كلمة دولة رئيس مجلس الوزراء الأستاذ فؤاد السنيورة في افتتاح معرض بيروت العربي والدولي للكتاب الـ51

الإخوة في النادي الثقافي العربي،
أيها الناشرون الأعزّاء،
أيها المثقفون،
الحضور الكرام،
أيها اللبنانيون،
للمرةِ الثانيةِ في عامين متواليَين، أتحدث إليكم من مقرِّ رئاسة مجلس الوزراء، بدلاً من أن آتيَ إليكم فأطَّلِعَ مع جمهور المثقفين على النِتاجات الجديدة، وألْقى وجوهاً كثيرةً حَبيبةً للأصدقاء والمَعارفِ من محبّي الثقافة والكتاب. وهذا مظهرٌ آخَرُ من مظاهر الأزمة التي تخوضُ بلادُنا غمارَها منذ أكثر من ثلاثة عقود وهي قد أدّت إلى قلقٍ كبيرٍ لدى المواطنين، وتَرَدٍّ في الأوضاع المعيشية وتراجُعٍ كبير في مسيرة الوطن عن مواكبة التقدم الحاصل من حولنا وفي العالم، كما وإثارة أجواء من التشاؤم وانسداد الأفق في أوساط الشباب بحيث تركت البلادَ عشراتُ الأُلوف منهم باتجاه الفُرَص القريبةِ أو البعيدة، أو لمجرَّد اختراق الحائط المسدود. وآخِرُ وقائع هذه الأزمة المستشرية والمتصاعدة كما تعلمون: تعطيل مجلس النواب اللبناني وصولاً قبل أسابيع إلى مَنْعِهِ من الانعقاد لانتخاب رئيسٍ للجمهورية بعد انتهاء ولاية الرئيس لحّود الممدَّدة. كذلك وعودة المسلسل الإجرامي المتمثل في الاغتيال المجرم للشهيد العميد فرنسوا الحاج مدير العمليات بالجيش اللبناني، وذلك في خُطوةٍ تستهدفُ مؤسسةَ الجيش اللبناني ودورَها وتَقْصِدُ إلى إرهاب المؤسسة العسكرية والتأثير على معنويات العسكريين، وإشعارهم بشكلٍ مباشرٍ أنهم مُستهدَفون مثل سائر مؤسسات ورموز الدولة.
إنّ جَوهرَ هذه الأَزْمةِ يكمن في عجزنا وحتى الآن عن القيام بعمل مشترك ومتضامن من أجل تعزيز ركائز ومقومات دولةِ الحرية والسيادة والاستقلال، ودولة القانونِ والنظام، الدولة الحامية للوطن والمواطن والقادرة على إقدار البلاد على الولوج نحو المستقبل. ولا يَرجِعُ ذلك لاختلافِ الرؤى، والتنازُع بين أطراف النظام اللبناني فقط، بل ولأنّ منطقةَ المشرق العربي ابتُليَتْ منذ أواخر الأربعينات من القرن الماضي بالكيان الاستيطاني الاستعماري على أرض فلسطين، وابتُليت بالتدخلات الأجنبية الكثيرة، والتي اتّخذتْ صراعاتُها من لبنان ساحةً لها، واستتبعتْ لبنانيين بهذا الاتّجاه أو ذاك.
إن عدمَ انتخاب رئيسٍ جديدٍ للبنان حتى اليوم، بعد انقضاء قُرابةِ الثلاثة أسابيع على الموعد الدستوري لذلك، هو أحدُ مظاهر التدخُّل والصِراع على لبنان، لبنان الفكرة والمعنى ولبنان المحتوى والنظام والمؤسسات. فقد اعتبرتْ كَثْرةٌ منا في العام 2000 مع إخراج العدوّ الإسرائيلي من جنوب لبنان، وفي العام 2005 على أثر خروج الجيش السوري من لبنان، أنه قد آن الأوانُ أخيراً لاستكمال دولةِ الاستقلالِ والسيادة. لكنّ الأحداثَ والوقائعَ بيّنتْ أن ما تأملنا به، ما تزالُ تحول بيننا وبينه عَقَباتٌ وأطماعٌ وطُموحاتٌ بالسيطرة والغَلَبة والوصاية المتجددة وبالخروج على الإجماع الوطني بحُججٍ مركَّبةٍ وشعارات مفتعلَة مما أدى إلى إرباك عمل المؤسسات الدستورية وتعطيل بعضها وصولاً إلى الفراغ في موقع رئاسة الجمهورية بسبب العقبات التي وُضعتْ أمام تطبيق الآليات التي ينص عليها الدستور. لقد حالتْ دون ذلك، وللمرةِ السابعة، خلال شهرٍ ونيِّف، اختلافاتُ الرؤى والمصالح والأنانيات، وتجاهُلُ الدستور والمؤسسات. وقبل ذلك وبعده: التدخُّلاتُ الخارجيةُ المعلَنةُ غيرُ السرية.
