الرئيس السنيورة : انتهكت الدساتير والحريات وتراجع النمو ونصيرنا الآن مواجهة الحقيقة

-A A +A
Print Friendly and PDF
العنوان الثانوي: 
تحدث في حفل اطلاق تقرير انكسارات عربية أعدته كارنيغي في فندق الفينيسيا

 أطلق مركز كارنيغي للشرق الاوسط اليوم تقريره عن العالم العربي تحت عنوان: انكسارات عربية: مواطنون، دول وعقود اجتماعية، في فندق فينيسيا، في حضور الرئيس فؤاد السنيورة وممثلين عن منظمات الامم المتحدة في لبنان وجمعيات اهلية وعدد من الوزراء السابقين وشخصيات اكاديمية.

يحيى
بعد النشيد الوطني، تحدثت مديرة المركز مهى يحيى فقالت: منذ العام 2011، نجد انفسنا امام مشهد يتدهور بوتيرة متسارعة وينفتح على شتى الاحتمالات. لقد تخلخلت بعض الركائز الاساسية التي قامت عليها الانظمة العربية، وتحاول الان مختلف النظم جاهدة احتواء اصداء ثورات مطالبة بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.
وسألت: ما السبل للخلاص من اختناقات الحاضر، وصقل مستقبل مشرق، وحل الصراعات المذهبية التي تعصف بالمنطقة وتحز بها، بينما مجتمعاتها عالقة في دوامة من القمع والتطرف؟ ما الشكل الذي ستأخذه العقود الاجتماعية الجديدة، وما الدور الذي ستلعبه الدولة المركزية في مختلف الاقطار العربية، وهل ستنجح في بناء وتكريس اطر للمواطنة الجامعة التي تؤسس لعيش واحد بين الافراد والجماعات؟ هل سيعمم نموذج التوافق السياسي التونسي المبني على المساواة والندية بين مختلف الجماعات السياسية والذي كرم مؤخرا بجائزة نوبل للسلام، ليشمل المسار السياسي للدول التي تشهد نزاعات قاتلة كالعراق وسورية وليبيا واليمن، ام ستسود التجاذبات السياسية الحادة وعسكرة المجتمع كما في مصر، ما يشكل خطرا حقيقيا على مستقبلها؟ ام يشكل المسار اللبناني القائم على تقاسم للسلطة على اسس طائفية النموذج الذي قد يقوض المواطنة المبنية على الحقوق والواجبات، ويقونن علاقة المواطن بدولته طائفيا، وقد يصبح في المدى المتوسط رافعة لتفعيل الهويات الفرعية اكثر فأكثر، مفسحا بذلك المجال امام هيمنة الاكثرية السياسية او الجماعات العسكرية على مجتمعاتها، ولممارسات زبائنية تعيث بالارض فسادا كما حصل في العراق؟

واكدت ان لا سبيل للخلاص من آفات الحاضر، من دون تفكيك الموروثات الثقافية والسياسية البائدة وبناء مواطنة جامعة وحاضنة للتنوع، تعطي ضمانات للجميع كأفراد وليس فقط كجماعات، سواء كانوا اكثرية عددية ام سياسية، ولا سبيل لمستقبل مغاير من دون تغيير جذري في السياسة العربية يرعى التنوع المجتمعي ويعيد الاعتبار الى المواطن العربي والى قيم المواطنة الحاضنة لمفهوم التعددية سياسية كانت ام مجتمعية.
المعشر
ثم القى نائب الرئيس للدراسات في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي الدكتور مروان المعشر، فقال: نأمل من خلال دراسة وتفحص التغيرات المركبة المتداخلة التي تحدث على امتداد المشهد الانساني والسياسي والجيوسياسي، ان يقدم التقرير الى صانعي السياسات في العالم العربي وفي الاسرة الدولية الواسعة على حد سواء، فهما اكثر دقة للاسباب التي آلت الى عدم الاستقرار في المنطقة"، مشيرا الى ان الركود السياسي، والنزعة التسلطية والفساد، يرتبطون ارتباطا لا فكاك منه بالصراع والارهاب في المنطقة العربية ويمثلونه نقطة الانطلاق في هذا التقرير.

وسأل: لماذا الانتفاضات العربية، باستثناء الانتفاضة التونسية، في تحقيق الوعد بحكم افضل حالا، وتوفير الفرص الاقتصادية والتعددية السياسية؟ لماذا انتشر الصراع المحلي والاقليمي في المنطقة على نطاق واسع وبهذه الصورة الوحشية؟ وكيف ستكون مواصفات العقود الاجتماعية الاكثر تقبلا لمبدأ المساءلة بين المواطنين والدول، وكيف تستطيع البلدان العربية الافادة من رأس المال البشري؟.

