الرئيس السنيورة : إعادة الاعتبار للدولة تقتضي انتخاب رئيس للبلاد بهية الحر يري : الخروج عليها يؤدّي إلى كوارث

برعاية الرئيس سعد الحريري ممثلا بالنائب بهية الحريري ومشاركة رئيس كتلة المستقبل النيابية الرئيس فؤاد السنيورة افتتح قطاع الشباب في تيار المستقبل المؤتمر المركزي حول السياسات الشبابية في لبنان تحت عنوان " مشاركة الشباب .. مدخل للتغيير " والذي ينظمه القطاع بالتعاون مع " مؤسسة فريدريش نومان من اجل الحرية " وذلك في خان الافرنج في صيدا بحضور النائب محمد الحجار وممثل مفتي صيدا واقضيتها الشيخ سليم سوسان الشيخ ابراهيم الديماسي وامين سر المكتب التنفيذي لتيار المستقبل مختار حيدر ومنسقي التيار في " الجنوب الدكتور ناصر حمود ، اقليم الخروب الدكتور محمد كجك ومرجعيون عبد الله عبد الله "، ومسؤول قطاع الاقتصاد وليد شحادة ومنسق قطاع التربية لشؤون الانتخابات والنقابات وليد جرادي، وعدد من اعضاء منسقيات وقطاعات التيار . وكان في استقبالهم منسق قطاع الشباب وسام شبلي والمسؤول التنظيمي في القطاع زياد ضاهر ومسؤول القطاع في الجنوب هشام قطب واعضاء اللجنة المنظمة .
ش
استهل المؤتمر بالوقوف دقيقة صمت تحية لروح الرئيس الشهيد رفيق الحريري وشهداء الوطن ، وبالنشيد الوطني اللبناني ثم كانت كلمة ترحيب من منسق المكتب الطلابي للمستقبل في الجنوب جلال عون ، تحدث بعده منسق قطاع الشباب وسام شبلي فعرض لأهداف المؤتمر وقال: ان تيار المستقبل ومن خلال قطاع الشباب يحاول انتاج كوادر وقيادات سياسية وشبابية تستطيع ان تحمل مشروع الرئيس الشهيد رفيق الحريري وان التقييم امر طبيعي في اي تجربة.. لذلك نحن نعمل على انتاج كوادر وقيادات ونعمل على تنظيم وكودرة المجتمع .. فنحن من مدرسة حررت العقول عندما كانت الحرب الاهلية تدمر العقول بالسلاح وباستشهاد الرئيس الشهيد ايضا تحررت ارادة اللبنانيين من الوصاية والتبعية ..
الحر
ثم تحدثت ممثلة الرئيس سعد الحريري النائب بهية الحريري فنقلت تحياته للمشاركين في المؤتمر وتمنياته لهم بالنّجاح وتحقيق الأهداف المرجوة منه .. وقالت :إنّ سعادتي بهذا اللقاء تفوق كلّ تعبير وأنا أرى أمامي حلم رفيق الحريري يتحقّق بأن يتولى شباب لبنان مسؤولياتهم في صناعة مستقبلهم وتحديد أولوياتهم على أسس علمية ووطنية ..تقوم على أساس بناء الدولة اللبنانية العربية الحديثة، الدولة التي تحتضن كلّ أفرادها وتحترم طموحهم .. وترعى طاقاتهم وتعزّز قدراتهم .وإنّ الرئيس الشهيد رفيق الحريري وضع لمؤسسة الحريري شعاراً هو "مستقبل لبنان .. الإستثمار في الإنسان " فبادر منذ اللحظة الأولى لانطلاق مسيرته النهضوية باعتبار الشباب هدفاً وحيداً من خلال تعليمهم وتمكينهم بالعلوم الحديثة واطلاعهم على تجارب العالم المتقدّم لينقلوها إلى وطنهم الحبيب لبنان.وها هو العالم الآن يسأل أين رفيق الحريري لإخراج دول النزاعات الشقيقة لإنقاذها مما ابتُلِيت فيه؟.. مع الأسف الشديد كما ابتُلِيَ لبنان .. إنّ مهمّتكم الآن الحفاظ على المكتسبات والإنجازات التي أسّست للسّلم الأهلي وإعادة الإعمار والإنضواء تحت لواء الدولة اللبنانية دون سواها لأنّ الخروج عليها ومنها سيؤدّي إلى كوارث عرفناها لعقود طويلة .. ونشاهدها أمامنا في أكثر من دولة من الدول الشقيقة.. علينا أنّ نميّز بين بناء الدولة وإعادة تكوين السّلطة .. أي أن تكون السّلطة هي إنعكاسٌ لصورة المجتمع المتطوّر والمتقدّم بطاقاته وشاباته وشبابه .. لا أن تكون الدولة إنعكاساً للحاكم أو السلطة.وإنّ كلّ فرد ناجح في مجاله وفي مكانه هو مساهم أصيل في نهضة دولته واستقرارها وازدهارها.ولا يسعني اليوم إلاّ أنّ أجدّد حلم رفيق الحريري فيكم وثقته في طاقاتكم وقدراتكم من أجل بناء لبنان المستقبل لبنان العلم والمعرفة والحرية والعدالة والتّقدم والإزدهار ..
