الرئيس السنيورة في كلمة منح فيها الثفة للحكومة : على حزب الله الانسحاب من سوريا اليوم قبل الغد قبل فوات الاوان وقد شاركنا في الحكومة لانقاذ الوطن والدولة ونحن على استعداد للمشاركة في الحوار

القى رئيس كتلة المستقبل النيابية الرئيس فؤاد السنيورة، كلمة في جلسة نقاش البيان الوزاري لحكومة المصلحة الوطنية برئاسة الرئيس الرئيس تمام سلام ومنح الحكومة بموجبها الثقة وفي ما يلي نصها:
دولة الرئيس،
السادة النواب،
أيها اللبنانيون،
أودّ بداية أن أنوّه بهذه العودة إلى ممارسة العمل الديمقراطي البرلماني بعد هذا الانقطاع وان شاب هذه الجلسات بعض الحماوة التي تؤكد على أهمية وحيوية هذه الممارسة الديمقراطية تحت قبة البرلمان.
تستعد حكومة المصلحة الوطنية للانطلاق إلى العمل وتفصلها عن نهاية المهلة الدستورية لانتخاب رئيس جديد للجمهورية بضعةُ أسابيع.
إنّ الوقت المتاح لهذه الحكومة، ليس بالوقت الكثير، لكنه من دون شك يشكل فرصة ثمينة علينا التقاطها وإحسان استخدامها والتعاون سوية على إنجاحها.
أقول كلامي هذا لأنّ المنطقة والعالم من حولنا يمران بمرحلةٍ جديدةٍ وصعبةٍ تكتنفها متغيرات عميقة وذلك على أكثر من صعيدٍ سياسي وأمني واقتصادي واجتماعي، ومنها ارتباكٌ وركودٌ يُعاني منه الاقتصاد العالمي الذي لم يتعاف من الأزمة المالية الأخيرة، إلى عودة أجواء النزاع البارد بسبب التوتر السياسي والدبلوماسي بين روسيا والعالم الغربي ومنها ما يتأتى عن أزمة جزيرة القرم وأوكرانيا. هذا مروراً بمنطقتنا العربية وما تعيشه بسبب استمرار الاحتلال والتعنت والغطرسة الاسرائيلية إضافةً الى تداعيات الملف النووي الايراني، وما تمرّ به دول الربيع العربي وما حولها من متغيرات وارتدادات، وصولاً إلى الأزمة السورية التي تتدفق حممها إلى بلدنا والتي يفاقم تداعياتها على لبنان تورطُ حزب الله في الحرب الدائرة هناك بين النظام والشعب السوري وبما يجلبه ذلك من شرور وتداعيات لا حد لها ولا حصر على لبنان والمنطقة.
من هنا فإنّ قيام الحكومة الجديدة يشكل تحدياً وفرصة في آن واحد، تحاول فيها هذه الحكومة ومعها الشعب اللبناني العبور بسفينة لبنان وسط هذه الأعاصير والأمواج العاتية علّنا ننجح في تجاوزها.
إني أميل إلى الاعتقاد أننا بوعينا وإدراكنا لعظَم هذه التحديات وبمبادرتنا الصادقة والمصممة على العودة إلى ممارسة الاحترام الحقيقي لأحكام الدستور ومواعيده والعمل على إعادة الاعتبار للدولة وسلطتها وهيبتها، والتأكيد على انتظام عمل مؤسساتها واحترام الحريات العامة وحقوق الانسان ومبدأ الاعتراف بالآخر مهما كان مختلفاً، والالتزام بقواعد الشراكة في الوطن، نكون عندها وعندها فقط قادرين على الخروج من هذا المأزق المحتدم الذي نحن فيه. وفي غياب ذلك كله لن يكون هناك من رابح بيننا وستكون خسارة للوطن نفسه.
دولة الرئيس،
نحن كتيار المستقبل نتعاون رغم التباينات والخلافات لإنجاح عمل هذه الحكومة ولن نتوقف عند العنتريات الرخيصة ولا الادعاءات الاعلامية والكلامية بهدف المزايدة، لأننا نؤمن بلبنان وطناً سيداً حراً مستقلاً، وطناً نهائياً لجميع أبنائه، وطناً واحداً أرضاً وشعباً ومؤسساتٍ في حدوده المنصوص عنها في الدستور والمعترف بها دولياً. لبنان الوطن، العربي الهوية والانتماء.
شاركنا في هذه الحكومة رغم الخلافات العميقة لأننا متمسكون بالعيش المشترك والواحد بين كل مكونات مجتمعنا.
ندافع عن ميثاقنا الوطني الذي أعيدت صياغته في الطائف ونتمسك بالنظام الديمقراطي البرلماني القائم على احترام الحريات العامة، ونعمل للدولة المدنية التي تحترم كل المواطنين اللبنانيين ونحترم حقوق الإنسان وتطبيق العدالة على الجميع دون انتقائية.
نؤمن ونلتزم بمبدأ تداول السلطة واحترام قواعد الشراكة في الوطن ونرفض الاستبداد والارهاب والعنف بأشكاله كافة والتعصب والتطرف والغلو والتشدد عند المسلمين والمسيحيين.