واوضح ان هذا التقرير يحاول استقصاء الاسباب الكامنة وراء الاضطرابات التي تشهدها المنطقة وهو يتفحص التيارات العابرة للحدود التي تفعل فعلها افقيا وعموديا، في الميادين الانسانية والسياسية والجيوسياسية في المنطقة، اي العلاقات المتداخلة بين هذه التيارات في داخل البلدان، وفي ما بينها على حد سواء. وبصورة اكثر تحديدا، يتناول التقرير الاتي: 

- المشهد الانساني: تجارب المواطنين العرب المتغيرة في سياق الضغوط الديمغرافية والهجرة البشرية والاستقطاب السياسي والحراك الاجتماعي.

- المشهد السياسي: ازمة الحوكمة في ارجاء المنطقة، والضغوط على الانظمة الريعية، وتأثير القطاع الامني ووسائل الاعلام على السياسات العربية.

- المشهد الجيوسياسي: النظام الاقليمي الآيل الى الانهيار في سياق حافل بالعديد من الصراعات الداخلية والنزاعات بين الدول، ومضاعفات انخفاض اسعار النفط واثار التغيرات المناخية وشح الموارد المائية في المدى البعيد. 
السنيورة
ثم القى الرئيس السنيورة الكلمة الآتية: إن اختيار عنوان: انكسارات عربية لتقرير مؤسسة كارنيغي الذي نحن في صدد الإعلان عن إطلاقه هو في الحقيقة اختيار صادم يصفعنا ويهزنا ولكنه ربما يكون مناسبا لوصف وقائع ما نراه من تدهور مستمر في الأوضاع العامة في الكثير من الدول العربية في العقود الثلاثة الأخيرة.

انكسارات عربية هو تعبير عن أحوالنا ماضيا وحاضرا يتقصد إحداث ردة فعل للمواجهة ويقتضي بالتالي موقفا عربيا رافضا القبول بانكسار الإرادة العربية وفي المحصلة يكون معبرا عن إرادة الصمود والتصميم على تحقيق النهوض بشتى أشكاله.

أود بداية أن أشكر مؤسسة كارنيغي للشرق الأوسط على إعداد هذا التقرير، وأن أشكر كل من أسهم في إعداده وصياغته وإثارة الاهتمام بنتائجه وخلاصاته عسى أن يسهم ذلك في الوصول للمعالجات الصحيحة والمخارج من هذا المأزق الخطير الذي وصلت إليه أحوال الأمة.

في بداية القرن الماضي وبعد أن طمح العرب وعملوا من أجل دولة واحدة، واجه المواطنون العرب في هذه المنطقة سلسلة انكسارات متتالية أولها سقوط حلم الدولة العربية على أنقاض الامبراطورية العثمانية والذي نجم عنه تفتيت المنطقة العربية إلى كيانات وأوطان متعددة، وثانيها احتلال فلسطين وتشريد أهلها، وهي النكبة التي طبعت وشغلت وماتزال تشغل الوطن العربي حتى الآن. وعلى أنقاض تلك النكبة، أضيف انفصال الوحدة الوليدة بين مصر وسوريا وبعدهما نكسة العام 1967.

عقب ذلك، لم يستخلص العرب الدروس التي كان ينبغي أن يستخلصوها على الصعد الوطنية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية من أجل ترسيخ سياسات وممارسات جديدة ورشيدة لتحقيق إدارة فضلى للشأن العام والتي كان يفترض بها أن تسهم في تعزيز قيم احترام الإنسان العربي كمواطن بما يمهد لإقامة الحكم الرشيد وما يستتبعه ذلك من استعمال رشيد للموارد الطبيعية والمتاحة في البلدان العربية.

لقد حدثت انقلابات العسكريين في الدول غير النفطية والذين بنوا شرعية وجودهم على ما أعلنوه من إرادة: أولا في العمل على استرداد الأرض، وثانيا إعادة الاعتبار للإنسان كمواطن، وثالثا تحقيق الحريات العامة والخاصة وتعزيز المشاركة، ورابعا تحقيق التقدم الاقتصادي والاجتماعي والنمو والتنمية المستدامة، وخامسا الإسهام في مقولة ومجال الحياد الإيجابي والتطور المستقل.

لكن وخلال عدة عقود، ما استرجعت الأرض بل خسر العرب أراضي جديدة، ولا استردت الكرامة للإنسان العربي بشتى أشكالها، ولم يتحقق التقدم والمشاركة بالقدر المؤمل. فقد تعرض عدد من بلداننا العربية لنكسات ولعدة اجتياحات وانقلابات وصدامات وخلافات وفتن تميزت بالعنف، وأضعنا بذلك جملة كبيرة من القدرات والإمكانات والفرص نتيجة إساءة استعمال السلطة وسوء إدارة الحكم والشأن العام.

