الرئيس السنيورة : الأسد مسؤولٌ بشكلٍ واضح عن اندلاع الحرب والدمار في سورية

القى رئيس كتلة المستقبل النيابية الرئيس فؤاد السنيورة محاضرة في برلين في مقرمؤسسة كونراد ايديناور في حضور حاشد لشخصيات ومثقفين ودبلوماسييين المان واوروبيين
وفي ما يلي نص المحاضرة :
صديقي العزيز الدكتور هانز-غيرت بوترينغ،
أصحاب السعادة،
سيداتي وسادتي،
أصدقائي الأعزاء،
ترتفع جدرانٌوأسوارٌ من الأسلاك الشائكة داخل المنطقة الوحيدة المعفاة من التأشيرة، لتشككفي استدامة المشروع الكبير لاتفاقية الشنغن. تعمّ الفوضى عبر الحدود، الحدودُ نفسُها التي كانت مفتوحةً في يومٍ من الأيام والتي تقومُ الشرطة ُعبرها الآن بإطلاق الغاز المسيل للدموع على النساء والأطفال الذين هربوا لتوّهم من ويلات الحرب والدمار في سورية. في الوقت عينه، يقوم السياسيون والرأي العام بالجدال على نظام الكوتا الذي سيتم تخصيصه للاجئين، مقسِّمين القارّة مرةً أخرى إلى شرق وغرب، ومسلّطين الضوء على جروح الخلافات الأيديولوجية والتساؤلات الأخلاقية القديمة.
سيداتي وسادتي،
هذا هو بعضٌ من أثر اللاجئين الكبير على أوروبا التي تشكل ثاني أكبراقتصاد في العالم ومنارةً للحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان. وسنتناول بعض هذه الآثار التي تأتت عن حواليالمليون لاجئقد عبروا الحدود الأوروبية، ناهيك عن الآلاف الذين قد غرقوا وغيرهم من الذين ما يزالون يغرقون في محاولةٍ للوصول إلى تلك الحدود.
أدعوكم لأن تتخيلوا ما مررنا به كعرب بشكل عام وكلبنانيين بشكل خاص منذ العام 1948 عندما عصفت بنا الموجة الأولى من اللاجئين الهاربين من فلسطين بعد النكبة، ومن ثم تلتها موجاتٌ أُخرى ما لبثت أن تفاقمت في العامين 1967 و1970، حتى آخرها في الآونة الأخيرة في العام 2012، عندما هبّت علينا عاصفةٌ جديدةٌ من اللاجئين من سورية المجاورة هذه المرة.
اليوموفيما نحن مجتمعون، يستضيف لبنان- وهو بلد تبلغ مساحته حوالي عشرة آلاف كيلومتراً مربعاً، ويبلغ عدد سكانه أربعة ملايين نسمة- نحو 350 ألف لاجئٍ فلسطيني أُجبروا على مغادرة فلسطين منذ العام 1948، وحوالي مليون و200 ألف لاجئٍ هربوا من سورية إلى لبنان. هذا بالإضافة إلى أكثر من 50 ألف فلسطيني كانوا لاجئين في سورية وهربوا إلى لبنان أيضاً- فضلاً عن أكثر من 50 ألف عراقي.وهذا يعنيأنّ لبنان يستضيف حالياً عدد لاجئين يساوي 40في المئة من عدد سكانه المقيمين. وفي هذا الإطار،أعتقد أن العالم لم يشهد مثل هذه الحالة أبداً.منبين 450 ألف طفل سوري في سن المدرسة (3 إلى 16سنة)في لبنان، يرتاد فقط 170 ألف طفل منهم المدارس اللبنانيةوينقسمون ما بين دوام النهار ودوام الليل. أما العدد المتبقي من الأطفال السوريين والذين هم في عُمُر المدرسة، فلا يحصّل 280 ألفاً منهم أي نوع من التعليم. وفي هذا دمارٌ لجزءٍ من مستقبل سورية. كما أنّ لبنان يوشك أن ينهار تحتوطأة هذا العبء الثقيل.
