الرئيس السنيورة يتحدث في منتدى الامن الغذائي في ابوظبي : التطلع للمستقبل بمشاريع عملاقة عابرة للحدود في الطاقة مترافقة مع اصلاحات واستعة وتعزيز شبكات الامان الاجتماعية

-A A +A
Print Friendly and PDF

شارك رئيس كتلة المستقبل الرئيس فؤاد السنيورة في منتدى الامن الغذائي الذي انعقد في ابوظبي في 3 آذار  2012 والقى كلمة عبر الفيديو باللغة الانكليزية في ما يلي نص ترجمتها :

صباح الخير، أسمحوا لي أولاً أن أعتذر على عدم تواجدي معكم هذا الصباح نتيجة مسألة طارئة استجدت في جلسة مجلس النواب اللبناني المنعقدة اليوم. الا أنني لم أشأ تفويت فرصة المشاركة في بحث قضية بهذه الأهمية قي وقت مهم للغاية من تاريخ منطقتنا.

لأصدقاء الأعزاء، قد لا يرى بالضرورة البعض العلاقة بين الأمن الغذائي والربيع العربي، حتى أن هذا البعض لا يعتبر في الواقع العوامل الاقتصادية قضايا أساسية في عملية نشوء حركة الربيع العربي أو اندلاع هذا الربيع أو حتى في المرحلة الانتقالية ذات الصلة.  لكن دعونا نستذكر معاً أن الشرارة الاولى لهذه الحركة الثورية التي غيرت خارطة العالم العربي تمثلت بحرق بائع خضار على العربة نفسه، وأن الهدف من المظاهرات التي أعقبت هذا الحدث كان الاعتراض على الارتفاع المطرد لأسعار المواد الغذائية في كل من تونس والجزائر. هذا لا يعني بالطبع أن قضية الأمن الغذائي أو حتى قضية الحرمان الاقتصادي كانتا في طليعة مطالب هذه الحركات. فالربيع العربي كان وما زال أولاً وقبل كل شيء حركة مطالبة بالكرامة والحرية والعدالة، هذه القيم التي غالباً ما تم انتهاكها أو تهميشها في منطقتنا من العالم. الا أن العوامل الاقتصادية لطالما كانت في أساس مشاعر التهميش التي غذت المظاهرات.

 

من الواضح كذلك الأمر أن أسباب الاضطرابات عميقة وقد تراكمت على مر الزمن. فقد تفاعل تفاقم الوضع الاقتصادي والاجتماعي لفترة طويلة مع العوامل السياسية. والواقع أن التهميش السياسي والاقتصادي عزز بعضه البعض في وقت غذى انعدام الديموقراطية والمساءلة والعدالة رأسمالية المحسوبيات (أو حتى سهل وجودها)  وسوء الحوكمة، مما أدى الى استفادة قلة مختارة من فوائد الاصلاحات الاقتصادية غير المدروسة، كعمليتي الخصخصة وبيع أصول الدولة التي لم تتصف بالشفافية. كما أن السلطات العربية غالباً ما لم تتعامل بالصراحة المطلوبة مع شعوبها في ما يخص التحديات التي تواجهها بشكل كان سيسمح لها بتمهيد الطريق أمام الاصلاحات الضرورية لتـرشيد استخدام مواردها الشحيحة.

ففي الوقت الذي غالباً ما كانت فيه المؤشرات الكلية للنمو والعجز المالي وأسعار الصرف مقبولة، استمر معظم المؤشرات الاجتماعية الاقتصادية كمعدل البطالة ومستويات الفقر والأمن الغذائي بالتدهور، وقد وصلت هذه المؤشرات الى مستويات مقلقة في كل من مصر والأردن ولبنان والمغرب وسوريا وتونس. وقد أظهر تقرير لصندوق النقد الدولي أن أكثر من نصف القوة العاملة من الشباب عاطلة عن العمل، فيما أشارت دراسة أخرى أن الأمن الغذائي تدهور في غالبية دول المنطقة نتيجة أزمة أسعار السلع الأساسية التي شهدها العالم في العامين 2007/2008 والعامين 2010/2011.