لقد توالت النكسات والصدمات الداخلية والخارجية العميقة التأثير في حاضر الأمة ومستقبلها، ومنها ما حصل تقريبا في عام واحد: من اجتياح سوفياتي لأفغانستان بما عناه أيضا وعمليا بعد ذلك من إطلاق لنزعات وشياطين التشدد والتطرف في المنطقة؛ وانسحاب عملي لمصر من قضايا العالم العربي بعد توقيعها لاتفاقية كامب دايفيد، والذي أحدث فراغا هائلا في المنطقة العربية؛ ووصول رجال الدين في ايران للسلطة، بما أحدثه ذلك من ممارسات باتجاه اعتماد سياسة تصدير الثورة بعد إلباسها ثوبا دينيا متشددا تحت عنوان ولاية الفقيه العابرة للحدود السياسية وبما تعنيه أيضا من تأجيج لحدة التطرف والتشدد ومن زعزعة للاستقرار في المنطقة العربية بسبب التدخلات الايرانية المتعاظمة وآثارها المتفاقمة في المنطقة العربية.

لقد تفاقم ذلك المنحى الانحداري باجتياح صدام حسين للكويت وهو ما عنى عمليا سقوط فكرة التضامن والدفاع العربي المشترك. وبعد ذلك في تلك العملية الإرهابية الجهنمية المتمثلة بأحداث الحادي عشر من أيلول عام 2001 والذي كان من تداعياته الاجتياح الاميركي لبغداد الذي فكك الدولة العراقية والجيش العراقي وأطلق العنان لانفلات الفتن الطائفية والمذهبية من عقالها، وأسهم في نمو الحركات والنزعات المتطرفة والإرهابية في المنطقة. وسواء أكان انطلاق تلك الحركات والمنظمات بسبب الاستبداد والتشدد والتعصب والتهميش والتصفية والإلغاء، أو كان انطلاقها موعزا به من أنظمة وجهات إقليمية أو دولية لا تريد الخير للمنطقة العربية. إلا أن ذلك، وفي المحصلة قد أنهى الحاجز التاريخي الذي شكله العراق الدولة والعراق الحصن الحاجز بين الداخل الآسيوي من جهة ومنطقة البحر المتوسط من جهة أخرى. كل هذا أدى الى ذلك الكم الكبير من الفتن التي لا يردعها فكر قومي منفتح ولا إيمان بسماحة وانفتاح الاسلام الحنيف ولا احترام لحقوق الانسان.

فخلال العقود الأخيرة التي كانت فيها الإخفاقات أكبر من الإنجازات، لم يتحقق التقدم والمشاركة بالقدر المؤمل ولم تتحقق الوحدة المنشودة، وحتى لم يتحقق التعاون على أساس تنمية المصالح العربية المشتركة بالقدر المطلوب. وتراجعت مستويات التعليم وأخفق العديد من المشاريع الاقتصادية، وتخلفت الصناعة بدل أن تتقدم وهجر الفلاحون الأرض نتيجة التغيرات الاجتماعية والسكانية الكبيرة ليكونوا أحزمة البؤس حول المدن العربية. 

كذلك فقد فقدنا الحكومات التمثيلية، وانتهكت الدساتير الحافظة للحريات العامة والخاصة ولحكم القانون، مع زيادة التهميش لقطاعات واسعة من المواطنين والحؤول بينهم وبين المشاركة في الحياة السياسية. كذلك فقد تمادى التراجع في جهود التنمية المناطقية وفي معدلات النمو الاقتصادي، كما ازدادت الفجوة الاقتصادية والمعيشية بين الأغنياء والفقراء، وازدادت القبضة الثقيلة للاستبداد وبالتالي تردت الأوضاع المعيشية بسبب سوء إدارة الحكم وسوء إدارة الشؤون العامة وتفشي الفساد وعدم التحسب للزيادات السكانية الكبيرة. كما تراجعت حدود المحاسبة والمساءلة على أساس الأداء بما أصبح يعكس أزمة مستحكمة بين الحكومات والمواطنين، تتمثل بانحسار الثقة بين الدولة الوطنية ومواطنيها، ويعكس ذلك التآكل المتسارع للعقود الاجتماعية والسياسية بين الحكومات الوطنية ومواطنيها. وذلك في الوقت الذي لم تعد فيه الموازنات المتضخمة والإدارات البيروقراطية المنتفخة قادرة على تلبية احتياجات التكاثر بل الانفجار السكاني. كما زادت أيضا حدة إدراك المواطنين لذلك الانحدار. هذا في الوقت الذي تعرض عدد من بلداننا العربية لنكسات ولعدة اجتياحات إسرائيلية وانقلابات وصدامات وخلافات وفتن تميزت بالعنف الشديد.