الرئيس السنيورة
بعد ذلك استؤنفت اعمال المؤتمر بلقاء حواري بين الرئيس فؤاد السنيورة والشباب اداره منسق قطاع الشباب في المستقبل – الجنوب هشام قطب . فاستهل كلامه بالقول :
أودّ بداية أن أعبّر لكم عن سعادتي الغامرة باللقاء بكم والاستماع إليكم والتداول معكم فيما يخص قطاعات الشباب من جهة أولى، وإلى ما يخص إدارة الشأن العام في لبنان والمآزق التي انتهى إليها لبنان وإدارة الشأن العام فيه الآن من جهة ثانية. والهدف من هذا التداول سوية التوصل إلى تحديد التوجهات الضرورية لدعم وتحفيز قطاعات الشباب في لبنان والسعي لإحداث الاختراقات والتحولات الضرورية للخروج من هذه المآزق، بما يمكن لبنان واللبنانيين من التقدم بشكل ثابت ومستديم على مسارات تحقيق طموحاتهم وآمالهم بشكل عام من طريق تحسين إدارتهم لشأنهم العام بما ينعكس إيجاباً على حاضر ومستقبل جميع اللبنانيين ولاسيما قطاعات الشباب.
أود قبل ذلك أن اتوجه بالشكر:
- لقطاع الشباب في تيار المستقبل على تنظيم هذا المؤتمر في صيدا وتنظيمه لباقي المؤتمرات المكملة في طرابلس وعكار والبقاع.
- لمؤسسة فريدريش نومان من اجل الحرية (FNF) لتعاونها في إنجاح هذا المؤتمر والأنشطة المماثلة.
- كما يهمني أن أنتهز هذه المناسبة لأؤكد على أهمية الشباب ودوره الوطني بكونه يشكل نصف الحاضر وكل المستقبل.
- كذلك يهمني أن أذكّر بالدور الكبير الذي اضطلع به الرئيس الشهيد رفيق الحريري في أكثر من مجال وطني وسياسي وإعماري واقتصادي وإنساني ومنها ما هو في معرض حديثنا عن الشباب وذلك في إنشاء وزارة مستقلة للشباب والرياضة عام 2000 بعد ان كانت ملحقة بوزارة التربية ومبادرته في إنشاء عدد من الملاعب الرياضية في أكثر من منطقة في لبنان.
- وأن أذكِّر أيضاً بما نصت عليه الوثيقة السياسية لتيار المستقبل حول دور الشباب وأهمية الحفاظ على الموارد البشرية وتنميتها وتطويرها، والتي تعبر بوضوح عن:
- ايمان تيار المستقبل بأن ثروة لبنان الاساسية تكمن في موارده البشرية والشبابية وهي حقيقة لطالما كانت صحيحة وان اصبحت الآن أكثر أهمية مع التغيرات الأساسية الحاصلة في العالم على صعيد بروز ما يسمى باقتصاد المعرفة.
