الرئيس السنيورة : المهم تعزيز مؤسساتنا واعتماد الحوكمة انترك ..؟ الراية العربية في فلسطين الى ايران وميليشياتها ام للتطرف الديني والارهاب ؟

دعا رئيس كتلة المستقبل النيابية الرئيس فؤاد السنيورة: الى العمل على تعزيز مؤسساتنا والتأكيد على عنصر الحوكمة فيها وأيضاً على مبدأ تداول السلطة.
وقال : فلمن نترك نحن العرب الرايةَ العربية في فلسطين، أَإِلى إيران وميليشياتها، أم للتطرف الديني والإرهاب؟! إنّ استعادةَ الوعي الفلسطيني والعربي كُلِّه وقْفٌ على استعادة الوعي بمفتاحية قضية فلسطين والقدس لكلِّ ما عداها. لا عروبةَ بعد فلسطين، ولا رايةَ بعد رايتها. كيف يحدث ذلك أو كيف ينبغي أن يحدثَ ذلك؟
كلام الرئيس السنيورة جاء في كلمة له في حفل عشاء اقامته مؤسسة التعاون يوم الجمعة الماضي تكريما لرئيس مجلس ادارة شركة سي سي سعيد خوري في عمان في حضور حشد من الشخصيات العربية والاردنية والفلسطينية.
واعتبر الرئيس السنيورة : ان اولى الاولويات الأن يجب ان يكون بالعمل على وقف التدهْوُر في قضية الشعب العربي الفلسطيني وإنهاءُ الانقسام الداخلي. إذ لا معنى للصراع على السلطة في ظلّ الاحتلال والابتلاع. على وجه الخصوص إنّ أكثر من نصف الشعب الفلسطيني يعيش في خطرٌ داهمٌ وأشدُّ هولاً من العديدِ منها ألاَ وهو التردّي في المستويات التربوية والتعليمية بالذات حيث تزدادُ مؤشِّراتُ التخلف التربوي والتعليمي تراجُعاً بمقاييس العصر الذي صار التعليم والتدريب والمواكبة لروح العصر ومتطلباته فيه في ذِروة الأولويات.
وفي ما يلي نص كلمة الرئيس السنيورة:
السادة اعضاء مجلس أمناء مؤسسة التعاون،
عائلة الفقيد الكبير المغفور له سعيد خوري،
السيدات والسادة الحضور،
أيها الحفلُ الكريم،
على الرغم من مشاعر الحزن والأسى التي تخيّم الآن على هذا المكان في هذه المناسبة الحزينة، فإنني أشعر بالرضى والأمل لأن ألبي دعوة الصديق الرئيس فيصل العلمي وألتقيَ مع هذا الجمع المميّز من الإخوة والأصدقاء المحتضنين لهذه المؤسسة من أجل تكريم صديق عزيز وكريم هو المعلم سعيد خوري أبو توفيق باعتباره من رجال فلسطين الكبار، الذين شكّلوا في حياتهم قصة نجاح ونموذجاً من النماذج العصامية البارزة والمحترمة والرصينة في منطقتنا والوطن العربي وهو الذي صار أيضاً قدوةً لأجيال من الشباب الفلسطيني والعربي في التزامه الوطني والعربي وتمسكه بالقيم الرشيدة والمبادئ القويمة.
لقد كان المرحوم سعيد خوري من جيل عايش النكبة واكتوى بنارها وتربّى وعاش على قدسية قضية فلسطين وقدسية استرجاع حقوق الشعب الفلسطيني، وهو لذلك بنى قناعاتِه على أساس تمسكِهِ بتراب فلسطين وفي إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة للشعبالفلسطيني. وعلى ذلك ظلّ ملتزماً بتلك المبادئ حتى آخِر لحظةٍ من حياته، وهو لم يترك مناسبةً ولا طريقةً من أجل أن يترجم قناعاتِه والتزامَهُ بقضية فلسطين والشعب الفلسطيني بمبادرات عملية لخدمة هذا الهدف. من هنا وحين نطَّلعُ على ما قام به فقيدُنا الكبير من اجل فلسطين لا يمكننا إلاّ أن ننحنيَ له احتراماً وتقديراً.
