رئيس الوزراء الكويتي يستقبل الرئيس السنيورة وتاكيدعلى الاستعداد لمساعدة لبنان في كل ما يطلب

استقبل رئيس مجلس الوزراء الكويتي الشيخ جابر مبارك الحمد الصباح ظهر اليوم في مكتبه رئيس كتلة المستقبل النيابية الرئيس فؤاد السنيورة بحضور سفير لبنان لدى الكويت خضر حلاوي وكان بحث في اوضاع لبنان والمنطقة من مختلف الجوانب وقد اكد رئيس الوزراء الكويتي استعداد الكويت للوقوف دائما الى جانب لبنان في كل ما يطلب . وقد شكر الرئيس السنيورة للكويت مواقفها وجهودها في مساعدة لبنان .
السفراء العرب
وكان الرئيس السنيورة قد التقى امس السفراء العرب في العاصمة الكويتية بحضور السفير اللبناني وكان نقاش تطرق الى مختلف الاوضاع العربية واللبنانية على مدى ساعة ونصف الساعة .

مراكز التدريب
وكان الرئيس السنيورة قد شارك كضيف شرف مساء امس في افتتاح المؤتمر السنوي لشبكة معاهد ومراكز التدريب في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تحت عنوان :"الدولة وقدراتها البشرية: تحدّي البناء في أزمنة التغيير " وكانت له كلمة في المناسبة في ما يلي نصها :
أصحاب المعالي والسعادة
أيها السيدات والسادة
بدايةً أود أن أشكر لدولة الكويت الشقيقة، ولصاحب السمو أمير البلاد الشيح صباح الأحمد الجابر الصُباح، وشعبها الشقيق على حسن استضافتها هذا المؤتمر كما وأشكر للمعهد العربي للتخطيط بالكويت، معهد كل العرب، ولمديره العام الصديق الدكتور بدر مال الله، كرمَ الضيافة في مقرِّه. هذا المعهد الذي أثبت بأدائه أنه واحد من أهّم مؤسساتنا العربية المشتركة والذي أرى فيه نموذجاً للمؤسسات العربية الراقية، وأعتز بأني كنت أحد أعضاء مجلس أمنائه عندما كنت وزيراً للمالية في لبنان.
إنّ مبادرة المعهد العربي لاستضافة اجتماع شبكة معاهد ومراكز التدريب لعقد هذا الاجتماع هي خيرُ دليلٍ على جدوى تبادل الخبرات وأهمية التعاون والتكاتُف والتضامُن، وعلى ضرورة الانفتاح والتلاقي مع أفضل التجارب العالمية في سبيل تحسين مستويات الأداء في إداراتنا العامة وفي تعميق ثقافة الإبداع والأداء المتطور والمتميز في صفوف الجيل الجديد من الموظفين والقياديين في دولنا. والشاهد على ذلك هذا الحضور النوعي من المحيط إلى الخليج، ومن دول الشمال ومن المنظمات الدولية الفاعلة. ولقد كان لمبادرة شبكةGIFT-MENA التي أطلقْناها سويةً من بيروت، في العام 2006 أثرٌ كبير ، حيث شكلتم أنتم أعضاء الشبكة والدول والمنظمات الداعمة، ولا سيما الدولة الفرنسيّة، وخصوصاً وكالة التعاون الـADETEF والبنك الدولي القاعدةَ الراسخة لتبادل المعارف والخبرات بين بلدان الجنوب ومع بلدان الشمال بهدف إثارة الاهتمام بقضايا الإصلاح المؤسسي وبناء القدرات في الدولة.
ولقد أثبتت هذه الشبكة وعلى مدى السنوات الماضية أهميتَها وذلك من خلال ما تقدمه في نطاق عملها من قيمة مضافة معتبَرة ورصينة ضمن الأُطُر العصريّة المُبتكَرة والمَرِنة للتعاون بين الدول العربية.