- وان الشباب هم الاساس في تعزيز مسيرة التنمية الشاملة وتحقيق النمو المستدام اللذان يسهمان في إيجاد فرص العمل الجديدة للشباب وللمتخرجين الجدد من المدارس والجامعات.
- وأن أؤكد على أنه ولكل هذه الأسباب وغيرها فإنّ الشباب يشكلون:
- بيئة العمل الجادة للاستثمار في المستقبل وهم رهاننا الحقيقي على الآتي من الأيام وهم يشكلون القوة الدافعة والمحركة لإعادة بناء لبنان ومؤسساته.
- وهم الركيزة الاولى لتجديد الحياة السياسية والاقتصادية في البلاد وكذلك في تجديد المؤسسات التربوية والرياضية والثقافية وهيئات المجتمع المدني من نقابات ومؤسسات اجتماعية ونسائية وثقافية.
- وأن أؤكد أيضاً أنّ للشباب دورا اساسيا في جميع توجهات تيار المستقبل ولا سيما في الاعداد لتوليهم زمام الامور وبالتالي لمشاركتهم في صناعة مستقبل وطننا وإنساننا وفي الاسهام في صنع السياسات التي تساعد في حل مشكلات الجيل الجديد وتلبية اهتماماتهم وطموحاتهم.
- وأن أؤكد كذلك بأن تيار المستقبل يشجع الكفاءات الشابة على خوض غمار الحياة العامة في شتى مناجيها.
أيها الإخوة والأخوات،
وحتى أستطيع ان أستعمل الوقت المتاح لي بكفاءة وبالتالي إفساح المجال لأسئلتكم واستفساراتكم ومداخلاتكم، فإنه لا بد لي بداية من أن أوضح موقفي وموقف تيار المستقبل بصراحة ووضوح من بعض المسائل والقضايا والمطالب التي لها صلة مباشرة بقطاع الشباب:
- نحن مع تخفيض سن الاقتراع إلى 18 سنة، مع الإشارة إلى ان تحقيق هذا الأمر يقتضي تعديل المادة 21 من الدستور.
- نحن مع إتاحة أكبر قدْر ممكن من الفرص للشباب في المشاركة في الحياة العامة والسياسية أكان ذلك في المجلس النيابي أو البلديات أو في المناصب الوزارية أو في الادارة ونحرص على أن يكون ذلك للإناث والذكور على حد سواء. باختصار نحن مع تجديد الدم في جميع المؤسسات والادارات العامة بكونهم يمثلون عنصر التجديد والتلاؤم مع مقتضيات الآتي من الايام.
- نحن مع تعزيز الحريات العامة المسؤولة وحمايتها ولكن مع التأكيد أنه لا حرية مطلقة متفلتة من المعايير والقيم الاخلاقية والقيمية. القاعدة الذهبية التي علينا جميعاً أن نحترمها هي أن حرية الفرد أو الجماعات تنتهي عندما تصل إلى حدود المسّ بحريات الآخرين.
- نحن مع التأكيد على قيم الحرية والسيادة والاستقلال وعلى احترام اتفاق الطائف والدستور والالتزام بالقانون. ونحن مع الاعتدال والانفتاح والعروبة المستنيرة. ونحن ضد التطرف والارهاب ودعوات الشحن والتشنج وإثارة النعرات العصبية والطائفية والمذهبية. ونحن مع إعلان بعبدا. ونحن مع التطبيق الفعلي والعملي لسياسة النأي بالنفس والالتزام بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الشقيقة والصديقة.
- نحن مع مبدأ البطاقة الشبابية وهو مبدأ مرحب به ونحن ككتلة نيابية مستعدون لدعمه، ولكن الفكرة ماتزال بحاجة إلى إنضاج أكثر ولاسيما بما يتعلق بتحديد أوضح لإيجاد وتدبير المصادر التمويلية المستقلة لهذه البطاقة.
- نحن مع تعزيز الرياضة في لبنان ومع إنشاء وتعزيز المؤسسات الرياضية العابرة للمناطق والطوائف والمذاهب، ومع تمكين المؤسسات الرياضية من إيجاد الموارد المالية التي تحتاجها بما يحقق استدامة عملها ونموها وتعزيز فعاليتها وزيادة عدد المنخرطين من المواطنين والشباب في الأنشطة الرياضية.
