الرئيس السنيورة : علينا كعرب التقدم على مسارات الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والقيام بعمل عربي مشترك على الصعيد الاقتصادي وهذا يجعل منا قوة اقتصادية تشارك في نهضة دولها

-A A +A
Print Friendly and PDF
العنوان الثانوي: 
القى محاضرة في منتدى الرؤية الاقتصادية في سلطنة عمان

<القى رئيس كتلة المستقبل النيابية الرئيس فؤاد السنيورة صباح اليوم محاضرة في منتدى الرؤية الاقتصادي في مسقط في سلطنة عمان والذي انعقد هذا العام تحت عنوان الدور الريادي للقطاع الخاص ; بحضور حشد من المسؤولين العمانيين والمهمتمين واصحاب الاختصاص وفي ما يلي نصه المحاضرة

أصحاب المعالي والسيادة،

أيها السيدات والسادة،

يسرني أن أكون معكم اليوم في الدورة الثالثة من منتدى الرؤية الاقتصادي الذي أصبح أحد أهم المنتديات الاقتصادية في السلطنة، كما أودّ أن أشكر الأخ حاتم الطائي، الرئيس التنفيذي لصحيفة الرؤية وهي من الصحف المرموقة والأولى على الصعيد الاقتصادي في سلطنة عُمان لدعوتي للمشاركة في أعمال هذا المؤتمر وإلقاء الكلمة الافتتاحية.

أيها الإخوة،

ينعقد مؤتمركم اليوم تحت عنوان الريادة المستقبلية للقطاع الخاص وهو موضوع شديد الأهمية على صعيد المستقبل الاقتصادي في السلطنة، كما هو كذلك على صعيد دولنا العربية وعالمنا العربي بالإجمال الذي يحتاج أن توفر اقتصاداته وفي الحد الأدنى أكثر من أربعة ملايين فرصة عمل جديدة للشباب والشابات الداخلين إلى سوق العمل سنوياً، وحيث يقع توفير معظم هذا العبء على عاتق القطاع الخاص الذي ينبغي تعزيز إمكاناته وإطلاق طاقات مؤسساته وأفراده من جهة وإزالة الحواجز والعوائق التي تحول دون تقدمه وازدهاره. ويحدث هذا في ظل استمرار معدلات بطالة مرتفعة في العالم العربي تتجاوز الـــ 15% بينما يصل معدل البطالة إلى ضعف هذا الرقم أي حوالي 30% بين الشباب، وهي من أعلى مستويات البطالة في العالم بين الشباب.

 

ومما يفاقم هذا الواقع المتردي لمستويات العمالة أنه يحصل في الوقت الذي تتدنى فيه معدلات النمو في معظم الدول العربية وحيث تنحسر جهود وإمكانات التنمية في معظم دول العالم العربي باستثناء الدول المنتجة للنفط الأمر الذي يطرح إشكالات وتداعيات خطيرة على أكثر من صعيد اجتماعي واقتصادي وأمني وسياسي.

 

الحقيقة أيها السيدات والسادة أن الأمور قد وصلت إلى درك لا بل إلى منزلق خطير وحساس لم يعد من الممكن معالجته بالمراهم والمسكنات، بل أصبحت الحاجة ماسة إلى معالجة ما أصبحت عليه الأمور من زاوية رؤية شاملة وواضحة للأوضاع ومآلاتها والتي تستدعي بذل جهود جبارة واستثنائية لإجراء إصلاحات داخلية جذرية في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والتنظيمية والسياسية وأخرى من خلال عمل عربي مشترك في إطار جهود التعاون والتكامل العربي. هذه المقاربة أضحت اليوم ضرورة اقتصادية واجتماعية ملحة وليست فقط  رفعها شعاراً سياسياً لم ننجح على مدى العقود الفائتة بترجمته عملياً وواقعياً على الأرض.

