الرئيس فؤاد السنيورة في حوار شامل مع «الجزيرة»: المملكة العربية السعودية تطبق ما تقوله تجاه لبنان.. وتحرص على دعم استقلاله وسيادته.. وتبارك ما يتوافق عليه اللبنانيون

اجرت جريدة الجزيرة السعودية حديثا مطولا مع الرئيس فؤاد السنيورة فيما يلي نصه :
أولاً: س: دولة الرئيس، اسمح لي بداية أن أتطرق إلى العلاقات اللبنانية السعودية، انطلاقاً من التجربة الشخصية التي تعرفونها من خلال حكومتكم وفي السنوات اللاحقة. كيف تقوّمون هذه العلاقة ما بين المملكة العربية السعودية ولبنان ؟
ج: دلت التجربة التي اختبرتها خلال تسلمي لمسؤولياتي الحكومية كوزير للمالية وبعدها كرئيس لمجلس الوزراء ان المملكة العربية السعودية تطبق ما تقوله تجاه لبنان حيث تحرص على دعم استقلاله وسيادته وتبارك ما نتوافق عليه نحن في لبنان وكنموذج للعيش المشترك ونظامه الديمقراطي المنفتح. هي تعلن انها الى جانب لبنان في كل ما يريده اللبنانيون وهي حقيقة تنفذ هذه الاقوال من دون أي تردد او تراجع أو تبديل. والاهم من ذلك كله ان هذا التوجه ظل ثابتاً ومستمراً كما كان سابقا وبقي كذلك تحت رعاية خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبد العزيز الذي قدم للبنان خدمات كبرى من دون أي تردد. وبكرم واضح ومحبة كبيرة للبنان والشعب اللبناني. وكان أول ورائد الواقفين إلى جانبه في الوقت الذي كان فيه لبنان بأمس الحاجة إلى من يقف إلى جانبه ليؤازره في محنته.
الملك عبدالله بن عبد العزيز تصرف تجاه لبنان حين تعرض للعدوان الاسرائيلي عام 2006 تصرف الأخ الكبير وبنخوة عربية كريمة وقد قدم للشعب اللبناني مساعدات مكنته من اعادة بناء اكثر من 200 قرية مدمرة في جنوب لبنان وخارجه، اضافة الى أن المساعدة السعودية أسهمت في اعاد بناء أكثر من 36 عقاراً يحتوي على أكثر من خمسين بناء من الابنية المهدمة في الضاحية الجنوبية مما يعني في المحصلة ان مساعدات المملكة والمخصصة لإعادة الاعمار أدت إلى إعادة بناء وترميم أكثر من 55 ألف وحدة سكنية. كما أن المساعدات السعودية للبنان وبتوجيه من جلالة الملك عبد لله اشتملت أيضاً على المساعدات الاغاثية للبنانيين خلال فترة الاجتياح الاسرائيلي وعلى إقدار لبنان على مواجهة شتى الاحتياجات في المجالات الامنية والعسكرية ابان العدوان الاسرائيلي على لبنان في العام 2006 وكذلك ابان معركة نهر البارد في مواجهة الموجة الاولى من الارهاب التكفيري المرسل والمعد آنذاك من قبل النظام السوري الذي كان قد اشرف على ولادة منظمة فتح الإسلام الارهابية وهندس وصولها إلى لبنان وإلى المخيم، هذه المنظمة الإرهابية التي كانت تنوي السيطرة على مدينة طرابلس وعلى منطقة الشمال وفصلهما عن لبنان. في ذلك الوقت كان الجيش اللبناني يومها بحاجة حتى لطلقات الرصاص وكل أنواع الذخيرة إذ ان ما لديه لم يكن ليكفيه لمعركة بضعة ايام. ولقد ساهمت المساعدات السعودية في تمكين لبنان من تسجيل الانتصار الاول على الارهابيين والمتطرفين في لبنان وفي الحفاظ على وحدة اللبنانيين.