- نحن مع حق الشباب في الحصول على أفضل نوعية من التعليم في شتى المراحل التعليمية وذلك وفق أعلى واحدث معايير المعارف والاختصاصات والمناهج. ونحن لذلك مع تطوير المناهج والادوات والأساليب التعليمية التي تحفز التلامذة والطلاب على التفكير والتفكير النقدي والابداع والتميز، وبالتالي الخروج من آثار الأساليب التعليمية القديمة المرتكزة على الحفظ والنقل. ولذلك فنحن مع الاستعانة بالمعلمين والأساتذة الاكفاء ودعم تدريبهم ومتابعة دراستهم وتعلمهم وتطورهم المستمر بما يحسّن المخرجات للعملية التعليمية وبما يسهم في بناء الشخصيات الريادية للتلامذة والطلاب. كذلك فإننا مع دعم تفتح الناشئة والطلاب على فكرة التمكين الثقافي والمهني ورعاية وتنمية المهارات وتعزيز ثقافة الانتاج والانجاز والإنتاجية لدى التلامذة والطلاب.
- نحن مع حق الشباب في الحصول على فرص العمل الجديدة ولاسيما لهذا العدد المتزايد من المنضمين إلى سوق العمل سنوياً. كذلك فإننا مع تعزيز العملية التنافسية الإيجابية والصحيحة في مختلف المراحل والقطاعات والأنشطة التعليمية والادارية والإنتاجية بما يسهم في إنتاج واطلاق أفضل العناصر البشرية ويعزز من قدرتهم وإمكاناتهم على مواجهة تحديات المستقبل وليتولوا قيادة مستقبل البلاد.
أيها الإخوة والأخوات،
وحيث أني وددت أن أوضح مواقف وسياسات تيار المستقبل فيما خصّ عدد من الأمور المتعلقة بالشباب وان انتهز هذه المناسبة لأن أؤكد على بعض المسائل والقضايا والمطالب المحددة فإني أريد أن أستخدم ما تبقى لدي من الوقت المتاح وقبل ان أفتح الباب لطرح الأسئلة والمداخلات للتطرق إلى ما وصل إليه لبنان واللبنانيون وإدارة الشأن العام من مآزق وطنية وقيمية وسياسية واقتصادية واجتماعية وادارية بسبب جملة ما تعرض له لبنان على مدى العقود الخمسة الماضية من غزوات إسرائيلية وصدمات خارجية وداخلية ومن حروب ونزاعات أخرى على أرضه وممارسات غير مسؤولة أدت إلى تعريض لبنان وإنسانه واقتصاده إلى مخاطر جسيمة ودفعت في المحصلة إلى ما وصل إليه من تراجع وضمور وضياع للفرص وخلافات تعرض سلمه الأهلي وإنسانه وعمرانه للخطر الشديد. وهذه المحصلة التي آلت أمورنا إليها تتطلب منا جميعاً الارتفاع إلى مستوى المسؤولية بداية في حسن تشخصيها وكذلك في توفير الإرادة والالتزام وبذل الجهود والتضحيات من أجل العمل على احداث الاختراق اللازم للخروج من هذه المآزق والانطلاق نحو المستقبل بثقة واقتدار.
أود بداية أن أستعين بأقصوصة صغيرة ومعلومة إحصائية، الأولى وتتعلق بلقائي مع وزير مالية سنغافورة في العام 1993 عندما كنت في زيارة رسمية لتلك البلاد والذي قال لي حينها من أن حكومة سنغافورة أرسلت في مطلع الستينات بعثة إلى لبنان لدراسة تجربته للتعرف إلى كيف يسهم ذلك في أن تصبح سنغافورة لبنان الشرق الاقصى. تصوروا معي أين أصبحت سنغافورة وما آلت إليه الآن أوضاعنا نحن في لبنان من تراجع.
الثانية، أن الاحصاءات حول الاداء الاقتصادي المقارن تبين أن متوسط دخل الفرد اللبناني في العام 1974 كان ضعف ما كان عليه معدل دخل الفرد في قبرص، ونحن الآن في لبنان قد أصبح معدل دخل الفرد أقل من نصف معدل الدخل الفردي في قبرص.
