Diaries

-A A +A
Print Friendly and PDF

14:07

الرئيس السنيورة تغيب عن مهرجان المغرب ونص محاضرته وزع على الحضور: ما تحتاجه دولنا مؤسسات قوية وقادرة ونظام سياسي مستقر للوصول الى التنمية والانماء والقضاء على الفقر والحؤول دون التوجه نحو العنف والارهاب المطلوب تحقيق زيادة هامة في حجم المساعدات المخصصة لمحاربة الفقر بصرف النظر عن تداعيات الأزمة المالية على ميزانيات الدول الصناعية

أعلن رئيس مجلس الوزراء فؤاد السنيورة أن "ما تحتاجه دولنا أشد الحاجة هو المؤسسات القوية، والدولة القادرة والمنفتحة والمحفزة، والنظام السياسي المستقر فبدونها جميعا لا تنمية ولا إنماء ولا رفاه ولا ازدهار لا بل حتى ولا فعالية كفوءة للمساعدات ولا قضاء على الفقر والجهل والجوع والمرض والحرمان وعلى أسباب التحول نحو العنف والتمرد واللجوء إلى الإرهاب".

كلام الرئيس السنيورة جاء في نص محاضرة له كان من المقرر أن يلقيها في مهرجان مدينة أصيلة الثقافي السنوي الذي يقام في المغرب تحت عنوان "العولمة والتنمية تداعيات الازمة المالية العالمية على الدول النامية والافريقية"، لكنه اعتذرعن المشاركة ووزعت محاضرته على المشاركين وستنشر على الموقع الرسمي للمهرجان وفيما يلي نصها:

"نجتمع اليوم في هذه المدينة العربية الأفريقية الأطلسية لنتداول سويا في موضوع العولمة والتنمية. وقد ذكرتنا الأزمة المالية والاقتصادية العالمية، كم هي صغيرة هذه القرية الكونية التي نتشارك جميعا العيش فيها، وكيف أن انهيار مصرف في نيويورك يؤثر بسرعة على حياة ومستوى معيشة مئات الملايين من سكان العالم العربي وأفريقيا وغيرهما من البلدان النامية عبر حلقة مترابطة بدأت بالممارسات غير الرصينة وغير المنضبطة أو حتى الخاطئة لبعض المصرفيين من دول الشمال والتي انعكست سلبا على اقتصادات تلك الدول والعاملين فيها وصولا إلى التأثير على أولئك الأكثر فقرا أو عرضة للفقر في دول الجنوب.

لقد كشفت الأزمة في ما كشفته الخلل القائم في النظام الاقتصادي العالمي والذي أتاح المجال لشريحة من المصرفيين والمضاربين والمستثمرين العالميين في ظل سياسات نقدية ومالية غير منضبطة ورقابة غير فاعلة وغير منسقة، أن تتسبب بأزمة مالية عالمية نتج عنها ركود اقتصادي عالمي هو الأسوأ منذ الحرب العالمية الثانية وأن تهدد مداخيل وأعمال ومستوى عيش مئات الملايين من المزارعين والصناعيين والعمال في معظم بلدان العالم.

لقد أدى انهيار السوق العقاري في الولايات المتحدة إلى كشف تراكم وكذلك حدة هذه الاختلالات، حيث أظهرت الأزمة كيف تمادى عدد كبير من المصارف في منح القروض العقارية غاضين النظر عن الجدوى وكذلك عن معايير الجودة الائتمانية، فكانت لتلك الممارسات عواقب وخيمة على القطاع المصرفي ونوعية موجوداته، إذ انتقلت الأزمة المالية العالمية من القطاع المصرفي والمالي في الدول المتقدمة لتنال من اقتصاداتها، وبالتالي من اقتصادات الدول النامية وذلك عبر تأثيرها على حجم الصادرات، والاستثمارات الخارجية المباشرة وكذلك على تحويلات غير المقيمين وعلى مستويات الثقة بالنظام المصرفي العالمي. وقد أدى الضعف الذي أصاب اقتصادات الدول النامية إلى تزايد الضعف في اقتصادات الدول المتقدمة عبر حلقة مترابطة تبدأ من ضعف الطلب في الدول النامية وتأثير ذلك على تدفق الاستثمارات العالمية وبالتالي على توزع رأس المال ثم على نوعية موجودات الشركات والمؤسسات المالية والمصرفية ومستويات أرباحها وعلى مستويات العمالة. وأخيرا في استمرار تصاعد نسب البطالة في الدول المتقدمة التي انتقلت عدواها إلى الدول النامية. وهذه المرحلة هي التي نشهدها اليوم، والتي تمثل الموجة الثانية من ارتدادات وتداعيات الأزمة المالية العالمية.

