كلمة الرئيس السنيورة في ندوة حول كتاب "بين الفوضى اللبنانية والتفكك السوري" للوزير السابق شارل رزق

-A A +A
Print Friendly and PDF

السيدات والسادة،

 

سأل الصديق شارل رزق في إحدى فقرات كتابه الهام السؤال الذي يطرحه البعض وهو: هل هو رهانٌ صعبٌ أن تكونَ لنا دولةٌ تحمينا وتضمنُ استقلالَ بلدنا؟

 لن أخفيكم القول إنني شخصياً وإزاء الصعوبات والعراقيل والتحديات التي كانت وما زالت تواجهنا، فإنه تخامرني أحياناً كما تخامر كثيرين آخرين أسئلةٌ مثل، هل ترانا في لبنان وفي مسعانا لبناء دولة المواطنة نتبع سراباً؟ ومع إيماني الكبير بعكس ذلك فإنني في كل مرة تخطر تلك الخاطرة أعود وأقول إنه قَدَرُنا أن نستمر في السعي مدفوعين بإرادةٍ لا تلين ولا تنثني من أجل التغلب على المصاعب والعراقيل توصلاً إلى توسيع قاعدة المؤمنين والملتزمين بلبنان الوطن. وفي هذا السبيل العمل على إعادة الاعتبار للدولة، لدولة المواطنة القادرة والعادلة التي من الواجب إقدارها على بسط سلطتها الحصرية على كامل الأراضي اللبنانية بما يحمي استقلال وسيادة الوطن ويحقق أمن وأمان المواطنين.

 

أيها الإخوة والأخوات،

 لقد تعرفنا أكثر في هذا الكتاب المشوّق على الوزير السابق شارل رزق وقد كنا زملاء في الحكومة الأولى التي ترأستها. وهو في كتابه هذا نجح بحق في إعادة سرد أحداث نعرفُها لكنَّه وبحِرفيةٍ عمِلَ على توضيح وإظهار الروابط بين بعضها ليستخلص منها معانيَ وخُلاصاتٍ جديدةً ربما لم نكن لننتبه لعدة جوانب منها. ويعود السبب في ذلك لكثرة وتلاحقِ وحدَّةِ تلك الأحداث التي كانت تنهال علينا وتعصف بنا. وكذلك لكثرة القنابل الدخانية والأخرى الحقيقية التي كانت تنفجر بين الحين والآخر في تلك الفترة والتي كان يقصد منها إضعاف الرؤية وصرف الانتباه عما يجري وعما يحاول البعض تمريره من هنا ومن هناك مع حرص من كانوا وراء ذلك على عدم لفت الانتباه إلى المقاصد الحقيقية التي كانوا يتوخون تحقيقها. وهنا تبرز أهمية شارل رزق كباحث جيد ومحلل نبيه يتمتع بدقة الملاحظة وبسكينة المتابع، وقد اكتشفناه في هذا الكتاب.

 

أيها الإخوة والأخوات،

 لقد علمتنا الأيام أنه عندما تتعقد الأمور ويزداد تأثير التطورات والأحداث الحادة والمتلاحقة، المهمة منها وغير المهمة، العنفية أو السياسية، المحلية أو الاقليمية، والتي يفاقمها تأثير القنابل الدخانية لحجب الرؤية، فإنه عندها يبدأ الارتباك بالتسلل إلى النفوس وبالتالي خطر السقوط في المآزق التي يصعب الخروج منها. عندها يبرز السؤال: يمكن تجنب السقوط فيها وكيف يمكن التفلّت من آثارها. في مواجهة ذلك الارتباك أو تلك المآزق وعند تلاطمها، فإنّ السبيل الصحيح والوحيد للخروج من مثيل هذه المآزق لا يكون إلاّ بالعودة إلى سلوك الدرب السليم. أي بالعودة سريعاً إلى الاهتداء والتمسك بالمبادئ والقواعد الأساسية للاستنارة بضوئها والالتزام بها. وفي هذا الصدد، نرى أنّ من أهم تلك القواعد هو الإدراك الواعي لضرورة العودة إلى الالتزام بفكرة الدولة القوية والحامية والعادلة واستمرار السعي الملتزم لتحقيقها. الدولة القائمة على مبدأ المواطنة. فمن دونها لا استقلال لبلدنا ولا حماية لسيادته كما لا حماية لأي من مكوناته. وكذلك لا ملاذ غيرها يحمي من السقوط في وهدة الخلاف والتناحر. إنها الدولة التي اساسها احترام مبدأ الحقوق والواجبات، المتساوية لكل المواطنين. الدولة المؤهلة والساعية والمصممة من أجل بسط سلطتها الكاملة على كامل التراب الوطني. دولة المواطنة القادرة على توفير الحماية الفعلية للجميع بعيداً عن أوهام الحمايات الطائفية والمذهبية التي لا تساهم إلاّ بالمزيد من التفكك، وتعميق شقة التباعد بين مكونات الوطن، وهي التي لا تحمي أحداً بل تسهم في إضعاف الانتماء الوطني والقومي وتشريد مكوناته وبعثرة مقدراته.

