الرئيس السنيورة: الفوز بالحرب على "داعش" لا يمكن أن يتحقق من دون معالجة السبب الأساسي لظهور التنظيم وهو الظلم وغياب العدالة

-A A +A
Print Friendly and PDF
العنوان الثانوي: 
في مقال لموقع قناة CNN الإلكتروني

نشر موقع قناةCNN الإلكتروني مقالاً لرئيس كتلة المستقبل النيابية الرئيس فؤاد السنيورة بعنوان: "كيف تكون استراتيجية مكافحة الدولة الإسلامية في العراق والشام". في ما يلي نص المقال:

 أدَّى قطعُ رأس كلٍّ من الصحافيَّين الأميركيَّين، ثم عامل الإغاثة البريطاني، إلى اندلاع موجة غضب عارم في العالم. ومع أن الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش" أخذت تحتلُّ عناوين الصُحف منذ عام واحد، إلا أنها بدأت تتكوَّن منذ سنوات، ما يعني أنها ليست وليدة اللحظة ليتفاجأ المجتمع الدولي بها.

 أكَّد الغرب، على مدى ثلاث سنوات، الوقْعَ الأوسعَ الذي يمكن أن يتركه الرد الوحشي للرئيس السوري بشار الأسد على الانتفاضة السلمية التي شهدتها سوريا إبَّان الربيع العربي، لكن الدعم الغربي للانتفاضة بقيَ مُصطَنعًا. وقد أدَّت الحرب التي شنَّها النظام على شعبه إلى اتخاذ النزاع طابعًا عسكريًا، ارتدى في ما بعد بدوره بُعدًا طائفيًا.

 بموازاة ذلك، تجاهل الغرب في العراق رسالة الانتخابات النيابية، فكرَّس كاملَ دعمه لرئيس الوزراء نوري المالكي رغم دفاع هذا الغرب عن الديمقراطية. وما كاد المالكي يصل إلى الحكم حتى نفَّذ سياسات إقصائية ولَّدت لدى طائفة واسعة من المجتمع العراقي شعورًا بالتهميش. هذا التهميش أتاح الفرصة أمام تنظيم "داعش"، الذي أعلن نفسه الدولة الإسلامية، لاستغلال رغبة الطائفة السُنية في الحصول على تمثيل أكثر إنصافًا.

 لكن تنظيم "داعش"، الذي يزعمُ دعمَ السُنَّة، لا يمثِّل الإسلام بأي شكل من الأشكال. فالقرآن الكريم يُدينُ بصورة واضحة وقاطعة الإكراه في اعتناق الإسلام، وهو يقبلُ الديانات الأخرى والأنبياء الآخرين كحاملي رسالات من عند الله سبحانه وتعالى، لا سيما الديانتين المُوحِّدتين: اليهودية والمسيحية.

 والممارسات التي تقوم بها داعش – بما فيها استهداف المسيحيين والأيزيديين - لا تمتُّ بأي صِلة للممارسات الإسلامية على مرِّ العصور، من المشرق إلى الأندلس. فلطالما كان المسيحيون جزءًا لا يتجزَّأ من تاريخ العرب.  والوجود المسيحي في هذا المكان من العالم ليس حالة شاذة، فالمسيحية إنما هي جزء من تاريخ المنطقة ومن تاريخ الإسلام أيضًا.

 لكن "داعش" تسعى، للأسف، إلى اختطاف الإسلام، وهي توصَفُ خطأً بالمنظمة الإسلامية، وهذا أمٌر مؤسف لأن غالبية أهل السُنَّة من أهل الاعتدال، ولا يجوز إدراجهم في خانة المجموعة المتطرفة نفسها، لا بل إن الطائفة السنيَّة هي، إلى حد كبير، ضحية الفظائع التي ترتكبها "داعش".

 في سوريا، على سبيل المثال، غالبًا ما تفتح "داعش" نيرانها على الجيش السوري الحر المعتدل بدل قوات النظام الأسدي. وفي الوقت نفسه، تقوم في العراق بعزل القبائل السُنيَّة التي ترفض ممارساتها المتطرفة، كما تحارب القوات الكردية (ذات الغالبية السُنيَّة). فكيف يمكن للغرب ودول الشرق الأوسط التصدِّي للتهديد المتنامي الذي تطرحه "داعش"؟

 الواقع أن القوة وحدها لا تكفي لاجتثاث "داعش" وإبعاد تهديدها عن المنطقة وسائر العالم. فالتصدي للميليشيات أمثال "داعش" - التي تقوم عادة على عقائد خشبية قديمة – تتطلَّب مقاربة متعددة الجوانب.

