الرئيس السنيورة : اميل البستاني ورفيق الحريري وادغار شويري عظام من بلادي ولبنان ليس مجموعة من العصبيات المتناحرة

تحدث رئيس كتلة المستقبل النيابية الرئيس فؤاد السنيورة في ندوة اميل البستاني خمسون سنة على وفاته وكرم العالم اللبناني ادغار شويري وفي ما يلي نص الكملة التي القاها في المناسبة :
السيدات والسادة الحضور، ايها الحفل الكريم، حين اتصلت بي الصديقة السيدة ميرنا البستاني ودعتني إلى المشاركة في أعمال هذه الندوة القيمة "خمسون سنة على وفاة اميل البستاني" انصرفت إلى التفكير بما أعرفه عن هذا الرجل الاستثنائي. وخلال محاولة استعادة الأحداث والتفتيش في حنايا الذاكرة، رُحْتُ أستعيدُ ما سمعتُهُ وعرفتُهُ عنه، لكني في الحقيقة سرعان ما تذكرتُ تلك اللحظات قبل خمسة عقود، وهي مازالت ماثلةً أمامي إلى الآن، حين كنت طالباً في السنة الجامعية الأولى مع زملاء لي في إحدى قاعات المحاضرات في مبنى النايسلي هول في الجامعة الامريكية ظهر ذلك اليوم، وتذكرت كيف دخل الى القاعة يومها من يخبرنا باختفاء رجل الأعمال الخلاّق اميل البستاني بسقوط طائرته في البحر... أذكر يومها كيف خيَّم الذهول والحزن على الحضور في تلك القاعة وعلى جو الجامعة آنذاك بشكلٍ خاص وعلى لبنان فيما بعد بشكل عام.

لقد كانت سيرةُأميل البستاني مزيجاً مشوقاً من حكايات متعدّدة أساسُها العصاميةُ والتفوقُ والاندفاعُ والنجاح... إنها قصة شابٍ لبناني كان يتمتع بالتميز والذكاء المتقد، تربى يتيم الاب، فقيراً، فتغلَّب على الفقر بالاندفاع والمثابرة تعاونه فرادته الفكرية وجرأته، فصنع نجاحه وتألقه في مسيرة صعود خاصة ومتميزة ومُشْرقة ومُوحية للكثير من اللبنانيين والعرب أن بإمكانهم أيضاً أن يُسطِّروا قصص نجاح وتميز.
أيها السيدات والسادة،
حين نسترجع أميل البستاني وسيرة نجاحه الباهر وبداياته لا يمكننا إلاّ أن نُجريَ مقارنةً متطابقةً إلى حدودٍ كبيرةٍ مع سيرة متألقٍ آخر ومبدعٍ آخر من لبنان ورائدٍ آخر من رواد التقدم الوطني والعربي، وأعني بذلك الرئيس الشهيد رفيق الحريري. فأميل البستاني الطفل والبدايات عانى من الفقر المادي وكان يحدوه الأمل والطموح وتدفع به الإرادة والعزيمة الصلبة إلى الإقدام والتقدم نحو المستقبل الواعد، ورفيق الحريري كان في الوضعية ذاتها.
أميل البستاني تجاوَزَ الفقرَ إلى النجاح والريادة وبقي حريصاً وأميناً على منطقته وبيئته ووطنه، ورفيق الحريري تجاوز الفقر والعجز ونظر إلى الأمام حاملاً معه هَمَّ مدينته وبيئته ومنطقته ووطنه وامته أينما ارتحل وأينما حلّ. أميل البستاني عاش مسيرةً واعدةً ومتألقةً، ورفيق الحريري كان الرجلَ الاستثنائي والنموذج الفريد لأبناء جيله في لبنان والعالم العربي وهو في ذلك كان صانعَ الأحلام والآمال ومولّد الفرص وفاتح الآفاق الجديدة للآلاف من الشباب والشابات من أبناء لبنان.
أميل البستاني غادرَنا بطريقةٍ صاعقةٍ، وهو في عِزِّ العطاء والتقدم وعلى أبواب تحقيقه المزيد من النجاحات والإرتقاء إلى أعلى المراتب، ورفيق الحريري غُيِّبَ، وهو في لحظة تألُّقٍ كبيرةٍ بالنسبة له ولدوره في لبنان والعالم العربي، وهو كان على أبواب مرحلةٍ جديدة كان يمكنُ أن تكونَ منعطفاً كبيراً في لبنان والمنطقة. ولقد شكل تغييبه الصدمة الكبرى للبنان واللبنانيين.