تأتي المفارقة هنا بحيث إنه في الماضي،كانت سورية إحدى البلدان التي تستقبل اللاجئين في العالم، مستضيفةً الفلسطينيين والعراقيين وغيرهم.وكما سبق وذُكر، فإنّ بعض الذين جاءوا من سورية هم فلسطينيون أيضاً، كانوا قد نزحوا إلى مخيمات في دمشق وجوارها بعد أن شردتهم النكبة في العام 1948. إن الهروب من منزل المرء مذلّة في حد ذاتها، فكيف إذاً إذلال الفرار من مخيمٍ للاجئين إلى مخيمٍ آخَرَ للاجئين في بلدٍ آخر.
في الوقت نفسه، تستضيف تركيا مليوناً و800 ألف سوري، والأردن 700 ألف سوري، والعراق 250 ألف سوري، ومصر 130 ألف سوري، بالإضافة إلى حوالي مليون و200 ألف سوري منتشرين في جميع أنحاء العالم العربي وأوروبا وفي بلدانٍ أُخرى.
في الواقع، يعكس وضع اللاجئين هذا المآسي الإنسانية والآلام والمذلات كلّها التي ما زالت تضرب منطقتَنا منذ الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، هذا الاحتلال الذي ما يزال دون حل، والذي خلق بالتالي تسلسلاً لأحداث بما في ذلك ظهور الأنظمة الاستبدادية في المنطقة، أنظمة مسؤولة في الغالب عن عدم الاستقرار الحالي في العالم العربي.
سيداتي وسادتي،
ليس من باب المصادفة أنه من أصلستة عشر نزاعاً يشهدُها العالَمُ اليوم، يقع واحد منها في أوروبا، وثلاثةٌ في آسيا، وخمسةٌ منها في أفريقية وسبعةٌ في العالم العربي (فلسطين وسورية والعراق واليمن وليبيا والسودان والصومال).
وليس من باب المصادفة أنالمصدِّر الأول للاجئين في العالم هي دولة عربية: سورية، بعد أن أخذت مكان أفغانستان في التسلسل، واضعةً إياها في المرتبة الثانية.معأربعة ملايين و500 ألف لاجئ، وأكثر من سبعة ملايين و500 ألف نازح داخل سورية (ولا يزال العدد إلى ارتفاع)، أصبح الآن أكثر من نصف ال22 مليون شخصاً الذين كانوا يعيشون في سورية في العام 2011 خارج منازلهم.
وليس من باب المصادفة أنمن بين البلدان الست الأوائل المصدّرة للاجئين، خمسٌ منها عربية: فمن بعد سورية وأفغانستان تأتي ليبيا والعراق والصومال والسودان. وحتى الآن، لم تأخذ هذه الأرقام بعين الاعتبار الأحداث الأخيرة في اليمن المتأتية عن الزلزال الانقلابي الذي ضرب هذا الشعب المُصاب.
وليس من باب المصادفة أن نسبةاللاجئين العرب ضخمةٌ جداً نسبةً إلى عدد العرب في العالم.اسمحوا لي أن أوضح:يشكلالعرب حوالي 5 في المئة من سكان العالم. ولكن إذا أخذنا العدد الإجمالي للاجئين والنازحين في العالم، والذي يبلغ حوالي 60مليوناًحسب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR)، نجد أن 30مليوناً منهم،أي 50 في المئة من مجموع اللاجئين في العالم هم من العرب!أي أنّ 5 في المئة منسكان العالم يشكّلون 50 في المئة من اللاجئين في العالم.
تقوم تداعياتأزمة اللاجئين بتسليط الضوء على المشاكل القائمة بالفعل في العالم العربي والتي قد تتفاقم لتصبح مشاكل أكبر وأكثر خطورة في المستقبل:على سبيل المثالووفقاً لتقرير صدر مؤخراً عن منظمة اليونيسيف، من بين 34 مليون طفل في سن الدراسة في العالم العربي، حوالي 13 مليون منهم أو ما يساوي 40 في المئة لا يرتادون المدرسة بسبب الحروب التي تجتاح المنطقة. ومن بين هؤلاء الـ13 مليون، نعدّ ثلاثة ملايين ومئة ألفمنهممن السودان، ثلاثة ملايين منهم من العراق، ومليونين و900 ألف منهم من اليمن، فيما مليونين و400 ألف منهم من سورية ومليونين من الصومال.
