كلمة دولة رئيس مجلس الوزراء الأستاذ فؤاد السنيورة في جلسة التعديل الدستوري(كما أُلقيت)

إخواني الأعزاء،
أيها الزملاء الكرام،
ليس جديداً أن أقول أني لطالما تمسكْتُ بما نَصَّ عليه دستورُنا اللبناني ولطالما كررت أني متمسكٌ باحترامِ الدستور وبنودِه، وقد رفضْتُ سابقاً أيَّ بحثٍ بتعديل بنوده. لكني والحقُّ يُقالُ وبعد أن وصلْنا إلى ما وصلنا إليه من فراغ في موقع رئاسة الجمهورية، وهي الحالة التي لا نريدها جميعا،ً لخطورتها على النظام السياسي، وأسس العيش المشترك وانتظام عمل المؤسسات ووجود الجمهورية، كان علينا أن نفكرَ بطريقةٍ تجعلُنا قادرِين على استنباط حلولٍ لمشاكلَ تزدادُ تعقيداً وتشابكاً، فكان لا بد من البحث عن كافة البدائل المتاحة التي يمكن أن تُخرجَ البلادَ من هذا المأزق الخطير الذي يتهدَّدُنا الاستمرارُ فيه والبقاءُ في إساره.
صحيحٌ أنّ الدستورَ أَولَى مجلسَ الوزراء صلاحيات رئيس الجمهورية وكالةً في حال فراغ سدة الرئاسة، لكنَّ هذا التكليفَ جاء من المشرِّع لحفظِ المؤسسات والبلاد من حالة الفراغ ولضمان استمرار عمل السلطات الدستورية. لكننا وبسبب خطورة وحراجة الأوضاع الراهنة على المستوى الوطني، كان موقفُنا ومنذ دخولنا في حالة الفراغ الرئاسي واضحٌ وقاطعٌ في هذا المجال، وهو العمل بجد وتصميم على الوصول إلى انتخاب رئيسٍ للجمهورية بأسرعِ وقتٍ ممكن. وعلى ذلك فقد اتجه التفكير لترشيح قائد الجيش العماد ميشال سليمان إلى منصب الرئاسة الأولى وذلك كخطوة كبيرة من قبل قوى 14 آذار باتجاه باقي الإخوان في الوطن وبما يؤدي إلى تعزيز فُرَصِ الوفاق بين اللبنانيين. وقد تم ذلك استناداً إلى ما يتمتع به العماد سليمان من خصال وطنية، ولما قَدَّمَه وأَثبته عبر التجارب التي مرت فيها البلاد في السنتين الأخيرتين وكذلك لما يؤكد عليه من إيمان راسخ لجهة الحرص على سيادة لبنان وعروبته واستقلاله وعلى دوره الطليعي والفريد في الشرق العربي وكذلك ومن جهة أخرى ما يؤكده من حرص على العمل مع الحكومات العتيدة في حفظ مؤسسات الدولة وتطويرها وصيانة الديمقراطية والتأكيد على حرية التعبير والحريات العامة ودور المجتمع المدني والتفاني في خدمة الواجب الوطني. هذا فضلاً عن ما يؤكده من حرصه على التوازُن والحيادية في التعاطي مع الأطراف جميعاً بما يحقق التوازن والوئام الوطني.
نود أن نؤكد في هذا المجال أنه ومنذ أن خلت رئاسة الجمهورية، تمسكّت هذه الحكومة بحرصها الدائم على التقيّد الصارم بأحكام الدستور. وهي لذلك تمارس هذه الصلاحيات التي أناطها بها الدستور، بما فيها القيام بكافة أعمال رئيس الجمهورية، وذلك بمسؤولية كبيرة وعينها على مصلحة الوطن العليا، وهمّها الإسراع في انتخاب رئيس الجمهورية الجديد.
والحكومة في كل ذلك، بالأمس واليوم، تقوم بواجبها ولا تريد إلاّ السهر على تسيير أعمال الدولة. ولن يثنيها عن إرادتها هذا تهويل أو تذّرع، والذي لعلّه وجه آخر من وجوه العرقلة والحؤول دون تحقيق سريع لتسوية مشرّفة تسهم في إخراج البلاد من حال التناحر الحاضرة.