 

السادة والسيدات،

 أودّ بدايةً هنا أن أُسجّل للصديق شارل رزق تَميُّزَه في الموقف والتجربة، فحين دخل الحكومة إلى جانبنا حسب البعض أنّه قد يكون مقيداً ببعض القيود السياسية والشخصية لكنه ومع التجربة تبين أنه حر الضمير، مستقل القرار، وهو قد انحاز إلى جانب مصلحة لبنان وكان حريصاً على تطبيق القانون وإحلال العدالة وهذه ميزة تسجل له وليس عليه.

 كتاب شارل رزق الذي نحن بصدده يتميز بالواقعية السياسية والواقعية التي تتطلب الاعتراف والالتزام بأن سلطة الدولة يجب ان تكون واحدة موحدة لا موزعة ولاسيما فيما خصّ حق حمل السلاح وفرض القانون على الجميع دون استثناء. كتاب يدفع باتجاه التمسك بدولة تعمل على تعميم وتعميق الالتزام بالقول والممارسة بمبدأ هام وهو أن ادارة الدولة يجب أن تكون من جهة أولى في خدمة المواطنين والاقتصاد لا سيدةً لهما، ومن جهة ثانية ليست مادةً أو هدفاً للاسترهان والاستتباع من قبل السياسيين لخدمة أغراض خاصة أو حزبية. وينجم عن تبني هذا المبدأ الهام الحرص والتزام العمل على تطوير الادارة ودعم انتاجيتها، وتحسين نوعية خدماتها بما يعزز مستويات النمو والتنمية ويحقق العدالة بين المواطنين والاستقرار الوطني والسياسي والأمني والاقتصادي والاجتماعي.

 لقد سعينا وسعى معنا الوزير شارل رزق إلى التقدم على هذا الدرب وحققنا كفريق عمل وزاري بعضاً مما سعينا من أجله في هذا المجال وحالت عوائق وظروف وتحديات كثيرة جداً دون تحقيق البعض الآخر.

 وفي عودة لهذا الكتاب فإنّ مما تجدر ملاحظته في هذا المجال أنّ الصديق الوزير رزق ربما دفع بكتابه هذا إلى المطبعة في ظل تلاحق سريع ومتطور للأحداث. وربما هذا ما حمله على اختصار الأقسام الأخيرة من الكتاب. وأيضاً ربما لم يمكنه ذلك من استخلاص المروحة الكافية من الاستنتاجات الضرورية في خاتمة الكتاب في ضوء تلاحق تلك التطورات والأحداث الأمنية والسياسية في لبنان والمنطقة.

 من هذا المنظور، فإنني أودّ أن ألاحظ أيضاً أن الصديق شارل رزق، وقد كان وزيراً في تلك الحكومة (2005- 2008)، لم يبرز الآثار والتداعيات الخطيرة على الوضع العام في البلاد للصدمات المتلاحقة التي تعرضت لها تلك الحكومة. تلك الصدمات المتمثلة بسلسلة الاغتيالات والتفجيرات وكذلك الاجتياح الاسرائيلي للبنان في العام 2006. ومن تلك التأثيرات ما تراوح بين السلبي والإيجابي، وما كانت له تداعياته على التماسك الوطني وعلى تضامن اللبنانيين وعلى صمودهم في مواجهة تلك الاحداث والصدمات. كذلك فإنه كان يجب أن لا يفوتَ معاليه الدور المحوري الذي لعبته الحكومة اللبنانية إلى جانب ما أظهرته المقاومة من بسالة وما قدمته من تضحيات من أجل منع إسرائيل من الانتصار في اجتياح العام 2006. ذلك كله قبل ان تعود المقاومة وتحوِّل وجهة بندقيتها في مواجهة إسرائيل إلى الداخل اللبناني وبعدها للتورط في الصراع الدائر في سوريا مع ما ترتب على ذلك من تداعيات خطيرة تظهر الآن بادية للعيان.