أقول هذا ولاسيما بعد أن استولى على منطقتنا العربية حال من الخواء الاستراتيجي بسبب التناثر العربي والتنازع فيما بين تلك المكونات العربية. كذلك أيضا ونتيجة للصراعات في المنطقة العربية وعليها، وانحسار الأمل في المستقبل لدى مجموعات كبيرة من المواطنين لاسيما لدى الشباب فقد صارت بعض موجات الهجرة من المواطنين في دولنا العربية المأزومة طعاما للأسماك، وصارت بلادنا عرضة للمزيد من التدخلات الخارجية الإقليمية والدولية، وأصبحنا ساحة ومادة وأدوات للتقاتل وتصفية الحسابات. كما أصبحت مدننا وبلداتنا مناطق تجارب للأسلحة الجديدة تجريها الدول الكبرى، وأيضا ضحية لخلافات أولئك الكبار وصراعاتهم. وحيث أصبح الدم العربي يسفك، وتدمر المدن ويهجر العرب على يد بعض العرب وغير العرب. كل هذا ولا من ردة فعل عربية على مستوى الجرائم الفظيعة التي ترتكب بحق بلداننا وإنساننا العربي وبحق الدين الإسلامي الذي يتعاظم الإمعان في تشويهه. كل هذا والمجتمع الدولي ساكت أو يبتسم أو يجود علينا ببعض عبارات العزاء والاستنكار التي لا توقف حربا ولا تمنع قتلا أو توقف مذبحة.

وفي المحصلة أضاع العرب جملة كبيرة من القدرات والإمكانات والفرص نتيجة إساءة استعمال السلطة وسوء إدارة الحكم وسوء إدارة الشأن العام.

الواقع أنه وخلال هذه العقود الماضية التي تعرضت فيه العديد من شعوبنا العربية للقهر الذي مارسه الاحتلال الإسرائيلي وقبله وخلاله الاحتلال الأجنبي والأنظمة الدكتاتورية المستبدة، قام عقد اجتماعي وسياسي في عدد من الدول العربية كأمر واقع- حيث إن الإرغام لا يسمى عقدا- على أن تتولى الأنظمة الديكتاتورية والشمولية التي استمرت في الحكم طوال عدة عقود تأمين الأمن والاستقرار السياسي لمواطنيها، برغم أن ذلك تم على حساب المشاركة والحريات العامة والديمقراطية. وكذلك أيضا على أن تتولى تلك الأنظمة تأمين الاستقرار الماكرو- اقتصادي ضمن الإطار العام. ولكن أيضا ويا للأسف، فإن ما تحقق من ذلك تم على حساب الإصلاحات البنيوية العميقة التي كانت تحتاجها تلك الدول العربية لتأمين نسب أعلى من النمو والتنمية الاقتصادية والاجتماعية والمناطقية. كما أن ذلك لم يترافق أيضا مع مستويات مقبولة من الإصلاحات البنيوية الضرورية لتحسين مستويات إدارة الحكم وترشيد إدارة الشأن العام بما يعزز الثقة بين الدولة والمواطنين ويعمم ثقافة الإنتاج ويرفع مستويات التمسك بقيم التنافسية الإيجابية والإنتاجية والشفافية والإفصاح والمساءلة والمحاسبة. كما تم أيضا على حساب المشاركة وعلى فرص إعادة الاعتبار للجدارة والكفاءة وجهود محاربة الفساد.

وكذلك فقد تفاقمت مستويات البطالة وحملت معها أيضا المزيد من الفساد المستشري وبالتالي المزيد من اليأس والإحباط وانسداد الأفق، وفي المحصلة القلق والغضب لدى قطاعات واسعة من المواطنين ولاسيما لدى الكثيرين من الشباب. وهذا في الوقت الذي انطلقت الثورة التكنولوجية العظمى التي كسرت حواجز الزمان والمكان، والدول والجماعات، والصمت والخوف من جانب الفئات الاجتماعية كافة.