 

وقد أدى تراكم أسباب الاضطرابات لازدياد الطلب وارتفاع توقعات الشعوب في الدول التي تمر بمراحل انتقالية وفي الدول التي تواجه ظروفاً مماثلة. أما التحدي الأكبر فيكمن في كيفية ادارة العملية الانتقالية في مرحلة تشهد فعلياً تدهوراً للأوضاع الاقتصادية وتقلصاً للاستثمارات وارتفاعاً في معدلات البطالة وكل ذلك في ظل ازدياد الطلب وارتفاع التوقعات. وحقيقة الأمر أن ازدياد الوعي يرفع من التوقعات وأن ادارة هذا التوازن الدقيق تمثل أحد التحديات الأساسية التي يواجهها صانعو القرار عامةً وخلال الفترات الانتقالية بشكل خاص.

 

السيدات والسادة،

ان مواجهة هذا التحدي تمثل بالفعل أحد أهم عوامل نجاح العملية الانتقالية، في وقت تساهم فيه الظروف الدقيقة في زيادة تعقيد التحديات المزمنة فعلياً. اسمحوا لي أن استعين هنا بمثال محدد خاص بمسألة الأمن الغذائي لأوضح وجهة نظري: تشكل هذه المسألة تحد جدي في منطقتنا العربية التي تعتمد بشكل كبير على الواردات الغذائية نظراً للطلب المرتفع الناتج عن ارتفاع معدل النمو السكاني ولتغير أنماط الاستهلاك في آن فضلاً عن امكانات النمو الزراعي المحدودة بسبب القيود التي تفرضها قلة المياه وانعدام ادارة الموارد المائية.

 

لاعطاء مثال محدد، تعتبر الدول العربية أكبر مستورد للحبوب في العالم مع عجز بلغ ما مجموعه 2،85 مليون طن في العام 2007. والأمر مماثل لكن بدرجات متفاوتة بالنسبة لمواد غذائية أخرى. ينتج عن هذا الاعتماد المرتفع على الواردات الغذائية حاجة مستمرة للعملات الأجنبية بهدف تمويل عمليات الاستيراد. الا أن الظروف التي أنتجتها العملية الانتقالية هي في الواقع الظروف نفسها التي أدت لتراجع القدرة على الحصول على عملات أجنبية. فقد شهدت السياحة والاستثمارات الأجنبية المباشرة والتحويلات المالية تراجعاً ليس فقط في الدول التي تعيش الربيع العربي انما في معظم دول العالم العربي كذلك الأمر باستثناء الدول المنتجة للنفط.

 

في ما تقدم مثال واضح على مساهمة هذه العوامل المتجذرة والظروف الصعبة معاً في اتساع الفجوة بين التوقعات والتحديات خلال هذه المرحلة الانتقالية الدقيقة التي يشهدها العالم العربي، الأمر الذي يستدعي اصلاحات عاجلة ويذكرنا بالفعل بحكمة قديمة مفادها أنه علينا القيام بالاصلاحات الجذرية والفعلية عندما نستطيع ذلك وليس عندما يتوجب علينا القيام بها اذ أن كلفة هذه الاصلاحات ستكون عندئذ أكبر والألم الناتج عنها أكثر حدة كما أن مستوى فعاليتها سيأتي منخفضاً نظراً للضغط الذي نكون قد تعرضنا له خلال عملية التنفيذ.

 

الا أنه يتوجب علينا، وعلى الرغم من الظروف الراهنة، ألا نهدر مزيداً من الوقت، وعلينا بالتالي التحرك فوراً لمعالجة المسائل الحساسة التي تشكل تحدياً أمام اقتصادنا ومجتمعنا. فمسائل الأمن الغذائي والعمالة والاصلاحات المالية ومخططات الدعم المالي تشكل كلها أمثلة عن قضايا طارئة تتداخل فيها عوامل دقيقة ومزمنة متعددة وتزيد من تعقيدات العملية الانتقالية.

