الرئيس السنيورة : المعتدلون وحدهم قادرون على هزم قوى التطرف في المنطقة

ابو ظبي : :قال رئيس كتلة المستقبل النيابية الرئيس فؤاد السنيورة " أن العرب والمسلمين المعتدلين وحدهم قادرون على هزم قوى التطرف في المنطقة ويقع على عاتقهم تحقيق ذلك، كما أن الدولة الديمقراطية المدنية وحدها يمكنها أن تكون الضامن الحقيقي لوجود الأقليات وحقوقها إضافة إلى باقي مكونات المجتمع.
اضاف الرئيس السنيورة :الحاجة ملحة لوضع رؤية لتكامل اقتصادي عربي يقوم على مصالح وأهداف مشتركة وليس على شعارات فارغة ولافتات وهمية. هذا هو السبيل الوحيد لضمان الأمن العربي على المدى البعيد وعلى جميع المستويات: الأمن السياسي والأمن الاقتصادي وأمن الطاقة والأمن الاجتماعي والأمن الغذائي.
كلام الرئيس السنيورة جاء في محاضرة له خلال مشاركته في منتدى الإمارات للنفط تحت عنوان "العالم العربي بعد أربع سنوات على انطلاق الربيع العربي" والذي أقيم في فندق روزوود في أبو ظبي،
وفي ما يلي نص المحاضرة :
انها مرحلة انتقالية طويلة ومؤلمة وغير مستقرة.
لم يحدث في تاريخ منطقتنا، منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية ونكبة 1948 أن وُجد هذا القدر من المجهول.
فمجهول هو مستقبل العديد من الأنظمة، في وقت انهارت فيه جدران الخوف والصمت. ومجهولة هي إمكانية نجاح ديمقراطيات ظهرت وتظهر أو حتى ديمقراطيات موجودة. ومجهولة هي طريقة تحول وتغير التوقعات في مرحلة جعلت التكنولوجيا مفاهيم الوقت والزمان غير مهمة. ومجهولةهي قدرة استمرار بعض الحدود التي يعود تكوينها إلى مرحلة اتفاق سايكس – بيكو. ومجهولة هي كيفية ظهور داعش وكيف تمكن من أن يهدد خلال أسابيع خرائط قديمة. ومجهول مستقبل المفاوضات والعلاقات الأميركية – الإيرانية. ومجهول مستقبل احتمالات السلام الإسرائيلي – الفلسطيني. ومجهولة كيفية مواجهة العرب لهذا كله، إذا كان لديهم اي خطة اساسا.
وفوق كل هذا المجهول السياسي، يأتي المجهول الاقتصادي. فمجهول هو مسار اسعار النفط وحصة السوق العربي مع تكنولوجيا النفط الصخري والاكتشافات الافريقية. ومجهول شكل الهيكلية المالية العالمية والمستقبل المصرفي في ضوء تحول المخاطر من الجزئي (مايكرو) إلى الكلي (ماكرو) ومن الائتمان إلى القانون. ومجهول تأثير تباطؤالنمو في الصين، ومستقبل "البريكس" وما إذا كان النموذج الاقتصادي بين بلدان الجنوب ما زال ممكناً. ومجهول موقع العالم العربي ومكانته في هذه الهيكلية الاقتصادية العالمية الجديدة.
خلال مسيرتي المهنية على مدى 45 عاماً، كنت مصرفياً، أكاديمياً، منظما مصرفيا، ثم مصرفيا مرة أخرى ووزيرا للمالية ورئيسا للوزراء ورئيسا لأكبر كتلة برلمانية في مجلس النواب اللبناني. تعلمت درساً مهماً ومبدأ طبقته دائماً: في الأوقات المتقلبة جدا، عُد إلى الأساسيات. يبدو الأمر سهلاً ولكنه في الواقع صعب للغاية. يبدو بسيطا لكنه فاعل جدا.
لا يمكننا تحديد مختلف المتغيرات، ولكن يمكننا أن نحدّد بوضوح موقفنا القائم على معتقداتنا وقيمنا الأساسية. لا يمكننا السيطرة على مجريات وتحولات الأحداث، ولكن يمكننا التمسك بمسار المبادئ ووضع خطة عمل على هذا الأساس. يجب أن تكون المبادئ ثابتة ولكننا نستطيع أن نسمح للتكتيكات والأدوات ان تكون متغيرة.