لقد خسر لبنان واللبنانيون هذين الرجلين قبل أن يكملَ كلُّ منهما ما فكَّر به وخطط له وعمل من أجله.
أهم ما في الحكاية، أنّ أميل البستاني ورفيق الحريري آمنا بلبنان المتنوع المنفتح على محيطه العربي والعالم. وآمنا بلبنان المتعدد وبالإنسان اللبناني وبطاقاته الكامنة والواعدة وبالإمكانات التي يختزنها والقابلة للتطوير لتحقيق المزيد من الإنجاز والابداع.
أميل البستاني ورفيق الحريري آمنا بقدرة الإنسان اللبناني على التلاؤم المستمر مع المتغيرات المتسارعة بما يمكنه من ولوج المستقبل باقتدار. لقد آمن كل منهما بالحرية الفردية والاقتصادية والدور الكبير لهذه الحرية في عمليتي التنمية والنمو المستدام. كما آمنا بالمبادرة الإنسانية الخلاقة وبأهمية التجدد المستمر. وكذلك أيضاً بأهمية بذل الجهود المستمرة وبالإصرار دوماً على العمل لاستيلاد الفرص من رحم المشكلات التي كانت ومازالت تعصف بلبنان وتَقَضُّ مضاجع اللبنانيين.
أيها السيدات والسادة،
ما علاقةُ الحديث عن أميل البستاني ورفيق الحريري بعالمنا الكبير البروفسور أدغار شويري؟ وهو العالم الذي تسنى لنا أن نجتمع سوية في حفل قبول أعضاء جدد في الأكاديمية اللبنانية للعلوم في شهر تشرين الثاني من العام 2009.
إنّ ما يجمعُ بين الثلاثة الذين نتحدث عنهم أنهم عظماءُ من بلادي من بلدنا الحبيب لبنان.
نعم أميل البستاني ورفيق الحريري وادغار شويري.. هم رجالٌ عظامٌ.. وعمالقةٌ من لبنان الصغير بمساحته، الكبير بطموحات وإنجازات أبنائه.
لقد طمح أميل البستاني إلى بناء بلده، ودخل الندوة النيابية ليتمكن من لعب دور أكبر في خدمة لبنان وهو عملَ وساهمَ في إعادة بناء ما دمَّره الزلزال في لبنان في العام 1956 ووضع العديدَ من المشاريع والخطط والتصورات لإعادة البناء والاعمار وفتح آفاقاً كبيرة رحبة للبنانيين في العمل والتميز والانجاز والنجاح خارج لبنان.
لقد حلم أميل البستاني بلبنان المتطور المتألق، كما حلم وعمل رفيق الحريري قبل ان يصبح رئيساً لمجلس الوزراء في لبنان وبعد أن تحمل تلك المسؤولية الشاقة من أجل إعادة إعمار لبنان إنساناً وبناءً ومؤسساتٍ ولتحقيق دور ملحوظ ومتميز لوطنه لبنان في منطقته العربية والعالم.
قصة اميل البستاني هي قصةُ النجاح الشخصي المطعمة بالذكاء والريادة والعصامية والإلتزام بقضايا الناس والوطن. تماماً كقصة رفيق الحريري الذي حمل أيضاً هم لبنان واللبنانيين وهم العرب وكان مالئ الدنيا وشاغل الناس.
أمّا قصةُ العالم الكبير أدغار الشويري فهي النموذجُ الذي حَلُمَ به أميل البستاني ورفيق الحريري، نموذج أن يتحوَّلَ لبنان إلى مختبرٍ يولّد ويطلق العشرات من امثال أدغار شويري.
حصل ادغار شويري على شهادته الثانوية من لبنان وفي مدينة طرابلس بالتحديد، وحلم بالوصول الى القمر والمريخ وأن يسهم في أن يتمكن الانسان من التنقل بين الكواكب، فشق طريقه العلمية وحلق عالياً، وكان له ما اراد. ادغار شويري مَثَّلَ ويُمَثِلُ قمة الإبداع والتألق والنجاح اللبناني خارج لبنان.