 

السيدات والسادة،

وفقا للأبحاث التي تم اجراؤها·، ان مستوى الخطر من انعدام الأمن الغذائي في دول الخليج، بما فيها البحرين والكويت وعمان وقطر والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، منخفض. أما في ليبيا وتونس فمخاطر انعدام الأمن الغذائي فمعتدلة في الوقت الذي تظهر فيه في كافة الدول الأخرى مستويات جدية أو خطيرة أو مثيرة للقلق للغاية في هذا المجال.

 

بالنسبة لي، هذه النتائج مقلقة لحد بعيد، وذلك مرده لسببين على الأقل.

يعود السبب الأول لكون هذه النتائج تعكس حقيقة أن انعدام الأمن الغذائي يمثل تهديداً واضحاً وقائماً في معظم الدول التي تمر بمرحلة انتقالية: مصر واليمن وسوريا فضلاً عن الدول التي تشهد بعض الاصلاحات السياسية كالأردن والمغرب.

 

أما السبب الثاني فيكمن في أن للاختلاف حول هذه المسائل في منطقة تجمعها لغة واحدة وتاريخ واحد وارث ثقافي واحد تبعات خطرة ليس فقط في دول معنية محددة بل في العالم العربي ككل. هل بامكاننا حتى تصور الهوة الواسعة التي تفصل بين أوروبا الغربية وأوروبا الشرقية؟ أو بين الولايات المتحدة الأميركية ودول أميركا الوسطى؟ ففي جوهر اتفاقيات التجارة الحرة والاتحادات الاقتصادية التي تم انشاؤها خلال العقدين المنصرمين، يكمن بالفعل الاقرار الأساسي بأن رفاهية جارك من رفاهيتك في عالم فقدت فيه الحدود الجغرافية من أهميتها.

 

أما ما يثير قلقي فتزايد حدة الاختلاف في المشهد الاجتماعي الاقتصادي في الدول العربية بالضبط في الوقت الذي نحتاج فيه لتقارب الدول العربية فتتمكن من لعب دور نقطة الارتكاز بالنسبة للدول العربية التي تمر بمرحلة انتقالية.

 

التجربة في مناطق أخرى، أكان ذلك خطة مالرشال في أعقاب الحرب العالمية الثانية والتي أمنت نقطة ارتكاز لدول أوروبا الغربية وحالت دون انزلاقها نحو الشيوعية أو التجمع ضمن الاتحاد الأوروبي والتعهد الذي قدمته لدول أوروبا الشرقية خلال مرحلة انتقالها الى الديموقراطية أو حتى وقع اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية (NAFTA)وتأثيرها على المكسيك التي أصبحت بعد فترة قصيرة عضو في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، كلها أمثلة على أهمية المخططات الاقتصادية الاقليمية الكبرى وأثرها الايجابي ليس فقط على نمو الدول الاجتماعي الاقتصادي بل على نجاح الحركات الديموقراطية في هذه الدول نفسها كذلك الأمر.

 

الأصدقاء الأعزاء،

اسمحوا لي أن أعيد التأكيد في هذه المناسبة على رؤيا أطلقتها في القمة العربية الاقتصادية التي عقدت في الكويت في العام 2009 حول تكامل اقتصادي عربي أقوى يشمل كافة القطاعات، خاصةً تلك المتعلقة بالطاقة والنقل والأمن الغذائي، تكامل يقرب بين دول العالم العربي ويردم الهوة بين شعوبها. من الضروري التنبه الى أن هذه المبادرة لا تستند قطعاً على مفهوم العمل الخيري من الأغنياء للفقراء (مِن مَن يملكون لمَن لا يملكون) بل تستند على مفهوم منطقة تستثمر في رفاهها وبشكل أوسع بتنميتها ورعايتها الاجتماعية، منطقة تستثمر في أمنها الخاص ونموها المستدام.