 

فالعمل العربي المشترك، والذي يجب أن يكون في إطار سياسة التكامل العربي، قد أصبح حاجةً عربيةً لا يمكن الخروج من دونها من حالة التردي السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي يعاني منها عالمنا العربي. ومع إقراري بذلك، لكني أسارع إلى القول بأن الأمر لا يقتصر على كونه حاجةً عربيةً، بل ربما أصبح يتعداه ليصبح حاجةً عالمية. وهذا يفترض  بنا أن نحسن فهم واستيعاب التحولات الجارية في العالم من حولنا وان نبادر إلى تنظيم جهودنا وتعبئة مقدراتنا من أجل وضعها ضمن الأطر العلمية والإنتاجية والتنظيمية الصحيحة. ليس ذلك فقط بل وحسن تسويقها على صعيد شركائنا الاقتصاديين والتجاريين في العالم. فالعالم بتقديري أصبح يحتاج اليوم وأكثر من أي فترةٍ ماضية إلى مصادر جديدة من مصادر محركات النمو لاسيما بعد أن أصبح بادياً أنه قد جرى استهلاك واستنفاد معظم محركات النمو العالمية المتوافرة على مدى العقدين الأخيرين.

 

لقد أصبح من الواضح، أيها الأصدقاء، أن الاقتصاد العالمي يشهد انكماشاً طويل الأمد (Secular Downturn) وليس انكماشاً دورياً (Cyclical Downturn).

 

فالأزمة المالية العالمية، التي بدأت في أسواق الرهن العقاري الأميركي في العام 2007 ما تزال تداعياتها تتكشف في أوروبا، وقد أظهرت تلك الأزمة حجم الاختلالات العالمية التي تراكمت على مر العقود الأخيرة.

 

فلقد حصل النمو العالمي في فترة التسعينات من القرن الماضي وفي نصف العقد الأول من هذا القرن، والى حدٍ بعيد، نتيجة الرافعة المالية في العالم الصناعي والتي بدورها كانت ممولة في الغالب من قبل الأسواق الناشئة. جاءت الأزمة لتنقل بشكل مؤقت مركز الثقل إلى الأسواق الناشئة، خاصةً إلى دول "البريكس" التي حملت النمو العالمي خلال فترة 2008- 2013.

 

ولقد كان من نتيجة هذه الأزمة، أن تراجعت معدلات الفوائد في الأسواق الصناعية إلى نحو الصفر، ما أدى أيضاً إلى تحقيق المزيد من النمو في عدد من الأسواق الناشئة التي جذبت تدفقات ضخمة لرؤوس الأموال الباحثة عن عائداتٍ أعلى. ولكنْ مع الانتهاء التدريجي لهذه السياسة التوسعية، المعروفة باسم التناقص التدريجي (Tapering of Quantitative Easing) انكشف مدى الضعف الذي تعاني منه اقتصادات هذه الدول والتي كان يعتقد في وقتٍ من الأوقات أنها ستكون القوى الاقتصادية العظمى المقبلة.

 

إن إلقاء نظرة ثاقبة على هذا المشهد الاقتصادي العالمي يُظهر أن العالم كاد يستهلك محركات نموه، وأنه في حال عدم التمكن من إيجاد موارد أو مصادر جديدة للنمو، فإن العالم معرّض للبقاء في بيئة منخفضة النمو لفترة طويلة ليست بالقصيرة

 

إذ يُظهِر الانتعاش الفاتر في الولايات المتحدة أن معدلات الاستدانة لدى المستهلكين ما تزال عالية وأنه سيمر وقت قبل أن تعود الولايات المتحدة إلى معدلات النمو العالية التي كانت موجودة لديها في منتصف التسعينات. أما في حالة اقتصاد الصين، والذي يُعتبر ثاني أكبر اقتصاد في العالم، فإنه يتباطأ بسرعة وتزداد المخاوف بشأن هبوط الاقتصاد الصيني من مرتبة معدلات نمو عالية مؤلفة من رقمين خلال العقد الأخير وذلك من دون أي تأثيرات سلبية على القطاع المالي أو الاستقرار الاجتماعي. وثمة دول آسيوية أخرى تعتمد اقتصاداتها بشكل كبير على النمو الصيني، سوف تتباطأ معدلات النمو لديها كما هي الحال بالنسبة إلى الصين.