أيها الإخوة والأخوات،
نُكَرِّمُ اليوم ادغار شويري لاننا نريد ان نقول إنّ لبنان ليس مجموعةً من العصبيات المتناحرة والمتصارعة أو الحزبيات الضيقة كما قد يبدو للبعض. بل إنّ لبنان هو حقاً كما قال عنه قداسة البابا يوحنا بولس الثاني إنَّه رسالة. رسالة العيش المشترك وقبول الآخر المختلف. رسالة التلاؤم والاعتدال والانفتاح والريادة والتنافس الإيجابي من اجل الإنجاز والابداع والتآلف. رسالة النجاح والتألُّق التي عَمِلَ من أجلها ومثَّلها اميل البستاني ورفيق الحريري وجسَّدها ونجح فيها إدغار شويري وهي الرسالة والقِيَم التي يجبُ علينا كلبنانيين وحيث تقضي علينا مصلحتنا أن نُحافظَ عليها ونُعْليَ من شأنها.
وطالما نتحدث عن نجاحاتٍ لأبناء وطننا لبنان في الخارج فإنّ الذي يجب أن ننتبه اليه في هذه الآونة وان نُحافظَ عليه هو هذه السُمعة الطيّبة التي بناها واستحقها اللبنانيون عبر قرنٍ ونصف من الزمان وأكثر بالعرق والدموع في عملهم في كافة أصقاع العالم القريب والبعيد ومن خلال دأبهم على العمل على اكتساب ثقة العالم بهم وببلدهم وبسعيهم على استقدام العالَم إلى لبنان والعالم العربي. ولكنّ هذا الإنجاز الباهر يشوهّه بشكل متزايد ما يحصُلُ اليومَ بل ومنذ عدة سنوات من ممارسات وتصرفات تهدّد تلك السُمعة وذاك النضال والإبداع في صُنْع الجديد والمتقدم والواعد.
هناك جهاتٌ في لبنان وخارجه تتعمد تخريب او تشويه ما بناه اللبنانيون مع العرب ومع العالَم من انفتاح واعتدال وحيادية وإرادة ثابتة لعدم التدخل في شؤون الآخرين والاحترام والالتزام بقوانين البلاد التي يعملون فيها.
إنّ ممارسات هذا البعض على قلته تدفعني إلى التحذير في هذه الظروف التي تضيق فيها الإمكانات وتتعثر فيها فرص الإصلاح وتتضاءل فيها مجالات تجنيب لبنان شرور الصدمات الآتية من الخارج. فإمّا أن نُصغي اليومَ والآن لصوت العقل والمنطق والمصلحة اللبنانية والعودة إلى الاعتدال والانفتاح والابتعاد عن العنف والغلو والتشدد ونلتزم بالسمعة التي اكتسبها اللبنانيون على مر العقود الماضية، أو أن نخاطر بتلك السمعة ونقبل بأن نُصبح في مواجهة مفتوحة مع العرب والعالم وهذه المواجهة ليست بمَقدورنا وليست في مصلحتنا.
لا يجوز لنا أيها الإخوة أن نخاف من العالم لكننا أيضاً لا نريد أن نخيفه. بل نريد أن نكون جزءاً منه وفي صَفِّه المتقدم وبذلك نحمي لبنان ونؤمن فرصاً واعدة ومجزية للبنانيين للعمل والانتاج والتألق في لبنان وفي الخارج. هكذا فعل ادغار الشويري فتفوّق وتقدم، وهكذا فعل ويفعل آلاف اللبنانيين الذين يكدحون في كل مكان.
الإخوة والأخوات،
أيها الحفل الكريم،
لقد علمتنا تجارب نجاحاتنا وإخفاقاتنا أنّ طريقَ المستقبل لنا في لبنان ليس سوى طريق الدولة الديمقراطية المدنية دولة المواطنة، دولة حماية الحريات وحقوق الإنسان، دولة تداول السلطة بشكل سلمي، الدولة ذات النظام التعليمي المتقدم والمواكب لما يجري في العالم من حولنا والذي يكافئ التميز. الدولة الملتزمة بالنظام الاقتصادي الحرّ القائم على مَنْح اللبنانيين الفُرَصَ المتكافئة والمعزِّزةِ لسياسة التنافس الإيجابي التي تعترف وتكافئ التفوق والابداع والإنجاز. الدولة العادلة والقادرة التي تفرض هيبتها وسلطتها على كل من هو فوق ترابها الوطني وتحت سقف القانون.
أهلاً بك أدغار شويري بيننا نفخرُ بك ونأمُلُ أن نحميَ معك نجاحك ونعمل سوية من أجل الحفاظ على لبنان بلد الحريات والقيم والعيش المشترك لكي يكونَ لنا باستمرار مَنْ هوعلى مثال أدغار شويري.ولكي يبقى لبنان.