ما اود ان اضيفه أيضاً ان المملكة العربية السعودية ساهمت خلال تلك الفترة الصعبة ولأكثر من سنة وفي أكثر من عام دراسي في تأمين دفع تكاليف تعليم الالاف من الطلاب اللبنانيين وفي تأمين الكتب المدرسية لهم.
عقب ذلك فإن ما قامت به المملكة يسجل لها ولعاهلها الكبير خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز. لقد كانت آخر تلك المكرمات تلك المنطلقة من العمل على الحفاظ على لبنان البلد الديمقراطي المنفتح والمتنوع وعلى ما يمتاز به من عيش مشترك بين مكوناته كافة من خلال تقديم الهبتين الاستثنائيتين المخصصتين لتسليح الجيش اللبناني ولدعم مؤسساته الأمنية والتي بلغ مجموعهما أربعة مليارات دولار، وهو دعم غير مسبوق في تاريخ لبنان.
باختصار المملكة العربية السعودية كانت وما تزال في موقع الاخ البار والشقيق الصادق الراعي والحامي للبنان من دون أي مقابل حرصاً على استمرار بلداً للاعتدال والانفتاح وموئلاً للحريات.
ثانياً: س: في مجال المساعدات السعودية للبنان، معروف عن المملكة وقوفها في طليعة الدول مع لبنان، كيف تنظرون الى هبة المليارات الاربعة (3 + 1) للبنان، وكيف يمكن أن يستفيد منها؟
ان المكرمة الاخيرة تأتي كما ذكرت لتكمل ما كانت المملكة قد انتهجته تجاه لبنان من دعم وحرص على وحدة لبنان واستقلاله وسيادته. واعتقد انه قد جرى وضع الآليات اللازمة لضمان تنفيذ هذه الهبات الكريمة بأفضل الطرق وبشفافية مطلقة لتحقيق الغاية التي توخاها الواهب وأمل منها الشعب اللبناني.
ثالثاً: س: في السياسة، بدأ الحوار بين تيار المستقبل وحزب الله، كيف تقومون الجولة الاولى من الحوار، والى أين يمكن أن يصل برأيكم؟
لقد عبرنا أكثر من مرة عن أهمية التلاقي والحوار بين جميع مكونات الشعب اللبناني للحفاظ على نسيج هذا المجتمع اللبناني المتنوع. انه ومع ادراكنا لأهمية المسائل والقضايا المعلقة بين تيار المستقبل وحزب الله فيما يتعلق بمسألة استعادة الدولة اللبنانية لدورها ومرجعيتها وهيبتها ووحدانية سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية. وعلى الرغم من وجود خلافات عميقة بين المكونات السياسية لهذا البلد الا ان المنطق يقول أن ما يجمع فيما بين هذه المكونات أكثر بكثير مما يفرقهم. قد يكون التوصل الى اختراقات في المسائل التي تفترق عليها هذه المكونات السياسية ولاسيما مع حزب الله، إلا ان عدم ولوج باب الحوار يعتبر خطأ كبيراً ولذلك فإننا مع هذا الحوار بين تيار المستقبل وحزب الله وبسبب أهمية المسائل التي نختلف عليها فإننا نضعها جانباً على قاعدة ربط النزاع فيها ومع الاستمرار في الالتزام بهذه المبادئ الأساسية في عملية بناء الوطن. فإننا نحاول ان نتقدم على مسار التوافق على مسألة المسارعة، أولاً إلى التوصل إلى اتفاق على مبدأ الرئيس التوافقي وبعد ذلك تكون المسألة بيد المكونات السياسية اللبنانية للاتفاق على شخصية الرئيس العنيد.
