الرئيس السنيورة : كانت هناك مليون وثيقة املاك تالفة ومئة الف معاملة مكدسة والعملية الاصلاحية انقذت وثائق املاك اللبنانيين

-A A +A
Print Friendly and PDF
العنوان الثانوي: 
القى كلمة في حفل تكريم بشارة قرقفي

اقامة عائلة مديردائرة  الشؤون العقارية سابقا بشارة قرقفي حفل تكريم له في فندق الفينسيا بحضور الرئيسين حسين الحسيني وفؤاد السنيورة وحشدنيابي الرئيس السنيورة القى كلمة في المكرم في مايلي نصها :

 

أصحاب الدولة، أصحاب المعالي، أصحاب السعادة،

عائلة واصدقاء الاستاذ المكرم بشارة موريس قرقفي،

الاستاذ بشارة قرقفي، ايها الحفل الكريم،

 

درجت العادة ان يتم تكريم الانسان باستذكار ما قام به من اعمال. وفي حالتنا نحن، مع المكرم اليوم الاستاذ بشارة قرقفي فان الاعمال التي أسهم بها هو ورفاقه في مديرية الشؤون العقارية تجعل من تكريمه امرا مناسبا وضروريا.

 

يأخذنا هذا الحديث إلى مسألة هامة وأساسية فيما خص موضوع الملكية العقارية في لبنان، حيث يعتبر هذا من الأمور التي نتميز بها عن غيرنا من الدول المحيطة بنا. فدستور البلاد ونظامنا العقاري يحرصان على احترام وحماية الملكية الخاصة وهو ما مكننا من تخطي الصدمات والتحديات المريرة التي شهدها وعانى منها بلدنا مع استمرار الأزمات السياسية والأمنية.

 

نحن اليوم بصدد تكريم رجل شارك مع رفاقه في الدوائر العقارية في القيام بعمل كبير. وما قام به هو وزملاؤه من خطوات تعد من اكبر واهم الانجازات الإدارية على مستوى الجمهورية اللبنانية خلال العقدين الماضيين، حيث قامت ثلة من الموظفين في الدوائر العقارية بتنفيذ برنامج طموح وغير مسبوق في عمل إصلاحي في احد جوانب الإدارة اللبنانية، التي لها تأثير كبير على صعيد الاقتصاد الوطني ككل وعلى صعيد خدمة المواطنين.

 

والحقيقة انه لا يمكنني ان أتصور حالة لبنان واللبنانيين على مستوى استقرار الملكية العقارية فيما خص حالة نهوض الاقتصاد اللبناني لو لم تقم وزارة المالية آنذاك بقيادة ذلك الإصلاح والنهوض التاريخي الذي جرى في مديرية الشؤون العقارية. والفضل في ذلك يعود إلى أولئك الموظفين المخلصين ومن ضمنهم الاستاذ بشارة قرقفي ومن سبقه ورافقه في ذلك العمل الكبير الذي نجح في ان يحفظ للبنان تاريخ ومستقبل املاك اللبنانيين.

 

أريد أن أصدقكم القول أنه لا تفارقني حتى الان تلك القشعريرة التي انتابتني في نهاية العام 1992 حين دخلت ولأول مرة في حياتي مكاتب ومستودعات الدوائر العقارية ودوائر المساحة والذي شكل صدمة بالنسبة لي نتيجة الحالة الرثة والمخيفة التي وجدت عليها حال مقرات الدوائر العقارية والمساحة وكذلك حال وثائق املاك اللبنانيين والصحائف العقارية وخرائط المساحة.

 

الحقيقة أنه وفي نهاية العام 1992 كانت الاوضاع في الدوائر العقارية والمساحة في حالة كارثية نتيجة تراكم الاهمال بسبب الحروب والازمات وانعدام المحاسبة والفوضى والفساد المستشري والمسيطر آنذاك فضلاً عن حال الخمول والترهل وانعدام المبادرة لدى الإدارة بسبب سنوات الحرب الطويلة.

 

كانت الدوائر العقارية والمساحة والصحائف العقارية والسجلات والخرائط متواجدة في غرف وابنية غير مناسبة لحفظ سجلات ورقية او غير ورقية لناحية الرطوبة والاهمال وتراكم أكداس الاوراق والترتيب المفقود وغياب البرمجة وطرق الحفظ العلمية. لقد كانت الملفات محفوظة بطريقة عشوائية وغير مصنفة لا يعرف مكان توزعها الا قلة مستفيدة، ناهيك عن ان حالتها كانت سيئة لدرجة أن كثيراً منها كان قد تعرض للاندثار والبعض الآخر كان على وشك التمزق والباقي كان عرضة للتلف بتسرب المياه او بسبب تعرضها لانتشار الحشرات وهجمات القوارض.