لنأخذ المياه على سبيل المثال: تبلغ حصة الفرد العربي من المياه أقل من 1000 متر مكعب سنوياً مقارنةً مع المعدل العالمي الذي يبلغ 7000 متر مكعب سنوياً. كما ويخضع المعدل العربي لخطر التقلص نتيجة عوامل عديدة بدءً من التغيرات الديموغرافية مروراً بالتغيرات المناخية وصولاً للمسائل الأمنية التي سيكون لها وقع سلبي على مواطنينا العرب وآفاق نموهم وأمنهم الغذائي. أو لننظر لقطاع الطاقة: يتميز انتاج واستهلاك الطاقة في المنطقة بأنماط غير مستدامة تلحق ضراراً كبيراً بالبيئة. هناك حاجة لمقاربة انتاج مستدام جديد في هذا القطاع حيث يمتلك العالم العربي أكثر من 60% من الاحتياطي المؤكد من النفط العالمي وأكثر من 40% من الاحتياطي المؤكد من الغاز العالمي، علماً أننا في هذه الأثناء نعاني من نقص كبير في أنابيب النفط والغاز فضلاً عن نقص في شبكات التغذية الكهربائية والاتصالات.     

 

من هنا تظهر الحاجة ملحة للاستثمار في مشاريع عملاقة عابرة للحدود في القطاعات الرئيسية كالنقل والطاقة والمياه والتي تعتبر حيوية بالنسبة للمجتمع اضافةً لكونها عوامل هامة لعملية الإنتاج في قطاعات أخرى. أما الهدف من هذه المشاريع فمحاولة تقريب الدول العربية من بعضها والحد من الكلفة وتعزيز الفعالية في قطاعات تعتبر مهمة لرفاهية المجتمع ولقطاعات اقتصادية انتاجية أخرى كالصناعة والزراعة. ألا ينبغي، على سبيل المثال، أن تكون كلفة استيراد الدول العربية للمنتجات الزراعية من السودان أقل من كلفة استيرادها من أوروبا وأميركا الجنوبية لو توفرت مسالك وطرق سريعة تربط بين المناطق الزراعية والموانئ في السودان؟

 

السيدات والسادة،

اسمحوا لي أن أعبر هنا عن تحفظ واحد: المزيد من الانفاق في قطاع معين كالزراعة ليس بكاف للحصول على نتائج ايجابية فورية في مجال الحد من الفقر أو زيادة مستوى الاكتفاء الغذائي. واسمحوا لي في هذا الاطار أن أتشارك معكم ببعض الملاحظات المتعلقة بالقطاع الزراعي في العالم العربي.

 

لقد أظهرت الأدلة في الواقع أنه ليس للنمو الزراعي تأثير قوي على مسألة الحد من الفقر في العالم العربي، على الرغم من أن نسبة سكان الأرياف فيه تتجاوز الـ 40٪ ، حتى أنها تتجاوز نسبة الـ 60٪ في بلدان مثل اليمن أو السودان. ويعود ذلك الى أن نسبة كبيرة من سكان الأرياف لا يعملون حتى في القطاع الزراعي نظراً لانعدام الفرص والتنمية في القطاع نفسه. وقد أشارت دراسة حديثة أن مصدر غالبية مداخيل الشرائح الفقيرة من سكان الأرياف في العالم العربي أنشطة غير زراعية، اذ يعمل هؤلاء في مجال الخدمات ذات المردود المحدود أو في الاقتصاد غير الرسمي·.

لذلك فان الأمر يستلزم أكثر من التزام مالي من قبل من يستطيع ذلك. وسيستغرق الحل سنوات ان لم يكن عقود من التخطيط لتحويل عادات وأنماط الانتاج والاستهلاك والسماح للقطاعات الأساسية بأن تصبح قابلة للحياة مالياً وأن تؤدي بالتالي الى استثمارات وفرص عمل وأن تتحول الى قطاعات مستدامة اقتصادياً تساهم في تحقيق النمو والتطور.

 

في هذا السياق، تقع على عاتق الدول العربية خارج منطقة دول الخليج مسؤولية كبرى تجاه وضع الاصلاحات الهيكلية اللازمة الضرورية لتأمين النمو والانفاق بشكل يخدم شرائح المجتمع الفقيرة على حد سواء اذ أن البراهين تشير الى انعدام السياسات الاقتصادية والاجتماعية الى حد كبير في هذا الاطار.