 هذا من جهة، إلاّ أنه ومن جهة ثانية، فإنه ربما كان من الضروري أن يتوقف الدكتور رزق ملياً حول أهمية معركة مخيم نهر البارد ودلالاتها وخلاصاتها ولاسيما في كونها أظهرت مدى الأهمية لهذا الوقوف الحاسم والحازم للبنانيين وتحديداً أيضاً للمسلمين بشكل عام ولاسيما السنة منهم بشكل خاص إلى جانب الدولة اللبنانية. الدولة اللبنانية التي حملت لواء المواجهة ضد الإرهابيين وقادت مسيرة دعم الشعب اللبناني للجيش اللبناني في معركته ضدهم. الارهابيون الذين أرسلهم أهل النظام السوري لكي يسيطروا على مخيم نهر البارد ويتخذوا من أهله رهينةً ودروعاً بشرية ويعلنوا إمارتهم المزعومة التي كان لا بدّ أن تنتهي إلى حروبٍ وخراب، لو لم نواجهها فوراً بوحدة اللبنانيين وصمود الحكومة اللبنانية وحزمها وقوة وتضحيات الجيش اللبناني.

 مما لا شكّ فيه، ان مؤامرة كبرى كانت تنفذ بهدف القضاء على الدولة اللبنانية ومؤسساتها وتدمير بنيتها وإيصال اللبنانيين إلى الاقتناع بفشل تجربتها وبتعذر تحقيق فكرة الدولة الواحدة العادلة والقادرة. لكن الإجماع الوطني الذي تحقق لدى اللبنانيين مع وقوع تلك الكارثة، وبالرغم من الخطوط الحمراء المعروفة التي وضعت لحكومتنا آنذاك، والتي لم نعرها أي أهمية، فقد أكدت حكومتنا وعزمت وبادرت إلى التصدي لذلك الهجوم الإرهابي منذ اللحظة الأولى، وهي قد نجحت في ذلك. وبناءً عليه، فقد تبين لأولئك الإرهابيين أنفسهم أنْ ليس هناك من بيئة حاضنة أو متعاطفة معهم لا في طرابلس ولا في الشمال ولا في أي مكانٍ من لبنان كله.

 ولقد تكرر هذا الأمر دون لَبْس أو ادعاء مرةً ثانية لدى سكان مدينة طرابلس وأهل الشمال مثبتين مرة تلو أخرى أنهم ليسوا بحاجة، كما يشيع البعض بأنه مطلوب منهم، أن يثبتوا ولاءهم الوطني أو أن ينجحوا بعملية فحص الدم الوطني وهذا ما كان واضحاً أمام الجيش اللبناني والشعب اللبناني والعالم وضوحَ الشمس خلال الأسبوعين الماضيين.

 والحقيقة التي يجب أن لا تغيب عن بال أحد أنّ هذا الموقف لدى المسلمين قد تثبتت تراكميته وصحته وصوابيته نتيجة التطور الكبير الذي حصل لديهم في علاقتهم وانتمائهم الوطني للبنان. وهو الأمر الذي تطور على مدى عدة عقود، وحيث شكّلت الدماء الزكية للرئيس الشهيد رفيق الحريري الفارق بين ما كان قبله وما كان بعده. انه مع تبلور ذلك بدأ يزول الالتباس الذي عانى منه المسلمون لفترة حول لبنانيتهم وانتمائهم العربي، وحيث تأكد لهم أنه لا مشكلة ولا تعارض مطلقاً في كونهم لبنانيين قلباً وقالباً من جهة، وانتمائهم العربي الأصيل في ذات الوقت من جهة ثانية. ولقد نجم هذا التطور الكبير كحصيلة لتراكم التجارب الوطنية وكذلك أيضاً بسبب جملة الإخفاقات والنجاحات في الداخل وفي الخارج ومن حولهم إقليمياً ودولياً، وبعد التجارب المؤلمة التي مروا بها جميعاً كلبنانيين. ولقد كان من شأن ذلك كله أن يساعد على إبراز الجوامع الكثيرة التي تربط ما بين اللبنانيين على اختلاف مكوناتهم وإلى أي طائفة أو أي مذهب انتموا من جهة أولى، وأهمية الاستفادة من فكرة واهمية إغناء وتدعيم فكرة العيش المشترك لديهم من جهة ثانية. وهي الحقيقة الساطعة التي يفترض أن يُبنى عليها ويستفاد منها من قبلهم ومن قبل شركائهم في الوطن ولاسيما بعد دخول اللبنانيين في اتفاق الطائف.