ومن بين الـ2.4 مليون طفلسوري الذين لا يرتادون المدرسة، نصفهم لاجئون خارج سورية.
ماذا سيكونوضع هذا الجيل الضائع في خلال عشرة أو خمسة عشر عاماً من الآن؟ كيف سيكون وضعهم وكيف ستكون ظروفهم؟ كيف ستكون نظرتهم إلى العالم وكيف سيتعاملون مع ذلك؟ كيف سيجدون فُرَصَ عمل من دون الحصول على التعليم المناسب؟ إنّ العالم العربي يملك بالفعل واحداً من أعلى معدلات البطالة في العالم، وخاصة في أوساط الشباب.
في الواقع، إليكممعدلات البطالة في بعض البلدان: فلسطين 26.5٪، واليمن 40٪، وسورية 57.7٪. هذايعني أنه حالياً في سورية، يوجد 3.72 مليونشخصاً عاطل عن العمل. ما يعني أن حوالي 12.22 مليوناً أو نصف السكان يعيشون من دون مصدر للدخل.
ثميمكن للناس أن يتساءلوا من أين أتت الدولة الإسلامية في العراق والشام في خضم الجهل والعجز وخصوصاً عندما تأتي هذه المشكلات لتُضافَ إلى آثار الأنظمة الاستبدادية والتدخل الأجنبي؟ ولذلك يتساءل المرء إذا ما تمكنا من القضاء على الدولة الإسلامية في العراق والشام وغيرها من المنظمات المتشددةبالقوةاليوم ولكن تركنا المشاكل ذات الصلة في المنطقة من دون حل، ما مدى صعوبة أن يظهر تنظيم أو تنظيمات أُخرى مشابهة خلال عشر سنوات عندما يكبر هؤلاء ال،2.7 مليون ولد سوري الذين لا يرتادون المدارس، ولا يجدون فرص عمل وينضمون إلى ال3.7 مليون سوري العاطلين عن العمل؟
سيداتي وسادتي،
أدعوكم لنصبَّانتباهنا الكامل على مصدر المشكلة: إننظام الأسد في سورية مسؤول بشكل مباشر أو غير مباشر عن خلق ورعاية الدولة الإسلامية من أجل المثول على أنه البديل الوحيد الممكن لها. من أجل كسب الحرب على الدولة الإسلامية، يجب أولاً وقبل كل شيء معالجة مشاكل الأنظمة الاستبدادية ودورها في شنّ حملات الخوف والتخويف بالسجن والقتل والتهجير وممارسة الطغيان.
أعود إلىبداية حديثي، إلى ما يجري في أوروبا اليوم وإلى النقاش حول عدد اللاجئين الذين يجب أن تستقبلهم أوروبا وكيفية تقسيمهم بين الدول الأوروبية وكيفية التعامل معهم.وعلى الرغم من أنني أقدّر بحقّ ضيافة وإنسانية الأفراد الذين يهتمون، إلا أنّه لا يسعني إلا أن أنوّه بالشعب الالماني وأكنّ التقديرَ كلَّه للحكومة الألمانية التي احتضنت هذا الكمّ من اللاجئين السوريين. وأوجّه شكراً خاصاً لحضرة المستشارة أنجيلا مركل التي أظهرت شجاعة كبيرة وريادة في الزعامة والقيادة، والتي وضعت بأدائها نموذجاً في تغليب القيم الإنسانيةعلى مقتضيات السياسة المحلية، حتى أنها اتخذت أحياناً قرارات غير شعبية.بذلكأظهرت السيدة المستشارة ميركلحنكةكبيرة وفي الوقت نفسهعكست هويةألمانيا الحقيقية.
غير أنّ الكثير منالدول الغربيةالتي تملكنفوذاًعالمياً أكثرمنألمانيا، وأعني بشكل خاصالولايات المتحدة الأميركية، والتي من المفترض أنتكونالرائدة عالمياًفيإحقاق حقوقالإنسان وفي الحرية والديمقراطية، قد تهربتمن التعاملمع جذوروأسبابالمشاكلالأصلية، وتركت المجال مفتوحاً أماملاعبين آخرين لا يؤمنونبالضرورةبالقيمنفسها.