انظروا حولكم في العالم العربي وشاهدوا كم مرة انحرفت النقاشات عما هو حقاً مهم... وكم مرة سمحنا للانقسامات الثانوية أن تصبح أكثر أهمية من الانقسامات الأساسية... وكم مرة وضعنا الأولويات على الرف وانشغلنا بأمور قديمة أو غير مهمة أو غير منتجة... إذا استطعنا رؤية كل هذا يمكننا أن ندرك مدى صعوبة العودة إلى الأساسيات والتمسك بها.
لقد سردت اليوم معظم الأمور المجهولة التي تتبادر إلى الذهن في ظل هذا التحول السياسي والاقتصادي الصعب الذي تمر به الأمة العربية في سياق تحول اقتصادي وسياسي يمر به العالم. والآن أود أن أشارككم المبادئ الثلاث الأساسية التي أعتقد بكل صدق أنها يجب أن تكون البوصلة التي توجهنا إلى مسار جدول أعمال عربي مشترك يجب أن يساعد العرب على الإبحار في هذه المياه الإقليمية والدولية المتقلبة.
المبدأ الأول: إلى حين حلها، علينا ألا ننسى أبداً أن القضية الفلسطينية تبقى مصدر معظم المشاكل في منطقتنا. وبالتالي، فإن فتح باب السلام سيكون بمثابة إطلاق الإمكانات الإيجابية الحقيقية لهذه المنطقة وتحاشي العديد من الألغام المستقبلية.
إذا عدنا إلى التاريخ العربي منذ نكبة العام 1948 والتي أدت بحد ذاتها إلى ظهور أنظمة عسكرية في معظم المنطقة، أنظمة بنت شرعيتها على وعود أطلقتها باستعادة الأرض والكرامة للشعوب، ولكنها في نهاية المطاف خسرت المزيد من أراضيها وكراماتها- إلى هزيمة 1967 وضياع ما تبقى من فلسطين وأجزاء من مصر وسوريا؛ إلى الحرب الأهلية اللبنانية وانسحاب مصر من قضايا العالم العربي وغزو الكويت ولاحقاً غزو العراق وظهور إيران كلاعب إقليمي أساسي وتدخلها في الشؤون الداخلية العربية والذي تسارعت وتيرته بعد القضاء على العراق كحاجز تاريخي بين وسط آسيا ومنطقة البحر الأبيض المتوسط. سلسلة من الأحداث أدت بنا إلى الوضع الحالي من عدم الاستقرار والفوضى وإلى مسار من الفتنة الداخلية والموارد المبددة والفرص الضائعة.
لكن ينبغي الا تنسينا القضايا الثنائية والثلاثية التي تشعبت أن جذع الشجرة كان ويبقى فلسطين.
لذا من الضروري العودة إلى معالجة صحيحة لحل أم معظم المشاكل في العالم العربي، والفشل المتكرر على مدى عقود في معالجتها، مما أدى إلى فشل في معالجة الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والدينية الملحة.
باستخدام فلسطين والصراع مع إسرائيل كذريعة، استمر عدد من الأنظمة العربية بتجاهل الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية والدينية والسياسية الملحة وانتهاك حقوق الانسان. فقوانين الطوارئ التي استمر العمل بها على مدى عقود والتي عززت القبضة الفولاذية لهذه الأنظمة، عوضاً عن تنفيذ القوانين الانسانية العالمية، أصبحت طريقة عمل شائعة. في الوقت عينه، استمرت إسرائيل في تجاهل المعايير الدولية وقرارات الأمم المتحدة واستمرت في سياستها الاستيطانية وسياسات العزل والفصل العنصري ضد الفلسطينيين.
انطلاقاً من وجهة النظرة التاريخية هذه، أستطيع أن أؤكد بكل ثقة أنه من أجل إطلاق طاقات العالم العربي، والتي تتضمن نجاح واستدامة الديمقراطية والازدهار الاقتصادي، لا بد من إيجاد حل عادل وشامل للصراع العربي-الإسرائيلي من خلال إنشاء دولة فلسطينية موحدة ذات سيادة وقابلة للحياة من خلال المبادرة العربية.