 

السيدات والسادة الكرام،


أمر آخر، لقد ذكر صديقنا شارل في كتابه أنه اثناء وضعه لإكليل من الزهر على ضريح القضاة الشهداء الأربعة في قصر العدل في صيدا قرر السير بدعم قيام المحكمة الخاصة بلبنان على أمل تحسين فرص تحقيق العدالة في لبنان ودعم منطق تنفيذ القانون. والحقيقة الأساس أيضاً التي يجب تسليط الضوء عليها أن فلسفة اللجوء إلى المحكمة الدولية والقناعة بوجوب تبني فكرتها النبيلة أتت بعد معاناة شديدة وطويلة نتجت عن عدم تمكن القضاء اللبناني ومن خلفه الدولة اللبنانية من سَوْقِ مَن ارتكبوا سلسلة الجرائم والاغتيالات إلى المحاكمة وهي الاغتيالات التي طالت وذهب ضحيتها عدد من كبار السياسيين ورجال الفكر والدين والصحافة، إلى المحاكمة. ولذلك كان إصرار الحكومة اللبنانية على إنشاء المحكمة الدولية والسعي الجدي لإقرارها من قبل مجلس الأمن الدولي وذلك من أجل وضع حد نهائي وأخير لفكرة الهروب من وجه العدالة. وكما هو معروف فقد اصطدم ذلك وفي محصلة الأمر بالرفض من قبل عدد من الوزراء وامتناعهم عن السير مع أقرانهم الوزراء من سلوك الطريق الذي يأخذ القضية برمتها لعرضها على المؤسسات الدستورية المعنية وتحديداً مجلس الوزراء ومجلس النواب للبت بإقرارها.

 لقد شكّل إقرار المحكمة الدولية في مجلس الأمن أمراً هاماً يُشهدُ به للدكتور رزق ويُشهدُ له موقفه الحازم في الالتزام مع زملائه الوزراء خلال وجوده على رأس وزارة العدل وكذلك لآخرين كانت لهم إسهاماتهم القيمة والمؤثرة آنذاك في متابعة الأمر حتى إقرار المحكمة الدولية من قبل مجلس الأمن الدولي وبعد ذلك التقدم على مسارات قيامها بعملها.

 

أيها الإخوة والأخوات،

 من جانب آخر، فإنني ومن باب المودة أود أن أُبدي بعض الملاحظات هنا، والتي ربما تكون قد فاتت صديقنا شارل رزق من دون انتباه.

 أول هذه الملاحظات عدم أخذه بعين الاعتبار كل العناصر التي جعلت من الرئيس الشهيد رفيق الحريري شخصيةً متميزةً مرشحةً للوصول الى منصب رئاسة الحكومة في بداية التسعينات. اذ يقول في الصفحة 122 من كتابه: «وكأنما تستيراً على حالة الانحطاط السياسي التي أصابتها لبست بيروت ابتداءً من العام 1993 حلة هندسية جديدة وذلك في انجاز من رفيق الحريري المقاول اللبناني الذي جمع ثروة في السعودية حيث حظي برضى ملكها فهد بن عبد العزيز ولأنه أَلِفَ عظمة المشاريع العمرانية السعودية فقد وضع لبيروت مشروعاً ضخماً كان المبدأ الاساسي فيه التعويض على أصحاب الحقوق الفرديين في وسط المدينة بضمهم الى شركة يكونون مساهمين فيها فأثار المشروع موجة انتقادات واتُّهم الحريري بأنه سلب أصحاب الحقوق أملاكهم كما أُخِذ عليه أنه لم يحترم بالشكل الكافي تراث المدينة الاثري. لكن هذا لا يمنع أنه بفضله أُعيدَ بناءُ بيروت لتحل مدينةٌ حديثةٌ على أنقاض الحرب التي كانت تغطيها في العام 1990».