 

نعم، ان الصحائف والسجلات العقارية، اي وثائق املاك اللبنانيين، كانت في تلك الايام في حالة مهولة من الاهمال والتسيب والخطر. لقد كان عدد تلك الصحائف في مختلف الأمانات العقارية يفوق المليونين وخمسمائة الف صحيفة عقارية بينها ما يزيد عن مليون صحيفة عقارية ممزقة او مهترئة، الأمر الذي كان يحتم المسارعة إلى تجديدها بعد اعادة تكوينها وترميمها لإنقاذ املاك اللبنانيين. اضافة الى ذلك، انه كان في ادراج امانة السجل العقاري اكثر من 100 الف معاملة عقارية متراكمة بحاجة للإنجاز.

 

من هنا فقد قررت وزارة المالية آنذاك إطلاق ورشة عمل كبرى من أجل وضع خطة انقاذ شاملة تطلب تحضيرها والوصول اليها الرؤية الواضحة والكثير من الجهد والعمل المنسق والتصميم المتفاني وذلك بدفع كبير والتزام ثابت من وزارة المالية وبقرار سياسي واضح من الحكومة التي ترأسها الرئيس الشهيد رفيق الحريري. ونذكر هنا بالخير التعاون آنذاك مع مدير الشؤون العقارية آنذاك الاستاذ كلود مسعد، وكذلك الاستاذ احسان شرارة اللذان سبقا بشارة قرقفي في تحمل هذه المسؤولية.

 

لقد اقتضت العملية الإصلاحية منا أن نرسل عدة بعثات إلى عدة دول متقدمة في هذا المجال في العالم للاطلاع على التجارب الحديثة في مجال تنظيم السجلات العقارية وكيفية حفظها واعادة تكوينها وتخزينها الكترونياً وتكوين قاعدة معلوماتية بشأنها وفي طريقة حفظها واصدارها بشكل ممكنن لمصلحة المواطنين المعنيين. ولقد جرى التحضير لذلك التعاون مع برنامج الامم المتحدة الانمائي (UNDP) الذي عملنا على أن يتولاه آنذاك من العام 1993- 1998 الشهيد الوزير السابق الدكتور باسل فليحان. حيث انطلق العمل في هذا الخصوص في منتصف التسعينات لتحديث ومكننة انظمة الدوائر العقارية بالتعاون مع البنك الدولي الذي حصل لبنان منه على قرض لتمويل عملية التنظيم والمكننة في كل من الدوائر العقارية والمساحة بما مكننا من اقامة نظام متكامل قائم على أساس معلوماتي ممكنن يتمتع بعناصر الرقابة والانضباط اللازمين. ولقد تمّ ذلك بالتعاون مع شركة كندية فيما خصّ الدوائر العقارية وأخرى هولندية فيما خص المساحة وهما كانتا تعملان بإشراف دقيق ومستمر من وزارة المال. لقد حصل ذات الجهد في دوائر المساحة أيضاً التي كانت قد توقفت فيها أعمال الكيل وكذلك أعمال التحديد والتحرير منذ نهاية الأربعينات بحيث كان حوالي ثلث مساحة لبنان محدداً ومكالاً وثلثه محدد وغير مكال وثلثه الأخير تقريباً غير محدد وغير مكال. وفي هذا الصدد، فقد أنجز جهد كبير جداً على صعيد افتتاح أعمال التحديد والتحرير واكمالها وكذلك في إنجاز أعمال الكيل على الرغم من الصعوبات الكبيرة والمعيقات الناتجة عن التعديات الكبيرة التي ظلت تتزايد على الأملاك العامة والمشاعات وكذلك انتشار وتوسع نفوذ قوى الأمر الواقع.

 

لقد انطلق هذا العمل بالتوازي مع جهد مماثل لمكننة الدوائر الجمركية والمالية العامة من أجل بناء قاعدة معلوماتية تستند إليها وزارة المالية في تنظيم أعمال الوزارة، وكل ذلك كان يتم استناداً إلى موارد قليلة ومحدودة ولكن وسط تفان ومثابرة فرق عمل في أكثر من مجال في وزارة المال ومديرية الشؤون العقارية والمساحة ومديرية الجمارك العامة.

 

لقد اقتضت الخطوة الاولى في إحداث تلك النقلة الهامة والأساسية في الدوائر العقارية وامانة السجل العقاري ودوائر المساحة تحسين اماكن العمل من أجل وقف تدهور حال الوثائق والمستندات وكذلك بالانتقال الى امكنة نظيفة وامنة قبل ان ينطلق العمل على اعادة التكوين والتجديد ومن ثم الحفظ والمكننة بطرق وأصول وقواعد علمية.