لقد كنّا نرى ومنذ تشكيل هذه الحكومة، أنه ومهما بلغَ من اتّساع الخلافات بين اللبنانيين، فإنّ مصيرَهم لا بد إلى التلاقي والتوافُق، إذ لا بديلَ عن ذلك. هذا ما أمَّلْناهُ في الأزمة الأخيرة، التي سعينا بكلِّ جَهدنا لإنهائها بالتوافُق بأي ثمن، لصَون استقرار المواطنين وحفظ مصالحهم من جهة، وللتمكُّن من مَنْع التدخُّلات الخارجية المُسيئة إلى وحدة اللبنانيين، وإلى حرياتهِم واستقلالهم. ولا شكَّ أنّ القاسمَ المشترك، وأساسَ التلاقي في النظام اللبناني يبقى الدستور الذي أجمع عليه اللبنانيون في الطائف. وكنّا ضدّ مخالفته أو تعديله، بسبب التجارب المُرّة التي مررْنا بها في هذا الصدد. لكنْ عندما وصلْنا إلى الحائط المسدود، وصِرْنا نشعُرُ بتهديدات الفراغ، والفوضى، وتفاقُم التدخُّلات الخارجية، قبلْنا بتعديل الدستور للتوافُق على العماد قائد الجيش للرئاسة. وقد تم ذلك استناداً إلى ما يتمتع به العماد سليمان من خصال وطنية، ولما قَدَّمَه وأَثبته عبر التجارب التي مرت فيها البلاد ولاسيما في السنتين الأخيرتين وكذلك لما يؤكد عليه العماد سليمان من إيمان راسخ في الحرص على حفظ مؤسسات الدولة وتطويرها وعلى صيانة الديمقراطية واحترام حرية التعبير وإعلاء شأن الحريات العامة وتعزيز دور المجتمع المدني، والتفاني في حَمْل الواجب الوطني، والالتزام بالتوازُن والحيادية في التعاطي مع الأطراف جميعاً.
لكننا لم نَلْقَ للأسف وحتى الآن تجاوُباً من شركائنا في مسعانا. ولذا فإننا سنظلُّ نعملُ من أجل تجاوُزِ هذا الفراغ الملعون حتَّى لا يتهدَّدَ النظامُ، ولكي يظلَّ الأملُ بالدولة القوية والدستورية قائماً في شتّى الظروف. الدولة الواحدة، التي تحمي ولا تُهدّد، تصونُ ولا تُبدّد، تشدُّ أَزْر الصديق، وتردُّ كَيد العدوّ، دولةٌ عربيةٌ تتآلفُ وتنسُجُ مع جميع الأشقاء العرب علاقاتٍ مبنيةً على الوُدّ والتعاوُن والاحترام المتبادل، وتضعُ نُصْبَ عينيها وفي رأس أَولوياتِها وحدةَ الشعب والوطن والدولة والنظام والدستورَ وحكمَ القانون، وصلابةَ المؤسَّسات.
أيها الناشرون،
أيها المثقفون،
أيها الحضور الأفاضل،
إنّ مجيئَكُمُ اليومَ إلى بيروتَ وإلى المعرض رغم كلِّ ما ذكرتُ، ورغم ما حدثَ بالأمس، هو دليلُ إيمانٍ ببيروتَ ولبنان، وأمارةُ تحدٍ وحيويّة، كانت وما تزالُ هي سرَّ اللبنانيين، سِحْراً وقدرةً على تجاوُز الصِعابِ وقهرِها.