لقد انتفضت الشعوب العربية في السنوات الأخيرة، على التمادي في العسف وتجاهل القانون واستفحال الفساد. وإذا كانت تونس لا تزال تتلمس طريقها إلى تثبيت التداول الديمقراطي للسلطة، فإن ما يجري في سوريا والعراق واليمن وليبيا من اقتتال وتدمير وتدخل لقوى اقليمية مثل إيران بشكل مباشر وعبر حزب الله وعبر ميليشيات طائفية ومذهبية من هنا ومن هناك، وكذلك من تركيا ومن دول عظمى مثل الولايات المتحدة الأميركية وروسيا، وهي استباحات غير مسبوقة في العصر الحاضر.

إن هذا التمادي في القتل والهمجية وانسداد آفاق الحلول السياسية بات ينذر بأشد الأخطار ليس فقط على هذه الدول، بل على المساحة العربية ككل.

إن إحدى المشكلات التي نجمت عن الاضطرابات والاقتتال استشراء التشدد والتطرف العنيف الذي يظهر في منظمات ذات أهداف تدفع إلى بروز حركات دينية متطرفة وعابرة للحدود والقارات بما يتعارض مع مفهوم الدولة السيادية ودولة المواطنة، وهي تتحدث باسم إسلام مدعى لا نعرفه ولا يشبه السواد الأعظم من المسلمين، وتستسهل القتل والممارسات الوحشية باسم الدين.

وبغض النظر عمن يقف وراء هذه المنظمات المسلحة والمجهزة والتي يأتيها الدعم من جهات لها مصلحة في تخريب العالم العربي، فإن أحد الأسباب العميقة لظاهرة التطرف يكمن في انكفاء الفكر النقدي وتراجع دور المثقف والانغلاق عن المشاركة في عالم العصر وعصر العالم، وفقدان التواصل مع وبين الجهات والمؤسسات الثقافية.

لقد طرأ اختلال فاضح على تجربة الدولة الوطنية في العالم العربي. إذ تفاقم انهيار عدد من الأنظمة العربية واستشرى بروز شبح التقسيم والتفتيت على أسس عنصرية وطائفية ومذهبية وحتى مناطقية. ولقد أسهم ذلك كله في انهيار التوازن الاستراتيجي بين المنطقة العربية وجوارها.

هذا كله كان يحفر عميقا في تهشيم صورة الانتماء العربي والتعاون العربي ولا سيما في ظل انكفاء كل دولة عربية على ذاتها وابتعادها عن المواكبة الفاعلة للمتغيرات البعيدة المدى في العالم من حولها، وعدم التنبه الى المخاطر الشديدة التي كانت تعصف بمنطقتنا العربية. وذلك كله كان يفاقم مشاعر القلق والإحباط واليأس وانسداد الأفق وخاصة لدى الأغلبية الشابة في مجتمعاتنا العربية وخاصة مع تفجر نزعات التطرف الديني والإرهاب الفكري واللجوء الأعمى إلى العنف من جهة وتفشي البطالة وانسداد الأفق من جهة اخرى.

لقد مر جمهورنا خلال السنوات الخمس الماضية بدروس قاسية. فشبابنا وجمهورنا أراد التغيير ويريده. لكن أحداث السنوات الماضية بعثت على مخاوف كبيرة. فقد قوبل الكثيرون من مريدي التغيير بالإقصاء والتهميش وبالعنف المفرط. وقد أدى ذلك وفي المحصلة إلى انهيار كيان الدولة في كل من سورية والعراق وليبيا واليمن والى تراجع خطير في سلطة الدولة وهيبتها في لبنان.

ولقد كان من نتيجة تلك الصدمات الخطيرة والمتلاحقة أن أصبح الجمهور العربي أمام تخوفين: الأول أن مطالب التغيير انقلبت بنتائجها إلى الضد. وفي الوقت ذاته فإن العودة للأوضاع السابقة أصبحت غير ممكنة وغير معقولة. والثاني، أن انهيار الدولة بالمطلق لا يترك بدائل للعمل عليها، وقد يقود للاستكانة وإلى تعميق حال من اليأس المؤدي إلى التطرف واستسهال اللجوء إلى العنف. ولذلك فقد أصبح على السياسيين والمثقفين والناشطين في مسائل وقضايا الشأن العام في عالمنا العربي أن يضعوا في اعتبارهم هذين الأمرين الواقعيين، وهم يحاولون التفكير بالمستقبل أو التخطيط له. حيث لا يصح ولا يجوز أن نبقى أسرى الموقف الراهن المتردي للجهتين، ولا بد من تغيير إيجابي إذا صح التعبير بتفكير جديد وبديل متنور، يصحح بوصلة توجهاتنا في العالم العربي ويعيدنا إلى التركيز على القضايا الأساسية بديلا عن الضياع في متاهات الخلافات والمناكفات التي تحرفنا عما ينبغي التأكيد عليه. وبناء على ذلك ينبغي العمل على العودة إلى التركيز على الأمور المبدئية والعملية التي تضعنا بالفعل على طريق الخروج من هذه المآزق المتكاثرة نحو المستقبل الآخر الذي تنفتح فيه الآفاق لشعوبنا العربية ولاسيما لأولئك الشباب المعتبرين بهول تلك التجارب الأليمة التي ما تزال تقودنا إلى مزيد من الانحدار.

