الرئيس السنيورة : نحن ضد أي هجوم على ايران لكننا ضد استخدام لبنان ساحةً في أي صراع اقليمي أو عالمي

-A A +A
Print Friendly and PDF
العنوان الثانوي: 
تحدث بدعوة من مؤتمر الشعب الاوروبي في بوخارست

القى  رئيس كتلة المستقبل النيابية الرئيس فؤاد السنيورة محاضرة في احدى جلسات مؤتمر الشعب الاوروبي الذي انعقد في بوخارست تحت عنوان : مؤتمر "التحديات والفرص الجديدة أمام سياسة الجوار: أوروبا ومسؤولية دول الجوار" وفي ما يلي نص المحاضرة:

 أصحاب المعالي والسعادة،

الحضور الكريم،

السيدات والسادة،

 

يسرني أن أكون معكم هنا اليوم، واسمحوا لي أن أتوجه بالشكر لصديقي رئيس حزب الشعب الأوروبي ويلفرد مارتنز على الدعوة التي وجهها لي لإلقاء كلمة أمام هذا الحشد الكريم وأن أهنئه على اعادة انتخابه رئيسا لحزب الشعب متمنياً مزيداً من التعاون بين أحزاب بلدينا في المستقبل.

 

نلتقي اليوم في أوقات تاريخية بحق في ظل أزمة اقتصادية تجتاح أوروبا ومرحلة انتقالية أساسية يشهدها العالم العربي. قد يظن البعض أن الوقت يحتم حلولاً انطوائية أنانية، وصعود وفوز أحزاب متطرفة في الانتخابات على جانبي المتوسط  خير دليل على ذلك. ففي نهاية المطاف، إن حجم المشكلات التي نواجهها تحمل في طياتها خطر إعادة رسم الحدود السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

 

لكن أيها السيدات والسادة،

أنا لست من هؤلاء وأعرف تماماً أن أياً منكم ليس من هؤلاء. لا يمكن أن تكون الأمور على خلاف ذلك وقد نجحتم في تحقيق أحد أهم سيناريوهات التكامل في تاريخ البشرية: قصدت بذلك الاتحاد الأوروبي الذي جمع شعوباً مختلفة اللغات والأعراق ووضع حداً للصراعات والحروب التاريخية التي عاشوها ورفع من مستويات تقدمهم الاقتصادي والاجتماعي من خلال التوافق على قيم ومصالح وأهداف مشتركة، هذا النجاح الذي استحقيتم مؤخراً جراءه وعن جدارة جائزة نوبل للسلام يشكل اعترافاً عالمياً بأن مزيداً من الانفتاح وتقبل الآخر والتكامل عناصر أساسية لسلام مستمر.

السيدات والسادة،

الأصدقاء الأعزاء،

تتركز كلمتي على ثلاثة محاور: 1) تعذر الرجوع عن التغير الحاصل في العالم العربي والمضي نحو الحكم الديمقراطي والحرية المرجوة، 2) الحاجة الماسة لوضع حد لمأساة فلسطين وللظلم التاريخي الذي يعاني منه الشعب الفلسطيني وما زال يغذي التطرف السياسي والإيديولوجي في المنطقة العربية، 3) الحاجة لحجم أكبر من التكامل الاقتصادي والثقافي في العالم العربي وعبر المتوسط.

 

فيما يخص المحور الأول، لم يعلن أحد، وآمل ألا يكون قد خطر على بال أحد، أن عملية التغيير في العالم العربي ستكون سهلة والعملية الانتقالية سلسة. فالمطبات جزء من العملية، تشهد على ذلك نتائج الانتخابات التي أدت إلى وصول بعض مكونات المجتمع الأكثر تطرفاً إلى البرلمان وهي نتائج علينا احترامها أياً كانت. إلا أن الانتخابات التي نظمت في مناخ من الحرية لأول مرة في بعض أجزاء من العالم العربي كشفت أمرين: أولاً، غالباً ما تكون الأحزاب الليبرالية، في حال اجتمعت مع بعضها البعض، أكثر شعبية من الأحزاب الإسلامية، ثانياً، لقد شهدنا تطوراً جذرياً في مواقف الأحزاب الإسلامية الأساسية نحو مزيد من الانفتاح والاندماج وفق ما تقتضيه تعاليم الإسلام الحقيقية. فقد اكتشفت الأحزاب الإسلامية سريعاً أن موقع القيادة يختلف تماماً عن الجلوس في المقاعد الخلفية كما أنها تكتشف يومياً - ويتوقع أن تفعل ذلك مستقبلاً أكثر فأكثر - أنه عليها التكيف والتغير وإلا فسيتم استبدالها.