أيها الإخوة،
لا تزدهِرُ ثقافةُ الكتاب إلاّ حيثُ تزدهِرُ الحرية. ولذلك ما كانت مُصادفةً أن يظلَّ قِطاعُ النشر بلبنان، في طليعة القطاعات الناشطة في الوطنِ العربي، رغم ضآلةِ الإمكانيّات، والصِغَر النسْبي للسوق المحلية. فكما سَقَتْ حُرياتُ لبنان الدَوحةَ الباسقةَ لفكرةِ الحرية والتقدم في عالَم العرب الحديث والمُعاصر، فكذلك وحَّدتْ حُرياتُ بيروت ثقافَتَهُم وقِيمَهُمْ ولُغَتَهُمْ، وسُوقَهُمْ وأسهمتْ بالنموذجِ الذي أقامتْهُ في دَفْع فكرة التقدم إلى الأمام. ولا شكَّ أنّ المغزى الأبرزَ لمعرِض الكتاب العربي والدولي ببيروت، والمستمرّ لنصفِ قرنٍ ونيّف هو قيامُهُ على الحرية بالمعنى الثقافي والإنساني والسياسي الواسع، وقيامُهُ على طموح الإنسان العربي وعملِهِ من أجل التطوير والتغيير والتقدم والنهوض. ومن أجل هذين الأمرين: التشبُّثُ بالحرية، واجتراحُ التقدُّم والنهوض، أمكنَ للبنانيين ومحبّيهم من إِخوانهم العرب، أن يظلُّوا على هذا الإيمان الكبير بأنفُسِهِمْ وثقافتِهِمْ ووطنِهِمْ وأُمتِهِمْ رغم كلِّ أشكالِ الصِعاب والعَقَبات التي مررنا بها ونمُرّ.
أيها السادة،
أيها الإخوة،
وإذا صحّتْ مقولةُ أنه لا ثقافةَ بدون حرية. فصَحيحٌ أيضاً أنه لا حريةَ حقيقيةً بدون الدولة. ففي النظام الدستوري والديمقراطي الذي جَرَّبَهُ لبنان منذ حوالَي القرن، والذي لا يمكن أن نتخلَّى عنه، تزدهرُ إنسانيةُ الإنسان، وتقترن الحريةُ بالمسؤولية، ويسودُ حُكْمُ القانون، وتُحفظُ المصالحُ الوطنيةُ والقومية. وكما سبق القول فإنّ الظروفَ صعبة، لكنْ في سبيل حريات الوطن ودولته تَهونُ كُلُّ الآلام والمصاعب، ونَستهينُ بالعَقَبات، ولا نخضعُ للإحباط أو التخويف. فنحن أربعةُ ملايين لبناني مقيم، وملايين المغتربين، ومن ورائِنا ومعنا ثلاثمائة مليون عربي، هؤلاء جميعاً يريدون لبنانَ الوطنَ والدولةَ والحريةَ وحكمَ القانونَ والتقدمَ والأملَ والثقافةَ المنفتحة، والطموحَ الغلاَّب، واجتراحَ المبادرات والإبداعات في شتّى المجالات. لقد بنى الجيلان الأولان هذه الصورةَ الزاهيةَ للبنان لدى العرب والعالم خلال أقلِّ من نصف قرن، وينبغي أن ينصبَّ جَهدُنا إنقاذاً لأنفُسِنا ولمستقبل أبنائنا وللنموذج العربي والإسلامي/ المسيحي وصيغة العيش المشترك، على إنهاءِ عقودِ المُراوحة الحائلة دون قيامِ الدولة واستتبابِ المؤسَّسات.
لن يستطيع المجرمون والعابثون وأرباب الإرهاب والخيانة لأُمتِنا ولنضالِنا ولمستقبل لبنان والعرب، أن يحولوا دون انبثاق فجر المستقبل اللبناني والعربي. لن يستطيعوا إرهاب كلِّ اللبنانيين، ولن يستطيعوا إرهاب كلِّ العرب. ولبنانُ الذي قاتل العدوَّ الإسرائيلي دفاعاً عن أرضه وأرضِ كلِّ العرب، سيظلُّ الرائدَ المناضلَ والمدافع عن حرية أبنائه ونظامِه الديمقراطي وعن مصالحِ أمتِه العربية وأملِها في التقدم والحرية.
