل أجدادنا وأولادنا.

 

إننا نأمُلُ حقا ونثقُ أنّ رئيساً جديداً للبنان سينتخب وسينجحُ البرلمانُ اللبنانيُّ في الامتحان وسينتظم عملُ سائر المؤسسات الدستورية. الشعب اللبناني بحاجة شديدة إلى ذلك كلِّه، يريدُ دولته ونظامهُ ميزةً وليس عبئاً. وهذا ما يريده أشقاؤه وأصدقاؤه في العالم.

 

لقد قدمتُ إليكم وإلى الشعب اللبناني خلاصة أعمال الحكومة التي تقرأون عنها وعما قامت به في الكتاب السنوي وأنا على ثقةٍ أنه ستكون للبنان من بعدِ هذه الحكومة الدستورية حكومات دستورية كثيرة أخرى ستعمل في المستقبل مثل هذه الحكومة وأفضل منها.

 

ورحم الله الرئيس الشهيد رفيق الحريري الذي كان يقول: "مش مهم مين بيجي ومين بيروح المهم يبقى البلد".

تاريخ الخطاب: 
20/11/2007