سيداتي وسادتي،
يشكل اللاجئون والمشردونأعراضاً للمشاكل ذات الصلة، تماماً مثل التطرف والإرهاب، التي تُركت تتفاعل على جمرٍ يتوقّد ومن دون أي جهد حقيقي لمعالجة جذورها وأسبابها:مشكلة فلسطينالتي لا تزال تتفاعل وتصبح أكثر تعقيداً. الى جانب ذلك،يعزز مستوىالفوضى والتفككفي هذه البلدان المشاكل السياسيةوالاجتماعية والإنسانيةالجمة التيتتعرض لهاالشعوبفيعدد من الدول العربيةمن قبل الأنظمةالعسكريةالاستبداديةفي المنطقة. لأنّها لم تعالَج، أصبحت هذه الأعراض بدورها جذور وأسباب مشاكل أخرى مثل التطرف الإسلامي، وهو عارض آخر يولّد في حد ذاته شعور الكراهية والتطرف من جهة، ويشعل مشاعر الغضب والاشتباكات بين الثقافات التي تتساءل من جهة أخرى: ما بهم العرب؟ ما به الإسلام؟ لماذا لا يمكنهم أن يندمجوا ببساطة في ما أصبح حضارة عالمية للحرية والمدنية والحقوق الفردية والانفتاح؟
سيداتي وسادتي،
تكمن المشاكل الرئيسة للعرب والمسلمين في حقيقة أنه، طوعاً أو كرهاً، قامت الإدارات السياسية الغربية بلعب دور رئيسي في التسبب لهم بالكثير من الشرور التي أدت إلى حالتهم الراهنة، وقد استقالت من موقعها الأخلاقي في وقت لاحق في مساعدة لايجاد حلول لهذه المشاكل.بدأ هذا الأمر مع القضية الفلسطينية ولم ينته لا بدعم مباشر أو غير مباشر من الأنظمة الاستبدادية في المنطقة.
اسمحوا لي أنأوضح: أنا لا أرفع المسؤولية عن العرب في ما وصل إليه الوضع الحالي. في الواقع، تقع عليهم مسؤولية كبيرة ولاسيما بسبب فشل الأنظمة المتسلطة في إدارة مسائل الشأن العام وتحديداً في الأمور السياسية والاجتماعية والاقتصادية. ولقد كنت واحداً وما أزال منالذين يناشدون المسؤولين والمتنفذين في المنطقة لمناصرة الإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فضلاً عن الإصلاحات الدينية التي تشكّل في رأيي حاجة ماسة في ما يخص طريقة فهم الإسلام وممارسته من أجل أن تؤدي إلى فهم أفضل للذات والدين وقبول الآخر. ويجب إعداد برامج جديدة لإصلاح التعليم الديني الذي يتلقاه شبابنا، ولرجال الدين الذي يجب عليهم أن يصبحوا رائدين في الدعوة إلى الانفتاح والاعتدال واحترام حقوق الإنسان وتشجيع التفكير النقدي، وهذا الأمر يشكّل تحدياّ كبيراّ بعد عقود من التبعية للمؤسسات الدينية من قبل الأنظمة العسكرية والأمنية.