 

السيدات والسادة،  

قبل أن أسلط الضوء على الإصلاحات المطلوبة، اسمحوا لي أن أطلعكم مرة أخرى على بعض  الحقائق والأرقام في مقارنة بين منطقتنا ومناطق أخرى من العالم: بلغ متوسط نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للفرد 7،1% في الدول العربية (باستثناء دول مجلس التعاون الخليجي) في العقدين المنصرمين من العام 1990 الى العام 2010. الا أنه غالباً ما كان وراء النمو الذي تم تحقيقه الخدمات المتدنية الكلفة مع  نمو الصناعة بمعدل 1% فضلاً عن تسجيل نسبة نمو سلبية في الصناعة للفرد في دول كالجزائر والعراق واليمن ولبنان وسوريا.

 

كما أن النمو في القطاع الزراعي كان محبطاً بشكل عام وسلبياً بالفعل في 13 دولة عربية.

تفسر معدلات النمو للفرد المنخفضة هذه في القطاعات التي تتطلب عملاُ مكثفاً التباطؤ الحاصل في خلق فرص العمل. أضف الى ذلك، فقد أشارت دراسة حديثة الى أنه، خلافاً لما يحصل في دول العالم الأخرى، لا يترجم النمو العام بالحد من الفقر في العالم العربي·.

كل ما تقدم يثير قضية مهمة جداً حول كيفية تحقيق نمو يخدم مصلحة شرائح المجتمع الفقيرة في العالم العربي. والواقع أن الخبرة العالمية تظهر أن النمو الذي يقوده قطاع الصناعة (ذات العمالة المكثفة) اضافةً للنمو ذات الانتاجية العالية (الخدمات ذات القيمة المرتفعة) يعتبر من أهم دوافع الحد من الفقر وتعزيز الأمن الغذائي¨.

 

فالنمو في العالم العربي لا يخدم بالضرورة مصالح شرائح المجتمع الفقيرة. الا أن النمو ليس بالكامل مسؤولية الحكومات. ماذا عن الانفاق الحكومي اذاً؟

 

ان معدل الانفاق الحكومي كنسبة من الناتج المحلي الاجمالي في المنطقة العربية هو في الواقع من أعلى المعدلات. فمجموع انفاق الحكومات العربية على قطاعات الزراعة والتعليم والصحة والبنية التحتية والحماية الاجتماعية وغيرها من القطاعات يبلغ ما يقارب 27٪ من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنةً مع معدل انفاق يبلغ 16-18٪ في أمريكا اللاتينية ودول الكاريبي وأفريقيا جنوب الصحراء الكبرى ومنطقة آسيا والمحيط الهادئ. الا أن حجم الانفاق بحد ذاته لا يحمل دلالات كثيرة حول فعالية هذا الانفاق. ان العلاقة بين الانفاق العام والنمو مختلفة في الواقع تماماً في العالم العربي عما هي عليه في دول العالم الأخرى. وقد أظهرت دراسة أعدها البنك الدولي أن انفاق دولار واحد اضافي من قبل حكومة في المنطقة العربيةينتج فقط نصف النمو الذي قد يحققه انفاق هذا الدولار في مناطقة أخرى من العالم، الأمر الذي يثير مخاوف جدية في ما يتعلق بفعالية الانفاق العام في العالم العربي ويدل أنه لا يزال هناك مجال لتحقيق تحسن جدي لناحية فعالية وانتاجية الحكومة ولناحية ترشيد استخدام الموارد المتاحة.

 

ويشير البحث الذي أعده البنك الدولي، عند القاء نظرة الى التفاصيل، الى عاملين أساسيين وراء الفعالية المحدودة للإنفاق العام في العالم العربي.

 

يتمثل العامل الأول بالإنفاق على التعليم الذي يعتبر بالنسبة لبقية العالم، وفق الدراسة، عنصر نمو رئيسي، الا أن للإنفاق على التعليم في العالم العربي ككل أثر سلبي على النمو، الأمر الذي يثير تساؤلات مقلقة حقا حول نوعية النظم التعليمية وفعالية الخدمات العامة في منطقتنا. علاوة على ذلك، يبدو أن التعليم في العالم العربي لا يعد بالنوعية اليوم ولا يتكيف مع حاجات السوق ويساهم بالتالي في بعض الحالات بزيادة معدلات البطالة. فوفق تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي للعام 2009 ان نوعية ونمط التعليم لا يلبيان طلب سوق العمل خاصةً في المجالات المهنية.