اضاف:"لقد كشفت هذه الأزمة الجانب السلبي لظاهرة العولمة، إذ بينت فيما بينت، صغر القرية الكونية وعمق وتداعيات التأثيرات المتبادلة. كما كشفت أهمية إدراك الدول المتقدمة والنامية حقيقة ثابتة وهي أن الجميع يستقل مركبا واحدا. كما بينت أيضا حدة الانقسام ما بين دول تتولى قيادة مركب الاقتصاد العالمي وتعمل على تسييره في الوجهة وبالسرعة التي تراها مناسبة لها، ودولا أخرى مستبعدة عن المشاركة، تجلس في المقاعد الخلفية لا حول لها ولا قوة، تتحمل أعباء وتكاليف ومخاطر الأحداث التي تتسبب بها الدول التي تتولى القيادة، من دون أن يكون لدول الجنوب دور أو رأي في السرعة أو الوجهة التي تأخذها أو التي تقودها إليها تلك الدول. والأخطر من ذلك كله، بل المفارقة، أن تعمل تلك الدول على إعادة التفكير بالنظام الاقتصادي العالمي بآلياته ومؤسساته وضوابطه من دون أن يكون للبلدان النامية دور مشارك ومؤثر في تلك المراجعة، وهو أمر بطبيعة الحال، لا يجوز القبول به.ولن أدخل أيها السادة هنا في لعبة إلقاء اللوم على العولمة وآثارها السلبية على ازدياد الفقر والبطالة في بعض البلدان والتشدد والتطرف في البعض الآخر، وذلك لاعتقادي الراسخ بأن العولمة هي طريق لا عودة عنها، وهي طوت نهائيا صفحة من التاريخ الاقتصادي والاجتماعي والتكنولوجي العالمي تماما كما طوت الثورة الصناعية صفحة من هذا التاريخ في أواخر القرن التاسع عشر.لكن لا يصح حتى في حال الإقرار ببعض المشكلات التي أثارتها أو فاقمتها العولمة فإننا يجب أن لا ننسى هنا أن العولمة أسهمت من جهة أخرى في تعزيز الروابط الثقافية والاجتماعية والفكرية بين الأمم وكسرت الحواجز التي أقامتها الحدود السياسية وزادت من قيمة وأهمية الفرص المتاحة وإمكانية الاستفادة منها. وهي أيضا ساهمت في زيادة نسبة الوعي لدى المواطن في بلده وإدراكه لواجباته وحقوقه وبالتالي زادت من قدرته على المساءلة، وهي مسألة أساس في النظام الديموقراطي، هذا مع الاعتراف بأن الفوائد الاقتصادية التي حصدتها بلدان الجنوب بفعل العولمة لم تكن توازي المنافع الثقافية والاجتماعية أو حتى السياسية التي حصلت عليها وان كانت تلك المنافع لتلك الدول مازالت في بداياتها.

