كلمة دولة رئيس مجلس الوزراء الأستاذ فؤاد السنيورة فـي جلسـة التعديـل الدسـتوري: جلسـة مجلـس الـوزراء بصفته يمارس صلاحيات رئيس الجمهورية وكالةً (كما اعتُمدت)

إخواني الأعزّاء،
أيها الزملاء الكرام،
لن أُخفي عليكم، أنّ مسألة تعديل الدستور التي نحن بصددها. مسألة نقدم عليها بعد تفكير طويل وبعد تحفظ لا يجهل أحد أسبابه. ولعلّ تعديل الدستور اليوم، بعد المواقف المبدئية ضده هي عملية صعبة بالنسبة لي وللكثيرين. لكن، وبعد طول تفكير وبسبب الأزمة السياسية الخطيرة المستحكمة التي نمر فيها كما سبق القول، فإننا آثرنا الموافقة على تعديل المادة 49 من الدستور تجنباً لاستمرار الفراغ الرئاسي وتنامي الأزمة الوطنية، وما إجماعُنا اليومَ كمجلس الوزراء على هذه الخطوة إلاّ دليلٌ على تصميمنا على عودة لبنان إلى جادة الصواب وبداية مسيرة التعافي التي يجب أن تنطلق مع انتخاب الرئيس الجديد الذي تنتظره وتنتظر معه الحكومةَ الجديدةَ المقبلةَ والمجلسَ النيابيَّ الكريم، ورشةٌ ضخمةٌ، أولاً لإعادة الثقة التي اهتزت إلى مواطنينا بنظامهم الديمقراطي وبلدِهم وصيغة عيشهم المشترك، وبتصميمِهِمْ ثانياً على تطوير مؤسساتهم الديمقراطية والعمل لإعادة الثقة لدى العالم من حولنا بلبنان البلد العربي الحر السيد المستقل، بلد الأرز ومقاومة الاحتلال وبلد الصمود والحيوية الخلاقة، بلد الحريات والانفتاح والاعتدال وقبول الآخر، بلد التآلف المستمر، في هذا الوطن الصغير بمساحته، الكبير بكل أبنائه وبنيه مع محيطه العربي ومع العالم الأرحب.
إخواني،
أيها الزملاء الأعزاء،
إنّ الأزمة التي مرت علينا خلال السنتين الماضيتين كلفتنا الكثير من الجروح والخطوب والمآسي. لذلك علينا أن نذكرها لنتّعِظَ بدروسِها لا لنتوقَّفَ ونجمُدَ عندها. نذكُرُها لكي نستفيدَ من دروسها ولا نتسمر بتداعياتها عند النظر إلى الوراء بحيث نبقى أسرى الماضي ونُضيعَ مرةً جديدةً المستقبلَ المُتاحَ من أمامِنا. هذا المستقبلُ الذي أصبحَ ويجبُ أن يصبح مِلْكنا وواجب علينا أن نجعلَهُ أُفقاً مفتوحاً لأجيالنا الطالعة وذلك بأن نحوله لصالحهم لا أن يَحْمِلَ معه عبئاً جديداًً عليهم. إنه المستقبلُ الذي يُتيحُ إعادةَ البناء الوطني والاقتصادي والسياسي. فلبنانُ يستحقُّ منا أكثرَ مما أَعطيناه وشعبُنا ينتظرُ من قياداته أن لا تتكرَّرَ بينهم الأَزَماتُ مع طُلوع كلِّ شمسٍ أو أُفولِ كلِّ عَهْد. شعبنا وجيل الشباب يتوقع منا ويطلب منا أن نتمكن جميعاً من بناء دولتنا التي تؤمن للجميع الأمنَ والأمانَ والعدالةَ والحريةَ والالتزامَ الكاملَ بالديمقراطية والمجتمع المدني. جيل الشباب يأْمُلُ منا أن نضعَ البلادَ على المسار الذي يضمَنُ تكافؤَ الفُرَص والتلاؤمَ المستمرَّ مع التحوُّلات مع مُحيطِنا العربي والعالم. شبابُنا يريدون الطُمَأْنينةَ والاستقرارَ والقدرةَ على الانطلاق نحو المستقبل بثقة واندفاع، بما تمكنهم من استعمال طاقاتهم ومواردهم وبما يعود عليهم وعلى وطنهم بالخير.
ولهذه الأسباب بالذات، ومن هذا المنظار، نرى جميعاً أهميةَ ومحوريةَ موقعِ رئيسِ البلاد ومن كلِّ النواحي فهو رئيسُ الدولة ورمزُ وحدة الوطن. إنه حافظُ الدستور والمؤسسات وهو الحَكَمُ والمرجع، ويتوقّف على موقعه وحكمته وسلوكه انتظامُ عمل المؤسسات الدستورية، وتجاوُزُ التوتُّرات بالتَسامي والحيادية والالتزام الوطني الكبير. وهو من موقعه هذا قادر على أن يلعب الدور المحوري في العودة إلى إطلاق الحوار الوطني حول جملة من المواضيع الأساسية بما يحقق الوفاق الوطني من حولها ويعيد توجيه الجهود نحو إطلاق طاقات البلاد والمواطنين لمعالجة ما تراكم من مشاكل ومسائل على شتى الصعد الوطنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية.
أيها الزملاء،
بناء على ما تقدم، فأنا لديّ الأمل والثقة إن شاء الله أنه في عهد الرئيس الذي نتطلع إلى انتخابه العماد ميشال سليمان والذي سيكون رئيساً بثقة المجلس النيابي وبثقة اللبنانيين، سنجدُ الطاولةَ الحوارية الممدودةَ الباعثةَ على الثقة وعلى الرحابة، والمقتنعة تماماً بفصل السلطات الدستورية وتعاوُنها بما يشجع كلاً منها على أداء دورها المحدد في الدستور بانتظام وانسجام دون أن تفتئتَ واحدةٌ على الأُخْرى. ونكونُ بذلك قد قطعْنا نصفَ الطريق في مسألَتي تفعيل الدستور، والتصدي للمشكلات المتراكمة والمستجدّة.
السراي الكبير رئيس مجلس الوزراء
الاثنين في 24/12/2007 فــؤاد الســنيورة