تعرفون ولا شك الأوضاع التي سادت لبنان منذ بدء جولات الحرب والدمار في منتصف العام 1975، وما تعرض له بلدنا من حروب ودمار وتدهور أصاب بناه التحتية والفوقية وما تعرض له الإنسان من دمار وتراجع وخسائر على أكثر من صعيد وما أصاب الدولة اللبنانية وادارة الشأن العام فيها من هزال وانحلال خطير وكيف تدهور حال الدولة اللبنانية وما أصبحت عليه سيطرة أصحاب النفود والمصالح السياسية والحزبية والميليشياوية على الدولة وعلى مؤسساتها مما أضعف الثقة بالدولة وحياديتها وعدالتها ومرجعيتها وسلطتها ونفوذها. وأدى أيضاً إلى تراجع حقيقي في مستوى ونوعية عيش اللبنانيين وإلى تراجع مستويات النمو والتنمية فيه إلا في بعض الفترات ولاسيما أيضاً بسبب تراجع الاستثمارات اللازمة لتعزيز عمليات النمو والتنمية. ويكفي هنا الاستدلال بما وصلت إليه حال قطاع الكهرباء من تدهور وتراجع حيث ان لبنان لم يستطع وعلى مدى سبعة عشرة عاماً أن يبني أو يدخل في الخدمة ولا ميغاوات واحدة جديدة منذ العام 1998 وحتى الان، وذلك بالرغم من حاجته الماسة لذلك. والباخرتان اللتان جرى الاستعانة بهما لا يعتد بهما لأن هذه الطريقة من استيراد البواخر لا تشكل حلولاً دائمة لمشكلة الكهرباء بل يفترض بهما أن يشكلان حلولاً استثنائية وعابرة ولكن مكلفة لمواجهة ظرف طارئ.
لقد تردت الأمور خلال السنوات الماضية إلى مستويات خطيرة حيث لم يجر القيام بما يكفي من استثمارات في البنى التحتية الكفيلة بتحقيق النمو المستدام والتنمية المناطقية ولاسيما للمناطق المحرومة. وبالتالي فقد وصل لبنان إلى حدود تردت فيه كفاءة وكفاية البنى التحتية، كما تردت فيه أيضاً بناه الفوقية في أكثر من مجال نتيجة عدم القدرة على اللحاق بذلك الكمّ الكبير من التطورات العلمية والتكنولوجية والإنتاجية الجارية في العالم من حولنا. ففي الوقت الذي كان العالم من حولنا ينعم بالنتائج الايجابية لجملة من المتغيرات على أكثر من صعيد اقتصادي ومالي وتكنولوجي ظهر التراجع في لبنان جلياً ولاسيما تراجع إدارة الدولة ومؤسساتها، بحيث أصبحت الادارة العامة للدولة وللشأن العام وللمؤسسات اللبنانية العامة عاجزة عن المواكبة لهذه المتغيرات ولاسيما بعد أن أدت تلك التحولات الكبرى والبعيدة الأثر ولاسيما في قطاع الاتصالات إلى متغيرات أساسية أسهمت في كسر حواجز الزمان والمكان وحواجز الصمت والخوف ونجم عن ذلك تحولات ومعارف جديدة وثورات اجتماعية وتكنولوجية هامة وبعيدة الأثر. ولقد كان من نتيجة ذلك كله أن تراجعت لدينا جميع المؤشرات الاقتصادية والمالية والمعيشية والاجتماعية ومؤشرات ادارة الشأن العام.