أيها الإخوة والأخوات، في عودة بنا إلى التقرير الذي نحن بصدد إطلاقه نقرأ في مقدمته:

في غمرة البلبلة التي اكتنفت الأوضاع القديمة، يشوب الغموض الوجهة التي ستتجه إليها المنطقة. وقد لاحظ الفيلسوف الماركسي أنطونيو غرامشي في السجن في إيطاليا الفاشية في ثلاثينيات القرن الماضي أن "الأزمة تتجلى تحديدا في أن القديم آيل إلى الزوال، بينما لا يستطيع الجديد أن يولد؛ وفي فترة التريث هذه، يبرز عدد كبير من الأعراض المرضية". وهذا هو الواقع الذي يواجهه اليوم الشرق الأوسط، وهو منطقة تظل ذات أهمية حاسمة للسلام والأمن العالميين.

ويضيف: يحاول هذا التقرير استقصاء الأسباب الكامنة وراء الاضطرابات التي تشهدها المنطقة.

وهو يتفحص التيارات العابرة للحدود التي تفعل أفقيا وعموديا، في الميادين الإنسانية والسياسية والجيوسياسية في المنطقة، أي العلاقات المتداخلة بين هذه التيارات في داخل البلدان وفي ما بينها على السواء. وبصورة أكثر تحديدا فإن التحليل يتناول:
1- المشهد الإنساني- تجارب المواطنين العرب المتغيرة في سياق الضغوط الديمغرافية والهجرة البشرية، والاستقطاب السياسي، والحراك الاجتماعي.
2- المشهد السياسي- أزمة الحوكمة في أرجاء المنطقة، والضغوط على الأنظمة الريعية، وتأثير القطاع الأمني ووسائل الإعلام على السياسات العربية.
3- المشهد الجيوسياسي- النظام الإقليمي الآيل للانهيار في سياق حافل بالعديد من الصراعات الداخلية والنزاعات بين الدول، ومضاعفات انخفاض أسعار النفط، وآثار التغيرات المناخية وشح الموارد المائية في المدى المتوسط.

على خلفية هذه المتغيرات والتحولات والتي تحمل في جوانبها شتى المخاطر فإن الرد الحقيقي عليها يكمن في الصمود وفي العودة إلى الأساسيات التي تمكننا من تصويب بوصلتنا وبالتالي العودة إلى تحريك محركات النهوض العربي بما يمكننا من التعامل والنجاح في مواجهة التحديات الكبرى التي تجتاح بلداننا والتدرج نحو تحقيق نجاحات في التصدي لها.

أول هذه التحديات التي ينبغي مواجهتها هو تحدي التجديد السياسي لتجربة الدولة الوطنية المستندة إلى فكرة الدولة المدنية المعترفة بحقوق المواطنين المتساوين والجامعة للاثنيات والقوميات والاديان والمرتكزة كذلك على قواعد التكامل والاعتماد المتبادل فيما بين دولها وشعوبها..

أما التحدي الثاني، فهو التحدي الذي تشكله ضرورة استعادة إيماننا بالعروبة المستنيرة رابطة ثقافية ورابطة حضارية وثيقة، ورابطة استراتيجية تقوم على الإيمان بالمصلحة العربية. فلقد أدى انحسار هذا المفهوم للعروبة إلى أن تطفو على السطح مجموعة من المشكلات والتي يرتبط معظمها بالهويات والانتماءات الطائفية والمذهبية والعرقية أسهمت في تعميقها صدمات وممارسات داخلية عنيفة غير ديمقراطية وأخرى ناتجة عن تدخلات خارجية مخربة للفكر ومدمرة للإنسان والعمران.

لذلك لا بد ان تدب الحياة من جديد في شرايين العروبة المستنيرة استنادا الى ضرورة تعميق الروابط الحضارية والثقافية والمصالح المشتركة. إن الأمر أصبح يقتضي العودة إلى التركيز على ما يجمع بين مختلف مجتمعاتنا العربية التي تمزقها الهويات الدينية والمذهبية المختلفة والتي تعود لمعتقدات كل من تلك المجتمعات فيما يتعلق بعلاقة المواطنين مع خالقهم وطريقة وأساليب عباداتهم. لكنه ومع إدراكنا الكامل لهذه الاختلافات وبالرغم منها، فإنهم مواطنون ينتمون إلى وطن واحد من جهة، وإلى إطار عربي واحد وجامع وإلى مجموعة من المصالح المشتركة من جهة ثانية. ولذا فإنه يجب العودة إلى الارتكاز عليهما وهما اللذان يجمعان جميع مكونات المواطنين على أساس متساو في الحقوق والواجبات، لا فضل لأحد على أحد إلا بمقدار عطائه وولائه لوطنه ولانتمائه القومي.