 ما أود التوقف عنده هنا ان كلام الصديق شارل رزق قد اصاب الشهيد رفيق الحريري بالظلم بل ربما بكثير منه. فرفيق الحريري لم يكن في ذلك الوقت في لبنان وفي جوهر الأمر وحقيقته مقاولاً لبنانياً جمع ثروة في السعودية. بل كان رجلاً كبيراً آمن وحمل رؤية نهضوية لقيامة لبنان، لبنان الوطن، لبنان المتآلف مع محيطه والمتفاعل والمتلائم مع ما يجري في العالم من حوله وذلك بعد سنوات طويلة عانى خلالها لبنان الكثير الكثير من المشاكسات والتقاتل والتناحر والقصور والتقصير والانطواء. وهذه الرؤية التي حملها رفيق الحريري قامت على الاستثمار في الانسان في لبنان وفي الإنسان اللبناني والشباب اللبناني بالذات. وحيث بدأ رفيق الحريري بإطلاق أكبر مشروع لإزالة آثار الحرب عن كاهل لبنان واللبنانيين عبر فتح المجال لتعليم الشباب اللبناني مسلمين ومسيحيين في لبنان وفي كل دول العالم. ذلك اتاح الفرصة لتعليم راق لأكثر من ثلاثين ألف شاب وشابة من لبنان موزعين على كل الطوائف والمذاهب بما يبعدهم عن أتون الحرب المدمرة وكذلك للمساهمة ليس فقط في إعادة إعمار لبنان بعد الحرب بل ولينشروا اسم لبنان في العالم وقيم لبنان القائم على احترام التنوع واحترام الآخر المختلف ولإبراز أهمية فكرة العيش المشترك القائم على الاعتدال والانفتاح.

 ما لم ينتبه له الصديق شارل رزق أن مشروع رفيق الحريري كان في جوهره الاستثمار في البشر والحجر الهادف لخدمة البشر. اللبنانيون الذين وحتى لحظة استشهاده كانوا هم أساس رهانه على قيامة لبنان وعلى تعافيه وانطلاقه نحو آفاق لا حدود لها وليبقى متلائماً مع محيطه ومع ثورة الاتصالات ومع فكرة اقتصاد المعرفة. وهو في هذا السبيل كان وراء تلك النهضة العمرانية في قطاعات الاتصالات والكهرباء والمياه والطرق والصحة والمستشفيات والمدارس والجامعات وكذلك في الحقول الثقافية والرياضية.

 وفي هذا السياق يأتي أيضاً مشروع رفيق الحريري الرؤيوي لإعادة بناء الوسط التجاري لمدينة بيروت الذي ارتكز ليس على مبدأ التعويض على اصحاب الحقوق بل على مبدأ مشاركتهم الفاعلة في إعادة إعمار وسط بيروت باعتباره قلب لبنان القادر على إعادة توحيد لبنان وتحريك وتفعيل كل طاقات اللبنانيين وقدراتهم. لذلك فإنّ رفيق الحريري في فكره وفي أبعاد أهدافه الإنسانية والإعمارية والاقتصادية والاجتماعية والحضارية تجاوز بأشواط كبيرة وضعية المقاول اللبناني الذي جمع ثروةً خارج لبنان وعاد ليستثمرها فيه، الى وضعية اللبناني الفذ والمتميز الذي حمل مشروعاً نهضوياً ورؤيوياً لإعادة بناء الإنسان اللبناني وبناء لبنان الوطن على مختلف المستويات الوطنية والعمرانية والبشرية والثقافية والتربوية والإنسانية والإنتاجية وإلى العمل على استعادة وتعزيز رونق لبنان وحضوره في العالم العربي وفي العالم.

 رفيق الحريري الإنسان الكبير والظاهرة الفريدة في لبنان وأقول ربما هو ظاهرة من قلة قليلة في العالم العربي وما بعده في العالم الاوسع وضع كل إمكاناته بل وأكثر في خدمة بلده ومن أجل الإنسان اللبناني وهو كان دائماً يردد القول ويمارسه ايضاً: «ما حدا أكبر من بلده».