 

والجدير ذكره في هذا الصدد، ان هذه العملية التي انطلقت نهاية العام 1992 توقفت عند استقالة حكومة الرئيس الحريري في نهاية العام 1998 مع أننا كنا قد أنجزنا وأعددنا العدة الكاملة لتلزيم الأعمال في الدوائر العقارية والمساحة ولكن المشكلة مع الأسف أن الجهد المبذول آنذاك كان يراوح مكانه دون تقدم يذكر وحيث توقفت المتابعة وكأن أحداُ أطفأ محرك التغيير في مكاتب الدوائر العقارية والمساحة بحيث لم تعد الحياة عملياً لها الا عند تأليف حكومة الرئيس الحريري الرابعة في نوفمبر في نهاية العام 2000 وحيث تولى مسؤولية برنامج UNDPفي وزارة المالية آنذاك الدكتور جهاد أزعور الذي تابع معي مسؤولية إعادة إحياء وإنجاز ذلك العمل الإصلاحي الكبير في الوزارة بكافة أقسامها وتابعها وبعد ذلك كوزير للمالية في حكومتي الأولى ومن ثم الدكتور محمد شطح في حكومتي الثانية والوزيرة ريا الحسن في حكومة الرئيس سعد الحريري.

 

لقد انقذت تلك العملية الاصلاحية الكبيرة التي تمت بصمت وبإصرار ومثابرة غير مسبوقة، وثائق الملكية اللبنانية وحفظتها وراكمت تجربة يمكن نقلها للأجيال اللبنانية المقبلة. لا وبل يمكن القول وبثقة أن تجربة مكننة الدوائر العقارية في لبنان والمستندة إلى النظام العقاري اللبناني تشكل نموذجاً يمكن نقله إلى أكثر من بلد عربي ويعود الفضل فيه إلى جميع الذين أسهموا في تحقيق هذا الإنجاز الكبير.

 

أيها الاخوة،

 في ضوء الجهد الذي تمّ بذله من قبل المسؤولين والموظفين في الدوائر العقارية، اي السيد قرقفي ورفاقه، لا بدّ لي هنا من أن أنوه بمهمة وجهود الشاب جورج معرواي الذي كلف مؤخراً بمتابعة العمل في الإشراف على الدوائر العقارية بعد الأخ بشارة قرقفي في تحمل مسؤولية هذه المديرية، وهو من الشباب الذين استقطبتهم وزارة المالية في السنوات القليلة الماضية والذي أقدر له الدور الذي قام به في الإسهام في إنجاح إدارة الضريبة على القيمة المضافة عند بدء العمل فيها في مطلع العام 2002 ومن ثم بعد ذلك في إدارته لمالية جبل لبنان. ولدي الثقة بأنه سيسلك ذات الطريق الصحيح لكي تنطلق الدوائر العقارية في انطلاقتها الجديدة نحو تحقيق المزيد من التقدم.

 لقد كان الاستاذ بشارة قرقفي احد أولئك الجنود الذين عملوا في هذا المجال لتنفيذ هذه الخطة الاصلاحية الكبيرة ولو لم يكن هناك من ارادات وكفايات في هذه المديرية كمثل كفاية وارادة الاستاذ بشارة لما امكننا القول الان ان الدوائر العقارية في لبنان واملاك اللبنانيين باتت في اياد ونظم امينة.

 فإلى لاستاذ بشارة ورفاقه الذين عملوا بجد وصمت وتفان في وزارة المالية كل التحية والشكر على الانجاز الكبير الذي تحقق في أكثر من مجال. وكما يقول الامام علي رضي الله عنه: ولا يكون المحسن والمسيء عندك بمنزله سواء فإنّ في ذلك تزهيدا لأهل الاحسان بالإحسان وتجريئاً لأهل الاساءة على الاساءة".

كلمة أخرى من وحي التجربة، وهي ان العمل في الإدارة العامة كمثل العمل في أي شأن آخر إذا لم تتم متابعته والحرص عليه وتطويره وصيانته فإنه يكون مهدداً بالتراجع والتردي والانحسار والضمور. وهذا الأمر ينطبق على ادارة الدوائر العقارية والمساحة وكل الإدارة اللبنانية، وهنا جوهر التحدي الذي نتمنى أن تكون الجهود المستقبلية التي ستبذل في وزارة المال وفي الدولة اللبنانية على مستوى التحديات القادمة.

 واهلا وسهلا بكم.

تاريخ الخبر: 
18/05/2013