ولكم يُسعِدُني أيضاً أن ألتقيَ هنا في الكويت بفريق عمل معهد باسل فليحان المالي والاقتصادي الذي يقوم اليوم بمهام الأمانة العامة للشبكة، هذا المعهد الذي ثابر منذ أن بدأْنا العملَ على إنشائه في العام 1993، وأعلنا عن تأسيسه في العام 1996 بحيث أصبح يشكِّلُ اليوم حَلْقةً في سلسلةٍ قويةٍ مترابطةٍ من المشاريعِ التحديثيةِ والإصلاحية القائمة على قاعدة الأداء المتميز، وهو المسار الذي جرى اعتماده في وزارة المالية اللبنانية منذ العام 1993، كما جرى العمل على الاهتداء بتلك المسيرة في عددٍ من إدارات الدولة اللبنانية ومؤسساتها.
فالمعهد المالي اللبناني، كما كلّ المعاهد التي تُعْنى بالتدريب والتعلُّم المستمر، هي التعبير الحقيقي عن اهتمام القيادة السياسيّة ببناء المؤسسات الحكومية من خلال تعزيز قدرات الموظف العام، وذلك بإعداده وإقداره على اكتساب المعارف والمهارات الحديثة وتشجيعه على البحث المستمر عن المعارف والطرائق الجديدة من أجل تعزيز القدرات القيادية لدى الإدارات العامة وبما يسمح بتحسين مستويات التجاوب والتلاؤم المستمر مع التحولات ومتطلبات التغيير ومواكبته وبالتالي العمل على متابعة السعي للإسهام في تغيير الواقع نحو الأفضل.
أيها الأخوات والإخوة،
لا شك أن مؤتمركم هذا الذي يتناول مسألة "الدولة وتعزيز قدراتها البشرية وتحدّي البناء في أزمنة التغيير"، هو من الأهميّة بمكان في هذا التوقيت بالذات. فالتغيّرات التي تشهدها منذ سنوات منطقتنا العربية ولاسيما بلدان "الربيع العربي"، تطرح تساؤلاتٍ عدّةً حول كيفية تعزيز قدرتها على اكتساب الصفات الأساسية للحكم الرشيد الذي تطمح إليه شعوبنا العربية من خلال إصرارها على ولوج باب الإصلاح.
لهذه الاعتبارات، أرى أنّ هذا المؤتمر سوف يوفّر بالتأكيد فرصةً غيرَ مسبوقةٍ للبحث الجدي في المواضيع الإصلاحية البنيوية الأساسية التي تشكل في آنٍ معاً مصدرَ قلق ومصدر أمل للكثير من المسؤولين في دولنا، بما في ذلك لمن هم في الدول التي اختارت مسارَ التطوير والإصلاح بطرائقَ أُخرى أثبتت مصداقيتها والتي يجري العمل على تعزيز جدْواها.
وأودُّ أن أُضيف إلى أهمية هذا المؤتمر بحدِّ ذاته، أنّ عالمنا العربيَّ يمر بمرحلةٍ انتقاليةٍ تاريخيةٍ وشديدةِ الخطورة، ستحدد معالمَ ومستقبَل منطقتنا وعلاقتنا مع جوارنا ومع العالم لعقود قادمة.
إنّ هذه المرحلة تتسم حالياً بالكثير من الغموض والضبابية. ويعود ذلك إلى عدد من العوامل والكوابح السياسية والأمنية والدينية والاجتماعية والاقتصادية المعقدة والمتداخلة، والتي تَحِدُّ من قُدرة دولنا ومجتمعاتنا العربية على التعامل والتلاؤم مع مقتضيات وتحديات الحاضر والمستقبل.