نؤكد على سيادة الدولة اللبنانية وسلطانها غير المنقوص على كامل الأراضي اللبنانية في مواجهة الاحتلال الاسرائيلي من اجل تحرير الارض المحتلة واسترجاعها، وفي مواجهة السلاح غير الشرعي لأي جهة ومن أي جهةٍ كان.
في المحصلة نحن نؤمن أنه لن يصح إلاّ الصحيح ومنطق الدولة الواحدة هو الغالب وان طال الزمن. ولقد علمتنا تجارب لبنان والمنطقة ان من وقف في وجه إرادة اللبنانيين كان مصير منطقه الفشل.
دولة الرئيس،
إنّ حجم التحديات والمشكلات التي تواجه بلدنا كبير وكبير جداً ولاسيما بعد أن أصبح واضحاً هذا الفرق الشاسع بين حجم تلك المشكلات التي نواجهها وما تقتضيه من معالجات من جهة أولى، وما هو متوافر لدينا من وسائل وإمكانات من جهة أخرى ولاسيما في ضوء وبسبب الحالة المتردية التي أصبحنا عليها من خلاف ومناكفات. علينا ان نعترف أنه لا قِبَلَ لهذه الحكومة أن تنجح منفردة في هذه المواجهة ما لم نمحضها دعمنا الصادق وتنازلاتنا المتبادلة لصالح الوطن والدولة ومن غير ذلك فالله أعلم إلى أين المصير!!
ان نجاحنا في هذا الامتحان الصعب يقتضي أن يكون لدينا الإدراك وان تتوفر لدينا الارادة لاعتماد الأدوات والأساليب التي تقتضيها الحالة الراهنة لتفادي المزيد من السقوط في الهاوية. فهل هناك من يتعظ؟!
علينا كقوى سياسية فاعلة أن نشجع الحكومة للانصراف الى تحريك عجلة عمل المؤسسات لاستعادة الحد الادنى من الأمل ومن ثقة المواطنين بها. المواطنين الذين نراهم يعانون من أزمةٍ كبيرةٍ وصعبة نتيجة التدهور الأمني في أكثر من منطقة ومن تصاعُدِ التفجيرات الارهابية. ليس ذلك فقط بل ومن أجل ان نستعيد كذلك ثقة أشقائنا وأصدقائنا في العالم بنا وبدولتنا وبمستقبل بلدنا بما ينعكس إيجاباً على جميع اللبنانيين.
الشعب اللبناني يريد أن يحقق تحسيناً في أمنه وأمانه وفي مستوى ونوعية عيشه. والشعب اللبناني لديه توقعات كبيرة من هذه الحكومة ومن التي تليها. وهذه التوقعات تأتي وسط تراجع وقصور وتقصير فادح في إدارة شأننا العام. والأوضاع الأمنية والظروف الاقليمية كما يراها جميع اللبنانيين غير مؤاتية والاقتصاد يعاني من تراجع كبير في مستويات النمو ومن تردي معظم المؤشرات الاقتصادية والمالية والاجتماعية. ويحصل هذا التراجع وسط قصور وإهمال فادح ومتراكم في معالجة الكثير من القضايا والملفات المتراكمة. لذا ينبغي علينا جميعاً كقوى سياسية التنبه والانتباه إلى ما يعنيه هذا وبالتالي المبادرة الصادقة إلى العمل لأنّ الإصلاحَ والإنقاذَ ومَنْعَ التدهور ليس بالأمر اليسير فقد وصل الاهتراء والترهل والتراجع والفساد في مؤسسات الدولة الى درجةٍ متقدمةٍ جداً أصبح معها الخروج من الحالة التي وصلنا إليها بالغ الصعوبة ما لم تتوفر إرادة مصممة وقدرات هائلة لذلك.
دولة الرئيس،
إنّ هذا كله لا يمكن أن يحصل من دون تضحيات كبيرة ومن دون العمل على إعادة الاعتبار للدولة وهيبتها وسلطتها واحترام مؤسساتها واعادة الاعتبار للكفاءة وحسن الاداء والإنجاز والجدارة والشفافية والحوكمة الصحيحة. فبدون الالتزام بهذه المعايير لن تقوم للدولة قائمة ولن يتحقق شيء مما يحلم به اللبنانيون.
دولة الرئيس،
نتفق على العمل لتجاوز الأزمة وإفساح المجال لإعادة إحياء مؤسساتنا الدستورية من انتخاب رئيس جديد للجمهورية وإعداد قانون جديد للانتخاب. لكننا نعلن معارضتنا العلنية والكاملة لقتال حزب الله في سوريا إلى جانب النظام الغاصب لحقوق شعبه ولا نقبل تلك الاعذار الواهية التي تقدم لتبرير ذلك التدخل. فالقتالُ في سوريا ليس معركة الشباب اللبناني الذي يموت في القرى والبلدات السورية تحت حجة مقاتلة التكفيريين أو خدمة للنظام في سوريا. إني باسم الشراكة الوطنية أدعو حزب الله للعودة الى لبنان والانسحاب من هذا الأتون اليوم قبل الغد لأنّ ما يمكنُ إصلاحُهُ اليوم قد يتعذرُ غداً.