إن مداواة هذا الجرح المفتوح هو العمل الصحيح الذي يجب القيام به من أجل الشعب الفلسطيني الذي ما زال يعاني من الظلم والاحتلال منذ أكثر من 75 عاماً، وهو أيضاً العمل الصحيح لتحسين العلاقات المستقبلية بين العرب والمسلمين من جهة والعالم من جهة أخرى، وبالتالي تخفيف الاحتقان ليس بين الدول فحسب بل أيضاً بين الثقافات، الذي يمثل تهديداً للجميع، سواء للشرق أو الغرب وللمسلمين أو غير المسلمين. وإذا أردنا أن نكون صادقين مع أنفسنا ومع بقية العالم، علينا أن نعترف أن جزءاً لا بأس به من سوء الفهم التاريخي بين العالم الإسلامي والغرب يعود إلى عدم حل مسألة القدس. إن التوتر المتزايد في القدس قد يُشعل صدام حضارات وليس مجرد انقسام سياسي إذا بقيت المشاكلات كما هي من دون حلول شاملة وعادلة ودائمة.
ونتيجة أخرى لإبقاء القضية الفلسطينية دون حل هو ازدياد التدخل الإيراني من خلال سياسات تصدير الثورة ومفهوم ولاية الفقيه العابر الحدود الوطنية ما يؤدي إلى انقسام سني-شيعي خطير. إن ادعاء إيران بأنها تحمل لواء قضية فلسطين قد سمح لها بالتدخل في شؤون العراق وسوريا ولبنان واليمن والبحرين. إن الدعم الايراني للنظام السوري، الذي يقمع المسعى الشرعي للشعب السوري لتحقيق الديمقراطية والحرية، يحصل بصورة مباشرة ومن خلال قوات حزب الله المسلحة، وكل هذا بذريعة الوقوف في وجه إسرائيل.
المبدأ الثاني: يمس قضايا التطرف السني إضافة إلى مسألة الأكثريات والأقليات في المنطقة: وهنا اسمحوا لي أن أقول بوضوح أن العرب والمسلمين المعتدلين وحدهم قادرون على هزم قوى التطرف في المنطقة ويقع على عاتقهم تحقيق ذلك، كما أن الدولة الديمقراطية المدنية وحدها يمكنها أن تكون الضامن الحقيقي لوجود الأقليات وحقوقها إضافة إلى باقي مكونات المجتمع.
رغم أن داعش بدأت فقط منتصف العام المنصرم تحتل العناوين الرئيسة في العالم، فإن ظهورها بدأ منذ سنوات وبالتالي فإن هذا الأمر كان يجب الا يفاجأ احدا في المجتمع الدولي.
هنالك ثلاثة أحداث حصلت في 1978-1979 مهدت الطريق لظهور الإسلام المتشدد: غزو أفغانستان، والثورة الإيرانية، وانسحاب مصر من القضايا العربية وتهميش دورها التقليدي والمهم. فالحدث الأول أدى إلى ظهور تنظيم القاعدة الذي قدّم نماذج لتنظيمات أخرى مثل "الدولة الاسلامية". والحدث الثاني أدى إلى ظهور حزب الله الذي غيّر بعد عام 2000 وجهة سلاحه ووجّهه ضد مواطنيه اللبنانيين مبعداً الدولة ومعاملا مؤسساتها بفوقية ثم متدخلاً في ما بعد في سوريا والعراق وأبعد من ذلك. كما قدّم حزب الله نموذجاً إلى ميليشيات مشابهة في العراق واليمن. أما الحدث الثالث فأدى إلى فراغ في الشرق الأوسط ملأته إيران في نهاية المطاف.
في الآونة الأخيرة ارتكب الغرب أخطاء سياسية وأمنية مهمة في سوريا والعراق، ما سمح للدولة الاسلامية بالاستفادة من أجواء الظلم والاحتقان في أوساط الطائفة السنية لتعزيز أجندته الخاصة.
ولكن بقدر ما تدّعي الدولة الاسلامية زوراً نصرة السنّة، إلا أنها لا تمثل الإسلام بأي شكل من الأشكال والمسلمون هم الخاسرون الأكبر من جرائمها الوحشية. فالإسلام ضد الاعتناق القسري للدين ولا يوجد شيء في الإسلام ضد الكفر.
لكن هذا لا ينفي الحاجة الملحة إلى إصلاحات دينية في عالمنا العربي والإسلامي للتكيف مع عالم حديث متغير. فلنكن صادقين، إن رجال الدين الملمين عامة ليسوا منفتحين أو ليبراليين أو تقدميين بقدر الإسلام بحد ذاته. فالمسلمون، من مفكرين وقادة روحيين ومؤسسات دينية، لديهم عمل كثير لإصلاح التعليم الديني وتشجيع التفكير النقدي، خاصة بعد عقود كانت فيها المؤسسات الدينية في العالم العربي تابعة بشكل أعمى وفي بعض الجوانب متعاونة مع الأنظمة الاستبدادية.