تُعدّ المواجهة العسكرية أداةً مهمة طبعًا، وكذلك تعزيز النمو الاقتصادي والاجتماعي في المناطق المُتضرِّرة، لكن الفوز بالحرب على "داعش" لا يمكن أن يتحقق من دون معالجة السبب الأساسي لظهور التنظيم: الظلم وغياب العدالة.

  فالظلم هو الوجه الآخر للتطرف، ولا يمكن التعامل معه كبديل لأجندات متطرفة يكون قابلاً للتطبيق. في ضوء ذلك، لم يعُد كافيًا أن يزعم قادة العالم أنهم يُثمِّنون الديمقراطية والحرية والعدالة واحترام حقوق الإنسان في ما هم يُدينون، بالكاد، أعمال الطغاة. فالكلام غير المقرون بالفعل لا يمكن أن يغيِّر سلوك هؤلاء. وينبغي على الغرب تقديم الدعم الفعلي للمعارضة المدنية المعتدلة في سوريا والعراق.

 إن زيادة دور الولايات المتحدة في المنطقة، وفقَ ما أشار الرئيس باراك أوباما في خطابه الأربعاء الماضي، أمرٌ مُرحَّب به، ومن الممكن أن ينجح العنصر العسكري المُقتَرَح - بما في ذلك الضربات الجوية – في احتواء التهديد الذي تطرحه "داعش".

 لكن القضاء الفعلي على خطر عودة التنظيم (أو استبداله بمجموعة متطرفة أخرى) يستدعي من الغرب تفعيل دوره في إيجاد حلول مُستدامة للمشاكل الأساسية في المنطقة.

 فما هي تلك المشاكل؟

إن احتلال إسرائيل للأراضي العربية هي إحدى المشاكل. والسياسات الحكومية الكَيدية التي أحبطت شرائح واسعة من العراقيين تُعدّ مشكلة أيضًا، يمكن حلَّها جزئيًّا من خلال ترتيبٍ يضمن التقاسم الحقيقي للسلطة. وأخيرًا، لا بد من إعادة إحياء عملية جنيف بهدف تشكيل حكومة انتقالية مهمّتها السير باتجاه قيام الحكم الديمقراطي في سوريا.

 من المؤسف أن يقترح البعض في الغرب أن يكون الحفاظ على الأسد أمراً مُحبَّذًا، معتبراً أنه أهون الشرَّين، لكن هذا الخيار لا يُعَدُّ غير مقبول فحسب، بل غير أخلاقي أيضًا، وهو يتجاهل تمامًا دور النزاع السوري في نشوء "داعش" منذ البداية. لقد اختبر لبنان، بشكل مباشر، مواجهة التطرف الناجم عن نظام الأسد.  ففي العام 2007، عندما كنت أتولى رئاسة مجلس الوزراء ، تم اكتشاف مجموعة تُدعى "فتح الإسلام"، تبيّن لاحقاً أنها مرتبطة بالاستخبارات السورية.

 لقد أثبتت التجربة أن الديكتاتوريات لا تُشكِّل الضمانة المستدامة لسلامة الأقليات، بل إن قيام دولة مدنية ديمقراطية حديثة تضمن المساواة للجميع، بغض النظر عن الدين أو العِرق، وحده يوفِّر السلام الدائم والاستقرار. ينبغي على الغرب أن يرى في هذه المعركة واجبًا أخلاقيًا، بل يرى أيضًا مصالح بعيدة المدى له. إن إنهاء الاحتلال الإسرائيلي على أساس حل الدولتين مع دعم قوى الاعتدال في العالم العربي من شأنه أن يُقوِّض جاذبية المتطرفين ويمهِّد الطريق أمام قيام دول ديمقراطية تُعزِّز الاستقرار.

 يمكن رؤية التنوُع والتعدُّديَّة في دول مثل العراق وسوريا بمثابة تحدٍّ أو بمثابة فرصة. لكن جميع الجهات الدينية والطائفية الفاعلة في هذا الشرق يجب أن تُدرك مسألة واحدة: لا يمكن لمجموعة واحدة ان تفرض نمط حياتها أو آرائها أو سياساتها على المجموعات الأخرى، ولا يجوز استخدام الديمقراطية كعُذرٍ لتهميش أي أقليَّة.

 لقد نجح لبنان، على مدى سنوات، في اعتماد مبدأ تبنّاه الرئيس أوباما – "مبدأ لا غالب ولا مغلوب". وهو مُحِقٌّ تمامًا في ذلك، وعلى الحكومات والآخرين أن يُصغوا إليه. لكن إذا أرادت الولايات المتحدة أن ترى تغييرًا حقيقيًا، فعليها أن تعمل على تمكين قوى الاعتدال التي تسعى إلى ترجمة هذا الكلام الجميل على أرض الواقع.

تاريخ الخبر: 
19/09/2014