ولكن التاريخ أيضاً لم ينصف العرب. فلقد أُجبر الفلسطينيون على دفع الثمن من حياتهم وحرياتهم ومستقبلهم، لأنهم ما يزالون يعانون من الاحتلال ومن الممارسات العنصرية من قبل إسرائيل في الضفة الغربية والقدس.ولقد خلق هذا الأمر مأساة فلسطين. وهذه المأساة هي جذور معظم الشرور في المنطقة. استولت الأنظمة العسكرية الاستبدادية على الأمة العربية بحجة وجود إسرائيل،متوعدين أن يستعيدوا الأرض والكرامة، ولكن انتهى بهم المطاف بفقدان الأرض والكرامة على حد سواء، مستديمين حكمهم الاستبدادي. وكثيراً ما تمّ تعزيز هذه الأنظمة ودعمها من قبل الغرب عندما أَولوا اهتمامهم الكامل لها.وعندما تدخل الغرب لتغيير النظام بالقوة، كما هو الحال مع العراق في العام 2003، ازدادت الفوضى من خلال تفكيك مؤسسات الدولة والسماح للقوات الإقليمية المعاكسة بملء الفراغ. أليس من الواضح أن الفظائع التي يشهدها العراق اليوم هي نتيجة مباشرة لتفكيك الجيش العراقي في العام 2003؟ ألم يكن تدمير مؤسسات الدولة في العراق دعوةً لإيران لبسط نفوذها في هذا البلد وعبر بلاد الشام وزعزعة استقرار المنطقة بأكملها من خلال إشعال الانقسامات الطائفية والعرقية؟
وفي العودة إلى موضوع سورية، ليس من الصعب أن نتذكر الآن أن سورية كانت واحدةً من بلدان الربيع العربي في العام 2011؟ لعدة أشهر، تظاهر الناس بشكل سلمي مطالبين بالإصلاحات، وهاتفين في شوارع دمشق وحمص وحماه ودرعا وحلب وغيرها من المناطق، هاتفين بعبارات "سلمية" و "واحد"، عبارات تعني أنّ ثورتنا سلمية والشعب السوري واحد، فقط ليتمّ استقبالهم بإطلاق النار عليهم بكل وحشية من قبل نظام الأسد، الذي حوّل بإرادته هذا الصراع إلى مواجهة عسكرية وجعل المعارضة متطرفةً من أجل المثول على أنه البديل الوحيد الممكن للتطرف. ألم يسقط الغرب في الفخ من خلال رفضه التحرك لأكثر من أربع سنوات، مدّعياً أنه لا يوجد "بديل جيد" في سورية ليقف وراءه ويدعمه؟ ألا تروّج الكثير من الأصوات في العالم الغربي الآن فكرة التعامل مع الأسد باعتباره أهون الشرين؟ ألا يقف الزعماء الغربيون غير محركين ساكناً، فيما تشنّ قوات سلاح الجو الروسي الغارات على سورية لدعم الأسد وأتباعه؟
وبالمناسبةمن الواضح أن الغالبيةالعظمى من الضربات الروسية موجّهة ضد المعارضة السورية المعتدلة بدلاً من أن توجّه إلى تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام. لاشك أنهذايؤديالىارتفاعٍ في عدد الضحايالا سيما في صفوفالمدنيينالأبرياء، وإلى خَلْق المزيد من التوتروفي نهاية المطافإلى مزيدٍ منالتطرف فيسوريةوفيالمنطقة ومحيطها.
سيداتي وسادتي،
أصدقائي الأعزاء،
لن نتمكن من تحقيق السلامالدائم والاستقرارفي لبنان والعالم العربي طالمالم تتم معالجة المشكلات ذات الصلةفي المنطقةكما يجب.وأشدد على صعيدالوضع في لبنان،إذ تظهر هذه المشكلات في معظم القضايا التي نواجههااليوم في لبنان:سواء اللاجئين(السوريين أو الفلسطينيين منهم)،أو شلل المؤسسات الدستوريةعلى مستوىرئاسة الجمهورية ومجلس النواب، والحكومة، وعجز الدولةعن بسط سيادتهاوسلطتها المنفردة على كامل الأراضياللبنانية.تقع كل هذهالقضاياالهامةبطريقةأو بأخرىفي خانة تربطلبنانبالمنطقة.