من الطبيعي أن ترشيح العماد ميشال سليمان لمنصب رئيس الجمهورية يقتضي وبحسب المادة 49 من الدستور المبادرة إلى طلب تعديل الدستور وذلك فيما يختص بالفقرة الثالثة من هذه المادة. وعلى ذلك فإننا نود أن نقترح بالصفة التي أولتنا إياها المادة 62 من الدستور أن نعمد إلى تطبيق المادة 76 من الدستور وأن نقترح بالتالي على الحكومة أن تعمد إلى إعداد مشروع قانون لإرساله إلى مجلس النواب بهذا الخصوص.
إخواني الأعزّاء،
لن أُخفي عليكم، أنّ مسألة تعديل الدستور التي نحن بصددها. مسألة نقدم عليها بعد تفكير طويل وبعد تحفظ لا يجهل أحد أسبابه. ولعلّ تعديل الدستور اليوم، بعد المواقف المبدئية ضده هي بمثابة شرب العلقم بالنسبة لي وللكثيرين. لكن، وبعد طول تفكير وبسبب الأزمة السياسية الخطيرة المستحكمة التي نمر فيها كما سبق القول، فإنّ ما يشبه شرب العلقم بالنسبة لي أفضل ألف مرة من أن يشرب بلدي الحنظل أو السم، حنظل الفراغ والافتراق، وسُمّ الفتنة.
نعم، إني قَرّرْتُ تَجَرُّعَ علقم التعديل الدستوري تجنباً لانتشار السم القاتل، المتمثل باستمرار الفراغ الرئاسي وتنامي الأزمة الوطنية، وما إجماعُنا اليومَ كمجلس الوزراء على هذه الخطوة إلاّ دليلٌ على تصميمنا على عودة لبنان إلى جادة الصواب وبداية مسيرة التعافي التي يجب أن تنطلق مع انتخاب الرئيس الجديد الذي تنتظره وتنتظر معه الحكومةَ الجديدةَ المقبلةَ والمجلسَ النيابيَّ الكريم، ورشةٌ ضخمةٌ، أولاً لإعادة الثقة التي اهتزت إلى مواطنينا بنظامهم الديمقراطي وبلدِهم وصيغة عيشهم المشترك، وبتصميمِهِمْ ثانياً على تطوير مؤسساتهم الديمقراطية والعمل لإعادة الثقة لدى العالم من حولنا بلبنان البلد العربي الحر السيد المستقل، بلد الأرز ومقاومة الاحتلال وبلد الصمود والحيوية الخلاقة، بلد الحريات والانفتاح والاعتدال وقبول الآخر، بلد التآلف المستمر، في هذا الوطن الصغير بمساحته، الكبير بكل أبنائه وبنيه مع محيطه العربي ومع العالم الأرحب.
إخواني،
أيها الزملاء الأعزاء،
إنّ الأزمة التي مرت علينا خلال السنتين الماضيتين كلفتنا الكثير من الجروح والخطوب والمآسي. لذلك علينا أن نذكرها لنتّعِظَ بدروسِها لا لنتوقَّفَ ونجمُدَ عندها. نذكُرُها لكي نستفيدَ من دروسها ولا نتسمر بتداعياتها عند النظر إلى الوراء بحيث نبقى أسرى الماضي ونُضيعَ مرةً جديدةً المستقبلَ المُتاحَ من أمامِنا. هذا المستقبلُ الذي أصبحَ ويجبُ أن يصبح مِلْكنا وواجب علينا أن نجعلَهُ أُفقاً مفتوحاً لأجيالنا الطالعة وذلك بأن نحوله لصالحهم لا أن يَحْمِلَ معه عبئاً جديداًً عليهم. إنه المستقبلُ الذي يُتيحُ إعادةَ البناء الوطني والاقتصادي والسياسي. فلبنانُ يستحقُّ منا أكثرَ مما أَعطيناه وشعبُنا ينتظرُ من قياداته أن لا تتكرَّرَ بينهم الأَزَماتُ مع طُلوع كلِّ شمسٍ أو أُفولِ كلِّ عَهْد. شعبنا وجيل الشباب يتوقع منا ويطلب منا أن نتمكن جميعاً من بناء دولتنا التي تؤمن للجميع الأمنَ والأمانَ والعدالةَ والحريةَ والالتزامَ الكاملَ بالديمقراطية والمجتمع المدني. جيل الشباب يأْمُلُ منا أن نضعَ البلادَ على المسار الذي يضمَنُ تكافؤَ الفُرَص والتلاؤمَ المستمرَّ مع التحوُّلات مع مُحيطِنا العربي والعالم. شبابُنا يريدون الطُمَأْنينةَ والاستقرارَ والقدرةَ على الانطلاق نحو المستقبل بثقة واندفاع، بما تمكنهم من استعمال طاقاتهم ومواردهم وبما يعود عليهم وعلى وطنهم بالخير.