 

من جهة أخرى، فقد اجتازت أوروبا اختبار وحدتها، بعدما هددت هذه الوحدة برامج التقشف المعتمدة في دول الجنوب الأوروبي لمعالجة أزمة الديون السيادية لديها. ورغم تراجع الأصوات المشككة بوحدة أوروبا والداعية للانفصال، فقد أصبح من الواضح أن النمو في هذه البلدان سينخفض لوقت ليس بالقصير نتيجة مشكلات هيكلية في اقتصادات دول الجنوب الأوروبي التي يقتضي معالجتها. في ذات الوقت، يبدو أن روسيا ودول أوروبا الشرقية قد استفادت من منافع تحرير الاقتصاد وأدركت مزايا الاقتصاد القائم على أنظمة السوق. لكن الارتفاع الحاصل في مستويات الدخل في هذه البلدان قد أسهم من جانب آخر في خفض النمو الديموغرافي، ما وضع سقفاً على معدلات النمو المستدام في تلك البلدان. إلى جانب ذلك، فإن التباطؤ الأوروبي وارتفاع المخاطر الجيوسياسية قد أسهما في الحد من معدلات هذا النمو. في المقابل يتباطأ النمو الاقتصادي في دول أميركا اللاتينية أيضاً بسبب دورة السياسة النقدية الجديدة في الولايات المتحدة والانخفاض المحتمل للنمو في البرازيل. أما في ما خصّ عدد من دول القارة الإفريقية والتي أظهرت بعض الامكانات الواعدة مؤخراً. ولكن التطورات الإيجابية لدى تلك الدول تتم من قاعدة منخفضة جداً والواقع ان تلك البلدان ماتزال تفتقر إلى القدرة الشرائية اللازمة، الأمر الذي يحد من إمكانات تعظيم تأثيراتها الدولية.

 

ثمة منطقة واحدة يمكنها، بحسب رأيي، أن تكون مفتاحاً لإطلاق فرص نمو قوية يمكن أن تكون لمصلحة الدول العربية وربما العالم كله: هذه المنطقة هي منطقة الشرق العربي والأوسط. فالمنطقة، التي تُعتبر أكبر مصدر لاحتياطات النفط في العالم وفيها أعلى نسبة شباب لمجموع السكان، لديها إمكانات كامنة كبيرة للنمو. فهي من جهة لا تفتقر إلى الموارد الطبيعية أو القوى الديمغرافية أو القدرة الشرائية.

 

تحتاج هذه المنطقة إلى جميع أنواع المنتجات والاستثمارات: فبنيتها التحتية بشكل عام تحتاج إلى تطوير كبير لمواجهة التحديات الناجمة عن التزايد السريع للسكان. والشباب في هذه المنطقة يتوقون لاعتماد التكنولوجيا الأحدث وهم قد أثبتوا بالفعل أنهم ناشطون جداً في هذا المجال وذلك من خلال استخدامهم الكثيف لوسائل التواصل الاجتماعي وهو الأمر الذي ظهر جلياً خلال حركات الربيع العربي التي غيّرت اتجاه المنطقة. كذلك فإنّ أعداد الشباب العربي بحاجة ماسة إلى نوعية تعليم أفضل بحيث تكون مخرجاته أكثر قدرة على تحسين مستويات الإنتاجية وأيضاً المواكبة والتناغم مع حاجات المنطقة المستقبلية وتلبيتها. كما أن الأفراد الأكبر سناً والأكثر ثراءً باتوا يطلبون خدمات أكثر تنوعاً وأفضل نوعية كما أنهم يطلبون خدمات صحية أكثر وأفضل وغير ذلك كثير.