 

إن النكسات متوقعة كتلك الناتجة عن ردود فعل على فيلم هواة أتى أفضل وصف له على لسان الرئيس أوباما الذي قال فيه انه فظ ومثير للاشمئزاز، وهي ردود فعل أدت إلى الاعتداء على البعثات الدبلوماسية والى وقوع مدنيين أبرياء. اسمحوا لي أن أتكلم بصراحة تماماً وكما سبق لي أن قلت مراراً وتكراراً: لا شيء يبرر على الإطلاق ردود الفعل الغاضبة التي أودت بحياة الأبرياء بمن فيهم السفير الأميركي لدى ليبيا. ينبغي إدانة هذه الاعتداءات بشدة، فهي ليست منافية للأخلاق ولقيم الإسلام  فحسب بل هي غير مقبولة سياسياَ كذلك إذ أنها في نهاية المطاف تلحق دوماً الضرر بالمسلمين والعرب وبقضاياهم العادلة.

 

إلا أنه من المهم كذلك أن نضع الأمور في نصابها. فأولئك الذين احتلوا الشوارع بطريقة عنيفة لا يمثلون غالبية شعوب العالم العربي. وكان قد سبق للحكام الدكتاتوريين أن استخدموا مخاوف الغرب من قوى التطرف في العالم العربي للمبالغة في حجم هذه القوى وتبرير قساوة حكمهم. إلا أن هذه الأيام قد ولت في تونس ومصر وليبيا، ويتم حالياً ولحسن الحظ تنظيم انتخابات حرة يمكن استخدامها كمقياس لتحديد حجم مختلف مكونات مجتمعاتنا العربية. وقد أظهرت هذه الانتخابات أن العرب بغالبية الساحقة تواقون للسلام  منفتحون ومتسامحون بطبيعتهم.، كما أنهم يكدون في العمل ساعين لتأمين لقمة عيش كريمة.

 

على أصدقائنا في أوروبا وفي العالم إدراك هذه الحقيقة. فقد ساد لفترة طويلة اعتقاد لدى البعض أن الاستقرار في الشرق الأوسط مرتبط باستمرار الأنظمة الاستبدادية.  فلم يكن يتم استخدام مصطلح "الاستثناء العربي" كتبرير فحسب بل وبشكل أوسع كذريعة للقبول بواقع شعوب يقال أنها ليست مستعدة للديمقراطية أو حتى أنها لا تستحقها. وقد أعيد للأسف طرح بعض هذه الأفكار في بعض الدوائر العالمية كرد فعل على ردة الفعل على الفيلم منذ أسبوعين.

 

الأصدقاء الأعزاء،

سنكون مخطئين كلياً إن اعتبرنا مجدداً ولو لدقيقة واحدة أن شخصاً واحداً أو حزباً واحداً أو نظاماً واحداً يشكل خط الدفاع الأول في مواجهة التطرف والأصولية وبالتالي الضامن لحقوق الأقليات. فبالفعل وحده عالم عربي حر وديمقراطي ينعم بالسلم والازدهار يمكنه أن يشكل خط دفاع دائم في مواجهة كافة أشكال العنف وانعدام الاستقرار. ووحدها عملية الاندماج وضمان المساواة في الحقوق المدنية والواجبات والمسؤوليات التي تنص عليها  الدساتير وتنادي بها المؤسسات تضمن حقوق الأقليات في العالم العربي.  ووحده الاحترام الكامل لعملية التحول إلى الديمقراطية يضمن الاستقرار الدائم فقد أدركنا من خلال التجربة أن الديمقراطية وخلافاً لأنظمة الحكم الأخرى تتمتع بقدرة التصحيح الذاتي.

 

أن تتعرض مسيرة العرب التاريخية نحو الديمقراطية والحرية لنكسات أمر متوقع بالتأكيد. إلا أن ردة الفعل الصحيحة تكمن في زيادة حجم الحرية وليس في تقليصه والحل يكمن في تعزيز حرية التعبير وليس في تقليصها.

السيدات والسادة،

إلا انه لن تكون الحرية والديمقراطية مستدامة إن لن تقترنا بالسلام في الشرق الأوسط، الأمر الذي يقودني إلى النقطة الثانية: لا بد لنا أن نعود إلى معالجة وحل أساس معظم المشاكل في العالم العربي بشكل صحيح: الظلم التاريخي اللاحق بالشعب الفلسطيني. فالفشل المتكرر في معالجة هذه المشكلة على مدى العقود الماضية أدى بدوره إلى  الفشل في تطبيق الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الضرورية لتعزيز الاعتدال والتنمية والتطور واحترام حقوق الإنسان في العالم العربي، لا بل على العكس أصبحت قوانين الطوارئ التي عززت قبضة الأنظمة الحديدية بدل العمل بالقوانين والمبادئ الإنسانية العالمية نمط الحكم السائد.