وعلى قادة العالم الغربي أن يقوموا بعمل حقيقي أيضاً وقد حان الوقت لقادة العالم الا يكتفوا بادعاء حب الديمقراطية والحرية والعدالة والتسامح واحترام حقوق الإنسان بينما بالكاد يدينون أعمال الطغاة ولا يقومون إلا بالقليل لتمكين القوى المعتدلة في المنطقة. فالمجتمع الدولي لديه مصلحة وعليه مسؤولية في مساعدة شعوب المنطقة على التخلص من مشاعر اليأس والقنوط والمساهمة في الجهود التي تبذلها لبناء مجتمعات أكثر ديمقراطية وازدهاراً. فالانحياز الواسع والمتزايد وتصوير العرب والمسلمين على أنهم عنيفون أو أنهم بطبيعتهم معادون للغرب لا يؤدي إلا إلى ازدياد شعورهم بالذل والغضب.
إضافة إلى فلسطين، فإن المكان الآخر للبدء هو سوريا، حيث على الغرب أن يقدّم دعماً نوعياً وكمياً للقوى المدنية المعتدلة للمعارضة. ولو تم القيام بهذا الأمر باكراً، لربما ما استطاعت الدولة الاسلامية أن تظهر وتستمر. والأمر نفسه ينطبق على سياسات الغرب في العراق. ومن مصلحة الغرب أن يربح الاعتدال المعركة. إن الجرائم البشعة التي حصلت في باريس الأسبوع الماضي ما هي إلا تذكير بأن لا أحد بأمان من المتطرفين الذين يتضاعفون بسبب الحرب المفتوحة والمستمرة في سوريا. كذلك، فإن الهجمات الوحشية على مقهى في شمال لبنان الأسبوع الماضي ما هي إلا تذكير بأن البؤس والحرمان، وأمور أخرى، هي أرض خصبة لتوظيف الشباب العاطلين عن العمل ذوي الآفاق المغلقة. وفي هذا السياق، فإن حالة اليأس التي تصيب ملايين اللاجئين السوريين ليس في لبنان فحسب بل أيضاً في أماكن أخرى قد تؤدي، في حال عدم وجود حل قريب في سوريا، إلى ازدياد التطرف والعنف.
اقترح البعض في الغرب، لسوء الحظ ،أن ابقاء الأسد قد يكون امرا مرغوب فيه، معتقدين أنه أهون الشرين ومتجاهلين ان الاستبداد والاصولية وجهان لعملة واحدة.
هذا ليس فقط مناف للعقل بل أيضا غير أخلاقي ويتجاهل تماما دور الصراع السوري في ظهور الدولة الإسلامية ( داعش ) بالأساس. في الواقع، ان بلدي يمتلك خبرة في مواجهة التطرف الذي يشعله نظام الأسد – في عام 2007،عندما كنت رئيسا للوزراء، اكتشفنا أن الجماعة المتطرفة التي تدعى فتح الاسلام والتي سيطرت على مخيم نهر البارد كانت على صلة قوية بالمخابرات السورية.
لقد أظهرت لنا التجربة أن الدكتاتوريات ليست ضامنا مستداما للسلام بالنسبة للأقليات. وحده ظهور دولة مدنية ديمقراطية وحديثة، حيث يعامَل جميع الأفراد على قدم المساواة بصرف النظر عن الدين أو العرق، يمكن أن تحقق السلام والاستقرار الدائم. كذلك لا ينبغي أن تستخدم الديمقراطية كذريعة لتهميش أقلية.
لا ينبغي أن تحجب التحديات السياسية التي نواجهها كعرب العديد من التحديات الاقتصادية التي تنتظرنا قاب قوسين أو أدنى. والخطر الأكبر هو ارتفاع معدلات البطالة وخاصة بين الشباب، مما يشكل مصدر قلق في معظم البلدان العربية. والتحدي يكمن في خلق 50 مليون فرصة عمل جديدة خلال العقد القادم لاستيعاب القادمين الجدد إلى سوق العمل العربية. يشكل انخفاض أسعار النفط تحديا للاقتصاد، وخصوصا للقطاع الخاص في العالم العربي، ويأتي على رأس تحديات سياسية وأمنية أخرى. لكن ينبغي أن يشكل انخفاض عائدات النفط حافزا للإسراع في الإصلاحات اللازمة على المستوى المؤسساتي والقضائي والإداري ومناخ العمل بشكل عام لتمكين القطاع الخاص العربي وجذب الاستثمار الأجنبي المباشر وتنويع الاقتصادات الوطنية.