وقال:"على هذا، فإن الجدل الذي يحب البعض أن يخوضه عن جدوى العولمة هو جدل غير مجد، فالسؤال الحقيقي هو كيف يمكن أن يتم تفعيلها لمصلحة شعوب الجنوب الاقتصادية، وما هي السبل لكي تتأقلم بلداننا مع تحديات عصر العولمة وكيف لها أن تواكب حركته واتجاهه، فتحولها لفرص نمو وازدهار ورفاه. فالحقيقة التي علينا أن نواجهها، بخاصة في دول الشرق الأدنى والشمال الإفريقي وإفريقيا عموما، هو أننا نتحمل في مكان ما مسؤولية تكيفنا البطيء وتلاؤمنا المتردد مع متغيرات العصر وبالتالي عدم قدرتنا على الاستفادة منه بالقدر الذي استفادت فيه دول نامية أخرى.من هذا المنطلق، سأقارب في مداخلتي اليوم موضوع مؤتمرنا حول العولمة والتنمية من زاويتين مختلفتين ولكن مترابطتين: الزاوية الأولى وهي المسؤولية التي تقع على عاتق بلدان الشمال لناحية كمية ونوعية المساعدات الخارجية التي تقدمها للدول النامية بما يسهم في تقدمها وتنميتها ونموها. والزاوية الثانية هي المسؤولية التي تقع على عاتق بلدان الجنوب لناحية تخصيب بيئتها الاستثمارية وتعزيز قدراتها وطاقاتها وتفعيل اقتصاداتها ومستويات عمل مؤسساتها ومجتمعاتها حتى تكون أكثر تلاؤما وتكيفا مع متغيرات العصر ومتطلباته وتكون بالتالي قادرة على تحسين فرص الاستفادة من المساعدات التي تحصل عليها من دول الشمال والفرص الكبيرة التي تتيحها لها تلك المساعدات.

وتابع:"في ما خص الزاوية الأولى وتحديدا بشأن العلاقة مع بلدان الشمال، فإن على بلدان الشمال أن تعي أن الفقر والجوع والجهل والبطالة والحرمان التي تعاني منها بلدان الجنوب، لا تبقى مكانها ولا تستوطن وتبقى محصورة في بيئاتها الضيقة ولكنها تصدر إلى الخارج لتشكل مصدر قلق أو خطر على حالة الأمن والاستقرار في العالم وتتخذ أشكالا من التطرف والتشدد والهجرة غير الشرعية وضواحي وأحزمة البؤس على تخوم المدن الكبرى الصناعية والمالية في مدن الشمال والجنوب على حد سواء. على هذا، فإن المقاربة المتفحصة للمساعدات الخارجية التي تقدمها دول الشمال يجب أن تنطلق أساسا من حق الشعوب في الحياة وفي الكرامة الإنسانية وفي الحرية وكذلك في الاستثمار في التنمية العالمية وبالتالي في الاستقرار والأمن العالمي وأنها في محصلة الأمر إسهام غير مباشر في حماية وتعزيز الاستقرار في دول الشمال. فضلا عن ذلك فإن الواجب الواقع على دول الشمال هو في الإسهام الصادق والفاعل في إحقاق السلام في أكثر من منطقة من مناطق التوتر في العالم وتأمين الأمن بمفهومه الواسع والذي هو ضرورة أخلاقية أولا، وهو مسؤولية دولية تضطلع بها الدول الغنية تجاه الدول الفقيرة، دون إغفال المسؤولية الوطنية في هذا المجال.على هذا الأساس، فإن الهدف الأول والأساس والأهم للمساعدات يجب أن يتمحور حول التقدم بجد وفعالية على مسار إنهاء الفقر والحرمان والجوع والمرض والجهل والتعصب والحؤول دون تفجرها عنفا وكراهية بحيث تطوى هذه الصفحة من سجل الإنسانية، ماضيا وحاضرا. هذا مع الإدراك التام بأنه يجب أن يكون ذلك هدفا أخلاقيا وسياسيا واقتصاديا وأمنيا عالميا بالقدر الذي هو هدف محلي ووطني. وفي هذا الإطار تشكل أهداف الألفية التنموية Millennium Development Goalsورغم الشوائب التي تسود بعضها، أساسا قيميا وهيكلية مفيدة لتقييم حجم المساعدات العالمية وجدواها. وقد أشارت اللجنة التي شكلها السيد الأمين العام للأمم المتحدة في العام 2007 إلى ضرورة تقديم مساعدة سنوية لا تقل عن 72 مليار دولار إلى البلدان الإفريقية حتى تتحقق أهداف الألفية في الموعد المحدد العام 2015. وهذا الرقم يبدو متواضعا إذا ما قورن بما تدفعه البلدان المتقدمة على شكل دعم لمنتجاتها الزراعية والحيوانية سنويا والذي يفوق ال362 مليار دولار أميركي والذي يؤثر تأثيرا مباشرا وسلبيا على فرص التنمية الزراعية لبلدان الجنوب وعلى قدرتها على المنافسة عالميا.