 

 

 

أيها السيدات والسادة،

 

برأيي أن علينا ألا ننظر إلى الشرق الأوسط فقط من خلال منظور الموارد. فالحاجات الإقليمية المكبوتة للبنى التحتية وللقواعد الإنتاجية وتنوعات التكنولوجيا المتعددة ولمدى ونوعية العناية الصحية ومستويات التعليم الأفضل وغيرها من الخدمات المتعلقة باقتصاد المعرفة يمكن أن تحول المنطقة إلى محرك عالمي هام للنمو. إزاء هذا كله فإنّ أنّ ما يقف حائلاً دون ذلك هو أن منطقة الشرق الاوسط ما تزال تفتقد إلى أمر مهم وهو: الاستقرار السياسي والأمني.

 

لقد شهدت المنطقة، على مدى العقود الست الماضية، ثماني حروب إسرائيلية وثلاث حروب خليجية وعدد من الحروب الأهلية في لبنان واليمن والجزائر والسودان ومؤخراً في العراق وليبيا وسوريا. والحقيقة أنه لم تعان أي منطقة في العالم ما عاناه الشرق الأوسط والعالم العربي من محن وأزمات على مدى العقود السبعة الماضية. ويمكن للمرء أن يتخيل الموارد والجهود التي أُهدرت بسبب كل هذه الحروب والصراعات ليس بالنسبة للعرب وحدهم بل وللعالم كله. ورغم كل هذه الظروف القاسية، فإن المنطقة ما زالت قائمة ولديها فرص واعدة وهي يمكن أن تحقق معدلات نمو بمعدلات جيدة نسبياً، ويطالب شبابها بالانفتاح وتعزيز سياسات الحكم الرشيد والاعتدال وبأن يكون لهم رأي مسموع بشكل أكبر بالشؤون الداخلية في بلدانهم، كما يطالبون بدور أكبر في صياغة وصناعة مستقبل بلدانهم ودورها في العالم.

 

أيها السيدات والسادة،

 

في ضوء ما تقدم، وبالنظر إلى الحاجة الماسة لدى دولنا وشعوبنا العربية لتحقيق معدلات أفضل من التنمية والنمو المستدام، وحيث أنّ هناك حاجةً ماسةً لدى بلداننا لإطلاق الطاقات الكامنة لدى القطاع الخاص في هذه الدول بما يحقق معدلات فضلى من التنمية والنمو ومستويات العمالة، وبالتالي في نوعية ومستويات العيش لدى مواطنيها. لذا فإنّ الأمر أصبح يقتضي  أن نسعى إلى أن نغير نظرة العالم إلى منطقة الشرق الأوسط من أنها منطقة تحديات ومخاطر كبيرة، بل وأن نسوقها كمنطقة فرص كبيرة وواعدة وذلك إلى جانب كونها منطقة غنية بالموارد والسكان والثقافة والتراث. فهي أيضاً منطقة تتميز بطلب كبير لدى مواطنيها للتقدم والتطور مع ما يترتب عن ذلك من حراك اقتصادي كبير. وهذا كله يستدعي اعتماد وتنفيذ السياسات والإجراءات التي تحقق الأهداف المتوخاة.

 

هذا الأمر لن نستطيع كعرب أن نطرحه ونؤمن له النجاح المطلوب متفرقين، بل علينا أن نتبناه ونعتمده سوياً ومجتمعين، وذلك من خلال تطوير رؤية جديدة للعمل العربي المشترك القائم على المصالح المشتركة تصبح بحد ذاتها محركاً للنمو والتنمية بما يحمل معه بالتالي المزيد من التلاؤم والتفاعل مع المتغيرات وتعزيزاً للفرص المتاحة لتعزيز الإنتاج والتطور والازدهار على صعيد العالم العربي، وهو الأمر الذي سيجعل من سائر دول العالم وتحديداً من شركائنا التجاريين راغبين في مضاعفة اهتمامهم بمنطقتنا وبالتالي أن يكون في مصلحتهم الاستثمار في تعزيز الاستقرار والنمو والتنمية في بلداننا العربية.