يمكنني تحديدثلاث ركائزأساسيةفيمعالجةثلاث قضايا رئيسةفيالمنطقة، والسبل التي من شأنها أن تحلّ المشاكل الوطنية كلها، سواء أكان في لبنانأوسوريةأوالعراق بما يسهم في إطلاق العنان للإمكانيات الحقيقية لهذهالمنطقةمن حيث أحداث التغير وتحقيق السلام والاستقرار والنمووالتنمية:
- قضيةالاحتلال الإسرائيلي:لا يمكن للسلام أن يحل ولا مجالللازدهار المستدامفيالمنطقةطالما تستمر إسرائيلباحتلال الأراضي، سواء في فلسطينأو سورية أولبنان. ويجب العملعلى إيجاد تسوية نهائية وعادلة للصراع العربي الإسرائيلي، على طول سنوات التفاوض، والتي تم تحديد معالمها وشروطها أيضاً في مبادرة السلام العربية في العام 2002، والتي تمنح إسرائيل السلام الكامل والتسوية الكاملة للعلاقات مع كل الدول العربية والإسلامية في مقابل الانسحاب الكامل إلى حدود ما قبل العام 1967.ويجب أن تشمل التسويةتحويل القدس إلى عاصمة لدولتين، من خلال إعلان السيادة الفلسطينية على الجانب الشرقي.وهذا سوف يساعد علىوقف التدهور الحالي والذي يجازف ببدء الصراع الإقليمي والعالمي الخطير، وربما الحروب الدينية نتيجة إرادة الاستيلاء على المسجد الأقصى.
- مسألة التنوعوالتدخل الأجنبي:صحيحٌ أنه يجب أن تقوم كل حكومة في كل دولة بالاعترافبالاختلافالعرقيوالديني والمذهبي في العالم العربي وبالعمل على احترامه واحتضانه.كماأنّه صحيحٌ أنه في خلالالسنواتالقليلة الماضيةطرأت بعض الانتهاكاتعلىمختلف مكونات تلكالمجتمعاتفيالكثير من الدول العربية،بغض النظر عنالحجم النسبي لهذه المكونات، لا سيما في العراقوسورية.ولكنهيبقى من الأصح كذلكأنالوقت قد حانللبدء فياستخلاص الدروسالصحيحة منالتاريخوهي أنه لا يمكنللدولة المدنيةإلا أن تكونَ شاملةً وعادلةً وقويةً في استنادها إلى مجتمعاتها لكي تعمل بشكل صحيح، ولكي تستطيع تبني واحتضان كلمكوناتالمجتمعات المتنوعةدونأيإقصاء أو تهميش. ويكون ذلك على أساسالمواطنة المتساوية التي تسمحلهذه المكوناتفي التعبير عنأنفسهابحريةعلى شرطاحتراموحدة وسيادة كل بلد.
من ناحية أخرى،دائماً ما شكّلتمسألةحمايةبعض مكوناتالمجتمعفي المنطقةذريعةًللتدخل الأجنبيوالتدخلفي الشؤون الداخلية لبلاد المشرق بشكل عام. في الآونة الأخيرة، استخدمت إيران أولاً قضية فلسطينوثانيةًمسألة حمايةالشيعة والزيدية والأقلياتالعلويةكذريعةللتدخلفي شؤونخمسدول عربية هي:العراق وسوريةولبنان والبحرين واليمن.
لذلكومن أجلالإسهام في تحقيقالاستقرار فيمنطقة الشرقالأوسطوفي الوقت عينهلإعدادأسسلعلاقاتودية أفضل بين العالم العربيوإيران، فإنه يجب أن يتوقفالتدخلالإيراني فيالمشرق العربي (في العراق وسورية ولبنان) وفي اليمن والبحرين، ويجب أن يسمح لهذهالبلدان بإعادة بناءدولهاومؤسساتهابعيداً عنالتدخل الأجنبي.
فيهذا الصدد، آن الأوانأن تدرك إيران أن تصدير ثورتها بنسختها الخاصة من شيعة الإسلام التي تقوم على عقيدة ولاية الفقيه إلى ما وراء الحدود الوطنية لا تساهم سوى بزعزعة استقرار المنطقة وخلق حاجة غير ضرورية للاحتكاك بين العالم العربي وإيران الذين يجمعهم الكثير من حيث التاريخ والجغرافيا والمصالح المشتركة.