اضاف:"طبعا تبقى إحدى المسائل الأساسية هي مبالغ المساعدات الممنوحة إلى دول الجنوب، وقد تم الإعلان عن 103,7 مليار دولار أميركي مساعدات من الدول المانحة في العام 2007. وهي مساعدات ومبادرات عون وإعانة تبدو جديدة في الشكل. ولكن المقاربة الصحيحة والعلمية لمكوناتها تكشف بأنها ليست بمعظمها إلا إعادة توضيب لمساعدات وتقديمات قديمة أو قائمة. فهي تحتوي فيما تحتويه: الإعفاءات من الديون (Debt Relief)، والمساعدات الإنسانية (Humanitarian Aid) وهي ما يمنح لمعالجة مشكلات آنية وطارئة كالزلازل والكوارث الطبيعية والتغيرات المناخية. أضف إلى ذلك كلفة إعادة الإعمار في مناطق الحروب والنزاعات وكذلك الأمر المساعدات المصنفة "تقنية" والتي يتقاضى أجر معظمها موظفون ومستشارون من دول الشمال، وأخيرا وليس آخرا التقديمات السخية إلى بلدان تعتبرها دول الشمال، وعلى الأخص الولايات المتحدة الأميركية، حاجة أساسية لأمنها القومي كإسرائيل وكولومبيا.فإذا ما أخذنا جميع هذه المعطيات بعين الاعتبار، يبقى من المبلغ المعلن أي ال103,7 مليار دولار أميركي ومن ضمنه ما قدم إلى البلدان الأكثر فقرا في العالم، ولا سيما إلى البلدان الأفريقية جنوب الصحراء الكبرى، ما لا يتجاوز في مجموعه الحقيقي نسبة ال 20 % من المجموع الإجمالي أي أقل من 21 مليار دولار أميركي، وهو ثلث ما تحتاجه هذه البلدان سنويا لكي تحقق أهداف الألفية التنموية، على تواضع هذه الأهداف. يتبين بالتالي حقيقة حجم الفجوة التنموية المتزايدة التي تعاني منها دول الجنوب ولاسيما على صعيد الفرص الضائعة والمفوتة والتي لا يمكن لتلك الدول الاستفادة منها.في ضوء ما تقدم فالمطلوب إذا، تحقيق زيادة هامة في حجم المساعدات المخصصة لمحاربة الفقر وذلك بصرف النظر عن تداعيات الأزمة المالية على ميزانيات الدول الصناعية أو دول الشمال وذلك لأسباب استراتيجية عالمية مرتبطة بالأمن العالمي والاستقرار الدولي على المدى البعيد. والحقيقة أنه وبالرغم من الأزمة المالية العالمية فإن الأمر يتطلب زيادة في حجم الجهود في هذا الإطار، لا التراجع عنها، لا سيما عندما تتبين للدارسين حقيقة التداعيات السلبية للأزمة المالية العالمية على عدد الفقراء في العالم. في هذا الإطار، وبفعل الأزمة المالية العالمية، تشير أرقام الأمم المتحدة إلى ازدياد أعداد العاطلين عن العمل بحوالي 59 مليون نسمة مع نهاية العام الحالي وزيادة أعداد الفقراء في العالم بحوالي 200 مليون نسمة. في هذا السياق تتوقع منظمة الغذاء العالمي أن يزداد عدد الجياع 100 مليون نسمة عن العام الفائت فيصل إلى المليار وعشرين مليون نسمة في العالم مع نهاية هذا العام.