 

 من جهة ثانية وكما أنه مطلوب منا كعرب أيضاً أن نطور رؤيتنا للعمل العربي المشترك، مفإنه مطلوب من المجتمع الدولي أن يدرك ان له مصلحةً أكيدةً في أن يؤمن لمنطقتنا الطريق إلى السلام: السلام العادل والشامل والدائم للمشكلات الأساسية في المنطقة: فالعرب لا يطالبون الغرب بخطة مارشال لأنهم لا يفتقرون إلى الموارد. وهم لا يطالبون باتفاقيات التجارة الحرة واتفاقيات التكامل كالتي تُعطى إلى مناطق ودول أخرى والتي غالباً ما مُنحت أيضاً في حينها مساعدات مالية متزامنة مع خطط نهوض جددت أو عززت أملاً لسكان تلك الدول بغد أفضل. هذا الأمر هو الذي سمح لتلك البلدان بتطبيق إصلاحات اقتصادية حاسمة وهذا بعض ما هو مطلوب لدى العديد من دولنا العربية. في هذا الإطار، لنأخذ تركيا مثالاً لنفهم كيف أن احتمال إنضمامها إلى الاتحاد الأوروبي قد سمح للطبقة السياسية بتطبيق إصلاحات اقتصادية هامة جعلتها، خلال سنوات قليلة، الاقتصاد الأسرع نمواً في أوروبا وإحدى الدول العشرين التي تمتلك أكبر اقتصادات في العالم.

 

لا يطلب العرب مساعدة مالية بل هم يقدمون عرضاً للمشاركة معهم  يتضمن مساعدة للتقدم على مسار يوصلهم إلى تحقيق مستقبل نام  ومزدهر. وهذا لا يمكن تحقيقه إلا من خلال المسار الذي يفتح الآفاق ويبين لهم المستقبل الواعد بالسلام. فالعرب يطالبون من شركائهم في العالم أن تكون لهم الإرادة السياسية الثابتة والمصممة وأن يعتمدوا الخطط والإجراءات التي تسهم إسهاماً جدياً في إنهاء الصراعات الإقليمية التي تستنزف مواردهم: إن نهاية عادلة ودائمة للصراع العربي- الإسرائيلي وللمشكلة الفلسطينية على أساس المبادرة العربية للسلام تعطي الفلسطينيين الحق في الحصول على مكان على هذه الأرض يسمى الوطن بما يمكنهم من المشاركة باقتدار وإيجابية في صناعة مستقبلهم ومستقبل المنطقة من حولهم وبما يعطي الصدقية اللازمة لسياسات الانفتاح والاعتدال.

 

كذلك فإن المنطقة بحاجة الى إقامة علاقات طبيعية وصحية مع الجارة الجمهورية الإسلامية الإيرانية تكون مبنية على الاحترام الحقيقي المتبادل للسيادة والاستقلال والابتعاد عن التدخل في الشؤون الداخلية للدول المعنية في المنطقة. وهي أيضاً بحاجة إلى المساعدة لدعم اتجاهات التحول الديمقراطي في سوريا الذي من شأنه أن ينهي الصراع الدموي المدمر الذي يهدد حالياً بزعزعة استقرار المنطقة بأسرها نتيجة تمادي قوى الاستبداد والتطرف والتي تهدد بلجم عمليات اطلاق قوى الإنتاج وقوى الاعتدال.

 

هناك قناعة متعاظمة لدى مواطني المنطقة في وجوب أن يكون الشرق الأوسط الجديد منطقة تصبح الدول المدنية فيها هي الضامن الحقيقي والوحيد لحقوق  جميع المواطنين ومن ضمنهم الأقليات، وحيث يتساوى فيها جميع المواطنين في الحقوق والواجبات بصرف النظر عن انتمائهم الديني أو العرقي أو المناطقي. وحيث لا يستطيع أي مستبد أن يجعل المجتمع رهينةً للخوف من التطرف. عندها يصبح ممكناً إلحاق الهزيمة بقوى التطرف بإرادة الشريحة الواسعة بل الغالبية الساحقة من المجتمع التي ترفضه وتحاربه من خلال تعزيز الممارسات الديمقراطية الحقة وأيضاً من خلال جهود النمو والتنمية  وتعزيز التعليم وتحسين نوعيته ومخرجاته ودعم قوى الاعتدال.