لقد جاء في الخطة الاستراتيجية لمؤسسة التعاون التي شارك فقيدُنا في تأسيسها: "على أرضٍ قلقة وفي جغرافيا متغيرة وشروط سياسية غير مستقرة تحركت المؤسسة، وحددت أهدافها ووضعت رسالتها ورؤيتها التي تتطلع الى فلسطين عربية تنعم بالاستقلال والحرية والديمقراطية يتمتع فيها الإنسان الفلسطيني بالرخاء والتقدم ويتمكن فيها من تحقيق طموحاته ومن ممارسة جميع قدراته بتميز وإبداع، وخلال هذه العقود الثلاثة استطاعت أن تُعزِّزَ حضورَها في أوساط شعبها وأنْ ترتقيَ بأدائها وأن تتعاملَ مع ظروفٍ بالغة الدقة في منطقة زلازل سياسية، وأن تُواكبَ تطورَ الأحداث والمتغيرات دون أن تفقِدَ البوصلة، أو أن تتراجع أمام المهمة الصعبة التي أُنيطت بها".
لقد جدَّتْ مؤسسة التعاون وعملت على تنفيذ ما عقدت العزمَ على تنفيذه، وهي لذلك أنفقت منذ العام 1983 ما يزيد عن 500 مليون دولار أدارت من خلالها آلاف المشاريع التنموية والمساعدات الإنسانية الطارئة الهادفة لدعم المجتمع الفلسطيني وحماية صموده عبر منظمات غير حكومية والجمعيات الخيرية بشكل رئيسي في قطاعات التعليم والتنمية المجتمعية والثقافة والمساعدات الإنسانية.
مؤسسةُ التعاون وهي مؤسسةٌ من إبداعات فقيدنا الغالي ورفاقه، تُساهمُ سنوياً في تحسين مستوى حياة ومعيشة أكثر من مليون فلسطيني وخاصةً الأطفال والشباب وذلك عبر شبكةٍ واسعةٍ من البرامج والمشاريع التي تغطّي مناطق عملها الواسعة في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس ولبنان ومناطق فلسطينيي العام 48. وهو كان كذلك رئيساً فخرياً لمجلس أمناء مؤسسة الدراسات الفلسطينية، عمل على رعايتها ودعم نشاطاتها.
فالحقيقة أنه منذ أن شبَّ فقيدنا عن الطَوق، كانت بوصلته دائماً باتجاه فلسطين. وهذا هو الاتجاه الصحيح الذي تأسس عليه النضال العربي الحديث والمعاصر. إنه جيلُ الروَّاد الذي حدَّد الأَولويات، واتخذ السياسات والاجراءات العملية للسير في تحقيقها. واستناداً إلى سيرة أولئك الرواد ومسيرتهم نريد، ونحن نحتفي بالسيرة والمسيرة للفقيد الكبير أن نتأمل المرحلة الراهنة في حياة فلسطين وحياة الأمة العربية.
أيها الإخوة والأخوات،
تُعاني القضية الفلسطينية، وتُعاني الأمة العربيةُ ضياعَ الأَولويات التي تحددت وتَشكَّل على أساسٍ منها الوعي العربي العام بعد نكبة العام 1948 والأَولويات كانت:
1- النضال من أجل تحرير فلسطين بشتّى السُبُل والوسائل. وقد آل هذا النضال إلى تحديد هدفٍ متواضعٍ- إذا صحَّ التعبير- وهو إقامة الدولة الفلسطينية المستقلّة وعاصمتُها القدس، على حدود النكبة الثانية، أي حدود العام 1967. وعلى هذا كانت المبادرة العربية للسلام (2002) التي حددت مرتكزات حل الصراع العربي- الإسرائيلي والتي لم تحظ بما تستحق من اهتمام ودعم ومتابعة لا من قبل الجامعة العربية ولا من قبل الدول التي عملت على طرحها وكان يفترض بها الترويج لها. وربما لذلك لم تحظ هذه المبادرة أيضاً بالاهتمام من قبل دوائر القرار الدولي ولا من قبل المجتمع الدولي.
2- والنضال من أجل إقامة أنظمةٍ للحكم المدني الصالح في دولٍ متحررةٍ من الاستعمار والتبعية. أنظمة تسودُها قيم ومبادئ المواطنة والحرية والعدالة والتنمية والمشاركة واحترام حقوق الإنسان.
3- والنضال من أجل إقامة تكتلٍ عربيٍّ يمثّل وحدة الانتماء والمصالح، ويمتلك فضيلة إدراك أهمية التكامل العربي ومحاسنه على المجتمعات العربية. وبالتالي ضرورة العمل من أجل التقدم على مسارات تنفيذه. ولأنّ الجامعة العربية كانت حاضرةً منذ العام 1945، فقد انصبَّ الجَهدُ على تطوير صيغتها وباتجاهين: الاتجاه الاقتصادي، والاتجاه العسكري الدفاعي.