ولقد ترافق مع تلك التحولات تدهور كبير على صعيد إدارة الشأنين الوطني والأمني وارتباك كبير في إدارة الشؤون العامة إدارياً ووطنياً. ولقد واكب ذلك تراجع كبير وتأثر في بروز دعوات للمزيد من التطرف والشحن الطائفي والمذهبي وإثارة النعرات والعمل المتقصد لتخريب عقول اللبنانيين بالتحول إلى التشدد والتطرف. وأصبح التطرف والتشدد لدى جهة معينة من المواطنين دافعاً لبروز أو استمرار ونمو التطرف والتشدد من جهة ثانية من المواطنين. وكل ذلك كان يتم عملياً من أجل تحوير الاهتمام لدى المواطنين ودفعهم إلى إيلاء الأولوية لقضايا ومسائل جانبية يظنها بعضهم أنها قضاياهم الأساسية وهي لم تكن بالفعل إلا قضايا جانبية وتتعارض عملياً مع التوجهات الوطنية الصحيحة. والقصد من ذلك كله تحوير توجه واهتمام اللبنانيين بعيداً عن قضاياهم الصحيحة المحقة. وعلى سبيل المثال، ذلك ما كان يدفع ببعض المسيحيين إلى الانغلاق والخوف والتقوقع وبالتالي الاستنكاف عن ممارسة دورهم الريادي في لبنان والمنطقة نحو الانفتاح والتطور. كما كان يدفع ببعض المسلمين إلى الانغلاق والتشدد والتأثر بالدعوات الضالة الاتية من الخارج خدمة لأغراض الخارج. وكل ذلك كان يؤدي إلى تضييع المواطن اللبناني وتخريب عقول اللبنانيين والحد من قدرتهم على التمييز الصحيح بين الأمور. وفي المحصلة تضييع القضايا الوطنية الاساسية. وكل ذلك أدى إلى إدخال لبنان في مآزق لم يعد من السهل الخروج منها الا بجهد وطني مثابر ومصمم.
وأستطيع ان أورد هنا مجموعة من المشكلات التي أصبح يتعرض لها اللبنانيون وتؤثر عليهم في تحديد قيمهم وأولوياتهم وتوجيهاتهم. وإني إذ أسلط على بعض من هذه المشكلات والمتغيرات التي في الحقيقة تأتي لتضيف هموماً على هموم، ومجموعة جديدة من المشاكل التي تضاف إلى المشاكل الأخرى الكثيرة المتعلقة بالمجالات الوطنية والسياسية والأمنية والاقتصادية التي تحدثنا عنها كثيراً قبل ذلك والمتمثلة بالآتي:
- استتباع الادارة اللبنانية وتسييسها ذلك مما أدى إلى انحراف الولاءات لدى العاملين في الادارة اللبنانية على مختلف مواقعهم ومراتبهم وذلك بعيداً عن الولاء المفترض للدولة اللبنانية ولتلبية حاجات ومصالح المواطنين.
- تفشي الفساد مع تراجع وانحسار الرغبة في اتباع معايير قياس الاداء والانجاز وهو ما أدى إلى انحسار الثقة بالدولة ودورها وحياديتها.
- التدهور القيمي لدى كثير من اللبنانيين في مدى الالتزام والاحترام لقواعد الجدارة والكفاءة والمحاسبة على أساس الاداء، وبالتالي عدم الالتزام بالقوانين والانقلاب عليها، ومن ثم الاستكانة إلى تفشي نظام الواسطة وازدياد القناعة لدى اللبنانيين بأن الجدارة ليس لها من ينصرها. ذلك ما أدى بالمواطن إلى الظن بأنه لا بد اذاً من العودة إلى القبول بسلطة المراجع السياسية والاحزاب السياسية والمجموعات الميليشياوية والاذعان إلى سلطتها عبر الاعتماد على الواسطة وبما يعني عملياً قبول مبدأ شراء ذمم وولاءات الناس بمال الدولة وتسخير مصالحها وتثبيط همة الجديين من العاملين في إدارات الدولة ومؤسساتها ودفعهم إلى سلوك الطريق التي يسلكها غيرهم وهي طريق الواسطة والاستزلام في كل ما يتعلق بعملهم في القطاع العام وأدائهم ليكون مركزاً على خدمة زعاماتهم السياسية.