علينا أن لا ننسى أن أوروبا مثلاً قد خاضت قبلنا غمار مثيل هذه التجارب، وعالجت الكثيرَ من مسائلها وتحدياتها على مدى عشرات السنين، حيث تعرضت لعدد من الاخفاقات في مسيرتها، وهي مع ذلك ما زالت مستمرةً تُحاولُ وتسعى للتطوير والتلاؤم مع حركة التغيير التي لا تهدأ.
ومما لا شكّ فيه أن لهفةَ شعوبِنا العربية للتقدم على مسارات المستقبل وحاجتَها الماسةَ للتلاؤم مع التحديات القائمة والمرتقبة تحتم على دول العالم العربي العمل من أجل أن تختصر الزمن وأن تنجحَ في مواجهتها لهذه التحديات خلال بضع سنوات. وهي أهداف، كما تعلمون، ربما ليس باليسير تحقيقها من دون إشكالات وإخفاقات، بما في ذلك استطالة الفترات الزمنية اللازمة لذلك.
ودعوني أقول، هنا، أنني استمتعت بالكلام الذي ذكره معالي الوزير مبديع، ومن الصراحة التي عبّر بها عن بعض المشاكل التي تعانيها دولة المغرب، وهي صراحةٌ نفتقدُها في الكثير من المسؤولين في عالمنا العربي لجهة توضيح الصورة الحقيقية لما نحن عليه، لأنه ينبغي أن يكون واضحاً أن الامور في عملية التغيير تقتضي منّا جهوداً وتضحياتٍ كبرى، ولا يمكن لشعبٍ أن يضحّي في غرفةٍ مغلقة إذا لم نرسم له حقيقةً الطريق الصحيح، بوضوحٍ وصراحةٍ وإخلاصٍ وصدق، حتى يستطيع أن يُكمل معنا الطريق لكي نصل الى الهدف الذي نسعى اليه. فأنا أشكره على أنه وضع إبهامَه على عددٍ من القضايا والمسائل التي لا تقتصر فقط على دولة المغرب بل هي نعانيها في كثير من دولنا العربية
نحن، ايها السادة والسيدات، نواجه بالتحديد مشكلة بناء الدولة العصريّة في معظم الأنحاء، وعلينا أن نعالج مسائلَ التحول نحو أشكال جديدة من الممارسات الديمقراطية وصون الحريات. وفي كثير من بلداننا، علينا أن نعالج أيضاً مسألة علاقة الدين بالدولة، والمسائلَ الأُخرى المتعلقة بمعالجة مخاوف الأقليات وعلاقاتها بالمجتمع وبالدولة. كما علينا، من ناحيةٍ أُخرى، أن نتعاملَ بحكمةٍ ولكن بجرأةٍ مع التحديات الأمنية والتعليمية والاقتصادية والماليّة والاجتماعية والمعيشية، الناتجة عن عدم التلاؤم بين الواقع والتوقعات، وبين المُرتجى والقدرات من أجل تحقيق النمو والتنمية المستدامة، وهو أمر لا يمكن ضمان تحقيقه من دون توفر عناصر النجاح اللازمة لذلك، ومن ضمنها تعاون بنّاء وناجح بين القطاعين العام والخاص يرسّخ القواعد المؤسساتية للإدارة الرشيدة التي تضمن مكافحة الفساد وتعالج المشاكل المزمنة للتواكل والتقاعس وعدم المبادرة التي تتصف بها عادةً الإدارة الحكومية، وتعمل في الوقت ذاته على تعزيز الإنتاجية في الدولة، بما ينعكس إيجاباً على الاقتصاد الوطني، وبالتالي يحقق أهدافَ ومسوِّغات الإدارة في وجودها من اجل خدمة الشأن العام
أيها الإخوة والأخوات،
إنه لحريٌّ بنا أن نعالج سويةً هذه المسائلَ ونقتحمَ الأبواب التي تحول بيننا وبين الدخول في معترك الإصلاح، وهو مسارٌ علينا أن نُبادر إلى سلوكه ونحن قادرون على ذلك، فنتفادى الأزمات قبل حدوثها، وليس عندما نصبح مجبرين على القيام بالإصلاحات المطلوبة تحت الضغوط المتمادية، اقتصاديًّا وشعبويًّا وما شابه، حينها تكون كلفة الإصلاح وعملية تحقيق التلاؤم عاليةً ومرتفعة بل وموجعةً لمواطنينا ولمجتمعاتنا ولبلداننا.