 

أما العامل الثاني فأكثر ارتباطاً بموضوعنا اليوم، ألا وهو حجم الدعم المالي الكبير الذي يتميز به الإنفاق العام العربي. فغالباً ما يفوق دعم الوقود ودعم المواد الغذائية في بعض الدول حجم الإنفاق الاجتماعي المقرر. فلنأخذ على سبيل المثال بلدين يعيشان الربيع العربي: ففي مصر وسوريا يبلغ حجم دعم المواد الغذائية والوقود (الذي يمثل ما يعادل 20% من الانفاق العام) ضعفي الانفاق على برامج الحماية الاجتماعية والبرامج الصحية مجتمعةً·.

 

السيدات والسادة،

لم يتم دوماً ولسوء الحظ استخدام كلمة "الإصلاحات" أو تنفيذها بصورة سليمة في العالم العربي لأنه غالباً ما تم التخطيط للسياسات الاصلاحية وتنفيذها من القمة نحو الأسفل ولم يتم أبداً تفسيرها للناس بالشكل الصحيح كما كانت غالباً غير مكتملة التصميم واستفاد منها في حالات عديدة قلة فقط.

 

الا أن الوقت قد حان اليوم لإجراء إصلاحات حقيقية عميقة وفعالة، فببساطة لا بدائل أخرى ذات مصداقية متاحة أمامنا. فهؤلاء الشبان والشابات الشجعان الذين خرجوا الى الشوارع في القاهرة وتونس وبنغازي وسوريا وغيرها من مدن الربيع العربي يتوقون لمزيد من الحرية والفرص ولكنهم يأملون كذلك الأمر بحياة أفضل وبآفاق واعدة. لكن لسوء حظهم، لقد انطلقت هذه الأحداث وتستمر في ظل أزمة اقتصادية عالمية لا تزال تتكشف فصولها خاصة في الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا، المنطقتان اللتان تعتبران المصادران المعتادان للتجارة والدعم المالي الخارجي لمنطقتنا.

 

بالإضافة إلى النطاق المحدود للدعم الخارجي، فإن زيادة الأجور في القطاع العام وزيادة حجم الدعم قبل وبعد حركة الربيع العربي يضع الحكومات في وضع مالي صعب جداً. وقد حدت تداعيات الربيع العربي على ميزان المدفوعات في عدد كبير من الدول من هامش الحركة أمام صانعي القرار. لكن بالطبع لو أن الربيع العربي حصل في تاريخ لاحق لكانت الكلفة ستكون أعلى مما هي عليه اليوم.
 

ان هذه القيود تحد من الخيارات المتاحة أمامنا، الا أنه علينا استغلال الفرص بالرغم من التحديات التي تواجهنا.

 

 

 

السيدات والسادة،

اسمحوا لي أن ألخص باقتراح خطة من ثلاثة مسارات.

 

يتمثل المسار الأول بتصميم وتنفيذ جدول أعمال مشترك للتكامل الاقتصادي العربي يبدأ مع اطلاق مشاريع ضخمة عابرة للحدود في قطاعات رئيسية كالنقل والكهرباء والطاقة والمياه، على أن تكون هذه المشاريع قابلة للحياة مالياً وأن تراعي مسألة استرداد كلفتها بشكل تشارك فيها المؤسسات الاستثمارية مشاركةً فاعلة. كما أن على هذه المشاريع العمل على تقريب العالم العربي من بعضه البعض وخفض تكلفة الإنتاج والتوزيع من خلال تعزيز المكاسب، أضف الى أنه عليها أن تقترن باعفاءات ضريبية وحوافز مالية أخرى وببيئة مناسبة للأعمال مما سيجعلها أكثر جاذبية بالنسبة للقطاع الخاص وسيسمح بتضافر الجهود حولها، الأمر الذي سيؤدي الى استتباب الأمور وخلق فرص عمل جديدة تحتاجها اقتصاداتنا وسيساهم في نهاية المطاف في انتشال الناس من الفقر.