4- والنضال من أجل الحضور في عالَم العصر وعصر العالم. وقد ظهر ذلك في وقتٍ مبكّرٍ حين حضرت مصر وحضرت السعودية في مؤتمر باندونغ بإندونيسيا عام 1955، وتشكلت نتيجةَ ذلك جبهة عدم الانحياز وسط نُذُر الحرب الباردة بين الجبَّارين آنذاك: الولايات المتحدة، والاتحاد السوفياتي.
إنّ هذه الأولويات الطَموحة والمعقولة في ضوء ما جرى لغيرنا ومع غيرنا من أُمم العالم، ما تحقّق منها شيءٌ أساسي على وجه التقريب، وبعد أكثر من ستين عاماً على النكبة.
1- فتحرير فلسطين أو جزءٌ منها لم يتحقق لا بل احتُلت أراض عربية بعد ذلك وماتزال محتلة. كما ما يزال الشعب الفلسطيني يرزح تحت الاحتلال والاستيطان، والفلسطينيون- على صورة العرب جميعاً- منقسمون تحت الاحتلال، والاستيطانُ يتزايد، والقدسُ التي كانت آخِر مشروعات راحلنا الكبير تهتفُ بل تستغيث لإنقاذها ومنْع تهويدها- وتكادُ تضيع تماماً. والإسرائيليون ماضون في التهويد، وآخِرُ مساعيهم تنصبُّ على الاستيلاء على المسجد الأقصى وتصفية القضية الفلسطينية برمتها، وإعلان الكيان دولةً قوميةً ليهود العالم جميعاً، حيث لا مكانَ فيها لأهلها الأصليين بالذات، المسيحيين منهم والمسلمين ولاسيما أن إسرائيل لا تميز في عدائها لهما ولا لمقدساتهما، وهي لذلك تعمل على اقتلاع وتهجير المسيحيين والمسلمين لإفراغ القدس والضفة الغربية المحتلة من مكوِّنيها الأساسيين.
2- والدولُ العربيةُ المستقلة الناهضة التي كان يُفترضُ بها أن تنعم بالحكم الرشيد، استولى في سنوات الخمسينات والستينات والسبعينات على عشرةٍ من أقطارها عسكريوها الذين ساموها الخَسْفَ والهوان، وضيّعوا المصالح الوطنيةَ والقومية. وكم يَحْزُنُنا لا بل ويصدِمُنا أن نطَّلع على ما تقوله مفوَّضة الشؤون الإنسانية في الأمم المتحدة التي ذكرت قبل أيامٍ في آخِر تقريرٍ لها أمام مجلس الأمن قبل أن تتقدم باستقالتها من منصبها، إنّ المهجَّرين العرب يبلُغُ عددُهم حوالي 13.6 مليون جلهم من سوريا، وأنّ هناك حوالي 12 مليون سوري من النازحين داخل سوريا والى خارجها يحتاجون للمساعدة العاجلة في وجه الجوع والصقيع. وأنّ هناك وخلال الأعوام القليلة الماضية قد سقط أكثر من نصف مليون قتيل عربي في سبع أو ثماني دول عربية نصفهم في سوريا وأكثر من ضعف هذا العدد من الجرحى والمصابين بعاهات دائمة.
3- والتكتل العربي الذي بدأت المساعي لتكوينه قبل أن يبادر الأوروبيون إلى إقامة السوق المشتركة، ما تقدم خطوةً واحدة. والجامعة العربية لم تكن في السنوات الاربع الماضية على مستوى الهَول الهائل الذي نزل وينزل بالعرب منذ تجرأ شبابهم على النزول للشارع من أجل الحرية والكرامة في العام 2011.
4- والحضورُ العربي في عالَم اليوم والعصر ما تحقّق منه الكثير. فقد انقسم العربُ في الحرب الباردة بين القطبين. وانقسموا على درجات الولاء للولايات المتحدة بعد انتهاء الحرب الباردة. وهم ينقسمون اليومَ على ولاءات لدول غير عربية في المنطقة وخارجها. هذا فضلاً عن استظلالهم جميعاً بإحدى القوى الدولية وبخاصةٍ الولايات المتحدة الأميركية. والمصيبة أنه عندما يُذكر العربُ اليومَ في العالم يُذكَرون مقرونين بالقاعدة أو داعش، أو باعتبارهم خطراً على أمن العالَم واستقراره!