- مسألة التطرف المتشدد: يجب وضعجدول أعمالعالمي- إقليميللتعاملمعمشكلةالتطرفإلى جانب احترام مبادئ ثلاثة:
أ) المبدأ الأول هو أن التطرف المتشدد ليس له علاقة بأي دين أو عرق أو عقيدة معينة. يُعرّفُالمتطرفون على أنهم أشخاص أتخذوا الدين أو الطائفة أو العرق الذي ينتمون إليه كذريعة لارتكاب جرائمهم.في الواقع، فإن الخاسر الأكبر من جرائمهم البشعة يكون غالباً الدين أو الأيديولوجية التي يزعمون أنهم يدعمونها.وهكذا، فإنَّ تحرير الدين نفسه من مخالبهم يكمن في وضع خط الهجوم الأول ضدهم بتجريدهم من السياق المنطقي لفكرهم، مما يجعل أعمالهم أعمالاً إجرامية بحتة. وعلى ذلك، فإنّ التعريف بالإسلام على سبيل المثال على أنّه ممثل بالدولة الإسلامية، لا يخدم سوى ما يسمى الدولة الإسلامية ويسمح لها بالاستفادة من ادعاءاتها الأيديولوجية، في حين أن تحرير الإسلام منها يضعفها ويحدها ويحددها على أنها عصابةٌ من الأفراد الخارجين عن القانون.
ب) المبدأ الثاني هو أن التطرف يولّد التطرف ولا يمكن إلا للاعتدال هزيمته.اسمحوا لي أن أعطي مثالاً آخر عن الدولة الإسلامية. لم يؤد استيرادالميليشياتالمدعومة من إيرانمن العراقوأفغانستانوحزب اللهللقتالضد الدولة الإسلامية إلا بجعلها أقوىإذ إنه سمحلها بحشد المزيد من المتطرفين للقتال في صفوفها.وليس مايضر تنظيم داعش بقدر ما يضره وجود المعتدلينالذين ينتمونإلى الدين أوالطائفة نفسها التيتَدّعي هذه الدولة الإسلاميةأنهاتُدافعُ عنها. تذكرواتجربةالصحوات فيالعراقالتي قاتلتتنظيم القاعدةبنجاح. مع الإقرار بأن هذا لا يغني عن الدور القيادي الذي يجب ان تضطلع به الدولة في قيادة كل مكوناتها في حربها ضد الإرهاب.
ج) المبدأ الثالث هو أن التطرف هو من الأعراض وليس سبب المشكلة. ومثل معظم الأعراض، يشكل توقيت التعامل مع الأسباب الحقيقية أمر في غاية الأهمية، حيث إنه كلما طال انتظارنا دون حل المشكلة الأصلية، كلما ازداد التعامل مع الأعراض صعوبةً وتكلفة. وهنا، يجب أن نكونَ واضحين تماماً: ليس من الممكن القضاء على التطرف إذا كنا لا نعالج المشاكل ذات الصلة التي سببت وجوده بدايةً.
إنّ الرئيس الأسد مسؤولٌ بشكلٍ واضح عن اندلاع الحرب والدمار في سورية، وحتى الآن كان مسؤولا عن مقتل أكثر من 300 ألف قتيل وأكثر من مليون جريح، فضلاً عن تشريد أكثر من 50٪ من السكان.بالإضافة إلى ذلك، يعتبر النظام مسؤولاُ عن إنشاء ورعايةالدولة الإسلاميةوبعض الجماعات المتطرفة والإرهابية الأخرى. لذلك، فأنه لا يمكن أن يكون جزءاً من مستقبل سورية إذ إن قسماً كبيراً من الشعب السوري يشعر بأنه محروم من الحق بالتصويت.خلافاً لذلك، سيواصل تنظيم الدولة جذب الناس معتمداً على تهميشهم ومظالمهم. في هذا السياق، لا يعتبر وضع هذه القضية ضمن إطار غير أخلاقي، باعتبار الخيار يجب ان يكون ما بين الاستبداد والتطرف، إلاّ عملاً خاطئاً أيضاً ويؤدي إلى نتائج عكسية. إن الأنظمة الاستبدادية هي مصدر للتطرف ولا وجود لسياسة فعالة لمكافحة التطرف إذا بقيت الأنظمة الاستبدادية مثل نظام الأسد في الحكم. يجب أن يتضمن الحل السياسي للحرب في سورية مداراة جميع مكونات المجتمع السوري، بما في ذلك الطائفة العلوية والأكراد، جنباً إلى جنب مع ممثلي المعارضة والنظام. يجب أن يدرج الجميع في تحالف واسع يمهد لخروج الأسد من الحكم ويضع سورية على مسار يتجه نحو إنشاء دولة ديمقراطية ومدنية.