- الابتعاد عن خوض غمار الاصلاح الحقيقي في الادارة وفي الاقتصاد مع وجود الحاجة الماسة إلى العودة إلى سلوك طريق الإصلاح لتحقيق النهوض الحقيقي على أكثر من صعيد إداري واقتصادي ومالي ومؤسساتي في لبنان. هذا مع الإشارة إلى أن التجربة قد دلت في كثير من الدول ان الإصلاح يجب أن يحصل عندما يستطيع الفرد أو المؤسسة أو الدولة القيام به وليس عندما يصبح الفرد أو تصبح المؤسسة أو الدولة مضطرة للقيام به. عندها من الطبيعي أن يصبح الاصلاح أكثر كلفة واشد إيلاماً.
- الابتعاد عن قبول مبدأ المشاركة في تحمل الأعباء بشكل عادل. ان الحال التي وصل إليها مجتمعنا أن الكل أصبح يرفض فكرة المشاركة لأنه لم يعد لديه ثقة بالدولة ولا بعدالتها وحياديتها. ومثال على ذلك ما حصل مؤخراً لجهة عدم القبول بالتوصل إلى إيجاد حل عملي وواقعي لمشكلة النفايات التي لا يمكن حلها الا بطريقة تشاركية بحيث يقبل الجميع بمشاركته في التحمل والنهوض بالأعباء والانتفاع بالمكاسب المرتجاة بطريقة عادلة.
وعلى ذلك، فإنّ هذا الاصلاح بكافة جوانبه الضرورية لتحقيق النهوض المنشود مع ما يقتضيه من معاناة يجب ان تتوزع أكلافه وأعباؤه على الجميع مع التأكيد على تطبيق أكبر قدر من العدالة في عملية التنفيذ.
- تفشي ثقافة الشطارة والتحايل بعيداً عن ثقافة الانتاج والانجاز والمبادرة والالتزام بأخلاقيات العمل والانضباط والإيمان الملتزم بمكافأة المنتج والمبدع والمبادر ومعاقبة المقصر. هذه القيم والمعايير التي تعتبر من البديهيات الواجب احترامها لضمان تحقيق اختراقات للنهوض الاقتصادي والعلمي والإداري والاجتماعي، والتي هي من أشد ما يحتاجه لبنان في هذه الآونة للعودة إلى احترام قواعد النجاح التي يلزم لتحقيقها العودة إلى قواعد الانضباط وقبول مبدأ التنافس مع احترام مبدأ إعطاء الفرص المتكافئة لجميع المواطنين، وهو ما يستلزم العودة إلى تعزيز ثقافة الانتاجية والاعتبار للكفاءة والانجاز وبالتالي بما يعزز في المحصلة تنافسية لبنان وتنافسية سلعه وخدماته على الصعيدين الاقليمي والدولي.
- تفشي نظرية القبول بمبدأ شراء ذمم وولاءات الناس بالوظائف الوهمية وتحميل المؤسسات والادارات بأعداد كبيرة من الموظفين لا تعمل GHOST WORKERSوهي سياسات تدمر حاضر الناس ومستقبلهم وإداراتهم العامة وتبدد الموارد القليلة المتاحة لكونها تؤدي في المحصلة إلى تحميل الخزينة اللبنانية وهو ما يعني تحميل جميع المواطنين كلفة هذه الممارسات والاداء السيء وغير المنتج. ولذا لا بد من العودة إلى التركيز على معايير الانتاجية والانتاج والاداء.
كيفية الخروج من هذه المآزق:
ليست عملية الخروج من هذه المآزق التي تستند إلى ثقافة ملتوية لدى الناس ووعيهم بها بالأمر السهل. ولكن صعوبة تحقيق هذا الهدف النبيل يجب ان لا يعني الاستسلام إليها، أو الوقوع في وهدة اليأس أو الاحباط، واعتبارها كقدر محتوم أو الظن من جهة ثانية ان هناك حلولاً سحرية لها أو حتى حلولاً سريعة أو سهلة.