أيها الإخوة والأخوات،
ماذا نفعل، ومن أين نبدأ؟ أسهلُ السُبُل، وهو ليس سبيلاً على أيّ حال، الاستكانةُ للأسى واليأس، والاكتفاء بتعداد المصائب والعقبات. والسبيل الآخر الذي لجأ إليه البعض الآخر كان في سلوك طريق التشدد والانزلاق إلى العنف الموصل إلى الوقوع في وهدة الإرهاب.
سعيد خوري ورفاقُهُ الروَّاد ما يئسوا ولا استكانوا، وفجّروا الماءَ من الصخر. إنما الأهمُّ فيما كانوا يفعلونه عدمُ نسيان الأَولويات التي وضعها المناضلون العرب نُصب أعينهم في شتّى المواقف والظروف. ليس صحيحاً أنّ البحث في الدفاتر القديمة سلبيٌّ دائماً. فالدفاتر هذه هي رأسُ المال الباقي. الباقي هو الإنسانُ العربي، وهذا هو دفترنا القديم والجديد. لقد تكاثرت على الجسد العربي الأمراض، لكنه هو الجسدُ العربي الذي ما قصّر ولا تخاذلَ ولا ضنَّ بالتضحيات الجِسام. فلنستذكر الأَولويات في ضوءِ التحديات. والتحدياتُ منها القديم ومنها الجديد الذي تكالب على الجسد النازف.
أولُ الأَولوياتكان وما يزال: فلسطين. وأولُ شروط وقف التدهْوُر في قضية الشعب العربي الفلسطيني إنهاءُ الانقسام الداخلي. إذ لا معنى للصراع على السلطة في ظلّ الاحتلال والابتلاع. إنّ أكثر من نصف الشعب الفلسطيني يعيش في المنافي فاقداً لأهمّ شروط الإنسانية: الوطن، فضلاً عن الحقوق. أمّا النصف الآخَرُ فهو إمّا مهدَّدٌ بالتهجير أو بفقد مواطنته وإنسانيته.
أمّا ثاني شروط وقف التدهور في القضية فهو شرطٌ عربي: فلمن نترك نحن العرب الرايةَ العربية في فلسطين، أَإِلى إيران وميليشياتها، أم للتطرف الديني والإرهاب؟! إنّ استعادةَ الوعي الفلسطيني والعربي كُلِّه وقْفٌ على استعادة الوعي بمفتاحية قضية فلسطين والقدس لكلِّ ما عداها. لا عروبةَ بعد فلسطين، ولا رايةَ بعد رايتها. كيف يحدث ذلك أو كيف ينبغي أن يحدثَ ذلك؟
يحدث ذلك على طريقة سعيد خوري، باستيلاد الفرصة من رحم المأساة وليس على طرائق الفصائل المتصارعة بغزّة وغير غزّة. لدينا المبادرة العربية للسلام من العام 2002. وهذه المبادرة لا يمكن متابعتها بقوةٍ إلاّ بموقفٍ فلسطيني واحد، وموقف عربي واحد نتوجه به إلى مجلس الأمن الدولي والجمعية العامة للأمم المتحدة وللرأي العام الدولي. هناك المبادرة، وهناك الموقف الواحد والداعم الذي يجعلها مشروعاً حياً قابلاً للمتابعة والتنفيذ في عقول وضمائر اصدقائنا في العالم والمجتمع الدولي. ويتوجَّهُ الرئيسُ الفلسطيني الآنَ للأمم المتحدة ومجلس الأمن، وينبغي أن نكونَ جميعاً معه. نحن نتوجه للعالم طالبين التضامُن في وجه التغول الإسرائيلي. وبقدر ما نكون جادّين وقادرين على اجتراح البدائل التي تحفظ لنا حقوقنا وتعيد إلينا الأرض، بقدْر ما يجري الإصغاءُ إلينا. وفي هذا الصدد، وكما اقترحت في مؤتمر الفكر العربي الذي عقد في المغرب منذ أيام، فإني أكرر تأكيدي لجهة ضرورة المبادرة بزخمٍ وبجدٍّ الى تحريك وتفعيل مبادرة السلام العربية بما في ذلك وضع آليات محددة لحراك عربي وموقف عربي جامع وموحد داعم لهذه المبادرة وفي هذا السبيل إنشاء فريق من حكماء العرب للمتابعة والاقناع.