اما النقطة الثانية التي نتوخاها من الحوار ان يأخذنا إلى حيث نستطيع ان نخفض مستوى التوتر الداخلي. لنتحدث بصراحة في هذا الأمر. حيث أن تحقيق ذلك يقتضي تقدماً حقيقياً على الأرض لإزالة الاسباب التي تسهم في زيادة حدة التوتر بين اللبنانيين. ولا يكفي لذلك ابداء النوايا الطيبة على أهمية ذلك، بل يقتضي القيام بتذليل العقبات على الأرض التي تحول دون استعادة الثقة بين هذه المكونات التي يفاقمها انتشار السلاح وسطوته وممارسات أصحابه تحت عناوين مختلفة لما لهذه المعالجات الصادقة من آثار ايجابية وانعكاسات طيبة على اللبنانيين إلى أي جهة انتموا.
رابعاً: س: البعض ينتظر من الحوار المذكور اكثر من تهدئة الخواطر بين السنة والشيعة، الى الاتفاق على خطوط عريضة على رئيس الجمهورية المقبل. هل تتوقعون أن ينتخب رئيس للبنان بعد هذا الحوار؟
ج:ليس هدف هذا الحوار اختيار رئيس للجمهورية بل تمهيد الطريق امام اللبنانيين للتوصل إلى تفاهم على فكرة الرئيس التوافقي الذي يجب ان يكون رمزاً لوحدة اللبنانيين لا عاملاً من العوامل التي تؤدي إلى بث الفرقة والخصومة بينهم. وأن يكون قادراً بما يتمتع من حكمة وسعة أفق ورؤية وصفات قيادية على جمع اللبنانيين في مساحات مشتركة تمكنهم من ضمانة بلدهم وعيشهم المشترك والنأي بلبنان عن الانغماس في أتون الزلزال المدمر الذي يجتاح محيطنا ولاسيما في سوريا.
خامساً: س: هناك حوار آخر ينتظر ان يبدأ بين القوات اللبنانية والتيار الوطني الحر لمحاولة التوصل الى اتفاق على انتخاب رئيس للجمهورية. ماذا تتوقعون من هذا الحوار؟
ج: بالأساس نحن نقول باعتماد الحوار منهجا واسلوبا في التعاطي الداخلي بين الاطراف في لبنان والحوار والتواصل هو المنطلق الرئيسي الذي نحرص عليه، ونحن في هذا السبيل ضد اللجوء إلى التسلط او العنف او ومحاولة السيطرة والارغام. لذلك فإننا نرحب باي خطوة حوارية بين اطراف لبنانية واعتقد انها ستسهم في تفعيل الايجابيات وتخفيف بعض التشنجات واختصار الطريق نحو انتخاب الرئيس التوافقي للجمهورية على وجه الخصوص اذا ما نجح طرف من الطرفين في اقناع الاخر بوجهة نظره. ويسهم في استعادة الانتظام لعمل مؤسساتنا الدستورية ولعودة الدولة اللبنانية لممارسة دورها وسلطتها وهيبتها.
سادساً: س: يحكى عن دور فرنسي يتحرك في لبنان والمملكة وايران للمساعدة على انتخاب رئيس للجمهورية. هل يمكن لهذا الدور ان يفلح في ايجاد حل للمسالة الرئاسية اللبنانية؟
ج:نحن نرحب بكل دور مساعد من شقيق أو صديق مع تأكيدنا على عدم صوابية البحث عن الحلول الناجعة بعيداً عن لبنان، وهي في الحقيقة بين ايدينا. فانتخاب الرئيس العتيد هي مسألة بين ايدي اللبنانيين لماذا ننتظر ادوارا وتحركات من دول اخرى مشكورة على سعيها وفيما نحن قادرون على إيجاد الحل اللازم وهو في متناولنا. أنا لا أنكر أنه وفيما وصلنا إليه من تدخلات وتعقيدات العامل غير المحلي هو حتماً عامل مساعد ولكن يجب ان لا نضخم من أهميته وكذلك أن نقللها.
المهم أن نقتنع أن الحل يبدأ هنا وما بيننا ويمكن ان تعززه المبادرات الأخوية والصديقة الصادقة.