على أنه إذا كانت الأزمات التي تُواجهُ دولَنا تختلفُ بطبيعتها وجذورها من بلدٍ إلى آخر، فإنّ التحدي الذي يشترك في مواجهته الجميعُ يكمُنُ في صياغة عقدٍ جديدٍ بين الدولة والمواطن، من ضمنه أسس التأكيد على الأداء المتميز ومكافأته والشفافية العالية والحكم الرشيد.
إنّ هذا كلَّه يتطلب بطبيعة الحال إدارةً رشيقةً صغيرةً فعالةً تعتمد أشكالاً عصريّةً للمؤسسات وتخضعُ للمساءلة الصحيحة. من جهة أخرى، فإنّ التعاون مع القطاع الخاص بما يحقق الأغراض التنموية لبلداننا يقتضي اعتماد أسلوب الهيئات الناظمة في المسائل والقطاعات التي تتطلب اعتماد هذا المنهج، على أن تمارس هذه الهيئات عملَها بروحية وأسلوب القطاع الخاص لجهة حضّها على تعزيز الإنتاجية وإخضاعها للمساءلة. وكلُّ ذلك ينبغي ان يكون تحت إشرافٍ بنَّاءٍ ومَرِنٍ من الدولة، وبشراكةٍ وتعاون مع قياديين في القطاع العام من أصحاب الكفاءة والنزاهة والاقتدار، يكونون قادرين على الانجاز ويجري تحفيزهم من أجل النجاح في بناء أجهزة إداريةٍ وحديثة ورشيقة وفعالة ومنتجة.
إنه من البديهي القولُ أنّ التصدّيَ الناجحَ لهذه المسائل الشائكة لا يتطلّب سياساتٍ راسخةً والتزاماً حكومياً قوياً وثابتاً وعزيمةً صلبةً لا تلين فحسب، بل ويتطلب العمل على تحقيق تغييرٍ حقيقيٍ في ثقافة العمل في مؤسسات القطاع العام عموماً، وتغييرٍ في المعايير الثقافية المتجذّرة في سلوكيات القطاع العام مع المجتمع بشكلٍ عام.
أيها الإخوة والأخوات،
إنّ النجاح في التقدم على المسارات الإصلاحية يقتضي اعتماد خارطة طريق تنطوي على الالتزام بسياسات وإجراءات واضحة ومبادرات منسّقة بشكل جيد بين مختلف الجهات المعنية، بما في ذلك العمل على بناء وتنمية المعارف والمهارات لإقدار العاملين في الإدارة العامة على مواكبة عمليات الاصلاح والتلاؤم مع حركة التغيير هو الأمر الذي يؤدي إلى مضاعفة الدور الموكَل الى مراكز ومعاهد التدريب على المستويات المحلية والإقليمية والدولية، وكذلك المسؤوليات الملقاة على عاتق المعنيين في هذه الإدارات.
أيها الأخوات والإخوة
إنني من المؤمنين شخصياً بأهمية استقطاب أصحاب الكفاءات العالية وكذلك بأهمية تطوير القدرات والتدريب المستمرّ الذي أعتبرُهُ حَجَرَ زاويةٍ لأية عملية إصلاحٍ في الإدارة الحكومية والخاصة.