أما ثانية الأَولوياتفتتمثل بإقامة أنظمة الحكم الرشيد في فلسطين وفي كلّ البلدان العربية التي ابتُليت بالعسكريين والأمنيين الطامحين للإمساك بالسلطة وليس لإقامة الحكم المتبصر. فهذه الأنظمة ما اكتفت بالقمع والقتل للمواطنين، بل أضافت لذلك تضييعَ المصالح الوطنية والقومية. البعض يسخرون الآن من تسمية الربيع العربي. إنما ماذا كانت شعاراتُ شباب الربيع في دول العسكريات والأمْنيات: الحرية والكرامة، والعدالة الاجتماعية، والتداوُل السلمي على السلطة، واحترام الحقوق الأساسية للناس. وماذا كان الصدى لحركات الشباب في فلسطين؟ التظاهر من أجل إنهاء الانقسام في غزة والضفة الغربية. كانت وسائل الإعلام العالمية قبل العام 2011 تتحدث عن الاستثناء العربي والإسلامي في مجال الديمقراطية وحقوق الإنسان. وقد عاد كثيرون إلى ذات الحديث. لكنّ هؤلاء المهجوسين بداعش والإرهاب، ينسَون ما اقترفته أنظمة القمع والاستبداد وأنّ ملايين وملايين هُجّرت، وسقط نصف مليون شهيد. ولماذا سقطوا؟ سقطوا من أجل الحرية. نحن في فلسطين وفي سورية وفي العراق وفي لبنان وفي تونس ومصر والسودان وليبيا والجزائر واليمن أكثر شعوب الأرض تضحيةً من أجل الحرية والحكم الصالح. إنّ التغيير باتجاه الحرية والمواطنة والدولة المدنية هو شرطُ عروبتنا وإنسانيتنا.
اما ثالثة الأولوياتفهي التصدي وبحزم لتلك التحولات التي يجري فيها تغليب الانتماء الطائفي والمذهبي على الانتماء العربي والوطني وعلى مبدأي المواطنة والدولة المدنية.
لقد كان أحد أهم عناصر قوة الموقف الفلسطيني وعلى مدى عقود طويلة ماضية وباستمرار الوحدة الوطنية التي تعزز مناعته تجاه محاولات التطييف والتمذهب. وتتضح أهمية هذا الموقف في مواجهة موجات التطرف والتشدد الديني والمذهبي التي تشهدها المنطقة العربية، والتي يعمل البعض على نقل عدواها الخبيثة الى دول ومجتمعات عربية لم تعرفها من قبل بهدف تمزيق النسيج الوطني ولإضعاف بلداننا العربية وتفتيتها، ومن ضمنها المجتمع الفلسطيني. ويصب تحقيق هذا الهدف الفتنوي في ما تسعى إليه اسرائيل لتبرير يهودية دولتها. إن الطريق الوحيد لمواجهة هذه الاخطار يكون حتماً بالعودة إلى العروبة المستنيرة والمنفتحة وبالإصرار على انتمائنا العربي الجامع واولوية قضيتنا الكبرى فلسطين.
أمّا رابعةُ الأَولوياتفهي التكتل العربي، والتكامُلُ العربي. بدأنا الحديثَ عن الوحدة الاقتصادية عام 1954. وفي العام 1955 شاركنا في إنشاء مجموعة عدم الانحياز. ثم أعلنّا عن معاهدةٍ للدفاع العربي المشترك. إنّ الأفارقة ليسوا أكثر خبرةً منا، وقد انتقلوا من منظمة الوحدة إلى الاتحاد، وأنشأوا قوةً مشتركةً للدفاع عن الأمن والسيادة، ولديهم نهوضٌ اقتصادي. وهذا حتى لا نذكرَ السوق الأوروبية والاتحاد الأوروبي، والذي تحقق رغم الحروب والهويات المتكاثرة بين دول أوروبا عبر ثلاثة قرون: فلماذا نعجِزُ حيث ينجح الآخَرون الذين لا تتوافرُ لديهم شروطُ الانتماء الواحد والمصالح الواحدة القائمة على التكامل الاقتصادي والثقافي العربي وإمكانية النهوض المتكامل كما هو الأمر في حالتنا؟! لا نستطيع الإطلالَ على العالَم والمشاركة في تقدمه بدون تكتلٍ عربي، وتكامُل عربي. وهي تجاربُ خاضتها أُمَمٌ وشعوبٌ ونجحت فيها، فلنُبادرْ لننجحْ.