 

لكن لتحقيق ما تقدم، يجب اتباع مسار ثان بالتوازي من قبل حكومات الدول التي تمر بمرحلة انتقالية أو تلك التي ترغب في الاستفادة من وعود الغد. ويقضي هذا المسار بالمضي قدماً في الاصلاحات المطلوبة على المستويات المؤسساتية والقانونية والتنطيمية فضلاً عن تلك المتعلقة بالقضاء وخلق مناخ استثمار مناسب وقبل كل ذلك اتاحة المجال أمام تطبيق كافة مسائل الحوكمة. كما ينبغي استكمال التقدم الذي يتم احرازه في مجال البنى التحتية بتقدم على صعيد البنى الفوقية التي لطالما عانت من بعض الخلل في الدول العربية، وذلك علاوة على استتباب الحالة الأمنية والمسار الديموقراطي الذي سيحد على المدى الطويل من الضبابية السائدة. وستساهم هذه الاصلاحات الهيكلية في تعزيز الاستثمارات في القطاعات ذات العمالة المكثفة كقطاع الصناعة وستؤدي مع مرور الوقت لمزيد من الاستثمارات في الخدمات ذات القيمة المرتفعة، علماً ان هذه القطاعات ستؤدي الى خلق فرص عمل جديدة على نطاق واسع وانخراط الشباب المتعلم في الاقتصاد وانتشال الناس من الفقر وبالتالي تعزيز الأمن الغذائي. 

 

أما المسار الثالث فيتمثل باعادة التفكير في شبكات الأمان الاجتماعي وبوضع نهج جديد لها حيز التنفيذ، الأمر الذي من شأنه تسهيل العملية الانتقالية وحماية الفئات الأضعف في هذه الأوقات الصعبة التي يشهدها مجتمعنا. وكما سبق لي أن ذكرت، فلا النمو في العالم العربي ولا الانفاق الحكومي يخدمان فعلاً مصلحة شرائح المجتمع الفقيرة. علينا ربما أخذ العبر من تجربة الدول الأخرى، كالبرازيل مثلاً حيث لم يحم التصميم الأمثل لشبكات الأمان الاجتماعي ونظام "بورصة الأسرة" Bolsa-Familiaعلى وجه الخصوص، شرائح المجتمع الفقيرة من الظروف الاقتصادية غير المؤاتية فحسب بل انتشل فعلياً هذه الشرائح من الفقر وساهم بشكل مباشر في رفع معدلات النمو وتعزيز الاستثمارات بفضل القوة الشرائية الاضافية للطبقة الوسطى الناشئة.

 

السيدات والسادة،

ان قضية الأمن الغذائي تجمع بين الاقتصاد الكلي والجزئي، بين البعدين الاقتصادي والانساني، بين الحكومة والقطاع الخاص. وكلي أمل أن نتمكن، من خلال التركيز على مسائل مماثلة، من مقاربة المسائل الاجتماعية الاقتصادية الحساسة بشكل فعال وتذليل العقبات المتجذرة التي تعترض النمو والتطور في منطقتنا العربية. صحيح أن هذه المشاكل تبدو أوضح في ظل الربيع العربي الا أن فرصة معالجتها وتوفير الأفضل للأجيال القادمة تبدو هي الأخرى أفضل. 

 

أيها الأصدقاء،

اسمحوا لي أن أتوجه اليكم بالشكر على اهتمامكم وأتمنى لكم مؤتمراً ناجحاً.



·
عادة يسلكالعمل الأكاديمي للخبراء الاقتصاديينحول قضيةالأمن الغذائيمسارين: البعد الكلي والبعد الجزئي.
يشمل البعد الكلي، بشكل عام، استقرار الاقتصاد الكليالعام والنمو الاقتصادي والحوكمة. ان ميزان التجارة العام لأي من دولالعالم العربي عنصر متقلب خاصةً في ظل اعتماد هذه الدولالكبير على الوارداتالغذائية والإمكانات الزراعية المحدودة. لذا فان القدرة على الحصول علىالنقد الأجنبي من الصادراتوالتحويلات الماليةتعتبر هي الأخرى عنصر متقلب أساسي في تقييمالأمن الغذائي الكلي.