 

في رأينا، ان جائزة نوبل للسلام تعزز مسؤولية أوروبا الأخلاقية لناحية السعي لتحقيق سلام حقيقي وعادل وشامل ودائم في الشرق الأوسط، الأمر الذي لن يتوافق مع المبادئ الأوروبية فحسب مساهماً في محو سوء التفاهم الماضي بل سيكون كذلك الأمر مجزياً بالنسبة لأوروبا وباباً لعلاقات خاصة حقاً تخدم المصالح المتبادلة مع العالم العربي.

 

كما أن حل القضية الفلسطينية سيكون بمثابة سحب ورقة رابحة من يد إيران التي سعت إلى الاستئثار بقضايا المنطقة بدءاً من الدفاع عن شرف الإسلام ونبيه وصولاً إلى القدس وفلسطين لتحقيق هدفها المتمثل بلعب دور قوة إقليمية عظمى ذات طموحات هيمنة. ان تورط ايران الجلي في دعم النظام السوري وزج حزب الله واحتمال زج لبنان في الصراع السوري هو محاولة لقمع سعي الشعب السوري المشروع وراء الديمقراطية والحرية، كل ذلك تحت ذريعة دعم نظام يواجه اسرائيل وهي الذريعة نفسها التي استخدمها النظام طيلة 40 عاماً لقمع وتقييد حرية الشعب السوري، مع العلم أن حدود سوريا مع اسرائيل كانت ولمدة تتعدى 35 عاماً الحدود الأكثر هدوءاً وسلماً. كما كانت قد صدرت مؤخراً عن الحرس الثوري الايران تصريحات يهدد فيها بوضوح برد حزب الله على اسرائيل انطلاقاً من لبنان في حال تعرضت ايران لأي هجوم، ومنذ أيام قليلة فقط قام حزب الله ومن دون موافقة الشعب اللبناني أو الحكومة اللبنانية بارسال طائرة من دون طيار اخترقت المجال الجوي الاسرائيلي.

 

ففي ظل الربيع العربي، من غير المعقول أن يؤخذ اليوم لبنان، الذي كان لفترة طويلة من رواد الديمقراطية والحرية على الساحة الاقليمية رهينة من قبل دولة دينية. لكن أيها السيدات والسادة، سبق لنا أن مررنا بهذا الوضع. فقد تخلى أصدقاء لبنان الغربيون والعرب عنه سابقاً عندما أخذه النظام السوري رهينة وحاول مراراً فرض نظام رئيس لمدى الحياة حيث يكون حكم الأجهزة الأمنية أعلى من حكم القانون. الا أن قوى الصمود في المجتمع اللبناني ساعدت البلد على مقاومة كل هذه الضغوط  وعلى تحريره في نهاية المطاف من آلة القمع السورية على الرغم من الثمن الباهظ الذي تم دفعه مع اغتيال رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري. الا أنه لا يمكن للبنان الاستمرار والتقدم تحت وطأة التهديد والخوف من استغلاله وتحويله منصة لاطلاق الصواريخ.

 

اسمحوا لي أن أتكلم بصراحة تماماً وكما سبق لي أن قلت مراراً وتكراراً: اننا ضد أي هجوم على ايران، ولا نعتقد أن العنف يشكل وسيلة لحل المشاكل. في الواقع نحن مع شرق أوسط خال من الأسلحة النووية على أن ينطبق ذلك على الأطراف كافة خاصةً، على اسرائيل وليس على ايران وحدها. نحن كعرب نرغب بأفضل العلاقات الودية مع ايران على أساس الاحترام المتبادل. وقد تم تسجيل كلامنا هذا. لكن من ناحية أخرى، نحن ضد استخدام لبنان ساحةً في أي صراع اقليمي أو عالمي.

 

السيدات والسادة،

الأصدقاء الأعزاء،

لقد بذل الغرب جهوداً حثيثة لمنع ايران من الحصول على سلاح نووي حتى لو تم ذلك في ظل خطر نشوب حرب وعلى حساب الاقتصاد العالمي. كما أن الغرب كان قد بذل في السابق جهوداً حثيثة لدعم ومساندة أنظمة كان يعتقد أنها تؤمن الاستقرار والسلم لاسرائيل. أصدقائي، لو تم بذل هذه الجهود نفسها لمعالجة قضية فلسطين الحقيقية والعميقة والمساهمة في التوصل الى حل الدولتين وفق ما جاء في المبادرات السابقة بدءا من مدرير وليس انتهاءا بمبادرة السلام العربية لكنا اليوم قد توصلنا الى حل لاشكالية التاريخية بين العالم العربي والغرب، وبين العرب والارانيين، وبين ايران والغرب، ولكنا نركز على تكامل اقتصادي أكبر بين دولنا من شانه أن يرفع عنصرنا البشري الى مستويات جديدة. لم يفت بعد أوان العمل الا أن عامل الوقت أساسي اذا أردنا تعزيز فرص نجاح ربيعنا العربي. 