وأمّا خامسةُ الأولوياتفهي الإصلاحُ الديني. لقد حدثت في أوساطنا انشقاقاتٌ دينية. وهي ناجمةٌ عن التراجُع الفكري والثقافي. لكنها ناجمةٌ أيضاً عن فشل الدولة الوطنية العربية في مرحلتها العسكرية والأمنية. لم يكن لينجذبَ ولن ينجذبَ شبابُنا إلى وهم الدولة الدينية، إذا كانت لديهم أنظمةٌ للحكم الصالح. إنّ الإصلاح الديني من طريق النهوض الفكري، ومن طريق تقوية المؤسسات الدينية المستنيرة والمنفتحة وعدم استتباعها للأنظمة وكذلك عدم تدخلها ولا حتى استخدامها لأغراض سياسية أو ما شابه، وعندها تكون المؤسسة الدينية ضرورةً حياتيةً ووجودية وإنسانية. لا يجوز أن يتحول الإسلام في بلاد العرب بالذات إلى عبءٍ أو عائق لحركتنا في أوطاننا العربية وفي العالم. كما لا يجوزُ أن يستخدمه الإيرانيون وغيرهم ضدَّنا. نحن نقاتل منذ عقود على جبهة مواجهة العدو الصهيوني، وعلى جبهة منع الاختراقات من دول الجوار، وعلى جبهة الغَلَبة الدولية، والآن على جبهة مواجهة التطرف والإرهاب باسم الإسلام. وهذه الجبهة الأخيرة هي أخطر الجبهات لأنها تقسِّمُ المجتمعات وتفسد دخائل الأفراد والجماعات. لقد قال أحد الشعراء العرب: قتلتنا الردة، قتلتنا الرِدَّة. ذلك أنّ الواحدَ منا يملكُ في داخِلِه ضِدَّه! فلنخرج بأيّ سبيلٍ من هذا الوضع، أو تظلَّ الهشاشةُ هي سيدةُ الموقف في مجتمعاتنا ودولنا.
وهناك أولويةٌ سادسةٌعملَ عليها سعيد خوري ورفاقُه أكثر مما عملوا على أي جبهةٍ أُخرى. إنها جبهة التقدم، ومُواكبة العصر والعالَم. لا بُدَّ من اجتراح نهوضٍ في الأنظمة التعليمية وكذلك في العمل على تعزيز مؤسساتنا والتأكيد على عنصر الحوكمة فيها وأيضاً على مبدأ تداول السلطة. هناك خطرٌ داهمٌ وأشدُّ هولاً من العديدِ منها ألاَ وهو التردّي في المستويات التربوية والتعليمية بالذات حيث تزدادُ مؤشِّراتُ التخلف التربوي والتعليمي تراجُعاً بمقاييس العصر الذي صار التعليم والتدريب والمواكبة لروح العصر ومتطلباته فيه في ذِروة الأولويات.
أيها الإخوة والأخوات،
ما أردتُ الإثقال عليكم، لكنّ المناسبةَ التي نشاركُ فيها استدعت ذلك. ففي الحديث عن رجلٍ استثنائي من قماشة سعيد خوري، لا يجوزُ التماسُ السهولة، والكلمات الخاطفة. لقد سلك سعيد خوري ورفاقُه المسلكَ الصعبَ، لكنه المسلكُ المؤدّي إلى النهوض والتقدم والتحرر والحرية والتلاؤم مع حركة العصر وما تقتضيه حالُ التراجع في أمتنا.
إنّ شروط سعيد خوري هي شروطُ إنقاذ فلسطين، ونهوض الأمة العربية. رحم الله سعيد خوري، رجل الوعي والعزيمة والبِرّ، رجل فلسطين ولبنان.
عشتم وعاشت فلسطين عربيةً متمسكةً بحقّها في الحرية والكرامة والحياة. وعاش لبنان الذي يحتضن ترابه سعيد خوري وهو الوطن الذي أحبه فقيدنا الكبير وعمل فيه وقدم الكثير في سبيل إنمائه وازدهاره، وهو من الذين سعوا بجدّ واخلاص من أجل إعادة الاعتبار للدولة في لبنان ولإعادة الاعتبار لدور لبنان في العالم العربي لكي يستمر واحةً للحرية والديمقراطية والانفتاح ومواكبة روح العصر. عاش الأردن، عاشت فلسطين، وعاش لبنان.