ولهذه الأسباب بالذات، ومن هذا المنظار، نرى جميعاً أهميةَ ومحوريةَ موقعِ رئيسِ البلاد ومن كلِّ النواحي فهو رئيسُ الدولة ورمزُ وحدة الوطن. إنه حافظُ الدستور والمؤسسات وهو الحَكَمُ والمرجع، ويتوقّف على موقعه وحكمته وسلوكه انتظامُ عمل المؤسسات الدستورية، وتجاوُزُ التوتُّرات بالتَسامي والحيادية والالتزام الوطني الكبير. وهو من موقعه هذا قادر على أن يلعب الدور المحوري في العودة إلى إطلاق الحوار الوطني حول جملة من المواضيع الأساسية بما يحقق الوفاق الوطني من حولها ويعيد توجيه الجهود نحو إطلاق طاقات البلاد والمواطنين لمعالجة ما تراكم من مشاكل ومسائل على شتى الصعد الوطنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية.
أيها الزملاء،
صحيح أن دستور الطائف ليس نصاً معصوماً. لكننا لم نُجرِّبْ تطبيقَه بحذافيره ولو للاختبار وهو لذلك يستحق، فضلاً عن أنه يتوجب علينا، أن نعمد حقيقة إلى تطبيقه ذلك ما يمكننا من التعرف إلى حسناته وميزاته وربما إلى ما قد يكون من المفيد أن يصار إلى إعادة النظر فيه وذلك في أجواء وطنية هادئة. من المتعارف عليه أنه لا يمكن النظر في أي أمر في هذا الخصوص إلاّ في أجواء وطنية هادئة بعيدة عن التوتر والشحن من أي نوع كان. تجدر الإشارة أنه وفي المقابل فقد تولد لدى بعض العاملين في الشأن العامّ بسبب طول مُدّة عدم التطبيق، شعور أنّ الدستور نصٌّ مثاليٌّ لكنه ليس للتطبيق. وأقبل آخرون مدفوعين على الاستخفاف به والجهر بالخروج عليه. وكان أهمّ ما أساء للدستور والوطن عدمُ الإقبال على ممارسة الدور المنتظَر والمَنوط برئاسة الجمهورية، دور صانع الحوار ومطوِّره، ودَور صمام الأمان للحياة السياسية، ولعلاقات لبنان بالعالم. وأنا لديّ الأمل والثقة إن شاء الله أنه في عهد الرئيس ميشال سليمان الذي سيكون رئيساً بثقة المجلس النيابي وبثقة اللبنانيين، سنجدُ الطاولةَ الحوارية الممدودةَ الباعثةَ على الثقة وعلى الرحابة، والمقتنعة تماماً بفصل السلطات الدستورية وتعاوُنها بما يشجع كلاً منها على أداء دورها المحدد في الدستور بانتظام وانسجام دون أن تفتئتَ واحدةٌ على الأُخْرى. ونكونُ بذلك قد قطعْنا نصفَ الطريق في مسألَتي تفعيل الدستور، والتصدي للمشكلات المتراكمة والمستجدّة.