إنّ هذا الفراغَ في منصب الرئاسة هو تَرَفٌ لا نستطيعُ تحمُّلَهُ، وطنياً أو عربياً. وهو من صُنْع جهاتٍ تخافُ من الحرية، ومن الديمقراطية ومن النموذج اللبناني القائم على الانفتاح والاعتدال. كما أنه خيارُ أُناسٍ لا يدرون ماذا يفعلون بوطنِهم وبني قومِهِمْ ومستقبلِ أولادِهِمْ. وإننا إذ نعلنُ جميعاً أننا صامدون ومبادرون ولا نتهربُ من المسؤولية. وأنتم أيها المثقفون والناشرون والضيوف في الطليعة- نعلنُ تصميمَنا على سدِّ الفراغ اليومَ قبل الغد بانتخاب رئيسٍ جديدٍ للجمهورية بعيداً عن هرطقات غير ذوي الإحساس بالمسؤولية، ورغماً عن أولئك الذين لا يريدون الخير بلبنانَ ولا بالعرب لأن الإبقاء على الفراغ في موقع الرئاسة هو بمثابة جريمة كبرى ومضاعفة تضاف إلى الجرائم التي ارتُكبت حتى الآن بحق لبنان الوطن والدولة والمؤسسات.
إخوتي في النادي الثقافي العربي،
أيها المثقفون،
أيها الناشرون،
أيها اللبنانيون،
صَنَعَتْ بيروتُ الناديَ الثقافيَّ العربيَّ، وَصَنع النادي معرِضَ الكتاب العربي، وأقبلت سائرُ فئات اللبنانيين والعرب على التنافُس في بيروتَ بالحرية والتقدم والإبداع. في ظلّ متغيِّراتٍ كبيرةٍ بدنيا العرب، ودنيا العصر والعالم، ودنيا الثقافة، وتطوُّر وسائل الاتصال. ولا أكْتُمُكُمُ القولَ، وأنتم على وعيٍ بذلك ولا شكّ، أننا في لبنانَ وفي حواضر الوطن العربي الأُخرى قد فقدْنا الريادة وأضعْنا فُرَصاً كثيرةً للافتقار إلى الإطار المؤسَّسي، وللقصور في بناء دولة الحرية والقدرة والتمكُّن، ولعدم اجتراح سُبُل ووسائل التقدم باتجاه النهوض. ويكونُ علينا لبنانيين وعرباً استدراكُ ما فات، واستيعابُ ما هو آتْ، والاندفاعُ في جادّة الحرية والدولة والتقدم والنهوض والإبداع.
أيها الناشرون اللبنانيون،
أيها الإخوةُ العرب،
أيها المواطنون،
أتيتُم إلى معرض الكتاب العربي والدولي ببيروت عام 2000 لتحتفلوا معنا بانتصار النضال والثقافة على همجية العدوان والاحتلال. وأتيتم إلينا في العام 2005 لتُعلنوا وقوفَكم مع لبنانَ وشعبِه في وجه المؤامرة على نموذجِه ودولتِه وحياةِ كبار رجالاتِه. لقد صمدْنا في وجه عدوان تمّوز في العام 2006 واستطعنا بمقاومتنا وبوحدتِنا الداخلية وبمساعدةِ العربِ والعالَم أن نمنع إسرائيل من الانتصار وأن نستعيدَ زِمامَ الأمور، وأن نُرسِلَ قواتِنا المسلَّحة إلى جنوبِ لبنان بعد غيابِ أكثر من ثلاثين عاماً. وصمدْنا في وجه الإرهاب والفوضى والقتْل العشوائي والفتنة في مخيَّم نهر البارد، وها نحن قد خرجْنا بجيشٍ قويٍّ ومتماسِك، يقدّم الشهداءَ وآخِرُهُم يومَ أمس العميد الشهيد فرانسوا الحاج، ومرافقه. وها هو الجيش يعملُ على مواجهة العدوّ يحفظُ الأمن ويُدافع عن أَمْنِ الوطن. كما أن اللبنانيين دولةً وشعباً قرروا إبقاء الراية عاليةً مرفوعة، راية الحرية والديمقراطية والنظام المدني رغم كلِّ المؤامرات والجرائم ومحاولات زرع اليأس في النفوس. وها أنتم تأتون اليومَ إلى بيروتَ ولبنان لتجدِّدوا العهدَ على الحرية والدولة والتقدم والنهوض، ونُصرة ثقافة الكتابة والكتاب.
عاش النادي الثقافي العربي.
عاش معرض الكتاب العربي والدولي.
عاشت الثقافة العربية الحرة والمتقدمة.
عاشت بيروت منارةَ الإبداع والتقدم والرَوعة.
عاشت الحرية في لبنان، وعاش نظامُهُ الديمقراطي.
عشتم، وعاش لبنان.
السراي الكبير
الخميس في 13/12/2007
رئيس مجلس الوزراء
فؤاد السنيورة