أما المستوىالجزئيفيعتبرعاملاً حاسماًفي حصول الأسر على الغذاء وتالياً على الأصول (البنية التحتية) والخدمات (التعليم والرعاية الصحية وشبكات الأمن الاجتماعي) الضرورية للأفراد لـتأمين رعاية اجتماعية مرضية لهم.
وقد جمعت دراسة حديثةحملت عنوان "ما وراء الصحوةالعربية:السياسات والاستثماراتللحد من الفقرولتأمين الأمن الغذائي"بين مؤشراتالاقتصاد الكلي والجزئي.

بالفعل وضعتالدراسة موشراً خاصاً بالأمن الغذائي في الدول العربيةيضم نسبة المواد الغذائية المستوردة بالنسبة لمجموع الصادرات والتحويلات المالية بشكل يعكس قدرة الدولة على شراء المواد الغذائية في الأسواق العالمية من خلال استخدام عائداتها من سعر صرف العملات الأجنبية. كما أن هذا الاجراء يأخذ بعين الاعتبار الأداء الزراعي والانتاج الغذائي المحلي، أضافةً لانتشار نقص التغذية بين الأطفال، ويعود سبب ذلك، وفق ما جاء في الدراسة، الى كون وضع التغذية لدى الأطفال الصغار الأكثر تأثراً  بتقلبات الظروف المعيشية والى كونهم الأكثر عرضة للخطر أمام النقص في المواد الغذائية والأمراض نظراً لمتطلباتهم الفيسيولوجية الغذائية العالية والضرورية للنمو وحاجاتهم الغذائية الخاصة وتعرضهم المباشر لظروف صحية معاكسة اضافةً لاعتمادهم على الراشدين.

· لنأخذمصر على سبيل المثال: يكسب 20٪ من أكثر الأسر الريفية فقراً 18٪ فقط من دخلهم من العمل في الزراعة، في حين أن 20٪ من الأسر الريفية الغنية يكسبون  36٪ من دخلهم من القطاع الزراعي.

· في الوقت الذي يترجم فيه  كل1٪ في النمو العام في بقية العالم بالحد من سوء التغذية لدى الأطفال بنسبة 0.12%، فان العلاقة بين هاتين النسبتين غير مهمة من الناحية الإحصائية في العالم العربي.

¨على سبيل المثال، أظهرت دراسة أجريت في اليمن في العام 2011 أن نسبة 1% من النمو الاضافية التي تدفعها صناعة واعدة أو القطاعات الخدماتية ستؤدي الى معدل انخفاض سنوي بنسبة 0.22% من اجمالي الأشخاص الذين يعانون من سوء التغذية والى معدل انخفاض سنوي بنسبة 06،0% من اجمالي الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية.

·تصر بعض الدول العربية على عمليات دعم بعض السلع على الرغم من الأدلة التاريخية والعالمية الأوسع التي أشارت الى أنه لدعم الوقود على وجه الخصوص أثرسلبي على المالية العامة والاسواق المشوشة، وأنه غير فعال في مكافحة الفقر اذ يستفيد منه بشكل أساسي المستهلكون النهائيون الأعلى مدخولاً.  كما أن النتائج التي توصل اليها استطلاع الرأي العالمي Gallupالذي أجري في العام 2011 تتوافق مع الأدلة العالمية: لم تكشف مقارنة الدعم بمستويات رضا الناس أي اتجاه واضح يربط بين مستويات الدعم هذه في احدى الدول وتصور الناس لكيفية معاملة شرائح المجتمع الفقيرة، مما يشير الى أن مستويات الدعم غير مرتبطة بتاتاً برفاهية الفقراء اذ أنها لا تقدم لهم فعلًيا أي مساعدة.

 

شار

تاريخ الخطاب: 
15/03/2012