وقبل أن أختتم اسمحوا لي أيضاً أن أقترح مسار عمل فوري من أجل معالجة الوضع في سورية.جميعنا يعلم ماهية الحل النهائي ولكن السؤال الكبير هو كيفية الوصول اليه.إنّ الحل المؤقتالمباشر والأكثر إلحاحاً لأزمة اللاجئين العرب وآثارها المكلفة على أوروبا هو في إيجاد منطقة آمنة في الجزء الشمالي من سورية، وهي فكرة لا يزال يتمّ تجاهلها حتى الآن من قبل الولايات المتحدة الأميركية والغرب.وهناك حاجة أيضاًلتدخل أوروبي لدعم الوساطة الدولية في ليبيا وتأمين شواطئها لوقف تدفق المهاجرين الليبيين والأفارقة إلى أوروبا.
إنّ هذين الاقتراحين يستحقان تفكيراً وتدبيراً عاجلاً، إن لم يكن من أجل الوصول إلى حل للمشكلتين في سورية وليبيا، فعلى الأقل من أجل إيقاف القتل والتهجير. أما بالنسبة لمستقبل سورية، فمن المهم جداً أن أثني على ما تأتى حتى الآن عن المؤتمر الذي عقد مؤخراً في فيينا بشأن الحفاظ على وحدة وسيادة سورية وخاصةً لأن أي بديل آخر يؤدي إلى تقسيم أو تجزئة سورية هو بالتأكيد أكثر بشاعة ويشكل كارثة أكبر على سورية وعلى المنطقة والمحيط.بالإضافة إلى ذلك، وبهدف تجنب تعزيز التطرف وعدم الاستقرار في المنطقة ومحيطها، من المهم للغاية الاستعداد للقيام بنشاط من أجل تحقيق مهمة ضخمة ألا وهي إعادة إعمار سورية سياسياً واقتصادياً واجتماعياً نظراً لأن عملية تحقيق هذه الأهداف المهمة والمترابطة في آن سوف تسمح في إيجاد أمل جديد ومستقبل جديد لسوريا الوطن وللسوريين وكذلك إلى ما يتعدى ذلك ليشمل المنطقة وما بعدها ولاسيما أوروبا.
سيداتي وسادتي، ل
م يعرف لبنان الذي هو صورة عن العالم العربي يوماً السلام الحقيقي، لذلك فإنّ إقدار الاعتدال في المنطقة العربية في الوقت الذي يتم فيه تمكينها من التقدم على مسارات التعامل بطريقة جدية وبناءة مع القضايا الأساسية التي جرى التطرق لها في كلمتي سوف تسهم في التوصل إلى تحقيق السلام والاستقرار على الأمد الطويل.
إني على ثقة بأنّ تحديات السلام هي أصعببكثير من تحديات الحرب. لكنه بالعزيمة والتصميم والمثابرة يمكن تحقيق هذه الاهداف النبيلة. وسيكون للغرب بشكل عام ولأوروبا بشكل خاص، التي برهنت الأيام أنها جارتنا القريبة وهو ما ظهر في تدفق اللاجئين إليها مؤخراً، دوراً كبيراً ليس فقط في المساعدة على إحلال السلام ولكن أيضاً في إدارته وإنجاحه.أوروباعلى يقين أيضاً أن فرص السلام أكثر وفرةً من فُرَص الحرب.فلنغتنمهامعاً.
ختاماً، أودأن أشكر مضيفينا اليوم مؤسسة كونراد أديناور، ورئيس هذه المؤسسة الدكتوربوترينغ، وكذلك الدكتوروايلرزوالسيدبيرينغير، على اهتمامهم المستمربالمنطقة وبلبنان، وأود أن أشكر بشكل خاص صديقيبيتر ريمليلنشاطه وحماسه في ما يخصالتعاونالألماني- اللبناني ولجعلهذا التفاعل المثمراليوم ممكناً.
ولكم جزيل الشكر.