 

أصل هنا الى النقطة الثالثة: التكامل.

للغرب ولأوروبا بشكل خاص مصلحة في تحول المنطقة العربية نحو الانفتاح والازدهار. أسمحوا لي أن أشيد وأشدد على أهمية ترجمة ما اتفقت عليه مجموعة الثمانية (G8)خلال الاجتماع الذي عقدته في دوفيل لجهة تخصيص مبلغ 80 مليار دولار أميركي لدعم اقتصاديات دول الربيع العربي على غرار ما تم اعتماده من قبل أوروبا. قد تكون تجربة انضمام دول الاتحاد السوفياتي سابقاً الى أوروبا مفيدة الى حد بعيد في هذا الاطار. وأعتقد في هذا الاطار أن المصرف الاوروبي لاعادة الاعمار والتنمية باشر على  الأرجح بوضع بعض المقترحات الخاصة بدول الربيع العربي.

 

كما أن هناك حاجة لتكامل عربي-عربي أقوى، وكنت قد أطلقت في هذا الإطار خلال القمة العربية الاقتصادية التي عقدت في الكويت في العام 2009 مبادرة خاصة بحجم أكبر من التكامل العربي اقتصادياً وتنموياً في قطاعات متعددة تتراوح بين الطاقة والمياه والنقل والبيئة والأمن الغذائي كوسيلة لتقريب العالم العربي من بعضه البعض وردم الهوات المتنامية بين شعوبه.  من الضروري التنبه الى أن هذه المبادرة لا تقوم بتاتاً على مفهوم الصدقة ممن يملكون لمن لا يملكون، بل على مفهوم منطقة تستثمر في رفاهيتها وأمنها بمفهوم أوسع ونموها ورفاه شعوبها.

 

على الدول العربية التي تمر بمرحلة انتقالية اعتماد الاصلاحات الضرورية على كافة المستويات: السياسية والمؤسساتية بشكل يضمن المساءلة والشفافية اضافة للحوكمة الجيدة، وتبسيط اجراءات القيام بالأعمال بهدف تشجيع استثمارات القطاع الخاص على الصعيدين المحليوالأجنبي على حد سواء، وبناء شبكات الأمان الاجتماعية التي لن تساعد للأكثر تاثراً بالتغيير وتؤمن الأمان للأقل حظاً فحسب بل ستساعد كذلك على نشوء طبقة وسطى تساهم هي الأخرى في تعزيز الاستقرار والنمو في المنطقة.

 

ان العالم العربي يمتلك الموارد فضلاً عن الاحتياجات، والفرص فضلاً عن التحديات، اضافة للعوامل الديموغرافية. كما أن القيم التي يتشاركها مع أوروبا والتقارب معها تشكل كلها أسباباً وراء الحاجة والرغبة في بناء علاقة مستقبلية أفضل مع أوروبا المجاورة خدمةً للمصالح المتبادلة. من ناحية أخرى، تملك أوروبا الدراية والخبرة لكنها بحاجة لأسواق جديدة يمكنها أن تساهم في تعزيز نمو وتطلعات أكثر استدامة. فالشراكة ليست ممكنة فحسب بل هي الخيار العقلاني الامثل.

السيدات والسادة،

اسمحوا لي أن ألخص عبر القاء الضوء على ركائز سياسة الجوار الثلاثة كما نراها: الحرية التي ترسمها مسيرة العرب الثابتة نحو الديمقراطية والتي تتعزز ولا تتقلص في مواجهة الانتكاسات التي علينا توقعها ومعالجتها؛ والاستدامة التي يضمنها التوصل الى حل دائم وعادل للقضية الفلسطينية؛ والتكامل الذي تحدده المصالح المشتركة والتكامل سواء داخل العالم العربي أوبين العالم العربي وأوروبا.

 

آمل أن يستمر التعاون بيننا لنتمكن من أخذ الشراكتنا المجزية هذه نحو أفق جديدة من السلام والازدهار. اسمحوا لي أن أتوجه بالشكر لكم مجدداً وأنا أتطلع لملاحظاتكم ومداخلاتكم. 

تاريخ الخبر: 
19/10/2012