سابعاً: س: بالانتقال الى ما يجري في المنطقة، هل تتوقعون وأنتم المتابعون للملفات الكبرى، أن يحمل العام المقبل بداية الحل للوضع السوري المتأزم؟ وكيف؟
ج: يجب ان يتسم سعينا نحو المستقبل بالإرادة والتصميم والأمل وتيمناً بقول الله عزّ وجلّ: "أنه لا ييأس من روْحِ الله الا القوم الكافرون". انا اعتقد ان مسألة اساسية باتت واضحة في سوريا وهي ان التجربة والصيغة القديمة لم يعد بالإمكان ان تستمر في سوريا ولا عودة الى الوراء.
الحل ممكن طبعا على قاعدة اعتماد صيغة جديدة تلبي قسما كبيرا من حاجات وتطلعات الشعب السوري ومبنية على اتفاق جنيف-Iحيث يجب أن تتألف حكومة جديدة تتولى جميع السلطات وتسير على الطريق الذي يؤدي إلى قيام دولة مدنية تتساوى كافة فئات المجتمع السوري بالحقوق والواجبات وهي الدولة التي تقدم الأمن والامان لجميع المواطنين السوريين وكل مكونات الشعب السوري. الدولة هي التي تحمي وتصون حقوق الأكثريات والأقليات وهي التي يمكن لها ان تستفيد الثقة لدى السوريين بالمستقبل.
س: كيف تنظرون الى العملية الارهابية التي جرت في باريس البارحة واستهدفت مجلة شارلي ايبدو؟
ج: لسان حالنا واحد موحد انها جريمة ارهابية موصوفة ومن يتلطى بالإسلام لتنفيذ هكذا جرائم فالإسلام براء منه وهو بمثابة العدو للدين الاسلامي الذي لا يقول بالعنف والارهاب بل بالرحمة والتسامح.
إنّ ما تعرضت له مجلة شارلي ايبدو الفرنسية واسفر عن سقوط ضحايا ابرياء من المجلة والشرطة الفرنسية هو عمل اجرامي مستنكر ومدان ومن قام به أو وقف خلفه قد مارس عملاً همجياً وارتكب جريمة ضد الانسانية لا يبررها اي دين، ولا يغطيه اي شريعة.
اننا نستنكر ونرفض وندين هذا الاجرام والارهاب الاسود الذي يختبئ تحت ستار الدين ومن قام به مجرم تجب محاسبته وانزال العقاب به فقط دون تعميم الادانة على ابناء بلده ودينه إذ لا تزر وازرة وزر أخرى.
ثامناً: س: هل يمكن للحوار الأميركي الايراني ان يساعد في حلحلة الملفات الشائكة في المنطقة وتحديداً في سوريا ولبنان؟
ج: كل حوار هو نقيض للمواجهة او الحرب ونحن سبق بنا ان اعلنا معارضتنا للخيار العسكري تجاه ايران.
الغريب، انه يتم الحديث عن خيار عسكري تجاه ايران بسبب الملف النووي واسرائيل تملك مفاعلات نووية عاملة ومنتجة للأسلحة الفتاكة.
المطلوب النظر بعين العدل ومعارضة الاسلحة النووية في المنطقة بشكل عام ولدى كل الاطراف وليس طرف بمفرده فقط، وصولاً إلى شرق اوسط خال من الأسلحة النووية.
نحن نريد ان ننتظر إلى إيران بأنها دولة جارة ونبني واياها كعرب وإيرانيين علاقة ندية مبنية على الصداقة والاحترام المتبادل وحسن الجوار وعلى قاعدة عدم التدخل في الشؤون الداخلية لبعضنا بعضاً ونحن نأمل أن تدرك ايران اهمية التوصل إلى ادراك هذه الحقيقة التي هي في المحصلة الوسيلة الوحيدة لبناء واحة من التعاون