واوضح"إن هذه الأرقام تضعنا جميعا وخصوصا بلدان الشمال أمام مسؤوليات أخلاقية وسياسية واقتصادية جمة. لكن رغم ذلك وعلى أهميتها، لا تشكل المساعدات وحدها السبل المثلى للتعاون بين الشمال والجنوب في زمن تغلبت فيه الروابط بين الشعوب على الحدود بينها. فالتزام بلدان الشمال بالتعاون مع دول الجنوب يجب أن يقاس ليس فقط بكمية المساعدات التي تنفقها ولكن أيضا بقدرتها على تطوير فرص النمو المستدام لدى دول الجنوب عبر التنمية الاقتصادية الفعالة. وفي هذا الإطار تشكل القرارات الأخيرة لمجموعة الدول الصناعية الكبرى الثماني توجها مشكورا يجب التشجيع لا بل التأكيد على تنفيذه أكان ذلك على صعيد المبادرة لتأمين الغذاء، وإرسال المنتجات الزراعية أو السلع، أو كان ذلك من خلال العمل على تشجيع تصدير الأساليب والتكنولوجيات الجديدة للزراعة وزيادة القدرات الاستيعابية لهذه الدول النامية، وبما يحسن من قدرة تلك الدول على استعمال الموارد المتاحة وزيادة مردوديتها.

وقال:"إن تقديم المعونة والمساعدة ليس هدفا نهائيا بحد ذاته، إن ما ينبغي أن يكون عليه الهدف هو تنمية القدرات وتهيئة الظروف بحيث تنتفي الحاجة إلى تلك المساعدات في نهاية المطاف توصلا إلى إقدار الدول النامية على الإسهام المشترك في دفع عجلة التنمية وتعزيز معدلات النمو الاقتصادي. هذه هي المقاربة الصحيحة. وهذه هي المقاربة التي ترى عملية تقديم المساعدات بعين الاستثمار من أجل المستقبل لا بكونها هبة أو صدقة. الاستثمار في أمن الإنسان أينما كان والاستثمار في التنمية العالمية وللاستثمار في الاستقرار العالمي، والاستثمار في التمكين الاقتصادي والاستثمار في ازدهار ورفاه الإنسان سواء أكان في الشمال أو في الجنوب.ولكن ما هي مسؤولية ودور بلدان الجنوب في هذه الحلقة؟ هذا ما ينقلنا إلى الزاوية الثانية في مقاربة موضوعنا حول العولمة والتنمية والمساعدات.

من دون أدنى شك، لقد كان التاريخ الاستعماري بكافة أشكاله، والذي تعامل مع بلداننا العربية والإفريقية بوصفها مصدرا للموارد الأولية، لا شريكا حقيقيا في عملية التنمية وفي تحقيق التطور العالمي، دورا أساسيا في التخلف وفي إبطاء عملية التقدم لدى دول الجنوب. لا بل إن تلك السياسة قد ساعدت بشكل مباشر أو غير مباشر على توليد الصراعات والانقسامات الدينية والمذهبية والإثنية والقبلية والجهوية وغيرها. ولعل الصراع العربي - الإسرائيلي الناتج عن زرع كيان استعماري في قلب العالم العربي هو أكبر دليل على تأثير تلك السياسة والتنازع الدولي على السلطة والنفوذ، في الحد من فرص التنمية والتقدم في بلداننا النامية.