وإنني لم أوفّر يوماً أيَّ جَهدٍ في مسيرتي المهنية والسياسية لممارسة هذه القناعة في أية إدارة، حكومية كانت أم خاصة، وذلك لتمكينها من مواكبة حركة الاقتصاد ومجاراةِ التنافس إقليمياً ودولياً واستشرافِ التحولات والتخطيط للمستقبل وبالتالي تحقيق النمو والتنمية المستدامة.
وكما ذكرتُ لكم، فقد أَوليتُ التدريب اهتماماً خاصاً وقد انطلقت به في بدء حياتي المهنية، ومُباشرةً بعد تخرُّجي من الجامعة، حيث بدأْتُ بمسيرة التعليم الأكاديمي ودوماً إلى جانب عملي المهني وتحولت مع ذلك كله أيضاً باتجاه تدريب الكوادر في مؤسسات القطاع الخاص والعام وعمدت بعدها إلى تأسيس أول معهدٍ لتدريب المصرفيين على أُسُسٍ عصريةٍ حديثةٍ في لبنان يومَ كنتُ رئيساً للجنة الرقابة على المصارف.
لقد أتاح ذلك المركزُ دائماً فُرَصَ التعلُّم المستمر وزيادة المهارات لكل العاملين في المصارف العاملة في لبنان. واستمرّيتُ على هذا النهج عندما عُدْتُ إلى العمل في القطاع الخاصّ، حيث أسَّست معهداً للتدريب قَدَّمَ خدماتِه للعاملين في المجموعة المالية التي كنتُ أرأسُها ولمجموعاتٍ ماليةٍ أُخْرى في لبنانَ وخارجِه.
ومع تسلُّمي مهامّي وزيراً للمالية مطلعَ التسعينات من القرن الماضي، أدركْتُ أنَّ الأَولويات كانت كثيرةً والحاجاتُ لا تُحصى، وبسبب ذلك، فقد أدركْتُ أَولوية العنصر البشري والحاجة إلى تعزيز وتطوير كفاءاته ومهاراته، وما لثقافة التَعلُّم المستمر من أهمية في هذا البناء. وهي القناعة التي وجدْتُها متجذرةً في موروثنا الثقافي وقِيَم مجتمعاتنا. فكم من مرة سمعتم القول: "أُطلبوا العلم من المهد إلى اللحد"... وهذا ما شجعني على المبادرة إلى تأسيس المعهد المالي الذي حمل اسم الوزير باسل فليحان بعد استشهاده تخليداً لذكراه وتعبيراً عن التقدير الكبير لجهوده عندما عمل معي مستشاراً في وزارة المالية خلال السنوات 1993- 1998.
أيها السيدات والسادة،
إنه وبقدْر ما هناك من حاجةٍ لاعتماد صيغةٍ عادلةٍ وذات كفايةٍ لاختيار أفضل العناصر لشَغْل الوظيفة العامة وذلك ضمن القواعد والأُطُر والمعايير الشفافة والتنافسية، فإنه يقتضي العمل وبشكل مستمر على إقدار العاملين في الوظيفة العامة لكي يتمكنوا من تأدية دورهم في خدمة المواطنين والاقتصاد الوطني. كذلك ولضمان الاستمرار في تحقيق هذا الهدف النبيل، فإنه يقتضي العملُ على تحفيزهم وتعزيز إنتاجيتهم والاحتفاظ بهم لتأمين استمرارية وكفاءة عمل المرافق العامة.