دولة الرئيس،
على الحكومة بعد خطوة إزالة الحواجز الحزبية وإدخال الجيش إلى عرسال أن تعد العدة لنشره على كامل الحدود الشمالية والشرقية بمساعدة قوات الطوارىء الدولية لحماية البلاد استكمالاً لحماية قرى الشمال من وادي خالد إلى قرى عكار الأبيّة الصامدة التي تعرضت اليوم للاعتداءات الغاشمة الظالمة. كذلك أيضاً في وضع حدّ نهائي لجولات العنف المتكررة في مدينة طرابلس الصامدة الصابرة وحماية كل لبنان.
الجيش في لبنان وحده هو المؤسسة الحامية والموثوقة ومعه المؤسسات الأمنية الاخرى وكلنا ثقة أن الجيش يريد أن يعمل على استتباب الأمن وحفظ مصالح المواطنين وتنفيذ الاجراءات العادلة في كل المناطق دون تفرقةٍ بين مُواطنٍ وآخَرَ ومنطقةٍ وأُخرى، فلنثقْ بالجيش وليساعدنا الجيش في ذلك دون أن نمارس الاستئثار به أو التسلط عليه.
دولة الرئيس،
السادة النواب،
سمعتني يا دولة الرئيس وكذلك الاخ محمد رعد اقول في جلسة هيئة الحوار الوطني في القصر الجمهوري واستشهد بما يقوله الله في القرآن الكريم: "لو كان فيهما آله إلا الله لفسدتا". وهذه الآية تنطبق على ما آل إليه حال ازدواجية سلطة الدولة في لبنان ولذلك نرى كيف فسدت الاحوال في لبنان. ولا ينفع الكلام القائل والذي يتردد بصيغ مختلفة: "روحوا ابنوا دولة وبعدين تعوا اطلبوا منا الاعتراف بها والاعتماد على سلطتها". ليس هكذا تبنى الدول.
ما هي الشرعية أيها الإخوة؟ إنها مجموعُ ما ذكرناه في العيش المشترك والشراكة الوطنية والأمن وعمل المؤسسات والاقتصاد وصَون حاضر اللبنانيين ومستقبلهم. وكلُّ هذه الأمور تبدو أنها إلى تناقُص وإلى تردي. يقول الفقهاء الدستوريون إنّ للسلطات حقَّ احتكار العنف واستعمال القوة باعتبار ذلك ركناً أساساً في شرعيتها. فأين هو هذا الركنُ وما مصائره؟ هناك جهاتٍ تستخدم العنف ولديها قوات مسلحة أو ميليشيات علناً أو سراً وفي الوقت عينه تحاضر بالعفة الوطنية والشرعية والمؤسساتية.
إنّ العنف غير الشرعي يستجلب عنفاً مضاداً وهذا كله يحصل عندنا كل يوم. فأين نحن من الشرعية وما قيمة أو معنى التمسك بالدولة التي لا تحتكر العنف، ولا تنشر الأمن والأمان، ولا تملك السلطة أو القدرة على ذلك؟ والأمر الآخر الخطير، تضاؤل درجات ومندرجات العيش المشترك بطريقتين: التباعُدُ المتزايد بين الفئات اللبنانية، والهجرة الكثيفة، فكيف يقوم وطنٌ ويستمر بدون مواطنين؟ والأمر الثالث المخلُّ بالشرعية إخلالاً شديداً هذا الحديث الذي يجري دائماً حول إمكان او عدم إمكان إجراء الانتخابات الرئيسية في موعدها، فما قيمةُ مؤسسات الشرعية إن كان اجراء الانتخابات الرئاسية في كل مرة يخضع لتعديل دستوري وتعديل في المواعيد ما يجعل رأس الدولة موضع تشكيك وضعف.
عندها تتعرض الشرعية للخطر ويتعرض الوطن للخطر.
أيها الإخوة،
هذا الأمر الهام بحاجة إلى التنبه له منا جميعاً لنتجنب هذا المحذور.
إنّ مشاركتنا في الحكومة الحاضرة هو من أجل استمرار الوطن والدولة ومن أجل تزخيم آمال اللبنانيين في المستقبل وإبعاد شبح التسيب والانهيار.
أيها الإخوة،
في ضوء هذا المفهوم وهذه الممارسة، نحن بانتظار دعوة رئيس الجمهورية للحوار لمناقشة ما تبقى على جدول اعمال هيئة الحوار علّنا نصل إلى تفاهم فيما بيننا وعلى أمل أن يصار إلى الالتزام به وبما سبق لنا ان اتفقنا عليه وتنفيذها جميعاً هذه المرة.
دولة الرئيس،
باسمي وباسم كتلة المستقبل النيابية، نمنح حكومة المصلحة الوطنية الثقة باعتبارها فرصةً نادرةً نريد تشجيعها والاستفادة منها لعبور أزمةٍ وإنقاذِ وطنٍ على حافة الهاوية، لكي يبقى لنا وطن ولكي يبقى لبنان.