ولكن دعونا نكون صادقين: لا يمكن لأي اقتصاد عربي فردي ان يحل وحده كل التحديات التي يواجهها، وبالتالي حان الوقت للتحرك وفق رؤية لتكامل اقتصادي عربي، مما يقودني إلى المبدأ الثالث.
المبدأ الثالث: الحاجة لوضع رؤية لتكامل اقتصادي عربي يقوم على مصالح وأهداف مشتركة وليس على شعارات فارغة ولافتات وهمية. هذا هو السبيل الوحيد لضمان الأمن العربي على المدى البعيد وعلى جميع المستويات: الأمن السياسي والأمن الاقتصادي وأمن الطاقة والأمن الاجتماعي والأمن الغذائي.
يجب ألا يوجَه الأمن العربي ضد أي شخص في المنطقة أو في العالم. بل يكون مجالا للتعاون المشترك بين الدول العربية لتحسين آفاق تعزيز الاعتدال والاستقرار من جهة وتعزيز التنمية والازدهار في العالم العربي من جهة أخرى. ويكون أيضا وسيلة للعرب للتوصل لعلاقات متساوية مع الدول المجاورة ومع بقية دول العالم، مبنية على الاحترام المتبادل ومبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية.
تكثر الحجج الاقتصادية للتعاون الاقتصادي العربي بين دول المنطقة.وتتوزع موارد الإنتاج على دول العالم العربي. بعض البلدان غنية في رأسمالها ولكنها تفتقر لليد العاملة. والعكس صحيح في دول أخرى. ثمة دول غنية في أراضيها، ولكنها تفتقر للمهارات. هناك اخرى لديها حاجات استهلاكية كبيرة ولكنها تفتقر للأراضي. هناك مجال كبير للتكامل، القائم على سد الفجوات المتعددة بين مختلف الدول العربية: الفجوة بين العرض والطلب، والفجوة في تكلفة اليد العاملة، والفجوة في العامل الكلي للإنتاجية.
تتبادر إلى الذهن ثلاثة مجالات يمكن العمل عليها على الفور: الكهرباء والنقل والزراعة. من غير المقبول أن يكون هناك انقطاع للتيار الكهربائي ونقص في الكهرباء في منطقة غنية بمصدري الطاقة: البترول وأشعة الشمس. من غير المقبول أن نعتمد بشدة على الواردات الغذائية وان يكون لنا احدى اعلى نسب التبعية في مجال استيراد المواد الغذائية في العالم بينما تبقى مناطق شاسعة صالحة للزراعة في عالمنا العربي غير مستغلة. وليس من المقبول العبور من باريس أو اسطنبول عند السفر من عاصمة عربية إلى أخرى. في الحقيقة هناك عواصم عربية عدة غير موصولة حتى عبر طرق او سكك الحديد.
لقد حقق التكامل الاقتصادي العجائب وخلق ملايين فرص العمل واخرج الملايين من الفقر في مناطق تتشارك أقل بكثير مما تتشاركه الدول العربية. ولكن الحيلة هي أنها بدأت بمبادرات صغيرة ومحددة ونمت وفق مصالح مشتركة، بينما العرب يبدؤون دائما بإعلانات طموحة كبيرة تبقى حبرا على ورق.
في الفترة المقبلة التي تتم فيها إعادة رسم البنية السياسية والاقتصادية العالمية، يجب الا نفقد التركيز على ما يهم حقا. يجب الا نخجل من تصميم وتحقيق مصالحنا الطويلة الأمد كعرب، ويجب ألا نفقد الايمان بأن أياما أفضل ستأتي، ونعمل لإعطاء الامل للأجيال المقبلة عبر تطبيق خطوات عملية في مسيرة التكامل والنمو.
أود أن أشكركم جميعا على حضوركم اليوم. وأود أن أشكر شركة "غلف انتلجنس" لجمعنا معا، ومعالي الوزير المزروعي لشرف وجودكم. وأتمنى لكم جميعا منتدى مثمر وناجح. شكرا.