وقال:"إن إنهاء الاحتلال، وتوفير الظروف المؤاتية لإيجاد حل شامل ونهائي وعادل لمعاناة الشعب الفلسطيني، كما العمل على إنهاء النزاعات المسلحة في البلدان العربية الأخرى، وكذلك الأمر في مناطق النزاع في إفريقيا، من منطقة البحيرات وإلى منطقة القرن الإفريقي، هي شروط أساسية وغير قابلة للمساومة، إذا ما أردنا فعلا أن نحقق التنمية المستدامة لشعوب أفريقيا والعالم العربي والإسهام الفعلي في تحقيق النمو المستدام على صعيد الاقتصاد العالمي.لقد قلت عمدا إن هذا الشرط هو شرط أساسي، ولكني لم أقل إنه وحده كاف أو أن استمرار عدم تحققه يعفينا من مسؤوليتنا في بذل جهود مضاعفة لتحقيق التنمية في مجتمعاتنا. فالحقيقة التي لا بد لنا من الاعتراف بها أنه بالرغم من التداعيات السلبية والخطيرة على الاقتصاد والإنسان والثقافة التي تسبب بها استمرار الاحتلال والحروب المدمرة والنزاعات الإثنية والعشائرية والعقائدية، فإننا نتحمل أيضا جزءا وافرا من مسؤولية التناحر والصراعات الداخلية وبالتالي القصور والتقصير وفي محصلة الأمر التأخر الذي وقعنا فيه.فمواجهة الاحتلال وكذلك الحروب القائمة على الأرض أو الموارد لا يجوز أن تكون مانعا أو حائلا دون ترشيد عملية توجيه الطاقات واستعمال الموارد المتاحة بطريقة أجدى. كما وبذل الجهود من أجل بناء مجتمعات مدنية عصرية ومنفتحة تتعزز فيها مناخات الحرية، وتسود فيها سلطة الدولة، وينتظم فيها عمل المؤسسات وحكم القانون.إن لدينا، أفارقة وعرب، مطالب أخرى ضرورية إضافة للعمل على زيادة المساعدات من دول الاقتصادات الكبرى في المجال العالمي كما ونوعا. وهذه المطالب لا يستطيع أحد تحقيقها إلا دولنا ذاتها وهي تنقسم إلى شقين أساسيين: الشق المتعلق بزيادة التعاون في المجالين الإقليميين الإفريقي والعربي. ذلك ما ذكرته في محاضرة ألقيتها في القمة الاقتصادية العربية الأولى التي عقدت في الكويت مطلع هذا العام بما يؤكد على العمل المشترك الساعي للتصدي المشترك للتحديات التي تعانيها دول أمتنا العربية وكذلك الأمر بالنسبة للدول الإفريقية بما يسهم في تحقيق التلقف الجماعي للفرص الكامنة لدى مجموعات دولنا. وأعني بزيادة التعاون في المجال الاقتصادي العمل على فتح الأسواق والحدود فيما بين هذه المجموعات من الدول والعمل على الربط فيما بينها بشبكات الطرق والسكك الحديدية والكهرباء والطاقة النظيفة باعتبارها مشاريع حيوية ومفتاحية تسهم في تحسين فرص الاستفادة من الموارد المتاحة كما وإفساح المجال أمام التسهيلات الضرائبية ومشاريع التكامل. كذلك الاستثمار المشترك في الصحة والتعليم وتطوير المناهج التعليمية المتلائمة مع المتغيرات على صعيد حاجات قطاعات الاقتصاد المنتج وأسواق العمل في تلك الدول. وهي كلها مشاريع أساسية كفيلة بتحقيق مستوى أفضل من التنمية والنمو وخلق فرص العمل الجديدة وتحسينات مناخات العمل في تلك البلدان.

وتابع:"أما الشق الآخر فيتعلق بخلق الأجواء الملائمة لعمل القطاع الخاص ونموه وازدهاره، وذلك بالحكم الرشيد وتعزيز سلطة ودولة القانون وإسقاط العوائق والانضباط في صون الملكية، ثم بتشجيع الاستثمارات الخارجية والداخلية على الحركة والعمل بواسطة الحكم الرشيد هذا، وخلق الجواذب التي تستنهض تلك الاستثمارات وتدفعها للتحرك بالإعفاءات الضريبية، واستطرادا تشجيع القطاعات الخاصة على التعاون بما يسهم في إفساح المجال لنشوء المؤسسات الصغيرة والمتوسطة لتعزيز النمو المستدام وجهود التنمية توصلا لزيادة فرص العمل، وتمديد وتوسيع الحركة والنشاطات الاقتصادية والاجتماعية في شتى المجالات.وفي هذا الإطار، أشير إلى أن حكومتي قد تقدمت برؤية اقتصادية للدولة اللبنانية، قد تشكل أيضا مثالا لبلدان نامية أخرى. وهذه الرؤية تسعى إلى خلق قاعدة أعرض للازدهار والرخاء المناطقي من خلال بناء علاقات الشراكة بين القطاعين العام والخاص. ذلك ما يعني إفساح المجال أمام القطاع الخاص للاستثمار في إنتاج الطاقة الكهربائية وبناء القدرات التي تدرب الناس وتعلمهم وكذلك إقدارهم على التلاؤم مع المتغيرات التقنية المتسارعة. كما وإطلاق المشاريع المفتاحية في المناطق النائية والفقيرة والريفية والتي تؤدي بدورها إلى إقدار القطاع الخاص على إطلاق المشاريع الصغيرة والمتوسطة توصلا إلى توزيع أكثر عدلا للموارد والفرص. وتقوم هذه الرؤية بتجديد مفهوم علاقة الدولة بالاقتصاد الوطني حيث تلعب الدولة دور المسهل والممكن عبر تحديدها للأطر القانونية والرقابية والمؤسسية وتتشارك الدولة بالتالي مع القطاع الخاص في إقامة البنى التحتية التمكينية، في حين تفسح الدولة من أمام القطاع الخاص إمكانية المشاركة الفعالة في تمويل وإدارة المشاريع الأساسية التي تحدد الهوية الاقتصادية لكل منطقة بحسب ميزاتها التفاضلية".