علينا بداية أن ننجز تشخيص تلك المشكلات بشكل صحيح وملتزم وان نبادر بعدها إلى ان تتولد لدينا الارادة المصممة على خوض غمار ايجاد الحلول الصحيحة والمبادرة والمثابرة على تنفيذها وذلك يعني:
- اننا إذ نقر بالفعل انه لا توجد حلول سحرية أو وصفات سريعة فإنّ علينا ان نؤكد على اعتماد إرادة الإصلاح والتقدم على مسارات الانجاز. إنّ هذا يقتضي التقدم على مسار إعادة الاعتبار للدولة وللإنسان في لبنان. وهذا يعني استعادة دور الدولة صاحبة السلطة الحصرية على كامل أرضها واستعادة حياديتها وهيبتها، وانه لم يعد ممكناً الاستمرار في القبول والاستكانة إلى ازدواجية السلطة بين الدولة والدويلة. وفي هذا المجال نستشهد بقوله تعالى: "إنّ الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" أو "لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا".
- الاسراع في انتخاب الرئيس وإعادة تكوين المؤسسات الدستورية واستعادة الدولة لسلطتها المنفردة ومرجعيتها وحياديتها.
- الاقرار بأن النهوض مفاتيح ولا يكفي وجود مفتاح واحد لضمان النتيجة بل تضافر أدوار مجموعة من المفاتيح التي يجب استعمالها في آن واحد ويكون البدء بداية بالمفتاح الأساس وهو الإيمان والاصرار على إرادة التغيير.
- العودة إلى احترام القانون والمبادئ الدستورية وإعادة الاعتبار للدولة ومصالحتها مع المواطنين بإعادة الاعتبار للإنسان كمواطن متساو في الحقوق والواجبات مع بقية المواطنين، وهذا يعني العمل على تحقيق مصالحة الادارة مع المواطنين بتمكين المواطن من نيل حقوقه في علاقته مع الإدارة. كذلك حيث يجب ان يستمر الاعتقاد والممارسة بأن الأولوية هي لمصلحة المواطنين وليس لخدمة مصلحة البعض على مصلحة الجميع.
- إعادة الاعتبار للكفاءة والجدارة والالتزام بقواعد التنافسية الصحيحة والشفافية والإصرار على احترام قواعد الافصاح لتمكين جميع المواطنين على حقيقة ما يجري في عملية إدارة الدولة وقضايا الشأن العام.
- المحاسبة على أساس الاداء، بحيث تجري مكافأة المنتج والمبدع ومعاقبة المقصر. ويحضرني هنا ما بعث به الإمام علي لعامله مالك بن الحارث الأشتر النخعي كتوجيهات له في اداء عمله: "ولا يَكُونَنَّ الْمُحْسِنُ والْمُسِيءُ عِنْدَكَ بِمَنْزِلَةٍ سَوَاءٍ، فَإِنَّ فِي ذَلِكَ تَزْهِيداً لأَهْلِ الإحْسَانِ فِي الإحْسَانِ، وتَدْرِيباً لأَهْلِ الإسَاءَةِ عَلَى الإسَاءَةِ".
- استعادة الدور الأساس لديوان المحاسبة كمؤسسة رقابة وذلك بجعله يركز عمله على ممارسة أصول الرقابة اللاحقة على الاداء Performance Auditوهو الأسلوب الذي تمارسه معظم دواوين المحاسبة في الاكثرية الساحقة من دول العالم في بلدانها.
- التأكيد على دور المجتمع المدني ولكن مع التأكيد على مؤسسات المجتمع بضرورة والحرص على عدم الافساح لأحد ان يتسلق لسرقة أدوارها لمنفعة حزبية أو خاصة.
- استعادة الانتظام إلى المالية العامة.
- التعاون البناء مع القطاع الخاص وإطلاق حركة الاستثمار لتلبية حاجات الحاضر والمستقبل.
- الأخذ بنظرية ما لا يُدرك كلَّه لا يترك جُلَّه واعتماد نظرية إنشاء جزر التميز على أساس ان يصار أيضاً إلى العودة للتركيز على اقتصاد المعرفة الذي هو الاقتصاد الحديث وبالتالي ضرورة القيام بنهوض حقيقي في حقل التعليم والتشديد على تلاؤمه مع مقتضيات التطوير ومتطلبات التلاؤم مع الاقتصاد الحديث وعصر العالم وعالم العصر. وهناك نماذج عديدة في العالم كيف أصبح التعليم القاطرة الحقيقية للنهوض الاقتصادي والتي يمكن استلهام تجربتها التي مكنتها من تحقيق النهوض والتقدم الازدهار.