وفي هذا المجال، يحضرني شيءٌ من موروثنا الثقافي، ما قاله الخليفة عمر بن الخطاب بشأن التطوير وتعزيز القدرة على التلاؤم مع الحركة الدائمة في هذا العالم المتغير: "نشِّئوا أولادكم على غير ما نشأتم عليه فإنهم مخلوقون لزمانٍ غير زمانكم". وما قاله الإمام عليٌّ، كرّم الله وجهه، في إحدى رسالاته لأحد ولاته، إذ قال: "اختَرْ لِلحُكمِ بَينَ النّاس أفضَلَ رَعِيّتِكَ في نَفسِكَ، وألزِمْ كلاً منهم ما أَلزمَ نفسَه به...". كما يقول في رسالة أخرى لأحد ولاته: "ولا يكونن المحسنُ والمسيء عندك بمنزلةٍ سواء، فإن في ذلك تزهيداً لأهل الإحسان في الإحسان وتجريئاً لأهل الإساءة على الإساءة...". هذه الأقوالُ النابعةُ من هذا الموروث من التجربة الرشيدة في السلطة تختصر جملةً كبيرةً من العناصر في عملية البناء الإداري لجهة التعليم والتدريب المستمر، كلنا نذكر ذلك القول: "أطلب العلم من المهد إلى اللحد". هذا يختصر ثقافة جديدة نشهدها هذه الأيام حول موضوع التعلّم المستمر، ولجهة وضع الخطط والالتزام بتنفيذها واعتماد سياسة الثواب والعقاب لجهة التحفيز والمكافأة من جهة، وإزاحة من يقصِّر في أدائه وممارسته لمسؤولياته في خدمة الشأن العام.
أيها السيدات والسادة،
إنكم في سعيكم لتحقيق الغاية التي أنشئت من أجلها مؤسساتُ التدريب إنما تتوخَّون إعدادَ وبناءَ أناسٍ أكفّاء ليقوموا بالدور المنوط بهم وهو تحقيق الإصلاح والتلاؤم المستمر مع حركات التغيير، الذي ليس من هدفٍ نبيلٍ مثله في مضمار خدمة الشأن العام، إنما علينا أن ندرك جميعاً أنّ طريق الإصلاح موحشةٌ وقليلٌ روادُها وسالكوها، وهي محفوفةٌ بالمخاطر والإخفاقات. كذلك، فإن علينا أن ندرك بالتالي أن الإصلاح ليس قصيدةً تُلقى من على المنابر، بل هو فعلُ إيمانٍ والتزام وعمل وكفاح ومثابرة، وإثباتٌ للذات وللمعنى والجدوى والفاعلية.
إنكم في مهامكم المختلفة، إنما تعملون على بلوغ الأهداف نفسِها، وهي رَفْعُ كفاءة ومستوى الأداء في الإدارات الحكومية؛ وتطوير قدراتها البشرية؛ والتأسيس لديمقراطية الجدارة؛ والمكافأة على أساس الأداء وعلى مستوى تحقيق الأهداف المتوخاة بديلاً من ارتكازها على أساسٍ من الولاء والانتماء العرقي أو المذهبي أو الطائفي.
لا اعتقدُ أنني أُبالغُ عندما أقولُ إنّ ما أنتم بِصدده اليومَ هو عملٌ من الأعمال الكبيرة للدولة. فالرقيُّ بالوظيفة الحكومية هو ارتقاءٌ بإدارة الدولة إلى مستويات خدمة الناس بكفاءةٍ وصِدْقٍ ومسؤولية. هذا هو حقُّ الناس علينا جميعاً، لكي يستقيمَ أَمْرُ الخدمة الحكومية من جهة، ويتدعَّمَ إيمانُ المواطنين بالدولة وبالوطن، وهذه جُلُّها أهدافٌ سياسيّةٌ بامتياز.
علينا أن نتذكر دائماً أن الإدارةَ العامةَ والعاملين فيها هم شركاءُ أساسيون في عملية النهوض الوطني والاقتصادي وكم هو جديرٌ بالملاحظة في هذا المضمار أن نرى أنّ تصنيفَ مؤسسة التمويل الدولية لمدى سهولة القيام بالأعمال في الكثير من بلداننا يقومُ على التثبت من كفاية عددٍ من العوامل.