وقال:"إن ما تحتاجه دولنا أشد الحاجة هو المؤسسات القوية، والدولة القادرة والمنفتحة والمحفزة، والنظام السياسي المستقر فبدونها جميعا لا تنمية ولا إنماء ولا رفاه ولا ازدهار لا بل حتى ولا فعالية كفوءة للمساعدات ولا قضاء على الفقر والجهل والجوع والمرض والحرمان وعلى أسباب التحول نحو العنف والتمرد واللجوء إلى الإرهاب.فالمؤسسات القديرة والكفوءة والشفافة هي أساس النجاح، وذلك يعني برلمانات ناشطة وممثلة، ومؤسسات أمنية منضبطة وقادرة، وقضاء مستقلا وصحافة حرة وقطاعا خاصا حيويا ومجتمعا مدنيا فاعلا. وهذه كلها تشكل ركائز وأسس الديمقراطية الحقيقية.فالديمقراطية لا تعيش مع الفوضى ولا مع التسلط. فالحقيقة الأساسية للديمقراطية تكمن في الحرية وفي السعي إلى حكم القانون الذي يكفل المساواة بين المواطنين ويهدف إلى تحقيق تقدم مستمر نحو العدالة والحياة الكريمة، ويؤمن للشباب فرص المشاركة في الشأن العام، ويتيح نمو وتعزيز الحياة المدنية، ويساهم في القضاء على الفساد، ويوفر للتنمية الاقتصادية كل مستلزماتها من أجل خلق فرص العمل وبلوغ النهوض الاقتصادي والاجتماعي. وقد أثبت التاريخ من كوريا الجنوبية إلى سنغافورة بأن الدول تنمو وتزدهر حينما تستثمر في إنسانها وفي بناها الأساسية، وحينما يجري تحفيز الصناعات التصديرية ويجري العمل على تشجيع صناعة التصدير، وعلى إعداد قوة عمل ماهرة قادرة على توفير مساحة للعمل وانطلاقة المشاريع الصغيرة والمتوسطة التي بدورها تخلق فرص العمل وتسهم في تحسين مستوى ونوعية عيش الناس.إن المقولة التي سادت على مدى عقود طويلة أنه "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة" في إشارة إلى معارك التحرير دفعت الكثيرين في إفريقيا والعالم العربي إلى قبول الكثير من التجاوزات التي كانت ترتكب باسم الأولوية للمعركة أو للتوجه الأساسي للنظام. هذه التجاوزات للكثير من المبادئ والقيم والأعراف التي تتوق إليها مجتمعاتنا العربية والإفريقية لم يعد بالإمكان السكوت عليها أو التغاضي عنها وعن تداعياتها المرة. فالأمر أصبح يستحق منا التنبه والعمل على المراجعة والتركيز على متطلبات المستقبل توصلا إلى تحقيق التنمية البشرية لأجيالنا الصاعدة والسعي إلى تحقيق النمو الاقتصادي والاجتماعي وتوجيه الموارد المتاحة الوجهة الصحيحة كما والتأكيد على تعزيز الأمن والاستقرار واحترام سيادة القانون ومنع التعديات والتجاوزات وانتهاك الحريات بأشكالها كافة والعمل بتصميم على تعزيز مناخات الحريات.