 

إنّ الاستثمار بالسلام في الشرق الأوسط ليس أرخص وسيلة للعالم لمحاربة الإرهاب العالمي فحسب بل هو أيضاً الاستثمار الصحيح والفعال الذي يمكن ان يدر أرباحاً اقتصادية عالية على جميع المشاركين في صنعه. وأين يمكننا العثور الآن على منطقة يتجاوز عدد سكانها 350 مليون نسمة والتي لديها هذه القدرات الكامنة وغير المكتشفة وغير المستثمرة إلى حد كبير كهذه المنطقة.

 

أيها السيدات والسادة،

 

هنالك تحدٍ كبير وأساسي ويتمثل بالمرحلة الانتقالية التي تمر بها منطقتنا والتي سيكون الموضوع الاقتصادي- الاجتماعي أحد العوامل المقررة لنجاحنا أم لفشلنا كشعوب عربية تتوق إلى تحقيق التقدم والتطور والمشاركة والانخراط في حركة العالم.

 

هنالك من جهة أخرى فرصة، متمثلة بوضع اقتصادي عالمي يمكن له وربما أيضاً من مصلحته أن يطور إدراكه وبالتالي  تكييف مصالحه ليسهم مع دولنا العربية في جعل منطقتنا موضع اهتمام للمجتمع الدولي فيما يعود بالخير على مجتمعاتنا وعلى إنساننا العربي من جهة والعالم من حولنا من جهة أخرى.

 

هنالك مفتاح نملكه نحن ولا يشاركنا أحد به: هذا المفتاح هو السير قدماً في التقدم على مسارات الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والقيام بعمل عربي مشترك على الصعيد الاقتصادي يجعل منا قوة اقتصادية تشارك في نهضة دولها والإسهام في النهوض الاقتصادي العالمي وهو الأمر الذي من دون شك لا بد أن يجلب معه أيضاً التقدم على مسارات تحقيق السلام والاستقرار السياسي الذي يغذي ويتغذى بدوره من مستويات التقدم الاقتصادي والاجتماعي، والذي يحققه العمل العربي المشترك.

 

في ضوء هذه المقاربة فإن الدول العربية مدعوة إزاء هذا الواقع الصعب والواعد في آن معاً، إلى أن تفتح لنفسها مجالاً اقتصادياً حيوياً باتخاذ خطوات جذرية وسريعة من أجل التقدم على مسارات الإصلاح الاقتتصادي والاجتماعي والسياسي والسعي نحو الوصول إلى تكامل اقتصادي عميق وشامل يحقق مكاسب اقتصادية واجتماعية لشعوب المنطقة، ويضمن لها مكانة بين التكتلات الاقليمية التي أصبحت سمة منظومة الاقتصاد العالمي وبالتالي أن تسهم في رسم مستقبل بنيانه ومؤسساته الدولية.

 

كان العربُ القُدامى يقولون إنّ ما لا يُدْرَك كُلُّه، لا يُتْرَكُ جُلُّه. والأَمْرُ ما عاد يحتملُ التأجيل أو التسويف بحجة ضآلة القُدُرات أو صعوبة الظروف أو اختلاف السياسات والرؤى أو حتى تكتملَ الدراساتُ والأبحاثُ وإلى أن تزولَ العوائقُ والعقبات. فالإمكانياتُ كبيرة، والفُرَصُ يمكنُ اجتراحُها واستيلادها من رحم المشكلات بالإصرار والعزيمة. وبالإرادة القوية نستطيعُ تحويلَها إلى قُدُراتٍ وسياسات:

 

إذا كنتَ ذا رأْيٍ فكُنْ ذا عزيمةٍ            فإنّ فسادَ الرأي أن تتردَّدا

 

أشكر لكم حضوركم اليوم وحسن استماعكم وأتمنى أن يعزز مؤتمركم هذا جهود تحقيق المزيد من التعاون والتكامل الاقتصادي على صعيد أمتنا العربية للخروج من حال الانكفاء والتراجع والانطلاق نحو المستقبل بثقة واقتدار

تاريخ الخبر: 
01/06/2014