 

أيها الإخوة والأخوات،

 ولأنّ الكاتب شخصية مهمة ولأنّ الكتاب جدير بالمتابعة نظراً لما يشكله من جانب في رواية تاريخ مرحلة هامة من تاريخ لبنان الحديث فإنه لا يمكنني التغاضي عن بعض الثغرات ومن وجهة نظري في رواية ومقاربة الصديق شارل رزق لبعض الاحداث. ولكني أريد أن أركّز هنا على حادثة محددة. ففي روايته لما جرى بين الخامس من ايار والسابع منه في العام 2008 حين اتخذت حكومتنا قرارين بتفكيك شبكة اتصالات حزب الله وبإقالة الضابط المسؤول عن امن المطار والتي يقول فيها الوزير رزق: "اما حزب الله فقد سجل مرة جديدة انتصاراً كبيراً مستفيداً من سيطرته على الارض ومن عدم تحسب الرئيس السنيورة لنتائج القرارين اللذين حمل حكومته على اتخاذهما..".

 انا هنا اود ان اسجل بداية تحفظي الصريح على هذه المقاربة غير الدقيقة وذلك ليس من باب التنصل من المسؤولية عما جرى بل من باب توضيح واقعة تاريخية شاركْتُ فيها وأتحملُ عنها المسؤولية باعتباري كنت رئيساً لمجلس الوزراء.

 الجميع يعرف أني لم أكن متحمساً للقرارين ليس لعدم اقتناعي بهما فهما صحيحين لجهة التأكيد على سيادة الدولة والحفاظ على هيبتها واحترام القانون ولكن لجهة عدم تلاؤم توقيت اتخاذهما مع الظروف الدقيقة التي كانت سائدة آنذاك. ولذلك بقيتُ متحفظاً حتى آخر تلك الجلسة الشهيرة. وباستثناء مساندةٍ لموقفي من وزيرين فقط،  وما كان الوزير الصديق شارل رزق من بينهما، فقد كان هناك إصرار على السير بهما. والحقيقة أن عدداً من الوزراء آنذاك أبدوا استعدادهم للاستقالة اذا لم يجر اقرار هذين القرارين. وتعلمون ان الحكومة آنذاك لم تكن لتستطيع تحمل استقالة اي من اعضائها. والحقيقة أيضاً أنني قد بقيت اردد بمفردي طوال تلك الجلسة التي انتهت عند الرابعة والنصف فجرا اني "شديد التوجس" من هذين القرارين. لذلك وعندما يقول الصديق الوزير رزق اني لم اكن متحسبا فانه بهذا الكلام كان وعن غير قصد حتماً يجافي الدقة.

 وفي هذه الواقعة بالذات، أريد أن أعلق على عبارة وردت أيضاً على لسان معاليه حول انتصار حزب الله. فأنا لا أعتبر أن من يلجأ إلى استعمال القوة العسكرية ضد أبناء وطنه وضد منطق الدولة ويتقصد عدم الاحتكام إلى مؤسساتها الدستورية والقانونية يمكن أن يحقق في المحصلة أي انتصار. بل سيكون عملياً مهزوماً مع أبناء وطنه ومهزوماً أيضاً مع وطنه. وفي الحد الأدنى فإنه لا يكون بعمله العسكري هذا يسهم في الحفاظ على الوحدة الوطنية وعلى السلم الأهلي. عندها لا بدّ لنا من أن نتساءل وفق أي مقياس يمكن اعتبار ذلك انتصاراً. للأسف هذا ما حصل في السابع من أيار عام 2008 ويلمس اللبنانيون جميعاً التداعيات السلبية من جروح وتوتر وتشنج وأحقاد طالت الوطن والمواطنين ومازالوا إلى اليوم يعانون من سلبياتها.

 

 السادة الكرام،

 القصد من هذه الملاحظات وضع الامور في نصابها الصحيح فقط لا غير وإني شديد التقدير للجهد الصادق الذي بذله الصديق شارل رزق في وضع هذا الكتاب.

 نحن نحترم وطنية واستقلالية القرار والموقف التي يتمتع بها الوزير السابق شارل رزق ونأمل ان يكون كتابه القيم خطوة متقدمة من اجل تعزيز مفاهيم استقلال دولة لبنان القوية العادلة وصولاً إلى أن يكون لدينا يوماً بإذن الله وإرادة اللبنانيين دولة المواطنة لكل اللبنانيين.