من ناحية أخرى، لقد أدى نموذج الأنظمة المتسلطة والقامعة لشعوبها والحارمة مواطنيها من حقوقهم، إلى تغذية التشدد والانغلاق والتعصب ومشاعر الغضب وهو ما غذى بدوره التطرف والإرهاب، بجميع أشكاله بما فيها الديني والإثني والسياسي والثقافي والفكري، وهو كان وما يزال، يشكل عائقا قويا في منع عالمنا العربي وكذلك عالمنا الإفريقي من تحقيق النهضة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية. وهي نهضة تحتاجها شعوب هذه البلدان لتلحق ولو متأخرة بحركة العصر ومتطلباته. عصر المعرفة والعلم والإنتاج وتحقيق القيمة المضافة. عصر التنافس والتكامل الاقتصادي وحرية حركة انتقال الأشخاص والبضائع. عصر نابوكو وأنابيب الغاز والنفط العابر للقارات وعصر الشبكة الالكترونية وشبكات الربط الكهربائي الإقليمية، وشبكات الطرق وسكك الحديد العابرة للحدود، وخطوط النقل البحري والأجواء المفتوحة.إن ما يصلح لإفريقيا يصلح أيضا للعالم العربي. فالدرس الفوري الذي علينا أن نتعلمه جميعا هو أننا كنا وما نزال متلقين لما يحدث في الاقتصادات الكبرى من فورات وأزمات، ومتلقفين لما تفرضه تلك الكتل الاقتصادية من نظم وقرارات وإجراءات، دون تمكن أو تمكين من الإسهام بشكل مؤثر في القرار الاقتصادي العالمي. وهي منافع وفرص لن تتمكن شعوبنا من الاستفادة منها ما لم نفعل العمل في مجموعاتنا العربية والإفريقية وكذلك عملنا المشترك بين بلداننا فنذهب عندها متوحدين إلى طاولة القرارات الاقتصادية العالمية وبالتالي يكون لنا صوت مسموع ومؤثر في العالم.إن المعركة الحقيقية اليوم كما هي معارك التحرر من الاستعمار هي أيضا معركة محاربة الفساد، والتسلط والإرهاب السياسي، والفكري والثقافي. معركة محاربة الجوع والمرض والجهل واليأس واللجوء إلى العنف. معركة الإصلاح وقيام المؤسسات الفاعلة والقوية التي تحكم وتنظم وتسوس العلاقات ما بين القوى السياسية والاقتصادية والاجتماعية. معركة قيام دول قوية بمؤسساتها الديمقراطية وبانفتاحها على العالم وعلى حركة العصر كما هي قوية بإنسانها، مستقرة بنظامها كما هي مطمئنة إلى فعالية أجهزتها الأمنية، عادلة بقوانينها كما هي متبصرة بوعي وإدراك قادتها المستنيرين. هي أيضا باختصار معركة تفعيل العمل الاقتصادي الإقليمي المشترك.

وختم الرئيس السنيورة:"لا تزال هذه المعركة صعبة وطويلة ومعقدة، وسيكون هناك تلكؤ وتأخر وستواجهها مخاطر وتحديات وصعوبات وانتكاسات، لا ريب بذلك. لكن علينا أن نستمر وأن نعقد العزم، وأن نتحمل مسؤولية مستقبل شعوبنا وان نتقدم على هذه المسارات بثقة وتصميم. هذا ما ندين به لأولادنا:"أن نعطيهم عالما أفضل من ذلك الذي ورثناه عن أهلنا". علينا أن نسأل أنفسنا بصراحة: "هل حققنا ذلك؟ أو هل نسير باتجاهه؟ آمل أن يكون ذلك قد حدث، أو أنه يحدث اليوم.

تاريخ اليوم: 
14/08/2009