فغياب الكفاءة والمحاسبة على أساس الأداء وعدمَ وجود المُناخات الداعمة للمبادرة وطغيان البيروقراطية المترهلة تشكل الكوابح الأساسية لمسألة تسهيل ممارسة الأعمال في عالمنا العربي. وهي القاعدةُ الأساسيةُ لتحقيق النمو والتنمية المستدامة وبالتالي لإيجاد العدد الكافي من فرص العمل الجديدة لعشرات الملايين ممن سينضمون إلى أسواق العمل العربية في العقد القادم.
أخيراً وليس آخراً، يكتسبُ عملُكُمْ هذا أهميةً خاصةً في عالمنا العربي اليوم الذي لا تنقصه الموارد الطبيعية، بل ينقصه التقدم السريع على مسارات تكوين رأس المال البشريHuman Capital Formation للمشاركة العملية والفعلية والمفيدة في العملية الإنتاجية، وذلك باقتدار وكفاءة عالية.
إنّ الموارد البشرية المؤهلة والمبدعة هي الحلقة المفقودة في سُلَّم ارتقاء أمتنا العربية إلى مدارج الإنتاج ذي القيمة المضافة المرتفعة. فقد تقدمت علينا مناطق أخرى عديدة، كأوروبا الشرقية وأميركا اللاتينية وجنوب شرقي آسيا، بينما ما زلنا نتشارك وعدد من الدول الافريقية ذات الواقع المماثل لجهة تصديرها للمواد الأولية، ليس ذلك فقط، بل وتصديرها أيضاً لأصحاب الكفاءات البشرية واستيرادها في المقلب الآخر لمروحة واسعة من المنتجات ذات القيمة المضافة العالية. هذا مما يُبْقي بلداننا وشعوبنا رهينةَ القرارات والتطورات السياسية والاقتصادية العالمية فيما خصّ ما نُصدِّرُهُ وما نستوردُه.
على هذا، فإنّ التقدم على مسارات تحصين دولنا واقتصاداتنا وشعوبنا وإنساننا العربي وتحسين مستويات الأمن الاقتصادي والاجتماعي لدينا يتواكب عملياً مع نجاحنا في تعزيز وتفعيل مواردنا البشرية وتعزيز قدرات الإنسان العربي وتمكينه من المساهمة الفعالة في عملية الإنتاج المتكافئ مع حركة العصر.ولا نقلّل هنا من دور الإدارة، التي تلعب دوراً هامًّا وأساسيًّا في عملية دمج كل هذه المعطيات وصولاً لتحفيز العملية الإنتاجية.
إنّ المهمةَ الرساليةَ لمعاهدكم ومؤتمركم، إذن، رُباعية الأهداف وهي: الإصلاح والتجديد المستمر للإدارة العامة، والتدريب المستمرّ للعناصر البشرية من أجل اكتساب الكفاءة أو زيادتها، والعناية والمتابعة والرقابة لما تُنتجُهُ مؤسساتكم، وتقصُّدُ الخير العام والتقدم في سائر حلقاتِ هذه السلسلة الذهبية.
إنني على ثقة من أنَّ المَزيدَ من التعاون وتَبادُل الخِبْرات والنقاش بين دولنا العربية ومؤسساتِنا والانفتاح على التجارب العالمية، إنما تشكل المداخل الأساسية لتحقيق هذه الأهداف على صعيد أمتنا العربية وعلى مستوى تعاملنا بكفاءة وباقتدار مع أصدقائنا وشركائنا في العالم.
أيها الأخوة والاخوات
أشكركم على حضوركم، وعلى حسن استماعكم، وعلى ومشاركتهم هذه الأنشطة التي تأخذنا ان شاء الله إلى التقدم على مسار تحقيق آمال مُواطنينا في كافة دولنا ومدننا ومؤسساتنا وانساننا العربي.
عاش التعاون والتكاتُفُ والتضامُنُ في سبيل تقدُّمِ شعوبِنا العربية وعاش التعاون من أجل السير على طريق التقدم والازدهار.
عاشت الكويت، عاش لبنان