أما التحدي الثالث، فهو التحدي الذي تطرحه فكرة التكامل. وله جانبان، أحدهما اقتصادي وتنموي وتبادلي أي أنه اعتماد متبادل. وثانيهما دفاعي في المجالات العسكرية والأمنية والاستراتيجية. كلنا نكسب من التكامل مع بعضنا بعضا ونكسب من انفتاح الأسواق، ومن السلاسة في الحركة بين الأقطار، ومن التعاون الطليق بين القطاعات الخاصة، وقطاعات الأعمال، والاستثمارات المتبادلة والاعتماد المتبادل. 

أما الجانب الدفاعي للتكامل فتبدو الحاجة الشديدة إليه اليوم والآن، بعد أن استولى علينا الخواء الاستراتيجي، وصارت موجات الهجرة في دولنا المأزومة ظاهرة مهولة ما عرف العالم مثيلا لها بعد الحرب العالمية الثانية. لقد صرنا عرضة للتدخلات الخارجية الإقليمية والدولية، وضحية لخلافات الكبار وصراعاتهم حيث يسفك الدم العربي وتدمر المدن العربية ولا من ردة فعل عربية على مستوى الجرائم الفظيعة التي ترتكب بحق بلداننا وإنساننا.

أما التحدي الرابع، فإنه تحدي الحكم الصالح والملائم لعالم العصر. إذ لا يجوز ولا يمكن أن يكون الخيار الأوحد المتاح لمجتمعاتنا العربية الوقوع في لجة ومحنة الاختيار بين الأنظمة الشمولية والأنظمة الدينية أو التي تدعي ذلك. لقد دلت تجربتنا المريرة على مدى العقود الماضية أنه كان على شعوبنا الخضوع للشمولية القاتلة أو للتطرف الديني واللذين هما بالفعل وجهان لعملة واحدة. ولقد أصبح واجبا بل ضروريا سحب هذه وتلك العملة من التداول والولوج إلى فضاء الدولة المدنية.

ولنصل إلى التحدي الخامس، وهو تحدي الإصلاح الديني. لقد صار وجه الإسلام قاتما في دياره وفي العالم، بسبب التطرف والعنف والإرهاب الذي استشرى في منطقتنا وانتشر في العالم. والدول عندنا وفي العالم تكافحه بالوسائل العسكرية. لكننا نحن العرب نمتلك القوة الناعمة التي تستطيع بالجهد والمبادرة وتصحيح المفاهيم، جلاء القتام عن وجه الإسلام، والحيلولة دون نشوء أجيال جديدة على التطرف، ومعاداة دولنا الوطنية، ونشر العنف في العالم. وذلك يقتضي العمل على تجديد الخطاب الديني والحض على العلم والتعلم والتأكيد على ثقافة العمل والإنتاج وكذلك تشجيع التفكير النقدي في مجتمعاتنا من أجل تغيير الرؤية للعالم لدى الأجيال القادمة. نعم، مؤسساتنا الدينية تحتاج هي ذاتها إلى إصلاح واستنهاض لاستعادة زمام المبادرة في وجه المتطرفين، واستعادة السكينة في الدين، وفض الاشتباك بين الدين والدولة، وإنقاذ الدين من الاستغلال السياسي، وتجديد تقاليد العيش المشترك بين المسلمين والمسيحيين، وبين السنة والشيعة.

برأيي إن مكافحة التطرف يجب أن تعتمد على ثلاث ركائز لبناء استراتيجية واضحة من اجل التصدي لها:

1) التفسير الصحيح والمستنير للإسلام
2) الحاجة إلى تعزيز ثقافة الديمقراطية وارساء قيم الانفتاح والتسامح والتعددية.
3) احترام حقوق الإنسان وقبول الآخر المختلف.

إنني اعتقد ان الاعتدال العربي والكثرة الكاثرة من المسلمين هم وحدهم القادرون على هزيمة التطرف وظاهرة الإرهاب المعولم في صفوف العرب والمسلمين ولا سيما في ظل توسع ظاهرة الاضطراب العالمي وتفشي ظواهر التطرف والعنف في سائر الانحاء.