 

أيها الإخوة والأخوات،

 لنقف سويةً من أجل أن ننظر وبصدق لما جرى ويجري في بلدنا وما يجري من حولنا. فنحن ووطنُنا ومنذ العام 1975 يستنزف دون طائل ودون انقطاع ونخاطر بمستقبل بلدنا ومستقبل أبنائنا ولا يرف لبعضهم جفن. وها نحن وكما ترون ننزلق من هاوية إلى أخرى ونهدر ونفوت فرصاً هائلةً لا تعوض. السؤال الذي يجب ان نطرحه وبصدق على أنفسنا: ألم يحن الأوان لكي نوقف هذا النزف ونحد من هذا التدهور ونستفيد من تلك التجارب المريرة التي عانينا منها ومازلنا؟ خصوصاً وأنّنا قد نجحنا في ابتكار حلٍّ لوقف النزف والتدهور عبر انجاز تسويةٍ داخلية تمثلت باتفاق الطائف الذي أنقذ لبنان واللبنانيين وحمى الجمهورية ونظامها الديمقراطي. تجدر الإشارة هنا إلى أنه من الممكن أن يشكّل هذا الاتفاق، ومع استكمال وحسن تطبيقه، مصدر إلهام لعدد من دول الربيع العربي التي تجتاحها الأزمات وهي تبحث عن الوسائل والأدوات التي تمكنها من الاستفادة من فضائل تنوع مكوناتها. الحقيقة أنّ علينا أن ننعم النظر في كيفية الوصول إلى وقف هذا النزف المستمر وأن نضع حداً لهذا الإهدار المتمادي الذي يتعرض له وطننا وإنساننا اللبناني ومستقبل جميع اللبنانيين.

 أمامنا فرص متاحة للإصلاح والتطوير والنهوض السياسي والوطني والاقتصادي والاجتماعي وذلك عبر إنجاز قانون جديد للانتخابات الذي هو أساس الإصلاح السياسي في أي دولة. لذلك دعونا نستفِد من هذه الفرصة المتاحة ولا نهدرها. ويكون ذلك عبر سلوك الطريق المنتج والمفيد المتمثل بانتخاب رئيس جديد للجمهورية وهو الأمر الذي فشلنا بتحقيقه بعد أن كانت هناك اربعة عشرة محاولة لانعقاد جلسة انتخاب للمجلس النيابي ولم تسفر عن نتيجة ذلك مما اضطرنا إلى العودة لسلوك طريق التمديد لمجلس النواب اما وقد وصلنا إلى ما وصلنا إليه، فإنّ الاولوية تبقى في الاتفاق على انتخاب رئيس جمهورية جديد للبلاد وان يتم ذلك بالتوافق بين كل الأطراف المعنية. رئيس يتمتع بالقيادة والرؤية والاعتدال ويلتزم حماية الدستور ويكون قادراً على احتضان اللبنانيين والسير بهم ومعهم إلى المواقع التي تجمعهم وتشكل القاسم المشترك بينهم، وذلك حتى نتمكن من إخراج لبنان من مآزقه وإقداره على عبور بحور الانقسام التي تواجهه. عندها يمكن الانصراف لإطلاق ورشة إنتاج قانون للانتخاب يراعي تعزيز المواطنة والدولة المدنية واللامركزية الادارية وتطبيق ما لم يطبق من اتفاق الطائف واعادة دراسة خطط الانماء المتوازن وتطوير الحياة السياسية انطلاقاً من الاعتراف والالتزام بتنفيذ عملية تعزيز سلطة الدولة وسيادتها الكاملة على جميع أراضيها لكي تكونَ قادرةً على حماية لبنان واستقلاله وتعزيز أمن وأمان مواطنيه.

  

السادة الكرام،

 بين أيدينا كتابٌ قيمٌ وكاتبٌ قدير وفرصة مستجدة للتفكير وللاتعاظ. وقد أردتُ بهذه المُداخلة تعزيزَ النقاش حول مُجريات الماضي القريب، والمزيد من فتْح الأُفق الذي أتاحه الوزير رزق، لدولة لبنانَ الحاضر والمستقبل، دولة الحرية والكرامة والعدالة، والانتظام السياسي والاجتماعي.

 

وشكراً لحضوركم ومشاركتكم.

فيلا ليندا سرسق

الأربعاء في 5 تشرين الثاني 2014

تاريخ الخبر: 
05/11/2014