كلمة الوزير فؤاد السنيورة ممثلاً رئيس الجمهورية االياس الهراوي في تأبين محمد عطا الله

-A A +A
Print Friendly and PDF

محمد عطا الله عاد اليوم إلى مكانه، إلى حيث ينتمي، إلى جذوره التي لم ينسلخ عنها، إلى التربة التي ارتوى منها، غالى الأرض التي كونت براعمه الأولى. عاد محمد عطا الله إلى صيدا، صيدا التي أحبها، صيدا التي احتضنته صغيرا، ورعته يافعا، ووهبته للبنان شابا، وأطلقته للعالم رجلا ومنارة للعلم والمعرفة، صيدا التي غرست في نفسه قيم العلم والفضيلة، فامتلأ قلبه إيمانا وطموحا ووطنية، وتوقد عقله ذكاء" وخلقا وإبداعا، لم ينقطع وصله بصيدا ولا بوطنه يوما حتى في غيابه، وشده حنينه دائما إليها فعاد بعد رحلة العمر الطويلة ليدفن، قرير العين، في أرضها وليغطي جسده الطاهر ترابها.

       في صيدا كانت ولادته من عائلة كريمة من عائلاتها، وفي مدارس جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية الابتدائية والثانوية درس ومنها تخرج وتابع تحصيله العلمي في الجامعة الأميركية ودفعه طموحه للسفر إلى الخارج لمتابعة تعليمه العالي حيث نال شهادة دكتوراه في الاقتصاد من كبريات الجامعات الأوروبية، وعاد إلى وطنه ليضع علمه في متناول أبناء وطنه، وكرس جهوده لخدمة بلاده، وتميز بغزارة علمه، وسعة افقه، ونبل أخلاقه، وكون لنفسه اسما ومركزا وموقعا، فعلم في الجامعة الأميركية وترأس مؤسسات مالية ونقدية عديدة فأصاب نجاحا كبيرا جعله موضع الاحترام والتقدير وكان صاحب فكر اقتصادي خلاق أعطاه شهرة في محيطه العربي وفي العالم اجمع، واقترن اسمه بمجلس الإنماء والاعمار فكان أول رئيس له وأدى من خلاله للبنان خدمات جلى في حقل التخطيط والإنماء والاعمار.

       كان محمد عطا الله رحمه الله محمودا بين الناس ومنظورا بين أقرانه، وصاحب شخصية محببة وفكر نير ورأي سديد، وكانت حياته زاخرة بالعطاء مليئة بالانجازات، مفعمة بالعمل والإنتاج، كان أستاذا ومخططا وإنمائيا، وكان فوق ذلك صاحب مؤلفات في علم الاقتصاد وكان له نظريته في الاقتصاد اللبناني، وهو لم يتوقف يوما عن العطاء والإنتاج والعمل، فسما في عطائه وأبدع في إنتاجه واخلص لعمله، فكان مثالا بين الرجال الذين يعرفون كيف يحولون الحياة إلى قيمة دائمة، والذين يعرفون كيف يرتقون بأنفسهم، بعصامية ما بعدها عصامية، إلى العلى، فكان له هذا الثناء الكبير، واستحق هذا التقدير من الدولة اللبنانية وأركانها، ولاسيما من رئيسها الأستاذ الياس الهراوي الذي شرفني بتمثيله في توديع عزيزنا الغالي، فقيد صيدا ولبنان أستاذي الدكتور محمد عطا الله رحمه الله.

       يقول الحديث الشريف، إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، وعلم ينتفع به، وولد صالح يدعو له. وحسبك يا أستاذي الكبير، ويا صديقي، إلى جانب ما عملت وأبدعت، انك تركت علما نافعا ما بخلت به على أبناء وطنك وأمتك في حياتك، وتنفع به الأجيال الطالعة بعد مماتك.

       فبكل التسليم بقضاء الله وقدره أتقدم باسم فخامة رئيس الجمهورية اللبنانية الأستاذ الياس الهراوي بأحر التعازي من عائلة الفقيد ومن أبناء صيدا ومن اللبنانيين جميعا، وأدعو الله أن يتغمد الفقيد الغالي بواسع رحمته وان يسكنه فسيح جناته وان يلهمنا وأهله من بعده الصبر والسلوان وإنا لله وإنا إليه راجعون.

       وتقديرا من الدولة للجهود التي بذلها فقيدنا في خدمة وطنه، فقد شاء فخامة الرئيس أن يمنحه وسام الأرز الوطني من رتبة كومندور ، وباسمه أتشرف بأن أضع هذا الوسام على نعشه الطاهر.

 

 

صيدا في 4 نيسان 1994

التاريخ: 
04/04/1994