أما التحدي السادس فهو التأكيد على أن حقوق الأفراد والحريات العامة والخاصة كما حقوق الجماعات لا يضمنها إلا الدستور الذي يلتزم الجميع بوجوب احترامه وتطبيقه.

أما التحدي السابع ففي التأكيد على وجوب خوض غمار الإصلاح المؤسسي وذلك من خلال الحض على اعتماد الفكر المؤسسي والعمل على قيام المؤسسات وتفعيل عملها وضمان قدرتها على التعاون واحترام التناغم والتكامل بين بعضها بعضا.

أما التحدي الثامن فيتمثل بضرورة أن يتلازم التقدم على مسار الإصلاح المؤسسي بالتقدم على مسار وجوب قيام السلطات القضائية والدستورية المستقلة والتي تتمتع بالكفاية والفعالية والضامنة للحقوق والواجبات.

أما التحدي التاسع، فيكمن في وجوب تلازم مسارات النمو والتنمية الاقتصادية والاجتماعية وبرامج استئصال الفقر والامية وكذلك تعزيز مستويات المشاركة مع الحرص على الاستقرار في الاقتصاد الكلي (الماكرو- اقتصادي) وكذلك الإصلاح البنيوي والمؤسساتي.

إنها سنوات صعبة وصعبة جدا، صعد فيها الإرهاب وسقط فيها الملايين من العرب صرعى وجرحى ومعوقين، وهجر الملايين أيضا عن ديارهم، وطال التدمير الإنساني والمادي اكثر من بلد عربي وطالنا نحن في لبنان في اكثر من اتجاه سياسي وامني وانساني وعمراني. وما بقيت جهة إقليمية أو دولية إلا تدخلت في شؤون بلداننا العربية وأمعنت فيها إفسادا وتدميرا.

لكن على مدى تاريخنا الماضي والحاضر لم يكن الأمل وحده وعلى أهميته الكبرى، ما كنا نحتاجه، في مواجهة المحن والأزمات. ولكن ما كان نصيرنا في الماضي وسيكون نصيرنا الآن وفي المستقبل هو الشجاعة في مواجهة الحقيقة، وفي استخلاص الدروس الصحيحة وفي العودة إلى تصويب بوصلتنا نحو ما يجب ان نقوم به وبالتالي في تزخيم تلك الإرادة الصامدة والثابتة والمثابرة في مجالاتها حتى يتم لنا ما نريد وتريده شعوبنا العربية.

لقد كنت طفلا عندما حفظت تلك الأبيات التي أنشدها شاعر الاستقلال خليل مطران في مصر ولبنان.

كسروا الأقلام هل تكسيرها يمنع الأيدي أن تنقش صخرا 
قطعوا الأيدي هل تقطيعها يمنع الأعين أن تنظر شزرا 
أطفئوا الأعين هل إطفاؤها يمنع الأنفاس أن تصعد زفرا 

لقد حدثت انكسارات في البنى الداخلية للدول نتيجة الافتقار للحكم الصالح. وحدثت انكسارات في العلاقات فيما بينها، نتيجة سيطرة العسكريين والأمنيين. وحدثت انكسارات في العلائق مع الجوار نتيجة فقد المناعة، وانحسار العمل الدفاعي المشترك. وحدثت انكسارات في العلاقة بالعالم المعاصر نتيجة الافتقار إلى المعرفة المتطورة، وإلى التعليم المتقدم للجمهور، ونتيجة إقبال الكبار والصغار على اجتياح ديارنا. ولكن تبقى لنا الإرادة القوية والجامعة. فالذين يعرفون التاريخ، يعلمون أن إرادة التحرير من الصليبيين بدأت من قلب المأساة، من حلب. وإرادة التحرير من غزوات التتار بدأت من عين جالوت في فلسطين. فبالإرادة القوية لإنساننا تحدث العجائب. والذين قتل منهم مليون عربي في سورية والعراق في خمس سنوات، وهجر منهم عشرة ملايين وأكثر، هؤلاء المعذبون سيعودون بالإيمان بأنفسهم وأمتهم وبمستقبلهم إلى صنع التاريخ من جديد. لا بد أنهم سيعودون.

خلال خمس سنوات من الآن، يغمرني يقين أن تقارير دولية وعربية ستصدر عن أمائر وأشائر للسير العربي باتجاه تحقيق النقاط التسع التي ذكرتها استجابة لتحديات الخروج من المأزق، والعودة إلى تحقيق النهوض. شكرا للدعوة. شكرا لهذه المراجعة المؤلمة ولكن الضرورية. 

تاريخ الخبر: 
20/01/2017